المطلب الاول: فيما دار الامر فيه بين الحرمة وغير الوجوب

وقد عرفت أن متعلق الشك، تارة، الواقعة الكلية، كشرب التتن.
ومنشأ الشك فيه عدم النص أو إجماله أو تعارضه، وأخرى، الواقعة الجزئية.
فههنا أربع مسائل:
[ المسألة ] الاولى: ما لا نص فيه وقد إختلف فيه على ما يرجع إلى قولين:
أحدهما إباحة الفعل شرعا وعدم وجوب الاحتياط بالترك.
والثاني وجوب الترك ويعبر عن الاحتياط.
والاول منسوب إلى المجتهدين.
والثاني إلى معظم الاخباريين.
وربما نسب إليهم أقوال أربعة: التحريم ظاهرا، والتحريم واقعا، والتوقف، والاحتياط.
ولا يبعد أن يكون تغايرها بإعتبار العنوان.
ويحتمل الفرق بينها وبين بعضها من وجه أخر تأتي بعد ذكر أدلة الاخباريين.

[316]

احتج للقول الاول بالادلة الاربعة فمن الكتاب آيات: منها: قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها).
قيل: دلالتها واضحة.
وفيه: أنها غير ظاهرة، فإن حقيقة الايتاء إلاعطاء.
فاما أن يراد بالموصول المال، بقرينة قوله تعالى قبل ذلك: (من قدر عليه رزقه فلينفق مما اتاه الله).
فالمعنى: أن الله سبحانه لا يكلف العبد إلا دفع ما أعطي من مال.وإما أن يراد نفس فعل الشئ أو تركه، بقرينة إيقاع التكليف عليه.
فإعطاؤه كناية عن الاقدار عليه، فتدل على نفي التكليف بغير المقدور، كما ذكره الطبرسي، رحمه الله.
وهذا المعنى أظهر وأشمل، لان الانفاق من الميسور داخل في ما آتاه الله.وكيف كان.
فمن المعلوم أن ترك ما يحتمل التحريم ليس غير مقدور، وإلا لم ينازع في وقوع التكليف به أحد من المسلمين وإن نازعت الاشاعرة في إمكانه.
نعم لو أريد من الموصول نفس الحكم والتكليف كان إيتاؤه عبارة عن الاعلم به.
لكن إرادته بالخصوص تنافي مورد الاية، وإرادة الاعم منه ومن المورد تستلزم إستعمال الموصول في معنيين، إذا لا جامع بين تعلق التكليف بنفس الحكم وبالفعل المحكوم عليه، فافهم.
نعم في رواية عبدالاعلى عن أبي عبدالله عليه السلام: (قال: قلت له: هل كلف الناس بالمعرفة؟ قال: لا، على الله البيان.لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها).

[317]

لكنها لا تنفع في المطلب، لان نفس المعرفة بالله غير مقدور قبل تعريف الله سبحانه، فلا يحتاج دخولها في الاية إلى إرادة الاعلام من الايتاء في الاية.وسيجئ زيادة توضيح لذلك في ذكر الدليل العقلي إن شاء الله تعالى.
ومما ذكرنا يظهر حال التمسك بقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).
ومنها: قوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا).
بناء على أن بعث الرسول كناية عن بيان التكليف، لانه يكون به غالبا، كما في قولك: (لا أبرح من هذا المكان حتى يؤذن المؤذن)، كناية عن دخول الوقت أو عبارة عن البيان النقلي.
ويخصص العموم بغير المستقلات أو يلتزم بوجوب التأكيد وعدم حسن العقاب إلا مع اللطف بتأييد العقل بالنقل وإن حسن الذم، بناء على أن منع اللطف يوجب قبح العقاب دون الذم، كما صرح به البعض.
وعلى أي تقدير فتدل على نفي العقاب قبل البيان.
وفيه: أن ظاهرها الاخبار بوقوع التعذيب سابقا بعد البعث، فيختص بالعذاب الدنيوى الواقع في الامم السابقة.
ثم إنه ربما يورد التناقض على من جمع بين التمسك بالاية في المقام وبين رد من إستدل بها، لعدم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع بأن نفي فعلية التعذيب أعم من نفي الاستحقاق به، فإن الاخبار بنفي التعذيب إن دل على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثاني، وإن لم يدل فلا وجه للاول.
ويمكن دفعه: بأن عدم الفعلية يكفي في هذا المقام، لان الخصم يدعي أن في إرتكاب الشبهة الوقوع في العقاب والهلاك فعلا من حيث لا يعلم، كما هو مقتضى رواية التثليث ونحوها التي هي عمدة أدلتهم، ويعترف بعدم المقتضى للاستحقاق على تقدير عدم الفعلية، فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعلية، بخلاف مقام التكلم في الملازمة، فإن المقصود فيه إثبات الحكم الشرعي في مورد حكم العقل، وعدم ترتب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته، كما في الظهار، حيث قيل إنه محرم معفو عنه.وكما في العزم على المعصية على إحتمال.
نعم لو فرض هناك أيضا إجماع على أنه لو إنتفت الفعلية إنتفى الاستحقاق، كما يظهر من بعض ما فرعوا على تلك المسألة، لم يجز التمسك به هناك.
والانصاف: أن الاية لا دلالة لها على المطلب في المقامين.
ومنها: قوله تعالى: (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون)،

[318]

أي: ما يجتنبونه من الافعال والتروك.وظاهرها أنه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الاسلام إلا بعدما يبين لهم.
وعن الكافي وتفسير العياشى وكتاب التوحيد: (حتى يعرفهم ما يرضيه وما يسخطه).
وفيه: ما تقدم في الاية السابقة، مع أن دلالتها أضعف.
من حيث أن توقف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب، اللهم إلا بالفحوى.
ومنها: قوله تعالى: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة).وفي دلالتها تأمل ظاهر.
ويرد على الكل أن غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلف لو فرض وجوده واقعا، فلا ينافي ورود الدليل العام على وجوب إجتناب ما يحتمل التحريم.ومعلوم أن القائل بالاحتياط ووجوب الاجتناب لا يقول به إلا عن دليل علمي.
وهذه الايات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل، بل هي من قبيل الاصل بالنسبة إليه، كما لا يخفى.
ومنها: قوله تعالى، مخاطبا لنبيه، صلى الله عليه وآله، ملقنا إياه طريق الرد على اليهود، حيث حرموا بعض ما رزقهم الله تعالى إفتراء عليه: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا).
فأبطل [ تشريعهم ] بعدم وجدان ما حرموه في جملة المحرمات التي أوحى الله إليه.
وعدم وجدانه " ص " ذلك فيما أوحي إليه وإن كان دليلا قطعيا على عدم الوجود إلا أن في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة.
لكن الانصاف: أن غاية الامر ان يكون في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب.
وأما الدلالة فلا، ولذا قال في الوافية: (وفي الاية إشعار بأن إباحة الاشياء مركوزة في العقل قبل الشرع).
مع أنه لو سلم، فغاية مدلولها كوه عدم وجدان التحريم فيما صدر عن الله تعالى من الاحكام يوجب عدم التحريم، لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من احكام الله تعالى بعد العلم بإختفاء كثير منها عنا، وسيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالاجماع العملي على هذا المطلب.

[319]

ومنها: قوله تعالى: (وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم).
يعني مع خلو ما فصل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.
ولعل هذه الاية أظهر من سابقتها، لان السابقة دلت على أنه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى الله سبحانه إلى النبي، صلى الله عليه وآله.
وهذه تدل على أنه لا يجوز إلتزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصل وإن لم يحكم بحرمته فيبطل وجوب الاحتياط أيضا، إلا أن دلالتها موهونة من جهة أخرى.
وهي أن ظاهر الموصول العموم، فالتوبيخ على الالتزام بترك الشئ مع تفصيل جميع المحرمات الواقعية وعدم كون المتروك منها.
ولا ريب أن اللازم من ذلك العلم بعدم كون المتروك محرما واقعيا، فالتوبيخ في محله.
والانصاف: ما ذكرنا، من أن الايات المذكورة لا تنهض على إبطال القول بوجوب الاحتياط، لان غاية مدلول الدال منها هو عدم التكليف فيها لم يعلم خصوصا أو عموما بالعقل أو النقل.وهذا مما لا نزاع فيه لاحد.
وإنما أوجب الاحتياط من أوجبه بزعم قيام الدليل العقلي أو النقلي على وجوبه.
فاللازم على منكره رد ذلك الدليل أو معارضته بما يدل على الرخصة وعدم وجوب الاحتياط فيما لا نص فيه.
وأما الايات المذكورة، فهي كبعض الاخبار الاتية لا تنهض بذلك، ضرورة أنه إذا فرض أنه ورد بطريق معتبر في نفسه أنه يجب الاحتياط في كل ما يحتمل أن يكون قد حكم الشارع فيه بالحرمة لم يكن يعارضه شئ من الايات المذكورة.

[320]

وأما السنة فيذكر منها في المقام أخبار كثيرة منها: المروي عن النبي، صلى الله عليه وآله، بسند صحيح في الخصال، كما عن التوحيد: (رفع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما أستكرهوا عليه وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما أضطروا إليه..)، الخبر.
فإن حرمة شرب التتن، مثلا، مما لا يعلمون، فهي مرفوعة عنهم، ومعنى رفعها، كرفع الخطأ والنسيان، رفع آثارها أو خصوص المؤاخذة.
فهو نظير قوله عليه السلام: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم).
ويمكن أن يورد عليه: بأن الظاهر من الموصول فيما لا يعلمون، بقرينة أخواتها، هو الموضوع، أعني فعل المكلف الغير المعلوم، كالفعل الذي لا يعلم أن شرب الخمر أو شرب الخل، وغير ذلك من الشبهات الموضوعية، فلا يشمل الحكم الغير المعلوم.
مع أن تقدير المؤاخذة في الرواية لا يلائم عموم الموصول للموضوع والحكم، لان المقدر المؤاخذة على نفس هذه المذكورات، ولا معنى للمؤاخذة على نفس الحرمة المجهولة.نعم هي من آثارها.
فلو جعل المقدر في كل من هذه التسعة ما هو المناسب من أثره، أمكن أن يقال: إن أثر حرمة شرب التتن المؤاخدة على فعله فهي مرفوعة، لكن الظاهر، بناء على تقدير المؤاخذة، نسبة المؤاخذة إلى نفس المذكورات.
والحاصل: أن المقدر في الرواية، بإعتبار دلالة الاقتضاء، يحتمل أن يكون جميع الاثار في كل واحد من التسعة، وهو الاقرب إعتبارا إلى المعنى الحقيقي، وأن يكون في كل منها ما هو الاثر الظاهر فيه، وأن يقدر المؤاخذة في الكل.

[321]

وهذا أقرب عرفا من الاول وأظهر من الثاني أيضا، لان الظاهر أن نسبة الرفع إلى مجموع التسعة على نسق واحد.
فإذا أريد، من الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه وما أضطروا، المؤاخذة على أنفسها، كان الظاهر فيما لا يعلمون ذلك أيضا.
نعم يظهر من بعض الاخبار الصحيحة عدم إختصاص المرفوع عن الامة بخصوص المؤاخذة.
فعن المحاسن عن أبيه، عن صفوان بن يحيى، والبزنطي جميعا، عن أبي الحسن عليه السلام: (في الرجل يستحلف على اليمين فحلف بالطلاق والعتاق وصدقه ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال عليه السلام: لا.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما أخطأوا، الخبر).
فإن الحلف بالطلاق والعتاق والصدقه وإن كان باطلا عندنا مع الاختيار أيضا، إلا أن إستشهاد الامام، عليه السلام، على عدم لزومها مع الاكراه على الحلف بها بحديث الوضع، شاهد على عدم إختصاصه بوضع خصوص المؤاخذة.
لكن النبوي المحكي في كلام الامام، عليه السلام، مختص بثلاثة من التسعة، فلعل نفي جميع الاثار مختص بها، فتأمل.
ومما يؤيد إرادة العموم ظهور كون رفع كل واحد من التسعة من خواص أمة النبي " ص "، إذ لو إختص الرفع بالمؤاخذة أشكل الامر في كثير من تلك الامور، من حيث أن العقل مستقل بقبح المؤاخذة عليها، فلا إختصاص له بأمة النبي " ص "، على ما يظهر من الرواية.
والقول بأن الاختصاص بإعتبار رفع المجموع وإن لم يكن رفع كل واحد من الخواص شطط من الكلام.
لكن الذي يهون الامر في الرواية جريان هذا الاشكال في الكتاب العزيز أيضا، فإن موارد الاشكال فيها، وهي الخطأ والنسيان وما لا يطاق ومنا أضطروا إليه، هي بعينها ما إستوهبها النبي " ص " من ربه، جل ذكره، ليلة المعراج، على ما حكاه الله تعالى عنه " ص " في القرآن بقوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا، كما حملته على الذين من قبلنا).
والذي يحسم أصل الاشكال منع إستقلال العقل بقبح المؤاخذة على هذه الامور بقول مطلق، فإن الخطأ والنسيان الصادرين من ترك التحفظ لا يقبح المؤاخذة عليهما، وكذا المؤاخذة على ما لا

[322]

يعلمون من إمكان الاحتياط، وكذا التكليف الشاق الناشي عن إختيار المكلف.
والمراد بما لا يطاق في الرواية هو ما لا يتحمل في العادة، لا ما لا يقدر عليه أصلا، كالطيران في الهواء.
وأما في الاية فلا يبعد أن يراد به العذاب والعقوبة.
فمعنى (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به): لا تورد علينا ما لا نطيقه من العقوبة.
وبالجملة فتأييد إرادة رفع جميع الاثار بلزوم الاشكال على تقدير الاختصاص برفع المؤاخذة ضعيف جدا.
وأضعف منه وهن إرادة العموم بلزوم كثرة الاضمار، وهو كما ترى، وإن ذكره بعض الفحول.
ولعله أراد بذلك أن المتيقن رفع المؤاخذة، ورفع ما عداه يحتاج إلى دليل.
وفيه: أنه إنما يحسن الرجوع إليه بعد الاعتراف بإجمال الرواية، لا لاثبات ظهورها في رفع المؤاخذة، إلا ان يراد إثبات ظهورها، من حيث أن حملها على خصوص المؤاخذة يوجب عدم التخصيص في عموم الادلة المثبتة لآثار تلك الامور وحملها على العموم يوجب التخصيص فيها.
فعموم تلك الادلة مبين لتلك الرواية، فإن المخصص إذا كان مجملا من جهة تردده بين ما يوجب كثرة الخارج وبين ما يوجب قلته، كان عموم العام بالنسبة إلى التخصيص المشكوك فيه مبينا لاجماله، فتأمل وأجمل.
وأضعف من الوهن المذكور وهن العموم بلزوم التخصيص بكثير من الآثار بل أكثرها، حيث أنها لا ترتفع بالخطأ والنسيان وأخواتهما.وهو ناش عن عدم تحصيل معنى الرواية كما هو حقه.
فاعلم أنه إذا بنينا على عموم رفع الاثار، فليس المراد بها الاثار المترتبة على هذه العنوانات من حيث هي، إذ لا يعقل رفع الاثار الشرعية المترتبة على الخطأ، والسهو من حيث هذين العنوانين، كوجوب الكفارة المترتب على قتل الخطأ، ووجوب سجدتي السهو المترتب على نسيان بعض الاجزاء، وليس المراد أيضا رفع الآثار المترتبة على الشئ بوصف عدم الخطاء.
مثل قوله: (من تعمد الافطار فعليه كذا)، لان هذا الاثر يرتفع بنفسه في صورة الخطأ.
بل المراد أن الآثار المترتبة على نفس الفعل لا بشرط الخطأ والعمد قد رفعها الشارع عن ذلك الفعل إذا صدر عن خطاء.
ثم المراد بالآثار هي الآثار المجعولة الشرعية التي وضعها الشارع، لانها هي القابلة للارتفاع برفعه.
وأما ما لم يكن يجعله من الاثار العقلية والعادية، فلا تدل الرواية على رفعها ولا رفع الآثار المجعولة المترتبة عليها.
ثم المراد بالرفع ما يشمل عدم التكليف مع قيام المقتضي له، فيعم الدفع ولو بأن يوجه

[323]

التكليف على وجه يختص بالعامد، وسيجئ بيانه.
فإن قلت: على ما ذكرت يخرج أثر التكليف فيما لا يعلمون عن مورد الرواية، لان إستحقاق العقاب أثر عقلي له مع أنه متفرع على المخالفة بقيد العمد، إذ مناطه، أعنى المعصية، لا يتحقق إلا بذلك.
وأما نفس المؤاخذة فليست من الآثار المجعولة الشرعية.
والحاصل أنه ليس فيما لا يعلمون أثر مجعول من الشارع مترتب على الفعل لا بقيد العلم والجهل حتى يحكم الشارع بإرتفاعه مع الجهل.
قلت: قد عرفت أن المراد برفع التكليف عدم توجيهه إلى المكلف مع قيام المقتضي له، سواء كان هناك دليل يثبته لولا الرفع أم لا.فالرفع هنا نظير رفع الحرج في الشريعة.
وحينئذ فإذا فرضنا أنه لا يقبح في العقل أو يوجد التكليف بشرب الخمر على وجه يشمل صورة الشك فيه، فلم يفعل ذلك، ولم يوجب تحصيل العلم ولو بالاحتياط ووجه التكليف على وجه يختص بالعالم تسهيلا على المكلف كفى في صدق الرفع.
وهكذا الكلام في الخطأ والنسيان، فلا يشترط في تحقق الرفع وجود دليل يثبت التكليف في حال العمد وغيره.
نعم لو قبح عقلا المؤاخذه على الترك.
كما في الغافل الغير المتمكن من الاحتياط، لم يكن في حقه رفع أصلا، إذ ليس من شأنه أن يوجه إليه التكليف.
وحينئذ فنقول: معنى رفع أثر التحريم فيما لا يعلمون عدم إيجاب الاحتياط والتحفظ فيه حتى يلزمه ترتب العقاب، إذا أفضى ترك التحفظ إلى الوقوع على الحرام الواقعي.وكذلك الكلام في رفع أثر النسيان والخطأ، فإن مرجعه إلى عدم إيجاب التحفظ عليه.وإلا فليس في التكاليف ما يعم صورة النسيان لقبح تكليف الغافل.
والحاصل: أن المرتفع، في ما لا يعلمون وأشبهاهه مما لا يشمله أدلة التكليف، هو إيجاب التحفظ على وجه لا يقع في مخالفة الحرام الواقعي، ويلزمه إرتفاع العقاب وإستحقاقه.فالمرتفع أول وبالذات أمر مجعول يترتب عليه إرتفاع أمر غير مجعول.
ونظير ذلك ما ربما يقال في رد من تمسك، على عدم وجوب الاعادة على من صلى في النجاسة ناسيا، بعموم حديث الرفع من: (أن وجوب الاعادة وإن كان حكما شرعيا إلا أنه مترتب على مخالفة المأتي به للمأمور به الموجب لبقاء الامر الاول، وهي ليست من الاثار الشرعية للنسيان، وقد تقدم أن الرواية لا تدل على رفع الاثار الغير الجعولة ولا الاثار الشرعية المترتبة عليها، كوجوب الاعادة فيما نحن فيه).
ويرده: ما تقدم في نظيره، من أن الرفع راجع هنا إلى شرطية طهارة اللباس بالنسبة إلى

[324]

الناسي، فيقال بحكم حديث الرفع: إن شرطية الطهارة شرعا مختصة بحال الذكر، فيصير صلاة الناسي في النجاسة مطابقة للمأمور به فلا يجب الاعادة.وكذلك الكلام في الجزء المنسي، فتأمل.
واعلم أيضا أنه لو حكمنا بعموم الرفع لجميع الآثار فلا يبعد إختصاصه بما لا يكون في رفعه ما ينافي الامتنان على الامة، كما إذا إستلزم إضرار المسلم.فإتلاف المال المحترم نسيانا أو خطأ لا يرتفع معه الضمان.
وكذلك الاضرار بمسلم، لدفع الضرر عن نفسه، لا يدخل في عموم ما أضطروا إليه، إذ لا إمتنان في رفع الاثر عن الفاعل بإضرار الغير، فليس الاضرار بالغير نظير سائر المحرمات الالهية المسوغة لدفع الضرر.
وأما ورود الصحيحة المتقدمة عن المحاسن في مورد حق الناس، أعني العتق والصدقة، فرفع أثر الاكراه عن الحالف يوجب فوات نفع على المعتق والفقراء، لا إضرارا بهم.
وكذلك رفع أثر الاكراه عن المكره، فيما إذا تعلق بإضرار مسلم من باب عدم وجوب تحمل الضرر لدفع الضرر عن الغير، لا ينافي الامتنان، وليس من باب الاضرار على الغير لدفع الضرر عن النفس لينافي ترخيصه الامتنان على العباد، فإن الضرر أولا وبالذات متوجه على الغير بمقتضى إرادة المكرة بالكسر، لا على المكره بالفتح، فافهم.
بقي في المقام شئ وإن لم يكن مربوطا به وهو أن النبوي المذكور مشتمل على ذكر الطيرة والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الانسان بشفتيه، وظاهره رفع المؤاخذة على الحسد مع مخالفته لظاهر الاخبار الكثيرة.
ويمكن حمله على ما لم يظهر الحاسد أثره باللسان أو غيره بجعل عدم النطق باللسان قيدا له أيضا.
ويؤيده تأخير الحسد عن الكل في مرفوعة النهدي عن أبي عبدالله، عليه السلام، المروية في أواخر أبواب الكفر والايمان من أصول الكافي: (قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: وضع عن أمتي تسعة أشياء: الخطأ، والنسيان، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما أضطروا إليه، وما أستكرهوا عليه والطيرة والوسوسة في التفكر في الخلق، والحسد ما لم يظهر بلسان أو بيد)، الحديث.
ولعل الاقتصار في النبوي الاول على قوله (ما لم ينطق)، لكونه أدنى مراتب الاظهار.
وروي: (ثلاثة لا يسلم منها أحد، الطيرة والحسد والظن.
قيل: فما نصنع؟ قال: إذا تطيرت

[325]

فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق).
والبغي عبارة عن إستعمال الحسد، وسيأتى في رواية الخصال: (إن المؤمن لا يستعمل حسده).
ولاجل ذلك عد في الدروس من الكبائر في باب الشهادات إظهار الحسد، لا نفسه، وفي الشرايع: (إن الحسد معصية، وكذا الظن بالمؤمن، والتظاهر بذلك قادح في العدالة).
والانصاف: أن في كثير من أخبار الحسد إشاره إلى ذلك.
وأما الطيرة، بفتح الياء، وقد يسكن، وهي في الاصل التشأم بالطير، لان أكثر تشأم العرب كان به، خصوصا الغراب.
والمراد إما رفع المؤاخذة عليها، ويؤيده ما روي من أن الطيرة شرك وإنما يذهبه التوكل، وإما رفع أثرها، لان الطيرة كان يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع.
وأما الوسوسة في التفكر في الخلق، كما في النبوي الثاني، أو التفكر في الوسوسة فيه، كما في الاول، فهما واحد.
والاول أنسب، ولعل الثاني إشتباه من الراوي.
والمراد به - كما قيل -: وسوسة الشيطان للانسان عند تفكره في أمر الخلقة.
وقد إستفاضت الاخبار بالعفو عنه.
ففي صحيحة جميل بن دراج قلت لابي عبدالله عليه السلام: (إنه يقع في قلبي أمر عظيم، فقال عليه السلام: قل: لا إله إلا الله.
قال جميل: فكلما وقع في قلبي شئ قلت لا إله إلا الله فذهب عني).
وفي رواية حمران عن أبي عبدالله، عليه السلام، عن الوسوسة وإن كثرت.
قال عليه السلام: (لا شئ فيها، تقول: لا إله إلا الله).
وفي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام: (جاء رجل إلى النبي، صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله ! إني هلكت.
فقال " ص " له: أتاك الخبيث، فقال لك: من خلقك.
فقلت: الله تعالى.
فقال: الله من خلقه؟ فقال: إي والذي بعثك بالحق، قال كذا.
فقال " ص ": ذاك والله محض الايمان).
قال إبن أبي عمير، حدثت ذلك عبدالرحمن بن حجاج، فقال: حدثني أبي عن أبي عبدالله عليه السلام: (إن رسول الله، صلى الله عليه وآله، إنما عني بقوله (هذا محض الايمان) خوفه أن يكون قد هلك حيث عرض في قلبه ذلك)

[326]

وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله: (والذي بعثني بالحق إن هذا لصريح الايمان.
فإذا وجدتموه فقولوا: آمنا بالله ورسوله، ولا حول ولا قوة إلا بالله).
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله: (إن الشيطان أتاكم من قبل الاعمال، فلم يقو عليكم، فأتاكم من هذا الوجه لكي يستزلكم، فإذا كان كذلك فليذكر أحدكم الله تعالى وحده).
ويحتمل أن يراد بالوسوسة في الخلق الوسوسة في أمور الناس وسوء الظن بهم.
وهذا أنسب بقوله: (ما لم ينطق بشفتيه).
ثم هذا الذي ذكرنا، هو الظاهر المعروف في معنى الثلاثة الاخيرة المذكورة في الصحيحة.
وفي الخصال، بسند فيه رفع، عن أبي عبدالله عليه السلام: (قال ثلاث لم يعر منها نبي فمن دونه، الطيرة والحسد والتفكر في الوسوسة في الخلق).
وذكر الصدوق، رحمه الله، في تفسيرها: أن المراد بالطيرة التطير بالنبي " ص " إذ المؤمن لا يطيره.
كما حكى الله، عزوجل، عن الكفار: (قالوا اطيرنا بك وبمن معك).
والمراد بالحسد أن يحسد، لا أن يحسد، كما قال الله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله).
والمراد بالتفكر إبتلاء الانبياء، عليهم السلام، بأهل الوسوسة، لا غير ذلك، كما حكى الله عن الوليد بن مغيرة: (إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر).فافهم.
وقد خرجنا في الكلام في النبوي الشريف عما يقتضيه وضع الرسالة.
ومنها: قوله، عليه السلام: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم).
فإن المحجوب حرمة شرب التتن، فهي موضوعة عن العباد.
وفيه: أن الظاهر مما حجب الله تعالى علمه ما لم يبينه للعباد، لا ما بينه واختفى [ عليهم ] من معصية من عصى الله في كتمان الحق أو ستره فالرواية مساوقة لما ورد عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الله تعالى حد حدودا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تعصوها، وسكت عن أشياء، لم يسكت عنها نسيانا لها، فلا تتكلفوها، رحمة من الله لكم).
ومنها: قوله عليه السلام: (الناس في سعة مما لم يعلموا).

[327]

فإن كلمة (ما) إما موصولة أضيف إليه السعة وإما مصدرية ظرفية، وعلى التقديرين يثبت المطلوب.
وفيه: ما تقدم في الايات من أن الاخباريين لا ينكرون عدم وجوب الاحتياط على من لم يعلم بوجوب الاحتياط من العقل والنقل بعد التأمل والتتبع.
ومنها: رواية عبدالاعلى عن الصادق عليه السلام: (قال: سألته عمن لم يعرف شيئا، هل عليه شئ؟ قال: لا).
بناء على أن المراد بالشئ الاول فرد معين مفروض في الخارج حتى لا يفيد العموم في النفي، فيكون المراد: هل عليه شئ في خصوص ذلك الشئ المجهول.
وأما بناء على إرادة العموم، فظاهره السؤال عن القاصر الذي لا يدرك شيئا.
ومنها: قوله صلى الله عليه وآله: (أيما إمرء إرتكب أمرا بجهالة فلا شئ عليه).
وفيه: أن الظاهر من الرواية ونظائرها من قولك: (فلان عمل هكذا بجهالة)، هو إعتقاد الصواب أو الغفلة عن الواقع، فلا يعم صورة التردد في كون فعله صوابا أو خطأ.
ويؤيده أن تعميم الجهالة بصورة التردد يحوج الكلام إلى التخصيص بالشاك الغير المقصر، وسياقه يأبى عن التخصيص، فتأمل.
ومنها: قوله عليه السلام: (إن الله تعالى يحتج على العباد بما آتاهم وعرفهم).
وفيه: أن مدلوله، كما عرفت في الايات وغير واحد من الاخبار، مما لا ينكره الاخباريون.
ومنها: قوله عليه السلام في مرسلة الفقيه: (كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي).
إستدل به الصدوق على جواز القنوت بالفارسية وإستند إليه في أماليه حيث جعل إباحة الاشياء حتى يثبت الحظر من دين الامامية.ودلالته على المطلب أوضح من الكل.
وظاهره عدم وجوب الاحتياط، لان الظاهر إرادة ورود النهي في الشئ من حيث هو، لا من حيث كونه مجهول الحكم.
فإن تم ما سيأتي من أدلة الاحتياط دلالة وسندا وجب ملاحظة التعارض بينها وبين هذه الرواية وأمثالها مما يدل على عدم وجوب الاحتياط، ثم الرجوع إلى ما يقتضيه قاعدة التعارض.
وقد يحتج بصحيحة عبدالرحمن بن حجاج: (فيمن تزوج إمرأة في عدتها، قال: أما إذا كان

[328]

بجهالة فليتزوجها بعدما ينقضي عدتها، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك.
قلت: بأي الجهالتين أعذر، أبجهالته أن ذلك محرم عليه، أم بجهالته أنها في عدة؟ قال: إحدى الجهالتين أهون من الاخرى.الجهالة بأن الله تعالى حرم عليه ذلك.وذلك لانه لا يقدر معها على الاحتياط.
قلت: فهو في الاخرى معذور.
قال عليه السلام: نعم، إذا إنقضت عدتها فهو معذور في أن يتزوجها).
وفيه: أن الجهل بكونها في العدة إن كان مع العلم بالعدة في الجملة والشك في إنقضائها، فإن كان الشك في أصل الانقضاء مع العلم بمقدارها فهو شبهة في الموضوع خارج عما نحن فيه، مع أن مقتضى الاستصحاب المركوز في الاذهان عدم الجواز.
ومنه يعلم أنه لو كان الشك في مقدار العدة فهي شبهة حكمية قصر في السؤال عنها، وليس معذورا فيها إتفاقا، لاصالة بقاء العدة وأحكامها، بل في رواية أخرى أنه: (إذا علمت أن عليها العدة لزمتها الحجة).
فالمراد من المعذورية عدم حرمتها عليه مؤبدا لا من حيث المؤاخذة.
ويشهد له أيضا قوله عليه السلام - بعد قوله: (نعم إذا إنقضت عدتها) -: (جاز له أن يتزوجها).
وكذا مع الجهل بأصل العدة، لوجوب الفحص وأصالة عدم تأثير العقد، خصوصا مع وضوح الحكم بين المسلمين الكاشف عن تقصير الجاهل.
هذا إن كان الجاهل ملتفتا شاكا، وإن كان غافلا أو معتقدا للجواز فهو خارج عن مسألة البراء‌ة، لعدم قدرته على الاحتياط.
وعلى يحمل تعليل معذورية الجاهل بالتحريم بقوله عليه السلام: (لانه لا يقدر، إلخ).
وإن كان تخصيص الجاهل بالحرمة بهذا التعليل يدل على قدرة الجاهل بالعدة على الاحتياط، فلا يجوز حمله على الغافل، إلا أنه إشكال يرد على الروايه على كل تقدير.ومحصله لزوم التفكيك بين الجهالتين، فتدبر فيه وفي دفعه.
وقد يستدل على المطلب، أخذا من الشهيد في الذكرى، بقوله عليه السلام: (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه).
وتقريب الاستدلال، كما في شرح الوافية: (أن معنى الحديث أن كل فعل من جملة الافعال التي تتصف بالحل والحرمة، وكذا كل عين مما يتعلق به فعل المكلف ويتصف بالحل والحرمه إذا لم يعلم الحكم الخاص به من الحل والحرمة فهو حلال.

[329]

فخرج ما لا يتصف بهما جميعا من الافعال الاضطرارية والاعيان التي لا يتعلق بها فعل المكلف وما علم أنه حلال لا حرام فيه أو حرام لا حلال فيه.وليس الغرض من ذكر الوصف مجرد الاحتراز، بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.
فصار الحاصل: أن ما اشتبه حكمه وكان محتملا لان يكون حلالا ولان يكون حراما فهو حلال، سواء علم حكم كلي فوقه أو تحته بحيث لو فرض العلم بإندراجه تحته أو تحققه في ضمنه لعلم حكمه أم لا.
وبعبارة أخرى: إن كل شئ فيه الحلال والحرام عندك، بمعنى أنك تقسمه إلى هذين وتحكم عليه بأحدهما لا على التعيين ولا تدري المعين منهما، فهو لك حلال.
فيقال حينئذ: إن الرواية صادقة على مثل اللحم المشترى من السوق المحتمل للمذكى والميتة، وعلى شرب التتن، وعلى لحم الحمير، إن لم نقل بوضوحه وشككنا فيه، لانه يصدق على كل منها أن شئ فيه حلال وحرام عندنا، بمعنى أنه يجوز لنا أن نجعله مقسما لحكمين فنقول: هو إما حلال وإما حرام، وإنه يكون من جملة الافعال التي يكون بعض أنواعها أو أصنافها حلالا وبعضها حراما واشتركت في أن الحكم الشرعي المتعلق بها غير معلوم) إنتهى.
أقول: الظاهر أن المراد بالشئ ليس هو خصوص المشتبه، كاللحم المشترى ولحم الحمير على ما مثله بهما، إذ لا يستقيم إرجاع الضمير في (منه) إليهما، لكن لفظة (منه) ليس في بعض النسخ.
وايضا: الظاهر أن المراد بقوله عليه السلام: (فيه حلال وحرام) كونه منقسما إليهما ووجود القسمين فيه بالفعل لا مرددا بينهما، إذ لا تقسيم مع الترديد أصلا، لا ذهنا ولا خارجا.
وكون الشئ مقسما لحكمين، كما ذكره المستدل، لم يعلم له معنى محصل.
خصوصا مع قوله قدس الله سره (أنه يجوز لنا ذلك)، لان التقسيم إلى الحكمين، الذي هو في الحقيقة ترديد لا تقسيم، أمر لازمي قهري لا جائز لنا.
وعلى ما ذكرنا فالمعنى - والله العالم - أن كل كلي فيه قسم حلال وقسم حرام، كمطلق لحم الغنم المشترك بين المذكى والميتة، فهذا الكلي لك حلال إلى أن تعرف القسم الحرام معينا في

[330]

الخارج فتدعه.
وعلى الاستخدام يكون المراد: أن كل جزئي خارجي في نوعه القسمان المذكوران فذلك الجزئي لك حلال حتى تعرف القسم الحرام من ذلك الكلي في الخارج فتدعه.
وعلى أي تقدير: فالرواية مختصة بالشبهة في الموضوع.
وأما ما ذكره المستدل - من أن المراد من وجود الحلال والحرام فيه إحتماله وصلاحيته لهما - فهو مخالف لظاهر القضية ولضمير (منه) ولو على الاستخدام.
ثم الظاهر: أن ذكر هذا القيد مع تمام الكلام بدونه - كما في قوله عليه السلام في رواية أخرى: (كل شئ لك حلال حتى تعرف أنه حرام) بيان منشأ الاشتباه الذي يعلم من قوله عليه السلام: (حتى تعرف).
كما أن الاحتراز عن المذكورات في كلام المستدل ايضا يحصل بذلك.
ومنه يظهر فساد ما انتصر بعض المعاصرين للمستدل، بعد الاعتراف بما ذكرنا من ظهور القضيه في الانقسام الفعلي، فلا يشمل مثل شرب التتن: من: (أنا نفرض شيئا له قسمان حلال وحرام واشتبه قسم ثالث منه، كاللحم، فإنه شئ فيه حلال وهو لحم الغنم وحرام وهو لحم الخنزير.
فهذا الكلي المنقسم حلال، فيكون لحم الحمار حلالا حتى نعرف حرمته) ووجه الفساد: أن وجود القسمين في اللحم ليس منشاء لاشتباه لحم الحمار ولا دخل له في هذا الحكم أصلا، ولا في تحقق الموضوع، وتقييد الموضوع بقيد أجنبي لا دخل له في الحكم ولا في تحقق الموضوع مع خروج بعض الافراد منه، مثل شرب التتن.
حتى احتاج هذا المنتصر إلى إلحاق مثله بلحم الحمار وشبهه مما يوجد في نوعه قسمان معلومان بالاجماع المركب مستهجن جدا لا ينبغي صدوره من متكلم فضل عن الامام عليه السلام.
هذا، مع أن اللازم مما ذكر عدم الحاجه إلى الاجماع المركب، فإن الشرب فيه قسمان شرب الماء وشرب البنج وشرب التتن كلحم الحمار بعينه.وهكذا جميع الافعال المجهولة الحكم.
وأما الفرق بين الشرب واللحم بأن الشرب جنس بعيد لشرب التتن بخلاف اللحم، فمما لا ينبغي أن يصغى إليه.
هذا كله، مضافا إلى أن الظاهر من قوله: (حتى تعرف الحرام منه)، معرفة ذلك الحرام الذي

[331]

فرض وجوده في الشئ، ومعلوم أن معرفة لحم الخنزير وحرمته لا يكون غاية لحلية لحم الحمار.
وقد اورد على الاستدلال: (بلزوم إستعمال قوله عليه السلام: (فيه حلال و حرام)، في معنيين، أحدهما أنه قابل للاتصاف بهما.
وبعبارة أخرى: يمكن تعلق الحكم الشرعي به ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشئ منهما.
والثاني أنه منقسم إليهما ويوجد النوعان فيه إما في نفس الامر أو عندنا، وهو غير جائز، وبلزوم إستعمال قوله عليه السلام: (حتى تعرف الحرام منه بعينه)، في المعنيين أيضا، لان المراد حتى تعرف من الادلة الشرعية الحرمة إذا أريد معرفة الحكم المشتبه، وحتى تعرف من الخارج من بينة أو غيرها الحرمة إذا أريد معرفة الموضوع المشتبه فليتأمل)، إنتهى.وليته أمر بالتأمل في الايراد الاول أيضا.ويمكن إرجاعه إليهما معا، وهو الاولى.وهذه جملة ما إستدل به من الاخبار.
والانصاف: ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط فيما لا نص فيه في الشبهة بحيث لو فرض تمامية الاخبار الاتية للاحتياط وقعت المعارضة بينها.
لكن بعضها غير دال إلا على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عام به، فلا يعارض ما سيجئ من أخبار الاحتياط لو نهضت للحجية سندا ودلالة.

[332]

وأما الاجماع فتقريره من وجهين.
الاول: دعوى إجماع العلماء كلهم من المجتهدين والاخباريين على أن الحكم - فيما لم يرد فيه دليل عقلي أو نقلي على تحريمه من حيث هو، ولا على تحريمه من حيث أنه مجهول الحكم هي البراء‌ة و عدم العقاب على الفعل.
وهذا الوجه لا ينفع إلا بعد عدم تمامية ما ذكر من الدليل العقلي والنقلي للحظر والاحتياط.
فهو نظير حكم العقل الاتي.
الثاني: دعوى الاجماع على أن الحكم - فيما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو - هو عدم وجوب الاحتياط وجواز الارتكاب.
وتحصيل الاجماع بهذا النحو من وجوه: الاول: ملاحظة فتاوى العلماء في موارد الفقه فإنك لا تكاد تجد من زمان المحدثين إلى زمان ارباب التصنيف في الفتوى من يعتمد على حرمة شئ من الافعال بمجرد الاحتياط.
نعم ربما يذكرونه في طي الاستدلال في جميع الموارد، حتى في الشبهة الوجوبية التي إعترف القائلون بالاحتياط بعدم وجوبه فيها.ولا بأس بالاشاره إلى من وجدنا في كلماتهم ما هو ظاهر في هذا القول.
فمنهم ثقة الاسلام الكليني، رحمه الله، حيث صرح في ديباجة الكافي ب‍ (أن الحكم فيما اختلف فيه الاخبار التخيير).
ولم يلزم الاحتياط مع ورود الاخبار بوجوب الاحتياط فيما تعارض فيه النصان.
وما لم يرد فيه نص بوجوبه في خصوص ما لا نص فيه فالظاهر أن كل من قال بعدم وجوب الاحتياط هناك قال به هنا.

[333]

ومنهم الصدوق، رحمه الله، فإنه قال: (اعتقادنا أن الاشياء على الاباحة حتى يرد النهي).
ويظهر من هذا موافقة والده ومشايخه، لانه لا يعبر بمثل هذه العبارة مع مخالفته لهم، بل ربما يقول: (الذي أعتقده وأفتي به)، واستظهر من عبارته هذه أنه من دين الامامية.
وأما السيدان، فقد صرحا بإستقلال العقل بإباحة ما لا طريق إلى كونه مفسدة وصرحا أيضا في مسألة العمل بخبر الواحد أنه متى فرضنا عدم الدليل على حكم الواقعة رجعنا فيها إلى حكم العقل.
وأما الشيخ، قدس سره، فإنه وإن ذهب وفاقا لشيخه المفيد، رحمه الله، إلى أن الاصل في الاشياء من طريق العقل الوقف، إلا أنه صرح في العدة ب‍ (أن حكم الاشياء من طريق العقل وإن كان هو الوقف لكنه لا يمتنع أن يدل دليل سمعي على أن الاشياء على الاباحة بعد أن كانت على الوقف، بل عندنا الامر كذلك وإليه نذهب)، إنتهى.
وأما من تأخر عن الشيخ، رحمه الله، كالحلبي والعلامة والمحقق والشهيدين وغيرهم، فحكمهم بالبراء‌ة يعلم من مراجعة كتبهم.
وبالجملة فلا نعرف قائلا معروفا بالاحتياط وإن كان ظاهر المعارج نسبته إلى جماعة.
ثم إنه ربما نسب إلى المحقق، قدس سره، رجوعه عما في المعارج إلى ما في المعتبر من التفصيل بين ما يعم به البلوى وغيره وأنه لا يقول بالبراء‌ة في الثاني.وسيجئ الكلام في هذه النسبة بعد ذكر الادلة إن شاء الله.
ومما ذكرنا يظهر أن تخصيص بعض القول بالبراء‌ة بمتأخري الامامية مخالف للواقع، وكأنه ناش عما رأي من السيد، رحمه الله، والشيخ، رحمه الله، من التمسك بالاحتياط في كثير من الموارد.
ويؤيده ما في المعارج من نسبة القول برفع الاحتياط على الاطلاق إلى جماعة.
الثاني: الاجماعات المنقولة والشهرة المحققة فإنها قد تفيد القطع بالاتفاق.
وممن استظهر منه دعوى ذلك الصدوق، رحمه الله، في عبارته المتقدمة عن إعتقاداته.
وممن إدعى إتفاق المحصلين عليه الحلي في أول السرائر حيث قال، بعد ذكر الكتاب والسنة والاجماع: (إنه إذا فقدت الثلاثة، بالمعتمد في المسألة الشرعية عند المحققين الباحثين عن مأخذ الشريعة التمسك بدليل العقل) إنتهى.
ومراده بدليل العقل، كما يظهر من تتبع كتابه، هو أصل البراء‌ة.

[334]

وممن إدعى إطباق العلماء المحقق في المعارج في باب الاستصحاب، وعنه في المسائل المصرية أيضا في توجيه نسبة السيد إلى مذهبنا جواز إزالة النجاسة بالمضاف مع عدم ورود نص فيه: (إن من أصلنا العمل بالاصل، حتى يثبت بالناقل ولم يثبت المنع عن إزالة النجاسة بالمايعات).
فولا كون الاصل إجماعيا لم يحسن من المحقق، قدس سره، جعله وجها لنسبة مقتضاه إلى مذهبنا.
وأما الشهرة فإنما تتحقق بعد التتبع في كلمات الاصحاب خصوصا في الكتب الفقهية.
ويكفي في تحققها ذهاب من ذكرنا من القدماء والمتأخرين.
الثالث: الاجماع العملي الكاشف عن رضاء المعصوم فإن سيرة المسلمين من أول الشريعة بل في كل شريعة على عدم الالتزام والالزام بترك ما يحتمخل ورود النهي عنه من الشارع بعد الفحص وعدم الوجدان، وأن طريقة الشارع كان تبليغ المحرمات دون المباحات وليس ذلك إلا لعدم إحتياج الرخصة في الفعل إلى البيان وكفاية عدم النهي فيه.
قال المحقق، رحمه الله، على ما حكي عنه: (إن الشرائع كافة لا يخطئون من بادر إلى تناول شئ من المشتهيات، سواء علم الاذن فيها من الشرع أم لم يعلم.
ولا يوجبون عليه عند تناول شئ من المأكول والمشروب أن يعلم التنصيص على إباحته، ويعذرونه في كثير من المحرمات إذا تناولها من غير علم.ولو كانت محظورة لاسرعوا إلى تخطئته حتى يعلم الاذن)، إنتهى.
أقول: إن كان الغرض مما ذكر من عدم التخطئة بيان قبح مؤاخذة الجاهل بالتحريم، فهو حسن مع عدم بلوغ وجوب الاحتياط عليه من الشارع، لكنه راجع إلى الدليل العقلي الاتي، ولا ينبغي الاستشهاد له بخصوص أهل الشرائع، بل بناء كافة العقلاء وإن لم يكونوا من أهل الشرائع على قبح ذلك.
وإن كان الغرض منه أن بناء العقلاء على تجويز الارتكاب مع قطع النظر عن ملاحظة قبح مؤاخذة الجاهل، حتى لو فرض عدم قبحه لفرض العقاب من اللوازم القهرية لفعل الحرام مثلا أو فرض المولى في التكاليف العرفية ممن يؤاخذ على الحرام ولو صدر جهلا لم يزل بناؤهم على ذلك، فهو مبني على عدم وجوب دفع الضرر المحتمل، وسيجئ الكلام فيه إن شاء الله.

[335]

الرابع من الادلة حكم العقل بقبح العقاب على شئ من دون بيان التكليف.
ويشهد له حكم العقلاء كافة بقبح مؤاخذة المولى عبده على فعل ما يعترف بعدم إعلامه أصلا بتحريمه.
ودعوى: (أن حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل بيان عقلي، فلا يقبح بعده المؤاخذة)، مدفوعة: بأن الحكم المذكور على تقدير ثبوته لا يكون بيانا للتكليف المجهول المعاقب عليه.
وإنما هو بيان لقاعدة كلية ظاهرية وإن لم يكن في مورده تكليف في الواقع، لو تمت عوقب على مخالفتها وإن لم يكن تكليف في الواقع، لا على التكليف المحتمل على فرض وجوده فلا تصلح القاعدة لورودها على قاعدة القبح المذكوره، بل قاعدة القبح واردة عليها، لانها فرع إحتمال الضرر، أعني العقاب، ولا إحتمال بعد حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان.
فمورد قاعدة دفع العقاب المحتمل هو ما ثبت العقاب فيه ببيان الشارع للتكليف فتردد المكلف به بين أمرين، كما في الشبهة المحصورة وما يشبهها.هذا كله إن أريد بالضرر العقاب.
وإن أريد مضرة أخرى غير العقاب التي لا يتوقف ترتبها على العلم، فهو وإن كان محتملا لا يرتفع إحتماله بقبح العقاب من غير بيان، إلا أن الشبهة من هذه الجهة موضوعية لا يجب الاحتياط فيها بإعتراف الاخباريين.
فلو ثبت وجوب دفع المضرة المحتملة لكان هذا مشترك الورود.
فلا بد على كلا القولين إما من منع وجوب الدفع وإما من دعوى ترخيص الشارع وإذنه فيما شك في كونه من مصاديق الضرر.وسيجئ توضيحه في الشبهة الموضوعية إن شاء الله تعالى.
ثم إنه ذكر السيد أبوالمكارم، قدس سره، في الغنية: (أن التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق).
وتبعه بعض من تأخر عنه فاستدل به في مسألة البراء‌ة.
والظاهر أن المراد به ما لا يطاق الامتثال به وإتيانه بقصد الطاعة.
كما صرح به جماعة من الخاصة والعامة في دليل إشتراط

[336]

التكليف بالعلم، وإلا فنفس الفعل لا يصير مما لا يطاق بمجرد عدم العلم بالتكليف به.
واحتمال: (كون الغرض من التكليف مطلق صدور الفعل ولو مع عدم قصد الاطاعة، أو يكون الغرض من التكليف مع الشك فيه إتيان الفعل لداعي حصول الانقياد بقصد الاتيان بمجرد إحتمال كونه مطلوبا للامر.
وهذا ممكن من الشاك وإن لم يكن من الغافل)، مدفوع، بأنه إن قام دليل على وجوب إتيان الشاك في التكليف بالفعل لاحتمال المطلوبية، أغنى ذلك عن التكليف بنفس الفعل وإلا لم ينفع التكليف المشكوك في تحصيل الغرض المذكور.
والحاصل: أن التكليف المجهول لا يصح، لكون الغرض منه الحمل على الفعل مطلقا، وصدور الفعل من الفاعل أحيانا لا لداعي التكليف لا يمكن أن يكون غرضا للتكليف.
واعلم: أن هذا الدليل العقلي، كبعض ما تقدم من الادلة النقلية، معلق على عدم تمامية أدلة الاحتياط فلا يثبت به إلا الاصل في مسألة البراء‌ة ولا يعد من أدلتها بحيث يعارض أخبار الاحتياط.

[337]

وقد يستدل على البراء‌ة بوجوه غير ناهضة منها: إستصحاب البراء‌ة المتيقنة حال الصغر والجنون.
وفيه، أن الاستدلال به مبني على إعتبار الاستصحاب من باب الظن فيدخل أصل البراء‌ة بذلك في الامارات الدالة على الحكم الواقعي دون الاصول المثبتة للاحكام الظاهرية.
وسيجئ عدم إعتبار الاستصحاب من باب الظن إن شاء الله.
وأما لو قلنا بإعتباره من باب الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك، فلا ينفع في المقام، لان الثابت بها ترتب اللوازم المجعولة الشرعية على المستصحب، والمستصحب هنا ليس إلا براء‌ة الذمة من التكليف وعدم المنع من الفعل وعدم إستحقاق العقاب عليه.
والمطلوب في الان اللاحق هو القطع بعدم ترتب العقاب على الفعل أو ما يستلزم ذلك، إذ لو لم يقطع بالعدم واحتمل العقاب احتاج إلى إنضمام حكم العقل بقبح العقاب من غير بيان إليه، حتى يأمن العقل عن العقاب، و معه لا حاجة إلى الاستصحاب وملاحظة الحالة السابقة.
ومن المعلوم أن المطلوب المذكور لا يترتب على المستصحبات المذكورة، لان عدم إستحقاق العقاب في الاخرة ليس من اللوازم المجعولة حتى يحكم به الشارع في الظاهر.
وأما الاذن والترخيص في الفعل، فهو وإن كان أمرا قابلا للجعل ويستلزم إنتفاء العقاب واقعا إلا أن الاذن الشرعي ليس لازما شرعيا للمستصحبات المذكورة، بل هو من المقارنات، حيث أن عدم المنع عن الفعل، بعد العلم إجمالا بعدم خلو فعل المكلف عن أحد الاحكام الخمسة، لا ينفك عن كونه مرخصا فيه.
فهو نظير إثبات وجود أحد الضدين بنفي الاخر بأصالة العدم.
ومن هنا تبين: أن إستدلال بعض من اعترف: بما ذكرنا - من عدم إعتبار الاستصحاب من باب الظن وعدم إثباته إلا اللوازم الشرعية في هذا المقام بإستصحاب البراء‌ة - منظور فيه.