الامرالثالث: قد إشتهر في ألسنة المعاصرين أن قطع القطاع لا إعبار به
ولعل الاصل في ذلك ما صرح به كاشف الغطاء قدس سره، بعد الحكم بأن كثير الشك لا إعتبار بشكه.
قال: (وكذا من خرج عن العادة في قطعه أو في ظنه فيلغو إعتبارهما في حقه) إنتهى.
أقول: أما عدم إعتبار ظن من خرج عن العادة في ظنه، فلان أدلة إعتبار الظن في مقام يعتبر فيه مختصة بالظن الحاصل من الاسباب التي يتعارف حصول الظن منها لمتعارف الناس لو وجدت تلك الاسباب عندهم على النحو الذي وجد عند هذا الشخص، فالحاصل من غيرها يساوي الشك في الحكم.
وأما قطع من خرج قطعه عن العادة: فإن أريد بعدم إعتباره عدم إعتباره في الاحكام التي يكون القطع موضوعا لها، كقبول شهادته وفتواه ونحو ذلك فهو حق، لان أدلة إعتبار العلم في هذه المقامات لا تشمل هذا قطعا، لكن ظاهر كلام من ذكره في سياق كثير الشك إرادة غير هذا القسم.
وإن أريد يه عدم إعتباره في مقامات يعتبر القطع فيها من حيث الكاشفية والطريقية إلى الواقع: فإن أريد بذلك أنه حين قطعه كالشاك، فلا شك في أن أحكام الشاك وغير العالم لا تجري في حقه.
وكيف يحكم على القاطع بالتكليف بالرجوع إلى ما دل على عدم الوجوب عند عدم العلم، والقاطع بأنه صلى ثلاثا بالبناء على أنه صلى أربعا، ونحو ذلك.
وإن أريد بذلك وجوب ردعه عن قطعه وتنزيله إلى الشك أو تنبيهه على مرضه ليرتدع بنفسه ولو بأن يقال له: (إن الله سبحانه لا يريد منك الواقع)، لو فرض عدم تفطنه، لقطعه بأن الله يريد
[23]
الواقع منه ومن كل احد، فهو حق.
لكنه يدخل في باب الارشاد، ولا يختص بالقطاع، بل بكل من قطع بما يقطع بخطائه فيه من الاحكام الشرعية والموضوعات الخارجية المتعلقة بحفظ النفوس والاعراض، بل الاموال في الجملة.
وأما في ما عدا ذلك مما يتعلق بحقوق الله سبحانه، فلا دليل على وجوب الردع في القطاع، كما لا دليل عليه في غيره.
ولو بنى على وجوب ذلك في حقوق الله سبحانه من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما هو ظاهر بعض النصوص والفتاوى، لم يفرق أيضا بين القطاع وغيره.
وإن أريد بذلك أنه بعد إنكشاف الواقع لا يجزي ما أتى به على طبق قطعه، فهو أيضا حق في الجملة، لان المكلف إن كان تكليفه حين العمل مجرد الواقع من دون مدخلية للاعتقاد، فالمأتي به المخالف للواقع لا يجزي عن الواقع، سواء القطاع وغيره.
وإن كان للاعتقاد مدخل فيه، كما في أمر الشارع بالصلاة إلى ما يعتقد كونها قبلة، فإن قضية هذا كفاية القطع المتعارف، لا قطع القطاع، فيجب عليه الاعادة وإن لم تجب على غيره.
ثم إن بعض المعاصرين وجه الحكم بعدم إعتبار قطع القطاع - بعد تقييده بما إذا علم القطاع أو احتمل أن يكون حجية قطعه مشروطة بعدم كونه قطاعا بأنه يشترط في حجية القطع عدم منع الشارع عنه وإن كان العقل أيضا قد يقطع بعدم المنع، إلا أنه إذا احتمل المنع يحكم بحجية القطع ظاهرا ما لم يثبت المنع.
وأنت خبير بأنه يكفي في فساد ذلك عدم تصور القطع بشئ عدم ترتيب آثار ذلك الشئ عليه مع فرض كون الآثار آثارا له.
والعجب أن المعاصر مثل لذلك بما إذا قال المولى لعبده: (لا تعتمد في معرفة أوامري على ما تقطع به من قبل عقلك أو يؤدي إليه حدسك، بل إقتصر على ما يصل إليك مني بطريق المشافهة والمراسلة).
وفساده يظهر مما سبق من أول المسألة إلى هنا.