المقصد الثالث من مقاصد الكتاب في الشك
[ مقدمة ]
قد قسمنا، في صدر هذا الكتاب، المكلف الملتفت إلى الحكم الشرعي العملي في الواقعة على ثلاثة أقسام، لانه إما أن يحصل له القطع بحكمه الشرعي، وإما أن يحصل له الظن، وإما أن يحصل له الشك.
وقد عرفت أن القطع حجة في نفسه لا بجعل جاعل، والظن يمكن أن يعتبر في متعلقه، لكونه كشفا ظنيا ومرآة لمتعلقه.
لكن العمل به والاعتماد عليه في الشرعيات موقوف على وقوع التعبد به، وهو غير واقع إلا في الجملة.
وقد ذكرنا موارد وقوعه في الاحكام الشرعية في الجزء الاول من هذا الكتاب.
وأما الشك، فلما لم يكن فيه كشف أصلا لم يعقل فيه أن يعتبر.
فلو ورد في مورده حكم شرعي، كأن يقول: (الواقعة المشكوكة حكمها كذا)، كان حكما ظاهريا، لكونه مقابلا للحكم الواقعي المشكوك بالفرض.
ويطلق عليه الواقعي الثانوي أيضا، لانه حكم واقعي للواقعة المشكوك في حكمها، وثانوي بالنسبة إلى ذلك الحكم المشكوك فيه، لان موضوع هذا الحكم الظاهري، وهي الواقعة المشكوك في حكمها، لا يتحقق إلا بعد تصور حكم نفس الواقعة والشك فيه.مثلا شرب التتن في نفسه له حكم، فرضنا فيما نحن فيه شك المكلف فيه.
فإذا فرضنا ورود حكم شرعي لهذا الفعل المشكوك الحكم كان هذا الحكم الوارد متأخرا طبعا عن ذلك المشكوك.
فذلك الحكم حكم واقعي بقول مطلق، وهذا الوارد ظاهري، لكونه المعمول به في الظاهر، وواقعي ثانوي، لانه متأخر عن ذلك الحكم، لتأخر موضوعه عنه، ويسمى الدليل الدال على هذا الحكم الظاهري أصلا.
[309]
وأما ما دل على الحكم الاول علما أو ظنا معتبرا، فيختص باسم الدليل، وقد يقيد بالاجتهادي.
كما أن الاول قد يسمى بالدليل مقيدا بالفقاهتي.
وهذان القيدان إصطلاحان من الوجيد البهبهاني، لمناسبة مذكورة في تعريف الفقه والاجتهاد.
ثم إن الظن الغير المعتبر حكمه حكم الشك، كما لا يخفى.
ومما ذكرنا - من تأخر مرتبة الحكم الظاهرى عن الحكم الواقعي، لاجل تقييد موضوعه بالشك في الحكم الواقعي، يظهر لك وجه تقديم الادلة على الاصول، لان موضوع الاصول يرتفع بوجود الدليل.
فلا معارضة بينهما، لا لعدم إتحاد الموضوع، بل لارتفاع موضوع الاصل - وهو الشك - بوجود الدليل.
ألا ترى أنه لا معارضة ولا تنافي بين كون حكم شرب التتن المشكوك حكمه هي الاباحة وبين كون حكم شرب التتن في نفسه مع قطع النظر عن الشك فيه هي الحرمة.
فإذا علمنا بالثاني لكونه علميا ونفرض سلامته عن معارضة الاول، خرج شرب التتن عن موضوع دليل الاول، وهو كونه مشكوك الحكم، لا عن حكمه حتى يلتزم فيه تخصيص وظرح لظاهره.
ومن هنا كان إطلاق التقديم والترجيح في المقام تسامحا، لان الترجيح فرع المعارضة.
وكذلك إطلاق الخاص على الدليل والعام على الاصل، فيقال يخصص الاصل بالدليل او يخرج عن الاصل بالدليل.
ويمكن أن يكون هذا الاطلاق على الحقيقة بالنسبة إلى الادلة الغير العلمية، بأن يقال: إن مؤدى أصل البراءه، مثلا، أنه إذا لم يعلم حرمة شرب التتن فهو غير محرم، وهذا عام ومفاد الدليل الدال على إعتبار تلك الامارة الغير العلمية المقابلة للاصل إنه إذا قام تلك الامارة الغير العلمية على حرمة الشئ الفلاني فهو حرام.
وهذا أخص من دليل أصل البراءة مثلا، فيخرج عنه به.
وكون دليل تلك الامارة أعم من وجه، بإعتبار شموله لغير مورد أصل البراءة، لا ينفع بعد قيام الاجماع على عدم الفرق في إعتبار تلك الامارة بين مواردها.
وتوضيح ذلك: أن كون الدليل رافعا لموضوع الاصل - وهو الشك - إنما يصح في الدليل العلمي، حيث أن وجوده يخرج حكم الواقعة عن كونه مشكوكا فيه.
وأما الدليل الغير العلمي فهو بنفسه غير رافع لموضوع الاصل، وهو عدم العلم.
وأما الدليل الدال على إعتباره، فهو وإن كان علميا إلا أنه لا يفيد إلا حكما ظاهريا نظير مفاد الاصل.
إذ المراد بالحكم الظاهري ما ثبت لفعل المكلف بملاحظة الجهل بحكمه الواقعي الثابت له من دون مدخلية العلم والجهل.
[310]
فكما أن مفاد قوله عليه السلام: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي)، يفيد الرخصة في الفعل الغير المعلوم ورود النهي فيه، فكذلك ما دل على حجية الشهرة الدالة مثلا على وجوب شئ، يفيد وجوب ذلك الشئ من حيث أنه مظنون مطلقا أو بهذه الامارة.
ولذا إشتهر أن علم المجتهد بالحكم مستفاد من صغرى وجدانية، وهي: (هذا ما أدى إليه ظني)، وكبرى برهانية، وهي: (كل ما أدى إليه ظني فهو حكم الله في حقي).فإن الحكم المعلوم منهما هو الحكم الظاهري.
فإذا كان مفاد الاصل ثبوت الاباحة للفعل الغير المعلوم الحرمة، ومفاد دليل تلك الامارة ثبوت الحرمة للفعل المظنون الحرمة، كانا متعارضين لا محالة.
فإذا بني على العمل بتلك الامارة، كان فيه خروج عن عموم الاصل وتخصيص له لا محالة، هذا.
ولكن التحقيق أن دليل تلك الامارة وإن لم يكن كالدليل العلمى رافعا لموضوع الاصل، إلا أنه نزل شرعا منزلة الرافع، فهو حاكم على الاصل لا مخصص له، كما سيتضح إن شاء الله.
على أن ذلك إنما يتم بالنسبة إلى الادلة الشرعية.
وأما الادلة العقلية القائمة على البراءة والاشتغال، فإرتفاع موضوعها بعد ورود الادلة الظنية واضح، لجواز الاقتناع بها في مقام البيان وإنتهاضها رافعا لاحتمال العقاب، كما هو ظاهر.وأما التخيير فهو أصل عقلي لا غير.
واعلم أن المقصود بالكلام في هذه الرسالة الاصول المتضمنة لحكم الشبهة في الحكم الفرعي الكلي وإن تضمنت حكم الشبهة في الموضوع أيضا.
وهي منحصرة في أربعة، أصل البراءة وأصل الاحتياط والتخيير والاستصحاب، بناء على كونه حكما ظاهريا ثبت التعبد به من الاخبار، إذ بناء على كونه مفيدا للظن يدخل في الامارات الكاشفة عن الحكم الواقعي.
وأما الاصول المشخصة لحكم الشبهة في الموضوع، كأصالة الصحة وأصالة الوقوع فيما شك فيه بعد تجاوز المحل، فلا يقع الكلام فيها إلا لمناسبة يقتضيها المقام.
ثم إن إنحصار موارد الاشتباه في الاصول الاربعة عقلي لان حكم الشك إما أن يكون ملحوظا فيه اليقين السابق عليه، وإما أن لا يكون، سواء لم يكن يقين سابق عليه أم كان ولم يلحظ.
والاول مورد الاستصحاب.
والثاني إما أن يكون الاحتياط فيه ممكنا أم لا، والثانى مورد
[311]
التخيير.
والاول إما أن يدل دليل عقلي أو نقلي على ثبوت العقاب بمخالفة الواقع المجهول وإما أن لا يدل.
والاول مورد الاحتياط، والثاني مورد البراءة.
وقد ظهر مما ذكرنا أن موارد الاصول قد تتداخل، لان المناط في الاستصحاب ملاحظة الحالة المتيقنة السابقة، ومدار الثلاثة الباقية على عدم ملاحظتها وإن كانت موجودة.
ثم إن تمام الكلام في الاصول الاربعه يحصل بإشباعه في مقامين: أحدهما: حكم الشك في الحكم الواقعى من دون ملاحظة الحالة السابقة الراجع إلى الاصول الثلاثة.
الثاني: حكمه بملاحظة الحالة السابقة وهو الاستصحاب.
* * *