الامرالاول:هل القطع حجة سواء صادف الواقع أم لم يصادف

إنه قد عرفت أن القاطع لا يحتاج في العمل بقطعه إلى أزيد من الادلة المثبتة لاحكام مقطوعه، فيجعل ذلك كبرى لصغرى قطع بها فيقطع بالنتيجة.
فإذا قطع بكون شئ خمرا وقام الدليل على كون حكم الخمر في نفسها هي الحرمة فيقطع بحرمة ذلك الشئ.
لكن الكلام في أن قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع وإن كان مخالفا للواقع في علم الله فيعاقب على مخالفته، أو أنه حجة عليه إذا صادف الواقع؟، بمعنى أنه لو شرب الخمر الواقعي عالما عوقب عليه، في مقابل من شربها جاهلا، لا أنه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا وإن لم يكن خمرا في الواقع.
ظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتفاق على الاول، كما يظهر، من دعوى جماعة الاجماع على أن ظان ضيق الوقت إذا أخر الصلاة عصى وإن إنكشف بقاء الوقت، فإن تعبيرهم بظن الضيق لبيان أدنى فردي الرجحان، فيشمل القطع بالضيق.
نعم حكي عن النهاية وشيخنا البهائي التوقف في العصيان، بل في التذكرة: (لو ظن ضيق الوقت عصى لو أخر إن إستمر الظن، وإن إنكشف خلافه فالوجه عدم العصيان)، إنتهى.
واستقرب العدم سيد مشايخنا في المفاتيح.
وكذا لا خلاف بينهم ظاهرا في أن سلوك المظنون الخطر أو مقطوعه معصية يجب إتمام الصلاة فيه ولو بعد إنكشاف عدم الضرر فيه، فتأمل.ويؤيده بناء العقلاء على الاستحقاق وحكم العقل بقبح التجري.

[9]

وقد يقرر دلالة العقل على ذلك: بأنا إذا فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا وقطع الاخر بكون مائع آخر خمرا فشرباهما، فاتفق مصادفة أحدهما للواقع ومخالفة الاخر، فإما أن يستحقا العقاب، أو لا يستحقه أحدهما، أو يستحقه من صادف قطعه الواقع دون الاخر، أو العكس.
لا سبيل إلى الثاني والرابع، والثالث مستلزم لاناطة إستحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار، وهو مناف لما يقتضيه العدل، فتعين الاول.ويمكن الخدشة في الكل.
أما الاجماع، فالمحصل منه غير حاصل، والمسألة عقلية، خصوصا مع مخالفة غير واحد، كما عرفت من النهاية وستعرف من قواعد الشهيد، قدس سره، والمنقول منه ليس حجة في المقام.
وأما بناء العقلاء، فلو سلم فإنما على مذمة الشخص من حيث أن هذا الفعل يكشف عن وجود صفة الشقاوة فيه، لا على نفس فعله، كمن إنكشف لهم من حاله أنه بحيث لو قدر على قتل سيده لقتله، فإن المذمة على المنكشف، لا الكاشف.
ومن هنا يظهر الجواب على قبح التجري، فإنه لكشف ما تجري به عن خبث الفاعل لكونه جريئا عازما على العصيان والتمرد، لا عن كون الفعل مبغوضا للمولى.
والحاصل: أن الكلام في كون هذا الفعل الغير المنهي عنه واقعا، مبغوضا للمولى من حيث تعلق إعتقاد المكلف بكونه مبغوضا، لا في أن هذا الفعل المنهى عنه باعتقاد ينبئ عن سوء سريرة العبد مع سيده وكونه جريئا في مقام الطغيان والمعصية وعازما عليه، فإن هذا غير منكر في هذا المقام، كما سيجئ، ولكن لا يجدي في كون الفعل محرما شرعيا، لان إستحقاق المذمة على ما كشف عنه الفعل لا يوجب إستحقاقه على نفس الفعل، ومن المعلوم أن الحكم العقلي بإستحقاق الذم إنما يلازم إستحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل، لا بالفاعل.
وأما ما ذكر من الدليل العقلي فنلتزم بإستحقاق من صادف قطعه الواقع، لانه عصى إختيارا، دون من لم يصادف.
قولك: (إن التفاوت بالاستحقاق والعدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار)، ممنوع، فإن العقاب بما لا يرجع بالاخرة إلى الاختيار قبيح، إلا أن عدم العقاب لامر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم.
كما يشهد به الاخبار الواردة في أن: (من سن سنة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها).

[10]

فإذا فرضنا ان شخصين سنا سنة حسنة أو سيئة، واتفق كثرة العامل بأحدهما وقلة العامل بما سنه الاخر، فإن مقتضى الروايات كون ثواب الاول أو عقابه أعظم، وقد إشتهر: (أن للمصيب أجرين وللمخطئ أجرا واحدا).
والاخبار في أمثال ذلك في طرفي الثواب والعقاب بحد التواتر.
فالظاهر أن العقل إنما يحكم بتساويهما في إستحقاق المذمة من حيث شقاوة الفاعل وخبث سريرته مع المولى، لا في إستحقاق المذمة على الفعل المقطوع بكونه معصية.
وربما يؤيد ذلك أنا نجد من أنفسنا الفرق في مرتبة العقاب بين من صادف فعله الواقع و بين من لم يصادف.
إلا أن يقال: إن ذلك إنما هو في المبغوضات العقلائية من حيث أن زيادة العقاب من المولى وتأكد الذم من العقلاء بالنسبة إلى من صادف إعتقاده الواقع لاجل التشفي المستحيل في حق الحكيم تعالى، فتأمل، هذا.
وقد يظهر من بعض المعاصرين: (التفصيل في صورة القطع بتحريم شئ غير محرم واقعا، فرجح إستحقاق العقاب بفعله، إلا أن يعتقد تحريم واجب غير مشروط بقصد القربة، فإنه لا يبعد عدم إستحقاق العقاب عليه مطلقا أو في بعض الموارد نظرا إلى معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية، فإن قبح التجري عندنا ليس ذاتيا، بل يختلف بالوجوه والاعتبارات.
فمن إشتبه عليه مؤمن ورع بكافر واجب القتل، فحسب أنه ذلك الكافر و تجرى فلم يقتله، فإنه لا يستحق الذم على هذا الفعل عقلا عند من إنكشف له الواقع، وإن كان معذورا لو فعل.
وأظهر من ذلك ما لو جزم بوجوب قتل نبي أو وصي فتجرى ولم يقتله.
ألا ترى أن المولى الحكيم إذا أمر عبده بقتل عدو له فصادف العبد إبنه وزعمه ذلك العدو فتجرى ولم يقتله، أن المولى إذا إطلع على حاله لا يذمه على هذا التجري بل يرضى به، وإن كان معذورا لو فعل.
وكذا لو نصب له طريقا غير القطع إلى معرفة عدوه، فأدى الطريق إلى تعيين إبنه فتجرى ولم يفعل.
وهذا الاحتمال حيث يتحقق عند المتجري لا يجديه إن لم يصادف الواقع، ولذا يلزمه العقل بالعمل بالطريق المنصوب، لما فيه من القطع بالسلامة من العقاب.بخلاف ما لو ترك العمل به، فإن المظنون فيه عدمها.

[11]

ومن هنا يظهر أن التجري على الحرام في المكروهات الواقعية أشد منه في مباحاتها، وهو فيها أشد منه في مندوباتها، ويختلف بإختلافها ضعفا وشدة كالمكروهات.
ويمكن أن يراعى في الواجبات الواقعية ما هو الاقوى من جهاته وجهات التجري) إنتهى كلامه رفع مقامه.
أقول: يرد عليه، أولا، منع ما ذكره من عدم كون قبح التجري ذاتيا، لان التجري على المولى قبيح ذاتا، سواء كان لنفس الفعل ولكشفه عن كونه جريئا [ كالظلم، بل هو قسم من الظلم ]، فيمتنع عروض الصفة المحسنة، وفي مقابله الانقياد لله سبحانه، فإنه يمتنع أن يعرض له جهة مقبحة.
وثانيا، أنه لو سلم أنه لا إمتناع في أن يعرض له جهة محسنة، لكنه باق على قبحه ما لم يعرض له تلك الجهة، وليس مما لا يعرض في نفسه حسن ولا قبح إلا بملاحظة ما يتحقق في ضمنه.
و بعبارة أخرى: لو سلمنا عدم كونه علة تامة للقبح، كالظلم، فلا شك في كونه مقتضيا له، كالكذب، وليس من قبيل الافعال التي لا يدرك العقل بملاحظتها في أنفسها حسنها ولا قبحها.
وحينئذ فيتوقف إرتفاع قبحه على إنضمام جهة يتدارك بها قبحه، كالكذب المتضمن لانجاء نبي.
ومن المعلوم أن ترك قتل المؤمن - بوصف أنه مؤمن في المثال الذي ذكره كفعله ليس من الامور التي تتصف بحسن أو قبح، للجهل بكونه قتل مؤمن.ولذا إعترف في كلامه بأنه لو قتله كان معذورا.
فإذا لم يكن هذا الفعل الذي تحقق التجري في ضمنه مما يتصف بحس أو قبح، لم يؤثر في إقتضاء ما يقتضي القبح، كما لا يؤثر في إقتضاء ما يقتضي الحسن لو فرض أمره بقتل كافر فقتل مؤمنا معتقدا كفره، فإنه لا إشكال في مدحه من حيث الانقياد وعدم مزاحمة حسنه بكونه في الواقع قتل مؤمن.
ودعوى: (أن الفعل الذي يتحقق به التجري وإن لم يتصف في نفسه بحسن ولا قبح لكونه مجهول العنوان، لكنه لا يمتنع أن يؤثر في قبح ما يقتضي القبح بأن يرفعه، إلا أن نقول بعدم مدخلية الامور الخارجة عن القدرة في إستحقاق المدح والذم، وهو محل نظر بل منع.
وعليه يمكن إبتناء منع الدليل العقلي السابق في قبح التجري)، مدفوعة - مضافا إلى الفرق بين ما نحن فيه وبين ما تقدم

[12]

من الدليل العقلي، كما لا يخفى على المتأمل بأن العقل مستقل بقبح التجري في المثال المذكور.
و مجرد تحقق ترك قتل المؤمن في ضمنه، مع الاعتراف بأن ترك القتل لايتصف بحسن لا قبح، لا يرفع قبحه، ولذا يحكم العقل بقبح الكذب وضرب اليتيم إذا إنضم إليهما ما يصرفهما إلى المصلحة إذا جهل الفاعل بذلك.
ثم إنه ذكر هذا القائل في بعض كلماته: (أن التجري إذا صادف المعصية الواقعية تداخل عقابهما).
ولم يعلم معنى محصل لهذا الكلام، إذ مع كون التجري عنوانا مستقلا في إستحقاق العقاب لا وجه للتداخل إن أريد به وحدة العقاب، فإنه ترجيح بلا مرجح.
وسيجئ في الرواية أن على الراضي إثما وعلى الداخل إثمين، وإن أريد به عقاب زائد على عقاب محض التجري، فهذا ليس تداخلا، لن كل فعل إجتمع فيه عنوانان من القبح يزيد عقابه على ما كان فيه أحدهما.
* * *
والتحقيق أنه لا فرق في قبح التجري بين موارده وأن المتجري لا إشكال في إستحقاقه الذم من جهة إنكشاف خبث باطنه وسوء سريرته بذلك.
وأما إستحقاقه للذم من حيث الفعل المتجرى في ضمنه، ففيه إشكال، كما إعترف به الشهيد، قدس سره، فيما يأتي من كلامه.
نعم لو كان التجري على المعصية بالقصد إلى المعصية، فالمصرح به في الاخبار الكثيرة العفو عنه، وإن كان يظهر من أخبار أخر العقاب على القصد أيضا: مثل قوله صلى الله عليه وآله: (نية الكافر شر من عمله)، وقوله: (إنما يحشر الناس على نياتهم).
وما ورد من تعليل خلود أهل النار في النار وخلود أهل الجنة في الجنة بعزم كل من الطائفتين على الثبات على ما كان عليه من المعصية والطاعة لو خلدوا في الدنيا.
وماورد من: (أنه إذا إلتقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار.
قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول، قال: لانه أراد قتل صاحبه) ومنا ورد في العقاب على فعل بعض المقدمات بقصد ترتب الحرام، كغارس الخمر والماشي

[13]

لسعاية مؤمن.
وفحوى ما دل على أن الرضا بفعل كالفعل، مثل قوله عليه السلام: (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى الداخل إثمان إثم الرضا وإثم الدخول) ويؤيده قوله تعالى: (إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله).
وما ورد أن: (من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعل).
وما ورد في تفسير قوله تعالى: (فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين)، من أن نسبة القتل إلى المخاطبين مع تأخرهم عن القائلين بكثير لرضاهم بفعلهم.
ويؤيده قوله تعالى: (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)، وقوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم).
ويمكن حمل الاخبار الاول على من إرتدع عن قصده بنفسه، وحمل الاخبار الاخيرة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره.
أو يحمل الاول على من إكتفى بمجرد القصد، والثانية على من إشتغل بعد القصد ببعض المقدمات، كما يشهد له حرمة الاعانة على المحرم، حيث عممه بعض الاساطين لاعانة نفسه على الحرام، ولعله لتنقيح المناط، لا للدلالة اللفظية.
* * *
وقد علم مما ذكرنا أن التجري على أقسام يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلتها.
أحدها مجرد القصد إلى المعصية، والثاني القصد مع الاشتغال بمقدماته، والثالث القصد مع التلبس بما يعتقد كونه معصية، والرابع التلبس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقق المعصية به، والخامس التلبس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام، والسادس التلبس به رجاء أن لا يكون معصية وخوف أن يكون معصية.
ويشترط في صدق التجري في الثلاثة الاخيرة عدم كون الجهل عقليا أو شرعيا، كما في الشبهة المحصورة الوجوبية أو التحريمية، وإلا لم يتحقق إحتمال المعصية وإن تحقق إحتمال المخالفة للحكم الواقعي، كما في موارد أصالة البراء‌ة وإستصحابها.
ثم إن الاقسام الستة كلها مشتركة في إستحقاق الفاعل للمذمة من حيث خبث ذاته وجرأته

[14]

وسوء سريرته، وإنما الكلام في تحقق العصيان بالفعل المتحقق في ضمنه التجري.
وعليك بالتأمل في كل من الاقسام.
قال الشهيد، رحمه الله، في القواعد: (لا يؤثر نية المعصية عقابا ولا ذما ما لم يتلبس بها.
وهو مما ثبت في الاخبار العفو عنه.
ولو نوى المعصية وتلبس بما يراه معصية فظهر خلافها، ففي تأثير هذه النية نظر، من أنها لما لم تصادف المعصية صارت كنية مجردة وهي غير مؤاخذ بها، ومن دلالتها على إنتهاك الحرمة وجرأته على المعاصي.
وقد ذكر بعض الاصحاب أنه لو شرب المباح تشبها بشرب السكر فعل حراما.
ولعله ليس لمجرد النية، بل بإنضمام فعل الجوارح.
ويتصور محل النظر في صور: منها: ما لو وجد إمرأة في منزل غيره، فظنها أجنبية فأصبها، فبان أنها زوجته أو أمته.
ومنها: ما لو وطئ زوجته بظن أنها حائض فبانت طاهرة.
ومنها: لو هجم على طعام بيد غيره فأكله، فتبين أنه ملكه.
ومنها: لو ذبح شاة بظنها للغير بقصد العدوان، فظهرت ملكه.
ومنها: ما إذا قتل نفسا بظن أنها معصومة، فبانت مهدورة.
وقد قال بعض العامة: (نحكم بفسق المتعاطي ذلك، لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي، ويعاقب في الاخرة ما لم يتب عقابا متوسطا بين الصغيرة والكبيرة).
وكلاهما تحكم وتخرص على الغيب)، إنتهى.