أما المقام الثالث وهو ترجيح السند بمطلق الظن
فالكلام فيه أيضا مفروض فيما إذا لم نقل بحجية الظن المطلق ولا بحجية الخبرين بشرط إفادة الظن ولا بشرط عدم الظن على خلافه، إذ يخرج الظن المفروض على هذه التقادير عن المرجحية بل يصير حجة مستقلة على الاول، سواء كان حجية المتعارضين من باب الظن المطلق أو من باب الاطمينان أو من باب الظن الخاص، فإن القول بالظن المطلق لا ينافي القول بالظن الخاص في بعض الامارات كالخبر الصحيح بعدلين ويسقط المرجوح عن الحجية على الاخيرين، فيتعين أن الكلام في مرجحيته فيما إذا قلنا بحجية كل منهما من حيث الظن النوعي كما هو مذهب الاكثر.
والكلام يقع تارة في الترجيح بالظن في مقام لولاه لحكم بالتخيير وأخرى في الترجيح به في مقام المرجحات المنصوصة في الاخبار العلاجية.
أما الكلام في الاول وملخصه:
[300]
أنه لا ريب في أن مقتضى الاصل عدم الترجيح، كما أن الاصل عدم الحجية.
لان العمل بالخبر الموافق لذلك الظن إن كان على وجه التدين والالتزام بتعين العمل به من جانب الشارع وأن الحكم الشرعي الواقعي هو مضمونه، لا مضمون الاخر من غير دليل قطعي يدل على ذلك، فهو تشريع محرم بالادلة الاربعة، والعمل به لا على هذا الوجه محرم إذا إستلزم مخالفة القاعدة أو الاصل الذي يرجع إليه على تقدير فقد هذا الظن.
فالوجه المتقضي لتحريم العمل بالظن مستقلا من التشريع أو مخالفة الاصول القطعية الموجودة في المسألة جار بعينه في الترجيح بالظن والايات والاخبار الناهية عن القول بغير علم كلها متساوية النسبة إلى الحجية وإلى المرجحية.
وقد عرفت في الترجيح بالقياس أن المرجح يحدث حكما شرعيا لم يكن مع عدمه، وهو وجوب العمل بموافقته عينا، مع كون الحكم لا معه هو التخيير أو الرجوع إلى الاصل الموافق للاخر، هذا.
ولكن الذي يظهر من كلمات معظم الاصوليين هو الترجيح بمطلق الظن.
وليعلم أول أن محل الكلام، كما عرفت في عنوان المقامات الثلاثة أعني الجبر والوهن والترجيح، هو الظن الذي لم يعلم إعتباره.
فالترجح به من حيث السند أو الدلالة ترجيح بأمر خارجي.
وهذا لا دخل له بمسألة أخرى إتفاقية، وهي وجوب العمل بأقوى الدليلين وارجحهما.
فإن الكلام فيها في ترجيح أحد الخبرين الذي يكون بنفسه أقوى من الاخر من حيث السند، كالاعدل والافقه أو المسند أو الاشهر رواية أو غير ذلك، أو من حيث الدلالة، كالعام على المطلق، والحقيقة على المجاز، والمجاز على الاضمار، وغير ذلك.
وبعبارة أخرى، الترجيح بالمرجحات الداخلية من جهة النسد إتفاقي، واستفاض نقل الاجمع من الخاصة والعامة على وجوب العمل بأقوى الدليلين عن الاخر.
والكلام هنا في المرجحات الخارجية المعاضدة لمضمون أحد الخبرين الموجبة لصيرورة مضمونه اقرب إلى الواقع من مضمون الاخر.
نعم لو كشف تلك الامارة عن مزية داخلية لاحد الخبرين على الاخر من حيث سنده أو دلالته دخلت في المسألة الاتفاقية ووجب الاخذ بها، لان العمل بالراجح من الدليلين واجب إجماعا، سواء علم وجه الرجحان تفصيلا أم لم يعلم إلا إجمالا.
ومن هنا ظهر أن الترجيح بالشهرة والاجمع المنقول إذا كشفا عن مزية داخلية في سند أحد الخبرين أو دلالته مما لا ينبغي الخلاف فيه.
نعم لو لم يكشفا عن ذلك إلا ظنا، ففي حجيته أو
[301]
إلحاقه بالمرجح الخارجي وجهان، أقواهما الاول، كما سيجئ
* * *
وكيف كان فالذي يمكن أن يستدل به للترجيح بمطلق الظن الخارجي وجوه.
الاول: قاعدة الاشتغال، لدوران الامر بين التخيير وتعيين الموافق للظن.
وتوهم: (إنه قد يكوئن الطرف المخالف موافقا للاحتياط اللازم في المسألة الفرعية فيعارض الاحتياط في المسألة الاصولية بل يرجح عليه في مثل المقام، كما نبهنا عليه عند الكلام في معممات نتيجة دليل الانسداد)، مدفوع بأن المفروض فيما نحن فيه عدم وجوب الاخذ بما وافق الاحتياط من الخبرين لولا الظن: لان الاخذ به، إن كان من جهة إقتضاء المورد للاحتياط، فقد ورد عليه حكم الشارع بالتخيير المرخص للاخذ بخلاف الاحتياط وبراءة الذمة من الواقع في حكم الشارع بالعمل بالخبر المخالف له.
ولهذا يحكم بالتخيير أيضا وإن كان أحدهما موافقا للاستصحاب والاخر مخالفا، إذ كما أن الدليل المعين للعمل به يكون حاكما على الاصول، كذلك الدليل المخير في العمل به وبمعارضه.
وإن كان من جهه بعض الاخبار الدالة على وجوب الاخذ بما وافق الاحتياط وطرح ما خالفه، ففيه ما تقرر في محله من عدم نهوض تلك الاخبار لتخصيص الاخبار الدالة على التخيير.
بل هنا كلام آخر، وهو أن حجية الخبر المرجوح في المقام وجواز الاخذ به يحتاج إلى توقيف، إذ لا يكفي في ذلك ما دل على حجية كلا المتعارضين بعد فرض إمتناع العمل بكل منهما، فيجب الخذ بالمتيقن جواز العمل به وطرح المشكوك، وليس المقام مقام التكليف المردد بين التعيين والتخيير حتى يبنى على مسألة البراءة والاشتغال.
وتمام الكلام في خاتمة الكتاب في مبحث التراجيح إن شاء الله تعالى.
الثاني: ظهور الاجماع على ذلك، كما إستظهره بعض مشايخنا، فتراهم يستدلون في موارد الترجيح ببعض المرجحات الخارجية بإفادته للظن بمطابقة أحد الدليلين للواقع، فكان الكبرى وهي وجوب الاخذ بمطلق ما يفيد الظن على طبق أحد الدليلين مسلمة عندهم.
وربما يستفاد ذلك من الاجماعات المستفيضة على وجوب الاخذ بأقوى المتعارضين.
إلا أنه يشكل بما ذكرنا: من أن الظاهر أن المراد بأقوى الدليلين منهما ما كان كذلك في نفسه ولو إنكشف أمر خارجي عن ذلك، كعمل الاكثر الكاشف عن مرجح داخلي لا نعلمه تفصيلا، فلا يدخل فيه ما كان مضمونه مطابقا لامارة غير معتبرة، كالاستقراء والاولوية الظنية مثلا، على تقدير عدم إعتبارهما، فإن الظاهر خروج ذلك
[302]
عن معتقد تلك الاجماعات، وإن كان بعض أدلتهم ألاخر قد يفيد العموم لما نحن فيه، كقبح ترجيح المرجوح، إلا أنه لا يبعد أن يكون المراد المرجوح في نفسه من المتعارضين لا مجرد المرجوح بحسب الواقع، وإلا إقتضى ذلك حجية نفس المرجح مستقلا.
نعم الانصاف: أن بعض كلماتهم يستفاد منه أن العبرة في الترجيح بصيرورة مضمون أحد الخبرين بواسطة المرجح أقرب إلى الواقع من مضمون الآخر.
وقد إستطهر بعض مشايخنا الاتفاق على الترجيح بكل ظن ما عدا القياس.
فمنها: ما تقدم عن المعارج من الاستدلال للترجيح بالقياس بكون مضمون الخبر الموافق له أقرب إلى الواقع من مضمون الاخر.
ومنها: ما ذكروه في مسائل تعارض الناقل مع المقرر، فإن مرجع ما ذكروا فيها لتقديم أحدهما على الاخر إلى الظن بموافقة احدهما لحكم الله الواقعي.
إلا أن يقال: إن هذا الظن حاصل من نفس الخبر المتصف بكونه مقررا أو ناقلا.
ومنها: ما ذكروه في ترجيح أحد الخبرين بعمل أكثر السلف معللين بأن الاكثر يوفق للصواب بما لا يوافق له الاقل، وفي ترجيحه بعمل علماء المدينة، إلا أن يقال أيضا: إن ذلك كاشف عن مرجح داخلي في احد الخبرين.
وبالجملة فتتبع كلماتهم يوجب الظن القوي بل القطع بأن بناءهم على الاخذ بكل ما يشمل على ما يوجب اقربيته إلى الصواب، سواء كان لامر راجع إلى نفسه أو لاحتفافه بأمارة أجنبية توجب قوة مضمونها.
ثم لو فرض عدم حصول القطع من هذه الكلمات بمرجحية الظن المطلق المطابق لمضمون أحد الخبرين، فلا أقل من كونه مظنونا، والظاهر وجوب العمل به في مقابل التخيير وإن لم يجب العمل به في مقابل الاصول.
وسيجئ بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
الثالث: ما يظهر من بعض الاخبار، من أن المناط في الترجيح كون أحد الخبرين أقرب مطابقة للواقع، سواء كان لمرجح داخلي كالاعدلية مثلا أو لمرجح خارجي كمطابقته لامارة توجب كون مضمونه أقرب إلى الواقع من مضمون الاخر: مثل ما دل على الترجيح بالاصدقية في الحديث، كما في مقبولة إبن حنظلة، فإنا نعلم أن وجه الترجيح بهذه الصفة ليس إلا كون الخبر الموصوف بها أقرب إلى الواقع من الخبر الغير الوصوف بها، لا لمجرد كون راوي أحدهما أصدق.وليس هذه الصفة مثل الاعدلية وشبهها في إحتمال كون العبرة
[303]
بالظن الحاصل من جهتها بالخصوص.
ولذا اعتبر الظن الحاصل من عدالة البينة دون الحاصل من مطلق الوثاقة، لان صفة الصدق ليست إلا المطابقة للواقع.فمعنى الاصدق هو الاقرب إلى الواقع.فالترجيح بها يدل على أن العبرة بالاقربية من أي سبب حصلت.
ومثل ما دل على ترجيح أوثق الخبرين، فإن معنى الاوثقية شدة الاعتماد عليه، وليس إلا لكون خبره أوثق.
فإذا حصل هذا المعنى في أحد الخبرين من مرجح خارجي اتبع.
ومما يستفاد منه المطلب على وجه الظهور ما دل على ترجيح أحد الخبرين على الاخر بكونه مشهورا بين الاصحاب بحيث يعرفه كلهم وكون الاخر غير مشهور الرواية بينهم، بل ينفرد بروايته بعضهم دون بعض، معللا ذلك بأن المجمع عليه لا ريب فيه، فيدل على أن طرح الاخر لاجل ثبوت الريب فيه، لا لانه لا ريب في بطلانه، كما قد يتوهم، وإلا لم يكن معنى للتعارض وتحير السائل، ولا لتقديمه على الخبر المجمع عليه، إذا كان راويه أعدل كما يقتضيه صدر الخبر، ولا لقول السائل بعد ذلك: (هما مشهوران معا).
فحاصل المرجح هو ثبوت الريب في الخبر الغير المشهور وإنتفاؤه في المشهور، فيكون المشهور من الامر البين الرشد، وغيره من الامر المشكل، لا بين الغي، كما توهم.
وليس المراد به نفي الريب من جميع الجهات، لان الاجماع على الرواية لا يوجب ذلك ضرورة، بل المراد وجود ريب في غير المشهور يكون منتفيا في الخبر المشهور، وهو احتمال وروده على بعض الوجوه أو عدم صدوره رأسا.
وليس المراد بالريب مجرد الاحتمال ولو موهوما، لان الخبر المجمع عليه يحتمل فيه أيضا من حيث الصدور بعض الاحتمالات المتطرقة في غير المشهور، غاية الامر كونه في المشهور في غاية الضعف بحيث يكون خلافه واضحا في غير المشهور إحتمالا مساويا يصدق عليه الريب عرفا.
وحينئذ فيدل على رجحان كل خبر يكون نسبته إلى معارضه مثل نسبة الخبر المجمع على روايته إلى الخبر الذي اختص بروايته بعض دون بعض، مع كونه بحيث لو سلم عن المعارض أو كان روايه أعدل وأصدق من راوي معارضه المجمع عليه لاخذ به،، ومن المعلوم أن الخبر المعتضد بأمارة توجب الظن بمطابقته ومخالفة معارضه للواقع نسبته إلى معارضه تلك النسبة.
ولعله لذا عللل تقديم الخبر المخالف للعامة على الموافق بأن ذاك لا يحتمل إلا الفتوى وهذا يحتمل التقية، لان الريب الموجود في الثاني منتف في الاول.
وكذا كثير من المرجحات الراجعة إلى وجود إحتمال في أحدهما مفقود علما أو ظنا في الاخر، فتدبر.
فكل خبر من المتعارضين يكون فيه ريب لا يوجد في الاخر أو يوجد ولا يعد لغاية ضعفه ريبا، فذاك الاخر مقدم عليه.
[304]
واظهر من ذلك كله، في إفادة الترجيح بمطلق الظن، ما دل من الاخبار العلاجية على الترجيح بمخالفة العامة، بناء على أن الوجه في الترجيح بها أحد وجهين: أحدهما: كون الخبر المخالف أبعد من التقية، كما علل به الشيخ والمحقق.
فيستفاد منه إعتبار كل قرينة خارجية توجب أبعدية أحدهما عن خلاف الحق ولو كانت مثل الشهرة والاستقراء، بل يستفاد منه عدم إشتراط الظن في الترجيح، بل يكفي تطرق إحتمال غير بعيد في أحد الخبرين بعيد في الاخر، كما هو مفاد الخبر المتقدم الدال على ترجيح ما لا ريب فيه على ما فيه الريب بالنسبة إلى معارضه.
لكن هذا الوجه لم ينص عليه في الاخبار، وإنما هو شئ مستنبط منها، ذكره الشيخ ومن تأخر عنه.
نعم في رواية عبيد بن زرارة: (ما سمعته مني يشبه قول الناس ففيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه)، دلالة على ذلك.
الثاني: كون الخبر المخالف أقرب من حيث المضمون إلى الواقع.
والفرق بين الوجهين: أن الاول كاشف عن وجه صدور الخبر، والثاني كاشف عن مطابقة مضمون أحدهما للواقع.
وهذا الوجه لما نحن فيه منصوص في الاخبار، مثل تعليل الحكم المذكور فيها بقولهم عليهم السلام: (فإن الرشد في خلافهم)، وما (ما خالف العامة ففيه الرشاد).
فإن هذه القضيه قضيه غالبية لا دائمية، فيدل على أنه يكفي في الترجيح الظن بكون الرشد في مضمون أحد الخبرين.
ويدل على هذا التعليل أيضا ما ورد في صورة عدم وجدان المفتي بالحق في بلد، من قوله: (إئت فقيه البلد فاستفته في أمرك، فإذا أفتاك بشئ فخذ بخلافه، فإن الحق فيه).
وأصرح من الكل في التعليل بالوجه المذكور مرفوعة أبي إسحاق الارجاني إلى أبي عبدالله عليه السلام.
قال: قال عليه السلام: (أتدري لم أمرتم بالاخذ بخلاف ما يقوله العامة؟ فقلت: لا أدري: فقال: إن عليا، عليه السلام، لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الامة إلى غيره، إرادة لابطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين، عليه السلام، عن الشئ الذي لا يعلمونه، فإذا أفتاهم بشئ جعلوا له ضدا من عند أنفسهم ليلبسوا على الناس).
ويصدق هذا الخبر سيرة أهل الباطل مع الائمة، عليهم السلام، على هذا النحو، تبعا لسلفهم.
حتى أن أبا حنيفة حكي عنه أنه قال: (خالفت جعفرا في كل ما يقول أو يفعل، لكني لا أدري هل يغمض عينيه في الركوع والسجود أو يفتحهما).
[305]
والحاصل: أن تعليل الاخذ بخلاف العامة في هذه الروايات بكونه أقرب إلى الواقع، حتى أنه يجعل دليلا مستقل عند فقد من يرجع إليه في البلد، ظاهر في وجوب الترجيح بكل ما هو من قبيل هذه الامارة في كون مضمونه مظنة الرشد.
فإذا إنضم هذا الظهور إلى الظهور الذي ادعيناه في روايات الترجيح بالاصدقية والاوثقية، فالظاهر أنه يحصل من المجموع دلالة لفظية تامة.
ولعل هذا الظهور المحصل من مجموع الاخبار العلاجية هو الذي دعى أصحابنا إلى العمل بكل ما يوجب رجحان احد الخبرين على الاخر، بل يوجب في أحدهما مزية مفقودة في الاخر ولو بمجرد كون خلاف الحق في احدهما أبعد منه في الاخر، كما هو كذلك في كثير من المرجحات.
فما ظنه بعض المتأخرين من أصحابنا على العلامة وغيره، قدست أسرارهم، من متابعتهم في ذلك طريقة العامة ظن في غير المحل.
ثم إن الاستفادة التي ذكرناها إن دخلت تحت الدلالة اللفظيه، فلا إشكال في الاعتماد عليها، وإن لم يبلغ هذا الحد بل لم يكن إلا مجرد الاشعار، كان مؤيدا لما ذكرنا من ظهور الاتفاق.
فإن لم يبلغ المجموع حد الحجية فلا أقل من كونها أمارة مفيدة للظن بالمدعى.
ولا بد من العمل به، لان التكليف بالترجيح بين المتعارضين ثابت، لان التخيير في جميع الموارد وعدم ملاحظة المرجحات يوجب مخالفة الواقع في كثير من الموارد، لانا نعلم بوجوب الاخذ ببعض الاخبار المتعارضة وطرح بعضها معينا.والمرجحات المنصوصة في الاخبار غير وافية.
مع أن تلك الاخبار معارض بعضها بعضها، بل بعضها غير معمول به بظاهره، كمقبولة إبن حنظلة المتضمنة لتقديم الاعدلية على الشهرة ومخالفة العامة وموافقة الكتاب.
وحاصل هذا المقدمات: ثبوت التكليف بالترجيح وإنتفاء المرجح اليقيني وإنتفاء ما دل الشرع على كونه مرجحا، فينحصر العمل في الظن بالمرجح.
فكل ما ظن أنه مرجح في نظر الشارع وجب الترجيح به، وإلا لوجب ترك الترجيح أو العمل بما ظن من المتعارضين أن الشارع يرجح غيره عليه.
والاول مستلزم للعمل بالتخيير في موارد كثيرة نعلم التكليف بوجوب الترجيح، والثاني ترجيح للمرجوح على الراجح في مقام وجوب البناء على أحدهما، لاجل تعذر العلم على أحدهما وقبحه بديهي.
وحينئذ فإذا ظننا من الامارات السابقة أن مجرد أقربية مضمون أحد الخبرين إلى الواقع مرجح في نظر الشارع تعين الاخذ به، هذا.
ولكن لمانع أن يمنع وجوب الترجيح بين المتعارضين الفاقدين للمرجحات المعلومة، كالتراجيح الراجعة إلى الدلالة التي دل العرف على وجوب الترجيح بها، كتقديم النص والاظهر على الظاهر.
[306]
بيان ذلك: أن ما كان من المتعارضين من قبيل النص والظاهر، كالعام والخاص وشبههما مما لا يحتاج الجمع بينهما إلى شاهد، فالمرجح فيه معلوم من العرف.
وما كان من قبيل تعارض الظاهرين، كالعامين من وجه وشبههما مما يحتاج الجميع بينهما إلى شاهد واحد، فالوجه فيه، كما عرفت سابقا، عدم الترجيح إلا بقوة الدلالة، لا بمطابقة أحدهما لظن خارجي غير معتبر، ولذا لم يحكم فيه بالتخيير مع عدم ذلك الظن، بل يرجع فيه إلى الاصول والقواعد.
فهذا كاشف عن أن الحكم فيهما ذلك من أول الامر للتساقط، لاجمال الدلالة.
وما كان من قبيل المتباينين اللذين لا يمكن الجمع بينهما إلا بشاهدين، فهذا هو المتيقن من مورد وجوب الترجيح بالمرجحات الخارجية.
ومن المعلوم أن موارد هذا التعارض على قسمين:
أحدهما ما يمكن الرجوع فيه إلى أصل أو عموم كتاب أو سنة مطابق لاحدهما.وهذا القسم يرجع فيه إلى ذلك العموم أو الاصل.
وإن كان الخبر المخالف لاحدهما مطابقا لامارة خارجية - وذلك لان العمل بالعموم والاصل يقيني لا يرفع اليد عنه إلا بوارد يقيني، والخبر المخالف له لا ينهض لذلك، لمعارضته بمثله، والمفروض أن وجوب الترجيح بذلك الظن لم يثبت - فلا وارد على العموم والاصل.
القسم الثاني: ما لا يكون كذلك.وهذا أقل قليل بين المتعارضات.
فلو فرضنا العمل فيه بالتخيير مع وجود ظن خارجي على طبق أحدهما لم يكن محذور.
نعم الاحتياط يقتضي الاخذ بما يطابق الظن خصوصا، مع أن مبنى المسألة على حجية الخبر من باب الظن غير مقيد بعدم الظن الفعلي على خلافه.
والدليل على هذا الاطلاق مشكل، خصوصا لو كان الظن المقابل من الشهرة المحققة أو نقل الاجماع الكاشف عن تحقق الشهرة، فإن إثبات حجية الخبر المخالف للمشهور في غاية الاشكال وإن لم نقل بحجية الشهرة.
ولذا قال صاحب المدارك: (إن العمل بالخبر المخالف للمشهور مشكل، وموافقة الاصحاب من غير دليل أشكل).
وبالجملة فلا ينبغي ترك الاحتياط بالاخذ بالمظنون في مقابل التخيير.
وأما في مقابل العمل بالاصل، فإن كان الاصل مثبتا للاحتياط، كالاحتياط اللازم في بعض الموارد، فالاحوط العمل بالاصل.
وإن كان نافيا للتكليف كأصل البراءة والاستصحاب النافي للتكليف، أو مثبتا له مع عدم التمكن من الاحتياط كأصالة الفساد في باب المعاملات ونحو ذلك، ففيه الاشكال.
وفي باب التراجيح تتمة المقال، والله العالم بحقيقة الحال، والحمد لله أولا وآخرا.
وصلى الله على محمد وآله باطنا وظاهرا.