القسم الاول: وهو الظن الذي ورد النهي عنه بالخصوص

أما الاول، فالظاهر من أصحابنا عدم الترجيح به.
نعم يظهر من المعارج وجود القول به بين أصحابنا، حيث قال في باب القياس: (ذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا وكان القياس موافقا لما تضمنه أحدهما، كان ذلك وجها يقتضى ترجيح ذلك الخبر على معارضه.
ويمكن أن يحتج لذلك بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما ولا طرحهما، فتعين العمل بأحدهما.
وإذا كان التقدير تقدير التعارض، فلا بد في العمل باحدهما من مرجح، والقياس يصلح أن يكون مرجحا لحصول الظن به، فتعين العمل بما طابقه.
لا يقال: أجمعنا على أن القياس مطروح في الشريعة.
لانا نقول: بمعنى أنه ليس بدليل على الحكم، لا بمعنى أنه لا يكون مرجحا لاحد الخبرين على الآخر.
وهذا لان فائدة كونه مرجحا كونه رافعا للعمل بالخبر المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض، فيكون العمل به، لا بذلك القياس، وفيه نظر)، إنتهى.
ومال إلى ذلك بعض سادة مشايخنا المعاصرين، قدست أسرارهم، بعض الميل والحق خلافه، لان رفع الخبر المرجوح بالقياس عمل به حقيقة، فإنه لولا القياس كان العمل به جائزا.
والمقصود تحريم العمل به، لاجل القياس، وأي عمل أعظم من هذا.والفرق بين المرجح

[297]

والدليل ليس إلا أن الدليل مقتض لتعين العمل به والمرجح رافع للمزاحم عنه.
فلكل منهما مدخل في العلة التامة لتعين العمل به.
فإذا كان إستعمال القياس محظورا وأنه لا يعبأ به في الشرعيات كان وجوده كعدمه غير مؤثر، مع أن مقتضى الاستناد في الترجيح به إلى إفادته للظن كونه من قبيل الجزء لمقتضي تعيين العمل، لا من قبيل دفع المزاحم، فيشترك مع الدليل المنضم إليه في الاقتضاء.هذا كله على مذهب غير القائلين بمطلق الظن.
وأما على مذهبهم: فيكون القياس تمام المقتضى بناء على كون الحجة عندهم الظن الفعلي، لان الخبر المنضم إليه ليس له مدخل في حصول الظن الفعلي بمضمونه.نعم قد يكون الظن مستندا إليهما فيصير من قبيل جزء المتقضي.
ويؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه إستمرار سيرة أصحابنا الامامية، رضوان الله عليهم، في الاستنباط على هجره وترك الاعتناء بما حصل لهم من الظن القياسي أحيانا، فضلا عن أن يتوقفوا في التخيير بين الخبرين المعارضين مع عدم مرحج آخر أو الترجيح بمرجح موجود إلى أن يبحثوا عن القياس.
كيف ولو كان كذلك لاحتاجوا إلى عنوان مباحث القياس والبحث فيه بما يقتضي البحث عنها على تقدير الحجية.
وأما القسم الآخر وهو الظن الغير المعتبر، لاجل بقائه تحت أصالة حرمة العمل.فالكلام في الترجيح به يقع في مقامات.
الاول: الترجيح به في الدلالة بأن يقع التعارض بين ظهوري الدليلين، كما في العامين من وجه وأشباهه.
وهذا لا إختصاص له بالدليل الظني السند، بل يجري في الكتاب والسنة المتواترة.
الثاني: الترجيح به في وجه الصدور، بأن نفرض الخبرين صادرين وظاهري الدلالة، وانحصر التحير في تعيين ما صدر لبيان الحكم وتمييزه عما صدر على وجه التقية أو غيرها من الحكم المقتضية لبيان خلاف الواقع.
وهذا يجري في مقطوعي الصدور وفي مظنوني الصدور مع بقاء الظن بالصدور في كل منهما.
الثالث: الترجيح به من حيث الصدور بأن صار بالمرجح أحدهما مظنون الصدور.
أما المقام الاول [ وهو الترجيح بالظن الغير المتعبر في الدلالة ]

فتفصيل القول فيه: أنه إن قلنا بأن مطلق الظن على خلاف الظواهر يسقطها عن الاعتبار

[298]

لاشتراط حجيتها بعدم الظن على الخلاف، فلا إشكال في وجوب الاخذ بمقتضى ذلك الظن المرجح.
لكن يخرج حينئذ عن كونه مرجحا، بل يصير سببا لسقوط الظهور المقابل له عن الحجية، لا لدفع مزاحمته للظهور المنضم إليه، فيصير ما وافقه حجة سليمة عن المعارض.
إذ لو لم يكن في مقابل ذلك المعارض إلا هذا الظن لاسقطه عن الاعتبار.
نظير الشهرة في أحد الخبرين الموجبة لدخول الآخر في الشواذ التي لا إعتبار بها، بل أمرنا بتركها ولو لم يكن في مقابلها خبر معتبر.
وأولى من هذا: إذا قلنا بإشتراط حجية الظواهر بحصول الظن منها أو من غيرها على طبقها.
لكن هذا القول سخيف جدا.
والاول أيضا بعيد، كما حققناه في مسألة حجية الظواهر.
وإن قلنا بأن حجية الظواهر من حيث إفادتها للظن الفعلي وأنه لا عبرة بالظن الحاصل من غيرها على طبقها، أو قلنا بأن حجيتها من حيث الاتكال على أصالة عدم القرينة التي لا يعتبر فيها إفادتها للظن الفعلي، فالاقوى عدم إعتبار مطلق الظن في مقام الترجيح، إذ المفروض على هذين القولين سقوط كلا الظاهرين عن الحجية في مورد التعارض، فأنه إذا صدر عنه قوله، مثلا: إغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه، وورد أيضا: كل شئ يطير لا بأس بخرئه وبوله، وفرض عدم قوة أحد الظاهرين من حيث نفسه على الاخر، كان ذلك مسقطا لظاهر كليهما عن الحجية في مادة التعارض، أعني خرء الطير الغير المأكول وبوله.
أما على القول الاول، فلان حجية الظواهر مشروطة بالظن المفقود في المقام.
وأما على الثاني، فلان أصالة عدم القرينة في كل منهما معارضة بمثلها في الآخر، والحكم في باب تعارض الاصلين مع عدم حكومة أحدهما على الاخر التساقط والرجوع إلى عموم أو أصل يكون حجيته مشروطا بعدم وجودهما على قابلية الاعتبار.
فلو عمل حينئذ بالظن الموجود مع أحدهما، كالشهرة القائمة في المسألة المذكورة على النجاسة، كنا قد عملنا بذلك الظن مستقلا، لا من باب كونه مرجحا، لفرض تساقط الظاهرين وصيرورتهما كالعدم.
فالمتجه حنيئذ الرجوع في المسألة، بعد الفراغ من المرجحات من حيث السند أو من حيث الصدور تقية أو لبيان الواقع، إلى قاعدة الطهارة.