المقام الثاني في غير المتمكن من العلم

والكلام فيه تارة في تحقق موضوعه في الخارج، وأخرى في أنه يجب عليه مع اليأس من العلم تحصيل الظن أم لا، وثالثة في حكمه الوضعي قبل الظن وبعده.
أما الاول، فقد يقال فيه بعدم وجود العاجز، نظرا إلى العمومات الدالة على حصر الناس في المؤمن والكافر، مع ما دل على خلود الكافرين بأجمعهم في النار، بضميمة حكم العقل بقبح عقاب الجاهل القاصر، فيكشف ذلك عن تقصير كل غير مؤمن، وأن من تراه قاصرا عاجزا عن العلم قد تمكن من تحصيل العلم بالحق ولو في زمان ما وإن صار عاجزا قبل ذلك أو بعده، والعقل لا يقبح عقاب مثل هذا الشخص.
ولهذا إدعى غير واحد في مسألة التخطئة والتصويب الاجماع على أن المخطئ في العقائد غير معذور.
لكن الذي يقتضيه الانصاف: شهادة الوجدان بقصور بعض المكلفين.
وقد تقدم عن الكليني ما يشير إلى ذلك، وسيجئ من الشيخ، قدس سره، في العدة من كون العاجز عن التحصيل بمنزلة البهائم.هذا مع ورود الاخبار المستفيضة بثبوت الواسطة بين المؤمن والكافر.
وقضيه مناظرة زرارة وغيره مع الامام، عليه السلام، في ذلك مذكورة في الكافي.
ومورد الاجماع، على أن المخطى ء آثم، هو المجتهد الباذل جهده بزعمه، فلا ينافي كون الغافل والملتفت العاجز عن بذل الجهد معذورا غير آثم.
وأما الثاني، فالظاهر فيه عدم وجوب تحصيل الظن عليه، لان المفروض عجزه عن الايمان والتصديق المأمور به، ولا دليل آخر على عدم جوازإ الوقف، وليس المقام من قبيل الفروع في وجوب العمل بالظن مع تعذر العلم، لان المقصود ولا معنى للتوقف فيه، لا بد عند إنسداد باب العلم من العمل على طبق أصل أو ظن.
والمقصود فيما نحن فيه الاعتقاد.
فإذا عجز عنه، فلا دليل على وجوب تحصيل الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا، فيندرج في عموم قولهم عليهم السلام: (إذا جاء‌كم ما لا تعلمون فها).
نعم لو رجع الجاهل بحكم هذه المسألة إلى العالم ورأى العالم منه التمكن من تحصيل الظن بالحق ولم يخف عليه إفضاء نظره الظني إلى الباطل، فلا يبعد وجوب إلزامه بالتصحيل، لان

[285]

إنكشاف الحق، ولو ظنا، أولى من البقاء على الشك فيه.
وأما الثالث، فإن لم يقر في الظاهر بما هو مناط الاسلام فالظاهر كفره، وإن أقر به مع العلم بأنه شاك باطنا فالظاهر عدم إسلامه، بناء على أن الاقرار الظاهري مشروط بإحتمال إعتقاده لما يقر به.
وفي جريان حكم الكفر عليه حينئذ إشكال: من إطلاق بعض الاخبار بكفر الشاك، ومن تقييده في غير واحد من الاخبار بالجحود.
مثل رواية محمد بن مسلم، قال: (سأل أبوبصير أبا عبدالله عليه السلام، قال: ما تقول فيمن شك في الله؟ قال: كافر، يا أبا محمد ! قال: فشك في رسول الله " ص "؟ قال: كافر.ثم إلتفت إلى زرارة، فقال: إنما يكفر إذا جحد).
وفي رواية أخرى: (لو أن الناس إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا).
ثم إن جحود الشاك يحتمل أن يراد به إظهار عدم الثبوت وإنكار التدين به، لاجل عدم الثبوت، ويحتمل أن يراد به الانكار الصوري على سبيل الجزم.
وعلى التقديرين، فظاهرها أن المقر ظاهرا، الشاك باطنا الغير المظهر لشكه، غير كافر.
ويؤيد هذا رواية زرارة الواردة في تفسير قوله تعالى: (وآخرون مرجون لامر الله)، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قوم كانوا مشركين، فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشبهاهما من المؤمنين، ثم إنهم دخلوا الاسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا الايمان بقلوبهم فيكونوا مؤمنين فيجب لهم الجنة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فيجب لهم النار، فهم على تلك الحالة، إما يعذبهم وإما يتوب عليهم).
وقريب منها غيرها.
* * *
ولنختم الكلام بذكر كلام السيد الصدر الشارح للوافية، في أقسام المقلد في أصول الدين، بناء على القول بجواز التقليد وأقسامه، بناء على عدم جوازه.
قال: (إن أقسام المقلد على القول بجواز التقليد ستة، لانه إما أن يكون مقلدا في مسألة حقة أو في باطل.
وعلى التقديرين إما أن يكون جازما بها أو ضانا.وعلى

[286]

تقديري التقليد في الباطل إما أن يكون إصراره على التقليد مبتنيا على عناد و تعصب بأن حصل له طريق علم إلى الحق فما سلكه وإما لا.فهذه أقسام ستة.
فالاول: وهو من قلد في مسألة حقة جازما بها.مثلا، قلد في وجود الصانع وصفاته وعدله، فهذا مؤمن.واستدل عليه بما تقدم حاصله.
من أن التصديق معتبر من اي طريق حصل إلى أن قال: - الثاني: من قلد في مسألة حقة ظانا بها من دون جزم، فالظاهر إجراء حكم المسلم عليه في الظاهر، إذ ليس حاله بأدون من حال المنافق، سيما إذا كان طالبا للجزم مشغولا بتحصيله فمات قبل ذلك.
أقول: هذا مبني على أن الاسلام مجرد الاقرار الصوري وإن لم يحتمل مطابقته للاعتقاد.
وفيه: ما عرفت من الاشكال وإن دل عليه غير واحد من الاخبار.
الثالث: من قلد في باطل، مثل إنكار الصانع أو شئ مما يعتبر في الايمان وجزم به من غير ظهور حق ولا عناد.
الرابع: من قلد في باطل وظن به كذلك.
والظاهر في هذين إلحاقهما بمن يقام عليه الحجة في يوم القيامة.
وأما في الدنيا فيحكم عليهما بالكفر إن إعتقدا ما يوجبه، وبالاسلام إن لم يكونا كذلك.
فالاول كمن أنكر النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، مثلا.
والثاني كمن أنكر إماما.
الخامس: من قلد في باطل جازما مع العناد.
السادس: من قلد في باطل ظانا كذلك.وهذان يحكم بكفرهما مع ظهور الحق والاصرار.ثم ذكر أقسام المقلد على القول بعدم جواز التقليد.
قال: إنه إما أن يكون مقلدا في حق أو في باطل.وعلى التقديرين مع الجزم أو الظن.وعلى تقديري التقليد في الباطل بلا عناد أو به.وعلى التقادير كلها دل عقله على الوجوب أو بين له غيره، وعلى الدلالة أصر على التقليد أو رجع ولم يحصل له كمال الاستدلال بعد أولا.
فهذه أقسام أربعة عشر.
الاول التقليد في الحق جازما مع العلم بوجوب النظر والاصرار، فهذا مؤمن

[287]

فاسق، لاصراره على ترك الواجب.
الثاني: هذه الصورة مع ترك الاصرار والرجوع، فهذا مؤمن غير فاسق الثالث: المقلد في الحق الظان مع الاصرار، والظاهر أنه مؤمن مرجى في الاخرة وفاسق، للاصرار.
الرابع: هذه الصورة مع عدم الاصرار، فهذا مسلم ظاهرا غير فاسق.
الخامس والسادس: المقلد في الحق جازما أو ظانا مع عدم العلم بوجوب الرجوع، فهذان كالسابق بلا فسق.
أقول: الحكم بإيمان هؤلاء لا يجامع مع فرض القول بعدم جواز التقليد، إلا أن يريد بهذا القول قول الشيخ، قدس سره، من وجوب النظر مستقلا، لكن ظاهره ارادة قول المشهور، فالاولى الحكم بعد إيمانهم على المشهور، كما يقتضيه إطلاق معقد إجماع العلامة في أول باب الحادي عشر، لان الايمان عندهم المعرفة الحاصلة عن الدليل لا التقليد.
ثم قال: السابع: المقلد في الباطل جازما معاندا مع العلم بوجوب النظر والاصرار عليه.
فهذا اشد الكافرين.
الثامن: هذه الصورة من غير عناد ولا إصرار، فهذا أيضا كافر.
ثم ذكرك الباقي وقال: إن حكمها يظهر مما سبق).
أقول: مقتضى هذا القول الحكم بكفرهم، لانهم، أولى به من السابقين.
* * *
بقي الكلام فيما نسب إلى الشيخ في العدة من القول بوجوب النظر مستقلا مع العفو، فلا بد من نقل عبارة العدة، فنقول: قال في باب التقليد، بعدما ذكر إستمرار السيره على التقليد في الفروع والكلام في عدم جواز التقليد في الاصول، مستدلا بأنه لا خلاف في أنه يجب على العامي معرفة الصلاة وأعدادها: (وإذا كان لا يتم ذلك إلا بعد معرفة الله ومعرفة عدله ومعرفة النبوه وجب أن لا يصح التقليد في ذلك).
ثم اعترض: بأن السيرة كما جرت له على تقدير المقلدين في الفروع كذلك

[288]

جرت على تقدير المقلدين في الاصول عدم الانكار عليهم.
فأجاب: بأن على بطلان التقليد في الاصول أدلة عقلية وشرعية من كتاب وسنة وغير ذلك، وهذا كاف في النكير.
ثم قال: إن المقلد للحق في أصول الديانات وإن كان مخطئنا في تقليده غير مؤاخذ به وأنه معفو عنه.
وإنما قلنا ذلك لمثل هذه الطريقة التي قدمناها، لاني لم أجد أحدا من الطائفة ولا من الائمة، عليهم السلام، قطع مولاة من يسمع قولهم واعتقد مثل إعتقادهم إن لم يستند ذلك إلى حجة من عقل أو شرع.
ثم اعترض: على ذلك بان ذلك لا يجوز، لانه يؤدي إلى الاغراء بما لا يأمن أن يكون جهلا.
وأجاب: يمنع ذلك، لان هذا المقلد لا يمكنه أن يعلم سقوط العقاب عنه فيستديم الاعتقاد، لانه إنما يمكنه معرفة ذلك إذا عرف الاصول وقد فرضنا أنه مقلد في ذلك كله، فكيف يكون إسقاط العقاب مغريا، وإنما يعلم ذلك غيره من العلماء الذين حصل لهم العلم بالاصول وسبروا أحوالهم أن العلماء لم يقطعوا موالاتهم ولا أنكروا عليهم، ولا يسوغ ذلك لهم إلا بعد العلم بسقوط العقاب عنهم.وذلك يخرجه من باب الاغراء.وهذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء الله.
وأقوى مما ذكرنا أنه لا يجوز التقليد في الاصول إذا كان للمقلد طريق إلى العلم به، إما على جملة أو تفصيل.
ومن ليس له قدرة على ذلك أصلا فليس بمكلف، وهو بمنزلة البهائم التي ليست مكلفة بحال)، إنتهى.
وذكر، عند الاحتجاج على حجية أخبار الآحاد، ما هو قريب من ذلك.
قال: (وأما ما يرويه قوم من المقلدة، فالصحيح الذي أعتقده أن المقلد للحق وإن كان مخطئا معفو عنه ولا أحكم فيه بحكم الفساق، فلا يلزم على هذا ترك ما نقلوه)، إنتهى.
أقول: ظاهر كلامه، قدس سره، في الاستدلال على منع التقليد بتوقف معرفة الصلاة وأعدادها على معرفة أصول الدين، أن الكلام في القلد الغير الجازم، وحينئذ فلا دليل على العفو.

[289]

وما ذكره من عدم قطع العلماء والائمة موالاتهم مع المقلدين، بعد تسليمه والغض عن إمكان كون ذلك من باب الحمل على الجزم بعقائدهم لعدم العلم بأحوالهم، لا يدل على العفو وإنما يدل على كفاية التقليد.
وإمساك النكير عليهم في ترك النظر والاستدلال إذا لم يدل على وجوبه عليهم، لما اعترف به قبل ذلك من كفاية النكير المستفاد من الادلة الواضحة على بطلان التقليد في الاصول، لم يدل على العفو من هذا الواجب المستفاد من الادلة، فلا دليل على العفو من هذا الواجب المعلوم وجوبه.
والتحقيق أن إمساك النكير لو ثبت ولم يحتمل كونه لحمل أمرهم على الصحة ولعملهم بالاصول دليل على عدم الوجوب، لان وجود الادلة لا يكفي في إمساك النكير من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كفى فيه من حيث الارشاد والدلاله على الحكم الشرعي، لكن الكلام في ثبوت التقرير وعدم إحتمال كونه لاحتمال العلم في حق المقلدين.
فالانصاف: أن المقلد الغير الجازم المتفطن لوجوب النظر عليه فاسق مؤاخذ على تركه للمعرفة الجزمية بعقائده، بل قد عرفت إحتمال كفره، لعموم أدلة كفر الشاك.
وأما الغير المتفطن لوجوب النظر لغفلته أو القاصر عن تحصيل الجزم فهو معذور في الاخرة.وفي جريان حكم الكفر إحتمال تقدم.
وأما الجازم فلا يجب عليه النظر والاستدلال وإن علم من عمومات الآيات والاخبار وجوب النظر والاستدلال، لان وجوب ذلك توصلي لاجل حصول المعرفة.
فإذا حصلت سقط وجوب تحصيلها بالنظر، اللهم إلا أن يفهم هذا الشخص منها كون النظر والاستدلال واجبا تعبديا مستقلا أو شرطا شرعيا للايمان، لكن الظاهر خلاف ذلك، فإن الظاهر كون لك من المقدمات العقلية.