المقام الاول: الجبر بالظن الغير المعتبر
فنقول: عدم إعتباره إما أن يكون من جهة ورود النهي عنه بالخصوص كالقياس ونحوه، وإما من جهة دخوله تحت عمومات أصالة حرمة العمل بالظن.
وأما الاول، فلا ينبغي التأمل في عدم كونه مفيدا للجبر، لعموم ما دل على عدم جواز الاعتناء به وإستعماله في الدين.
وأما الثاني، فالاصل فيه وإن كان ذلك إلا أن الظاهر أنه إذا كان المجبور محتاجا إليه من جهة إفادته للظن بالمضمون كالخبر إذا قلنا بكونه حجة بالخصوص لوصف كونه مظنون الصدور، فأفاد تلك الامارة الغير المعتبرة الظن بصدور ذلك الخبر إنجبر قصور سنده به.
إلا أن يدعى أن الظاهر إشتراط حجية ذلك الخبر بإفادته للظن بالصدور، لا مجرد كونه مظنون الصدور ولو حصل الظن
[291]
بصدوره من غير سنده.وبالجملة فالمتبع هو ما يفهم من دليل حجية المجبور.
ومن هنا لا ينبغي التأمل في عدم إنجبار قصور الدلالة بالظن المطلق، لان المعتبر في باب الدلالات هو ظهور الالفاظ نوعا في مدلولاتها، لا مجرد الظن بمطابقة مدلولها للواقع ولو من الخارج.
فالكلام إن كان ظاهرا في معنى بنفسه أو بالقرائن الداخلة فهو، وإلا - بأن كان مجملا أو كان دلالته في الاصل ضعيفة، كدلالة الكلام بمفهومه الوصفي - فلا يجدي الظن بمراد الشارع من أمارة خارجية غير معتبرة بالفرض، إذ التعويل حينئذ على ذلك الظن من غير.مدخلية للكلام، بل ربما لا تكون تلك الامارة موجبة للظن بمراد الشارع من هذا الكلام.
غايته إفادته للظن بالحكم الفرعي، ولا ملازمة بينه وبين الظن بإرادته من اللفظ، فقد لا يريده بذلك اللفظ.
نعم قد يعلم من الخارج كون المراد هو الحكم الواقعي.فالظن به يستلزم الظن بالمراد، لكن هذا من باب الاتفاق.
ومما ذكرنا ظهر أن ما إشتهر - من أن ضعف الدلالة منجبر بعمل الاصحاب - غير معلوم المستند، بل وكذلك دعوى إنجبار قصور الدلالة بفهم الاصحاب لم يعلم لها بينة.
والفرق أن فهم الاصحاب وتمسكهم به كاشف ظني عن قرينة على المراد، بخلاف عمل الاصحاب، فإن غايته الكشف عن الحكم الواقعي الذي قد عرفت أنه لا يستلزم كونه مرادا من ذلك اللفظ، كما عرفت.
بقي الكلام في مستند المشهور في كون الشهرة في الفتوى جابرة لضعف سند الخبر.
فإنه إن كان من جهة إفادتها الظن بصدق الخبر، ففيه - مع أنه قد لا يوجب الظن بصدور ذلك الخبر، نعم يوجب الظن بصدور حكم عن الشارع مطابق لمضمون الخبر -: أن جلهم لا يقولون بحجية الخبر المظنون الصدور مطلقا، فإن المحكي عن المشهور إعتبار الايمان في الراوي، مع أنه لا يرتاب في إفادة الموثق للظن.
فإن قيل: إن ذلك لخروج خبر غير الامامي بالدليل الخاص، مثل منطوق آية النبأ، ومثل قوله عليه السلام: (لا تأخذن معالم دينك من غير شيعتنا).
قلنا: إن كان ما خرج بحكم الاية والرواية مختصا بما لا يفيد الظن فلا يشمل الموثق، وإن كان عاما لما ظن بصدوره كان خبر غير الامامي المنجبر بالشهرة والموثق متساويين في الدخول تحت الدليل المخرج.
ومثل الموثق خبر الفاسق المتحرز عن الكذب والخبر المعتضد بالاولوية والاستقراء
[292]
وسائر الامارات الظنية، مع أن المشهور لا يقولون بذلك، وإن كان لقيام دليل خاص عليه، ففيه المنع من وجود هذا الدليل.
وبالجملة، فالفرق بين الضعيف المنجبر بالشهرة والمنجبر بغيرها من الامارات وبين الخبر الموثق المفيد لمثل الظن الحاصل من الضعيف المنجبر في غاية الاشكال، خصوصا مع عدم العلم بإستناد المشهور إلى تلك الرواية.
وإليه أشار شيخنا في موضع من المسالك بأن جبر الضعيف بالشهرة ضعيف مجبور بالشهرة.
وربما يدعى كون الخبر الضعيف المنجبر من الظنون الخاصة حيث أدعي الاجماع على حجيته ولم يثبت.
وأشكل من ذلك دعوى دلالة منطوق آية النبأ عليه، بناء على أن التبين يعم الظن الحاصل من ذهاب المشهور إلى مضمون الخبر.
وهو بعيد، إذ لو أريد مطلق الظن فلا يخفى بعده، لان المنهي عنه ليس إلا خبر الفاسق المفيد للظن، إذ لا يعمل أحد بالخبر المشكوك صدقه.
وإن أريد البالغ حد الاطمينان فله وجه، غير أنه يقتضي دخول سائر الظنون الجابرة إذا بلغت ولو بضميمة المجبور حد الاطمينان ولا يختص بالشهرة.فالاية تدل على حجية الخبر المفيد للوثوق والاطمينان، ولا بعد فيه.
وقد مر في أدلة الاخبار ما يؤيده أو يدل عليه من حكايات الاجماع والاخبار.
وأبعد من الكل دعوى إستفادة حجيته مما دل من الاخبار، كمقبولة إبن حنظلة والمرفوعة إلى زرارة، على الامر بالاخذ بما إشتهر بين الاصحاب من المتعارضين.
فإن ترجيحه على غيره في مقام التعارض يوجب حجيته في مقام عدم المعارض بالاجماع والاولوية.
وتوضيح فساد ذلك أن الظاهر من الروايتين شهرة الخبر من حيث الرواية.
كما يدل عليه قول السائل فيما بعد ذلك: (فإنهما معا مشهوران)، مع أن ذكر الشهرة من المرجحات يدل على كون الخبرين في أنفسهما معتبرين مع قطع النظر عن الشهرة.