المقام الثاني: في وقوع التعبد بالظن في الاحكام الشرعية
ثم إذا تبين عدم إستحالة تعبد الشارع بغير العلم وعدم القبح فيه ولا في تركه، فيقع الكلام في المقام الثاني في وقوع التعبد به في الاحكام الشرعية مطلقا أو في الجملة.
وقبل الخوض في ذلك لا بد من تأسيس الاصل الذي يكون عليه المعول عند عدم الدليل على وقوع التعبد بغير العلم مطلقا أو في الجملة فنقول: التعبد بالظن، الذي لم يدل دليل على التعبد به، محرم بالادلة الاربعة.
ويكفي من الكتاب قوله تعالى: (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون)، دل على أن ما ليس بإذن من الله من إسناد الحكم إلى الشارع فهو إفتراء، ومن السنة قوله، صلى الله عليه وآله، في عداد القضاة من أهل النار: (ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم)، ومن الاجماع ما إدعاه الفريد البهبهاني، في بعض رسائله، من كون عدم الجواز بديهيا عند العوام فضلا عن العلماء، ومن العقل تقبيح العقلاء من يتكلف من قبل مولاه بما لا يعلم بوروده عن المولى ولو كان عن جهل مع التقصير.نعم، قد يتوهم متوهم أن الاحتياط من هذا القبيل.
وهو غلط واضح، إذ فرق بين الالتزام بشئ من قبل المولى على أنه منه مع عدم العلم بأنه منه، وبين الالتزام بإتيانه لاحتمال كونه منه أو رجاء كونه منه.
وشتان ما بينهما، لان العقل يستقل بقبح الاول وحسن الثاني.
والحاصل: أن المحرم هو العمل بغير العلم متعبدا به ومتدينا به.
[50]
وأما العمل به من دون تعبد بمقتضاه: فإن كان لرجاء إدراك الواقع، فهو حسن ما لم يعارضه إحتياط آخر أو لم يثبت من دليل آخر وجوب العمل على خلافه، كما لو ظن الوجوب واقتضى الاستصحاب الحرمة، فإن الاتيان بالفعل محرم وإن لم يكن على وجه التعبد بوجوبه والتدين به.
وإن لم يكن لرجاء إدراك الواقع، فإن لزم منه طرح أصل دل الدليل على وجوب الاخذ به حتى يعلم خلافه، كان محرما أيضا، لان فيه طرحا للاصل الواجب العمل، كما فيما ذكر، من مثال كون الظن بالوجوب على خلاف إستصحاب التحريم، وإن لم يلزم منه ذلك جاز العمل، كما لو ظن بوجوب ما تردد بين الحرمة والوجوب، فإن الالتزام بطرف الوجوب لا على أنه حكم الله المعين جائز.
لكن في تسمية هذا عملا بالظن مسامحة، وكذا في تسمية الاخذ به من باب الاحتياط.
وبالجملة، فالعمل بالظن إذا لم يصادف الاحتياط محرم إذا وقع على وجه التعبد به والتدين، سواء إستلزم طرح الاصل أو الدليل الموجود في مقابله أم لا، وإذا وقع على غير وجه التعبد به فهو محرم إذا إستلزم طرح ما يقابله من الاصول والادلة المعلوم وجوب العمل بها، هذا.
وقد يقرر (الاصل) هنا بوجوه أخر: منها: أن الاصل عدم الحجية وعدم وقوع التعبد به وإيجاب العمل به.
وفيه: أن الاصل وإن كان ذلك إلا أنه لا يترتب على مقتضاه شئ، فإن حرمة العمل بالظن يكفي في موضوعها عدم العلم بورود التعبد من غير حاجة إلى إحراز عدم ورود التعبد به، ليحتاج في ذلك إلى الاصل ثم إثبات الحرمة.
والحاصل: أن أصالة عدم الحادث إنما يحتاج إليها في الاحكام المترتبة على عدم ذلك الحادث.
وأما الحكم المرتب على عدم العلم بذلك الحادث فيكفي فيه الشك فيه ولا يحتاج إلى إحراز عدمه بحكم الاصل.
وهذا نظير قاعدة الاشتعال الحاكمة بوجوب اليقين بالفراغ، فإنه لا يحتاج في إجرائها إلى إجراء أصالة عدم فراغ الذمة، بل يكفي فيها عدم العلم بالفراغ، فتأمل.
ومنها: أن الاصل هي إباحة العمل بالظن، لانها الاصل في الاشياء.
حكاه بعض عن السيد المحقق الكاظمي.
وفيه: على تقدير النسبة، أولا، أن إباحة التعبد بالظن غير معقول، إذ لا معنى لجواز التعبد وتركه لا إلى بدل.
غاية الامر التخيير بين التعبد بالظن والتعبد بالاصل أو الدليل الموجود هناك في مقابله الذي يتعين الرجوع إليه لولا الظن.
فغاية الامر وجوب التعبد به أو بالظن تخييرا،
[51]
فلا معنى للاباحة التي هي الاصل في الاشياء.
وثانيا، أن أصالة الاباحة إنما هي فيما لا يستقل العقل بقبحه، وقد عرفت إستقلال العقل بقبح التعبد بالظن من دون العلم بوروده من الشارع.
ومنها: أن الامر في المقام دائر بين الوجوب والتحريم، ومقتضاه التخيير أو ترجيح جانب التحريم، بناء على أن دفع المفسده أولى من جلب المنفعة.
وفيه: منع الدوران، لان عدم العلم بالوجوب كاف في ثبوت التحريم، لما عرفت من إطباق الادلة الاربعة على عدم جواز التعبد بما لا يعلم وجوب التعبد به من الشارع.
ألا ترى أنه إذا دار الامر بين رجحان عبادة وحرمتها كفى عدم ثبوت الرجحان في ثبوت حرمتها.
ومنها: أن الامر في المقام دائر بين وجوب تحصيل مطلق الاعتقاد بالاحكام الشرعية المعلومة إجمالا وبين وجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعى، فيرجع إلى الشك في المكلف به وتردده بين التخيير والتعيين، فيحكم بتعيين تحصيل خصوص الاعتقاد القطعى تحصيلا لليقين بالبراءة، خلافا لمن لم يوجب ذلك في مثل المقام.
وفيه: أولا، أن وجوب تحصيل الاعتقاد بالاحكام مقدمة عقلية للعمل بها وامتثالها، فالحاكم بوجوبه هو العقل.
ولا معنى لتردد العقل في موضوع حكمه وأن الذي حكم هو بوجوبه تحصيل مطلق الاعتقاد أو خصوص العلم منه، بل إما أن يستقل بوجوب تحصيل خصوص الاعتقاد القطعي على ما هو التحقيق، وإما أن يحكم بكفاية مطلق الاعتقاد.
ولا يتصور الاجمال في موضوع الحكم العقلي، لان التردد في الموضوع يستلزم التردد في الحكم، وهو لا يتصور من نفس الحاكم.
و سيجئ الاشارة إلى هذا في رد من زعم أن نتيجة دليل الانسداد مهملة مجملة، مع عدم دليل الانسداد دليلا عقليا وحكما يستقل به العقل.
وأما ثانيا، فلان العمل بالظن في مورد مخالفته للاصول والقواعد الذي هو محل الكلام مخالفة قطعية لحكم الشارع بوجوب الاخذ بتلك الاصول حتى يعلم خلافها.
فلا حاجة في رده إلى مخالفته لقاعدة الاشتغال الراجعة إلى قدح المخالفة الاحتمالية للتكليف المتيقن.
مثلا إذا فرضنا أن الاستصحاب يقتضي الوجوب والظن حاصل بالحرمة، فحينئذ يكون العمل بالظن مخالفة قطعية لحكم الشارع بعدم نقض اليقين بغير اليقين، فلا يحتاج إلى تكلف أن التكليف بالواجبات و المحرمات يقيني، ولا نعلم كفاية تحصيل مطلق الاعتقاد الراجح فيها أو وجوب تحصيل الاعتقاد القطعي وأن في تحصيل الاعتقاد الراجح مخالفة إحتمالية للتكليف المتيقن فلا يجوز.
فهذا أشبه شئ بالاكل عن القفا.
[52]
فقد تبين مما ذكرنا أن ما ذكرنا في بيان الاصل هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه.
وحاصله: أن التعبد بالظن مع الشك في رضاء الشارع بالعمل به في الشريعة تعبد بالشك، وهو باطل عقلا ونقلا.
وأما مجرد العمل على طبقه فهو محرم إذا خالف أصلا من الاصول اللفظية أو العملية الدالة على وجوب الاخذ بمضمونها حتى يعلم الرافع.
فالعمل بالظن قد تجتمع فيه جهتان للحرمة، كما إذا عمل به ملتزما أنه حكم الله، وكان العمل به مخالفا لمقتضى الاصول، وقد تحقق فيه جهة واحدة، كما إذا خالف الاصل ولم يلتزم بكونه حكم الله، أو التزم ولم يخالف مقتضى الاصول، وقد لا يكون فيه عقاب أصلا، كما إذا لم يلتزم بكونه حكم الله ولم يخالف أصلا.
وحينئذ قد يستحق عليه الثواب، كما إذا عمل به على وجه الاحتياط، هذا.
ولكن حقيقة العمل بالظن هو الاستناد إليه في العمل والالتزام بكون مؤداه حكم الله في حقه، فالعمل على ما يطابقه بلا إستناد إليه ليس عملا به.
فصح أن يقال: إن العمل بالظن والتعبد به حرام مطلقا، وافق الاصول أو خالفها.
غاية الامر أنه إذا خالف الاصول يستحق العقاب من جهتين، من جهة الالتزام والتشريع ومن جهة طرح الاصل المأمور بالعمل به حتى يعلم بخلافه.
وقد أشير في الكتاب والسنة إلى الجهتين: فمما أشير فيه إلى الاولى قوله تعالى: (قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون)، بالتقريب المتقدم.
وقوله صلى الله عليه وآله: (رجل قضى بالحق وهو لا يعلم).
ومما أشير فيه إلى الثانية قوله تعالى: (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) وقوله عليه السلام: (من أفتى الناس بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه)، ونفس أدلة الاصول.
ثم إن ما ذكرنا من الحرمة من الجهتين مبني على ما هو التحقيق، من أن إعتبار الاصول، لفظية كان أو عملية، غير مقيد بصورة عدم الظن على خلافها.
وأما إذا قلنا بإشتراط عدم كون الظن عى خلافها، فلقائل أن يمنع أصالة حرمة العمل بالظن مطلقا، لا على وجه الالتزام ولا على غيره.
أما مع عدم تيسر العلم في المسألة، فلدوران الامر فيها بين العمل بالظن وين الرجوع إلى
[53]
الاصل الموجود في تلك المسألة على خلاف الظن.
وكما لا دليل على التعبد بالظن، كذلك لا دليل على التعبد بذلك الاصل، لانه المفروض.
فغاية الامر التخيير بينهما أو تقديم الظن، لكونه أقرب إلى الواقع، فيتعين بحكم العقل.
وأما مع التمكن من العلم في المسألة، فلان عدم جواز الاكتفاء فيها بتحصيل الظن ووجوب تحصيل اليقين مبني على القول بوجوب تحصيل الواقع علما.
أما إذا أدعي أن العقل لا يحكم بأزيد من وجوب تحصيل الظن وأن الضرر الموهوم لا يجب دفعه، فلا دليل على لزوم تحصيل العلم مع التمكن.
ثم إنه ربما يستدل على أصالة حرمة العمل بالظن بالآيات الناهية عن العمل بالظن، وقد أطالوا الكلام في النقض والابرام في هذا المقام بما لا ثمرة مهمة في ذكره بعدما عرفت.
لانه إن أريد الاستدلال بها على حرمة التعبد والالتزام والتدين بمؤدى الظن، قد عرفت أنه من ضروريات العقل، فضلا عن تطابق الادلة الثلاثة النقلية عليه.
وإن اريد دلالتها على حرمة العمل المطابق للظن وإن لم يكن عن إستناد إليه: فإن أريد حرمته إذا خالف الواقع مع التمكن من العلم به، فيكفي في ذلك الادلة الواقعية، وإن أريد حرمته إذا خالف الاصول مع عدم التمكن من العلم، فيكفي فيه أيضا أدلة الاصول، بناء على ما هو التحقيق، من أن مجاريها صور عدم العلم الشامل للظن، وإن أريد حرمة العمل المطابق للظن من دون إستناد إليه وتدين به وعدم مخالفة العمل للواقع مع التمكن منه ولا لمقتضى الاصول مع العجز عن الواقع، فلا دلالة فيها ولا في غيرها على حرمة ذلك، ولا وجه لحرمته أيضا.
والظاهر أن مضمون الايات هو التعبد بالظن والتدين به، وقد عرفت أن ضروري التحريم، فلا مهم في إطالة الكلام في دلالةالايات وعدمها.
* * *
إنما المهم الموضوع له هذه الرسالة بيان ما خرج او قيل بخروجه من هذا الاصل من الامور الغير العلمية التي أقيم الدليل على إعتبارها مع قطع النظر عن إنسداد باب العلم الذي جعلوه موجبا للرجوع إلى الظن مطلقا أو في الجملة، وهي أمور: