[ المقام ] الاول في القادر

والكلام في جواز عمله بالظن يقع في موضعين، الاول في حكمه التكليفي، والثاني في حكمه الوضعي من حيث الايمان وعدمه.
فنقول: أما حكمه التكليفي، فلا ينبغي التأمل في عدم جواز إقتصاره على العمل بالظن.
فمن ظن بنبوة نبينا محمد، صلى الله عليه وآله، أو بإمامة أحد من الائمة، صلوات الله عليهم، فلا يجوز له الاقتصار، فيجب عليه مع التفطن لهذه المسألة زيادة النظر، ويجب على العلماء أمره بزيادة النظر ليحصل له العلم إن لم يخافوا عليه الوقوع في خلاف الحق، لانه حينئذ يدخل في قسم العاجز عن تحصيل العلم بالحق، فإن بقاء‌ه على الظن بالحق أولى من رجوعه إلى الشك أو الظن بالباطل فضلا عن العلم به.
والدليل على ما ذكرنا جميع الآيات والاخبار الدالة على وجوب الايمان والتفقه والعلم والمعرفة والتصديق والاقرار والشهادة والتدين وعدم الرخصة في الجهل والشك ومتابعة الظن، وهي أكثر من أن تحصى.
وأما الموضع الثاني، فالاقوى فيه بل المتعين الحكم بعدم الايمان، للاخبار المفسرة للايمان

[282]

بالاقرار والشهادة والتدين والمعرفة وغير ذلك من العبائر الظاهرة في العلم.
وهل هو كافر مع ظنه بالحق؟ فيه وجهان، من إطلاق ما دل على أن الشاك وغير المؤمن كافر، وظاهر ما دل من الكتاب والسنة على حصر المكلف في المؤمن والكافر ومن تقييد كفر الشاك في غير واحد من الاخبار بالجحود فلا يشمل ما نحن فيه، ودلالة الاخبار المستفيضة على ثبوت الواسطة بين الكفر والايمان، وقد أطلق عليه في الاخبار الضلال، لكن أكثر الاخبار الدالة على الواسطة مختصة بالايمان بالمعنى الاخص، فيدل على أن من المسلمين من ليس بمؤمن ولا بكافر، لا على ثبوت الواسطة بين الاسلام والكفر، نعم بعضها قد يظهر منه ذلك.
وحينئذ فالشاك في شئ مما يعتبر في الايمان بالمعنى الاخص ليس بمؤمن ولا كافر، فلا يجري عليه أحكام الايمان.
وأما الشاك في شئ مما يعتبر في الاسلام بالمعنى الاعم، كالنبوة والمعاد، فإن إكتفينا في الاسلام بظاهر الشهادتين وعدم الانكار ظاهرا وإن لم يعتقد باطنا فهو مسلم، وإن إعتبرنا في الاسلام الشهادتين مع إحتمال الاعتقاد على طبقهما حتى يكون الشهادتان أمارة على الاعتقاد الباطني فلا إشكال في عدم إسلام الشاك لو علم منه الشك، فلا يجري عليه أحكام المسلمين، من جواز المناكحة والتوارث وغيرهما.
وهل يحكم بكفره ونجاسته حينئذ فيه إشكال من تقييد كفر الشاك في غير واحد من الاخبار بالجحود.
هذا كله في الظان بالحق.وأما الظان بالباطل، فالظاهر.كفره.
بقي الكلام في أنه إذا لم يكتف بالظن وحصل الجزم من تقليد، فهل يكفي ذلك أو لا بد من النظر والاستدلال؟ ظاهر الاكثر الثاني، بل إدعى عليه العلامة، قدس سره، في الباب الحادي عشر الاجماع، حيث قال: (أجمع العلماء على وجوب معرفة الله وصفاته الثبوتية وما يصح عليه وما يمتنع عنه والنبوة والامامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد).
فأن صريحه أن المعرفة بالتقليد غير كافية.ومثلها عبارة الشهيد الاول والمحقق الثاني.
وأصرح منهما عبارة المحقق في المعارج، حيث إستدل على بطلان التقليد بأنهإ جزم في غير محله.
لكن مقتضى إستدلال العضدي على منع التقليد بالاجماع على وجوب معرفة الله وأنها لا تحصل بالتقليد هو أن الكلام في التقليد الغير المفيد للمعرفة.وهو الذي يقتضيه أيضا ما ذكره شيخنا في العدة، كما سيجئ كلامه، وكلام الشهيد في

[283]

القواعد من عدم جواز التقليد في العقليات ولا في الاصول الضرورية من السمعيات ولا في غيرها مما لا يتعلق به عمل ويكون المطلوب فيها العلم، كالتفاضل بين الانبياء السابقة.
ويعضده أيضا ظاهر ما عن شيخنا البهائي في حاشية الزبده من أن النزاع في جواز التقليد وعدمه يرجع إلى النزاع في كفاية الظن وعدمها.
ويؤيده أيضا إقتران التقليد في الاصول في كلماتهم بالتقليد في الفروع، حيث يذكرون في أركان الفتوى أن المستفتي فيه هي الفروع دون الاصول.
لكن الظاهر عدم المقابلة التامة بين التقليدين، إذ لا يعتبر في التقليد في الفروع حصول الظن، فيعمل المقلد مع كونه شاكا.وهذا غير معقول في أصول الدين التي يطلب فيها الاعتقاد حتى يجري فيه الخلاف.
وكذا ليس المراد من كفاية التقليد هنا كفايته عن الواقع مخالفا كان في الواقع أو موافقا كما في الفروع، بل المراد كفاية التقليد في الحق وسوقط النظر به عنه، إلا أن يكتفي فيها بمجرد التدين ظاهرا وإن لم يعتقد.
لكنه بعيد.ثم إن ظاهر كلام الحاجبي والعضدي إختصاص الخلاف بالمسائل العقلية.
وهو في محله، بناء على ما إستظهرنا منهم، من عدم حصول الجزم من التقليد، لان الذي لا يفيد الجزم من التقليد إنما هو في العقليات المبتنية على الاستدلالات العقلية.
وأما النقليات، فالاعتماد فيها على قول المقلد، كالاعتماد على قول المخبر الذي قد يفيد الجزم بصدقه بواسطة القرائن وفي الحقيقة يخرج هذا عن القليد.
وكيف كان فالاقوى كفاية الجزم الحاصل من التقليد، لعدم الدليل على إعتبار الزائد على المعرفة والتصديق والاعتقاد، وتقييدها بطريق خاص لا دليل عليه.
مع أن الانصاف: أن النظر والاستدلال بالبراهين العقلية للشخص المتفطن لوجوب النظر في الاصول لا يفيد بنفسه الجزم، لكثرة الشبه الحادثة في النفس والمدونة في الكتب، حتى أنهم ذكروا شبها يصعب الجواب عنها للمحققين الصارفين لاعمارهم في فن الكلام، فكيف حال المشتغل به مقدارا من الزمان لاجل تصحيح عقائدة، ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه ومعاده، خصوصا، والشيطان يغتنم الفرصة لالقاء الشبهات والتشكيك في البديهيات، وقد شاهدنا جماعة قد صرفوا أعمارهم ولم يحصلوا منها شيئا إلا القليل.
* * *