المبحث التاسع: أنه لا دلالة للصيغة على الفور ولا على التراخي[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دلاله صيغه الأمر على الفور أو التراخي:


[1] قد يكون الواجب مضيقاً بأن جعل الشارع للإتيان به وقتاً يساوي الفعل، كالصيام في أيام شهر رمضان أو غيرها، وقد يكون موسعاً كالصلوات اليومية، حيث إن الزمان المعين لكل منها أوسع مما تقتضيه كل صلاة.

ولا كلام في أنـه يتعين في المضيق الاتيان به في زمانه، كما لا ينبغي التأمل في أنـه يجوز في الموسع التأخير إلى ما قبل انتهاء الوقت ممن يدركه ويتمكن منه قبل انتهائه، لأن تحديد الوقت الوسيع للفعل ظاهره الترخيص في التأخير المفروض.

وإنما الكلام فيما إذا تعلق الطلب بفعل بصيغة الأمر أو نحوها من غير تحديد الفعل أو الطلب بالزمان فهل يكون مدلول الصيغة ونحوها طلب الاتيان به فوراً أو طلب الاتيان به متراخياً أو لا دلالة لها على شيء منهما بل مدلولها طلب ايجاد الطبيعي فيكون مقتضى إطلاقها جواز تأخير الاتيان وعدم لزوم الاتيان فوراً، أو لزوم الاتيان متراخياً، فلا ينافي دلالتها بالاطلاق على جواز كل من الفور والتراخي.

ولو التزم في مورد بتعين الاتيان بالفعل فوراً فاللازم قيام دليل وقرينة على تلك الفورية سواء كانت الفورية بنحو وحدة المطلوب أو بنحو الاتيان به فوراً ففوراً وسواء كانت الفورية عقلية أو بنحو الفورية العرفية.

وقد يقال بقيام القرينة العامة بالإضافة إلى جميع موارد طلب الفعل وإيجابه، وتلك القرينة مستفادة من قوله تعالى: «سارعوا إلى مغفرة من ربكم»(217)

و«استبقوا الخيرات»(218)

، لأن مفادهما وجوب المبادرة إلى الخير وموجب المغفرة، وأما أن أي شيء خير أو موجب للمغفرة فلا تعرض فيهما لذلك، والمستفاد من إطلاق الصيغة ونحوها كما تقدم أن طبيعي الفعل ـ في أي زمان حصل ـ خير وموجب للمغفرة، وإذا انضم ذلك إلى الكبرى المستفادة من الآيتين تكون النتيجة وجوب الاتيان فوراً ففوراً، فإنه على تقدير الترك في الآن الأول يكون الاتيان به في الآن الثاني مسارعة واستباقاً بالإضافة إلى الازمنة اللاحقة وهكذا.

وأجاب الماتن (قدس سره) عن دعوى هذه القرينة العامة بجوابين:

الجواب الأول: أن طلب المسارعة إلى الخير وموجب المغفرة استحبابي، ولا أقل المستفاد منها مطلق مطلوبيتهما لا الطلب الوجوبي، وذلك لأن ظاهر الأمر بالمسارعة إلى الخير والمبادرة إلى موجب المغفرة أنـه ليس فيهما (يعني في المسارعة والاستباق) ملاك ملزم آخر يفوت بالاتيان بالخير وموجب المغفرة مع التأخير، ليكون ترك المسارعة والاستباق موجبا للغضب والسخط من جهة تفويت الملاك الملزم بالتأخير في إتيان موجب المغفرة وبالاتيان بالخير فيما بعد، ولو كان تركهما كذلك لكان الأمر بهما بنحو التحذير أنسب، لئلا يكون لهما ظهور في عدم الملاك الملزم الآخر، وما ذكر يعين ظهورهما في الاستحباب، ومع الاغماض عن ذلك فالالتزام بوجوب المسارعة والاستباق يوجب التخصيص المستهجن في الآيتين بإخراج المستحبات طراً والواجبات الموسعة ونحوهما مما يجوز فيها التأخير، وعليه فلو لم تكونا ظاهرتين في الاستحباب فلا أقل من إرادة مطلق المطلوبية منهما.

والجواب الثاني: ما أشار إليه بقوله «ولا يبعد دعوى استقلال العقل... إلخ» وحاصله أنه لا يبعد أن يقال باستقلال العقل بحسن الاستباق إلى الخير والمسارعة إلى موجب المغفرة، وليس المراد من حسنهما حسن الفعل، بأن يكون في المسارعة والاستباق ملاك مولوي آخر ـ ملزم أو غير ملزم ـ غير ما في الاتيان بما هو خير وموجب للمغفرة، نظير حكمه بحس العدل وقبح الظلم، ليتعين الأمر الشرعي والنهي الشرعي بقاعدة الملازمة بين حكم العقل والشرع، بل المراد الحسن الامتثالي يعني استقلال العقل بأن مع المسارعة يكون المكلف على إحراز من دركه الخير والوصول إلى المغفرة وهذا أرقى مراتب إحراز الامتثال، وحيث إن الآيتين أيضاً ظاهرتان في أنـه ليس في المسارعة والاستباق غير إحراز ملاك نفس الخير وموجب المغفرة فيكون الأمر بهما في الآيتين إرشاداً إلى ما استقل به العقل، كما هو الحال في أمر الشارع بأصل الطاعة وترك المعصية.

فتحصل مما ذكرنا أن مقتضى الجواب الثاني عدم كون الأمر بالمسارعة والاستباق مولوياً لا بنحو الايجاب ولا بنحو الاستحباب، بل هو إرشاد، ومقتضى الجواب الأول هو كون الأمر بالمسارعة والاستباق مولوياً، ولكن لا بنحو الايجاب، بل بنحو الاستحباب أو مطلق الطلب ومن دون دلالته على خصوصية الوجوب.

ولكن لا يخفى أن ما ذكره (قدس سره) في الجواب الأول غير تام، حيث ذكر أن حمل الأمر بالمسارعة والاستباق على الوجوب يوجب التخصيص المستهجن في الآيتين، والوجه في عدم التمامية هو ما ذكرناه من أن الوجوب مقتضى إطلاق الطلب المستفاد من الصيغة، والمراد من إطلاق الطلب كونه متصفاً بعدم ورود الترخيص في الترك، وعليه فإذا تعلق الطلب بأفعال ثم ورد الترخيص في ترك بعضها أو أكثرها يرفع اليد عن إطلاقه بالإضافة إلى ما ورد الترخيص في تركه فحسب، سواء كان تعلق الطلب بالافعال بعناوينها، أو بها بعنوان انحلالي، فقيام القرينة في المستحبات على الترخيص في ترك أصلها فضلاً عن المسارعة إليها وكذا في الواجبات الموسعة بالإضافة إلى المسارعة إليها في أول وقتها لا يوجب رفع اليد عن إطلاق الطلب المتعلق بالمسارعة إلى غيرهما من الخيرات وموجبات المغفرة.

وقد يقال: بأن ظاهر الأمر بالاستباق في الخير والمسارعة إلى المغفرة هو أمر المكلفين بالمسابقة في الخيرات والمغفرة، ولا تكون المسابقة إلا فيما إذا لم يصل الشخص إلى المقصود قبل الآخرين لفات عنه، كما في قوله سبحانه: «واستبقا الباب» فالاستباق والمسارعة هي المسابقة وإرادة الوصول إلى الشيء قبل الآخرين لئلا يفوت عنه الشيء، وهذا يناسب الواجب الكفائي مما يكون المطلوب من جميع المكلفين عمل واحد بحيث لو قام به أحدهم لسقط عن الآخرين، ولا يجري فيما إذا وجب على كل مكلف فعله المختص به، من دون أن يرتبط بعمل الآخرين كما في الواجبات العينية المهمة في المقام.

و على ما ذكر من اختصاص الأمر بالاستباق والمسارعة بالواجبات الكفائية يكون الأمر بهما للإرشاد إلى عدم فوت العمل من غير السابق إليه.

أضف إلى ذلك أنـه لا دلالة لآية المسارعة إلى المغفرة على وجوب الاتيان بكل ما يؤمر به فوراً، حيث لا عموم فيها.

ودعوى توصيف المغفرة بـ«من ربكم» يقتضي العموم، لا دليل عليها، ويؤيد عدم العموم وقوع الخلاف بين المفسرين في المراد من المغفرة التي أمر بالمسارعة إليها حيث قيل المراد كلمة الشهادة، أو أداء الفرائض، أو تكبيرة الإحرام في صلاة الجماعة، أو الصف الأول، أو التوبة، أو غير ذلك.

أقول: لم يؤخذ في معنى الاستباق فوت ما يتسابق فيه إذا لم يسبق إليه، بل يكون الفائت ملاك السبق إليه كما إذا شرع كل عامل بعمله الخاص واستبقوا في أعمالهم، يعني في فراغ كل منهم عن عمله، لم يفت ما يتسابق فيه بسبق أحدهم في العمل. نعم إذا لم يكن العمل قابلاً للتكرار بل كان أمرا واحداً يفوت عن غير السابق، كما في قوله تعالى: «واستبقا الباب»(219)

يكون الأمر كما ذكر، بخلاف مثل قوله سبحانه: «ولو شئنا لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط»(220)

فإن العمل لا يفوت عن الآخرين باستباق واحد منهم، وعلى ما ذكر فلا يوجب اختصاص الأمر باستباق الخيرات بالواجبات الكفائية، حيث إن فوت ملاك السبق لا يلازم فوت ما يتسابق فيه، وأما آية المسارعة، فليس فيها دلالة على المسابقة المعروفة، وما اشتهر من أن باب المفاعلة يكون بين الاثنين أمر لا أساس له، وسارعوا إلى مصارعهم أو مضاجعهم، يعني أراد كل الوصول إلى مصرعه أو مضجعه بسرعة.

وإذا كان المراد من المغفرة في الآية موجب الغفران والتزم بأن الواجبات من موجباتها كما يستظهر من قوله سبحانه «إن الحسنات يذهبن السيئات»(221)

فلا وجه لاختصاص الأمر بالمسارعة إليها، بواجب دون واجب لحصول الملاك في كل منها.

نعم لو قيل إن المراد منها التوبة عن الفواحش كما لا يبعد، بقرينة ما ذكر بعد ذلك، فلا ترتبط الآية بالاتيان بالمأمور به فوراً.

ثم إنه ـ مع الاغماض عما تقدم في تقرير كلام الماتن في جوابه الثاني من أن ظاهر الآيتين كون الأمر بالاستباق في الخيرات والمسارعة إلى المغفرة هو الارشاد والامن من عدم حصول الامتثال والغفران ـ يمكن أن يقال إن الأمر بالاستباق والمسارعة فيهما لا يناسب الالزام، وإلا لخرج العمل مع التأخير عن كونه خيراً وموجباً للمغفرة، حيث يكون التأخير موجباً للوزر. وإن شئت قلت يكون التأخير وترك السبق عنواناً مزاحماً لكون العمل خيراً وموجباً للغفران، وظاهر الآيتين كون ما في الاستباق والمسارعة من الملاك أمراً انضمامياً إلى ملاك الخير وموجب الغفران من دون أن يكون في تركهما مزاحمة للخير وموجب الغفران.

وهذا نظير ما قلناه في مسألة وجوب التوبة من عدم كون وجوبها شرعياً، وإنما يكون عقلياً دفعاً للضرر الحاصل من العمل السابق. نعم لا بأس بالالتزام بكونها مطلوباً نفسياً بما فيها من التضرع والخشوع والاستغفار.

والوجه في عدم كون وجوبها شرعياً أن التوبة قد فتح بابها رب العالمين رحمة لعباده، ومقتضاها أن لا يزيد فتح بابها وزراً على العبد فيما إذا توانى فيها، وقد ذكرنا أن ذلك يستفاد من بعض الروايات المعتبرة(222)

، ومدلولها أنه إذا صدرت معصية من عبد مؤمن أجله الله ساعات، فإن تاب لا يكتب عليه وزر وذنب، وإذا لم يتب يكتب عليه ذلك الذنب لا ذنبان، فراجع.

بقي في المقام أمر، وهو أنـه قد يدعى أن الصيغة وما بمعناها وإن لم تكن لها دلالة بنفسها على لزوم الاتيان والعمل فوراً وفي أول أزمنة الامكان لما تقدم من أن مدلول الهيئة طلب الايجاد، ومدلول المادة نفس طبيعي الفعل، إلا أن في البين قرينة عامة على أن طلب الطبيعي يراد به طلب إيجاده في أول أزمنة الامكان عرفاً ما لم يكن في البين قرينة خاصة على خلافها، والقرينة العامة هي توجيه الخطاب إلى الشخص، حيث إن التوجيه قرينة على أن الغرض في الطبيعي حين توجيه الخطاب، لا في الطبيعي ولو وجد بعد سنوات، سواء كان الغرض مما يعود إلى الآمر أو إلى المأمور.

ولكن لا يخفى أن هذه الدعوى لو سلمت في الخطاب الخاص المتوجه إلى شخص أو أشخاص متضمن لتكليفهم بفعل، فهي لا تجري في الخطابات العامة المتضمنة للتكاليف الانحلالية بنحو القضية الحقيقية كما هو المهم في المقام.

نعم لا يبعد دعوى عدم جواز التواني في امتثال التكاليف الانحلالية بحيث يعد التأخير من عدم الاعتناء بالتكليف، وهذا أمر آخر غير مسألة الاتيان بمتعلق التكليف فوراً.

 

 

 

تتمة: بناءاً على القول بالفور فهل قضية الأمر الاتيان فوراً ففوراً[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] إن القائل بالفور إن استظهر لزومه من آيتي المسارعة والاستباق فقد تقدم أن مقتضاهما الإتيان فوراً ففوراً، وإن استفاد الفور من دلالة نفس صيغة الأمر كما هو ظاهر الماتن (قدس سره)، فابتناء القول بالاتيان فوراً ففوراً أو الاتيان في الزمان الأول خاصة، على كون مدلول الصيغة وحدة المطلوب أو تعدده، غير صحيح، فإنه بناءاً على تعدد المطلوب يكون مدلولها مطلوبية ذات الطبيعي ومطلوبية الاتيان به أول الازمنة بعد الأمر، وإذا ترك المكلف العمل في أول أزمنة الامكان يبقى الطلب المتعلق بذات الطبيعي، ومقتضى بقائه جواز التأخير لا الاتيان به فوراً ففوراً.

نظير ما يقال في تبعية القضاء للأداء من أن المستفاد من الأمر بالصلاة في الوقت مثلاً أمران، أحدهما: مطلوبية نفس الصلاة، وثانيها: مطلوبيتها في وقتها، وإذا خالف المكلف التكليف الثاني يبقى الأول، وهو التكليف بالاتيان بالطبيعي ولو خارج الوقت ومقتضاه التوسعة. هذا وقد تقدم في بحث المرة والتكرار أن المستفاد من الهيئة وجوب واحد، وإذا تعلق بالعمل أول أزمنة الامكان أو بالصلاة في وقت، يسقط ذلك الوجوب بعد انقضاء أول أزمنة الامكان كانقضاء الطلب بانقضاء وقت الصلاة. وحدوث ملاك ملزم في نفس الطبيعي بعد انقضاء أول أزمنة الامكان أو بعد الوقت أو وجوده من الأول يحتاج إلى دليل وخطاب آخر متضمن للتكليف بنفس الطبيعي، ولذا التزم المشهور بأن وجوب القضاء بأمر جديد لا بالتكليف بالفعل في الوقت، وإذا لم يتم دليل على التكليف بالطبيعي ووصلت النوبة إلى الاصل العملي فالمرجع هو استصحاب عدم جعل تكليف آخر، ولا مجال لاستصحاب وجوب الفعل، حيث إن الحادث المتيقن سابقاً ـ وهو الوجوب المتعلق بالفعل المقيد ـ قد علم بارتفاعه بانقضاء أول أزمنة الامكان، أوانقضاء الوقت، والوجوب المتعلق بنفس الطبيعي غير محرز من الأول، فيكون الاستصحاب في طبيعي الوجوب من الاستصحاب في القسم الثالث من الكلي، فتدبر.

لا يقال: إذا فرض دلالة الصيغة على الفور يكون مدلولها طلب الفعل في أول أزمنة الامكان، ومقتضى تقييد المتعلق به عدم تعلق طلب بذات الفعل، فلا تصل النوبة إلى الاصل العملي.

فإنه يقال: يكون مدلول الصيغة تعلق الطلب المنشأ بالفعل المقيد حتى ثبوتاً لا عدم إنشاء طلب آخر لذات الفعل، فإن التقييد لا مفهوم له، فاللازم عند الشك في إنشاء طلب آخر بذات العمل الرجوع إلى الاصل العملي ومقتضاه ما تقدم، ولا يبعد أن يكون ما ذكرنا هو مراد الماتن (قدس سره) من قوله «لما كان لها دلالة على نحو المطلوب من وحدته أو تعدده»(223)

.

 

 

الظاهر أن المراد من وجهه[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبحث الاجزاء:


[1] قد تقدم في بحث التعبدي والتوصلي عدم إمكان أخذ قصد التقرب في العبادات في متعلق الأمر بالاتيان بالصلاة مثلاً بلا قصد التقرب، وإن كان من الاتيان بالمأمور به بتمامه إلا أنه لا يكفي في سقوط الأمر بها، وعليه فاللازم في اندراج العبادات في عنوان البحث أن يقال المراد من «وجهه» الوارد فيه هو النحو المعتبر شرعاً وعقلاً في الاتيان بمتعلق الأمر، ولا يصح إرادة خصوص النحو المعتبر شرعاً، وإلا لكان ذكر «على وجهه» توضيحياً مع لزوم خروج التعبديات عن عنوان الخلاف بناءاً على ما هو المختار عند الماتن (قدس سره) وغيره من أن قصد التقرب اللازم في العبادات من القيود المعتبرة في كيفية الاطاعة عقلاً، لا مما يعتبر في متعلق الأمر شرعاً.

والوجه في لزوم خروجها وضوح عدم الاجزاء فيها بمجرد الاتيان بتمام متعلق الأمر.

ولا مجال أيضاً لتوهم أن المراد بالقيد المفروض هو قصد الوجه الذي ذهب بعض إلى اعتباره في العبادات، والوجه فيه هو أن قيد «على وجهه» وارد في عنوان البحث في كلام الاصحاب كلهم، ولو كان المراد القصد المفروض لما ذكره إلا من يرى اعتباره. ولا وجه أيضاً لتقييد مطلق الاتيان بالمأمور به، بالقصد المفروض فإن من يعتبره لا يرى اعتباره إلا في خصوص العبادات.

كما لا وجه لاختصاصه بالذكر وإهمال قصد التقرب بناءاً على ما تقدم من عدم إمكان أخذه كقصد الوجه في متعلق الأمر، فيتعين أن يكون المراد المعنى الجامع ليندرج فيه قصد الوجه أيضاً على تقدير القول باعتباره، وهو ما تقدم من النحو المعتبر في الاتيان بالمأمور به عقلاً وشرعاً.

ومما ذكرنا ظهر أنـه بناءاً على أن قصد التقرب وكذا قصد الوجه مما يمكن أخذه في متعلق التكليف وأنـه لا فرق بينهما وبين سائر القيود المأخوذة في متعلقه، يكون قيد «على وجهه» في عنوان البحث توضيحياً لا محالة.

 

 

ثانيها: ان المراد من الاقتضاء ههنا الاقتضاء بنحو العلية والتأثير[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ذكر (قدس سره) أن المراد من الاقتضاء في عنوان البحث هو التأثير والعلية لا بمعنى الكشف والدلالة، ولذا نسب فيه الاقتضاء إلى الاتيان بالمأمور به، لا إلى الصيغة ونحوها، مما يدل على طلب الشيء وإيجابه.

لا يقال: إن الاتيان بمتعلق تكليف على وجهه يؤثر ويوجب سقوط الأمر بذلك المتعلق فيكون بمعنى التأثير والعلية، وأما اقتضاء الاتيان بمتعلق تكليف لسقوط تكليف آخر، كما في الاتيان بالمأمور به الظاهري، حيث يسقط معه التكليف الواقعي، وكذا في الاتيان بالمأمور به الاضطراري، حيث يسقط معه التكليف بالاختياري فبمعنى الكشف والدلالة، والخلاف فيه يرجع إلى الخلاف في دلالة خطاب الأمر بالظاهري أو بالاضطراري على الاجزاء وعدم دلالته.

فإنه يقال: يمكن أن يعنون مورد الخلاف في اقتضاء الأمر الظاهري والاضطراري للإجزاء بذلك المعنى أيضاً، بان يقال: إن البحث في أن الاتيان بالمأمور به الظاهري أو الاضطراري هل يؤثر في الاجزاء وسقوط التكليف بالإضافة إلى التكليف الواقعي أو الاختياري أم لا؟ كما كان بالإضافة إلى أمر نفسهما، غاية الأمر البحث في أن الاتيان بهما يؤثر في سقوط التكليف الواقعي والاختياري، ينشأ عن الخلاف في دلالة دليل الأمر الظاهري أو الاضطراري وأن ذلك الدليل يدل على كون المأمور به الظاهري أو الاضطراري واجداً لتمام ملاك المأمور به الواقعي أو الاختياري أو بالمقدار اللازم من ملاكهما أم لا؟ بخلاف البحث في أن الاتيان بهما يوجب سقوط الأمر بهما، فإن البحث في هذه الجهة لملاك آخر كما يأتي.

والمراد من قوله (قدس سره) «ويكون النزاع في إجزاء الاتيان بالمأمور به الظاهري أو الاضطراري بالإضافة إلى التكليف بالواقعي والاختياري صغروياً أيضاً، بخلافه في الاجزاء بالإضافة إلى أمره فإنه لا يكون إلا كبرويا»(224)

أي بخلاف البحث في أن الاتيان بهما يجزي عن أمر نفسهما، فإن البحث فيه على تقديره كبروي لا محالة، هو أن مع الاتيان بالمأمور به على وجهه يكون المأتي به واجداً لتمام ملاك متعلق التكليف، ويبحث في المسألة في أن المأتي به كذلك يوجب سقوط التكليف، بحيث لا يكون مجال للامتثال ثانياً، لا أداء ولا قضاءاً، أو لا يوجب سقوطه مطلقا كما يأتي، وبما ان البحث في المأتي به الظاهري أو الاضطراري يقع في دلالة دليلهما على أنهما واجدان لملاك المأمور به الواقعي والاختياري لا محالة يكون البحث في إجزائهما عن التكليف الواقعي والاختياري بحثاً صغروياً، بخلاف البحث في أن الاتيان بهما يجزي عن أمر نفسهما، فإن هذا البحث والخلاف على تقديره كما نقل عن بعض يكون كبروياً لا محالة، لأن المفروض حصول ملاك المأمور به الظاهري أو الاضطراري في المأتي به منهما.

وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) أن المراد بالاقتضاء في عنوان الخلاف وإن كان هو الاقتضاء الثبوتي لا الاثباتي (أي الكشف والدلالة) ولذا نسب الاقتضاء في العنوان إلى الاتيان لا إلى الأمر بالشيء، إلا أن في إسناد الاقتضاء إلى الاتيان لكونه علة لسقوط الأمر بالفعل أو لعدم الأمر بالقضاء والتدارك مسامحة، لأن الاتيان بمتعلق الأمر معلول للأمر به، فكيف يكون الاتيان علة لعدم الأمر به، فإن الشيء لا يمكن أن يكون علة لعدم نفسه، بل سقوط الأمر مستند إلى انتهاء أمده وعدم بقاء الغرض منه لانتهاء المعلول بانتهاء علته، وكذا الحال بالإضافة إلى الأمر بالقضاء، حيث إن الأمر بالتدارك يتوقف على الخلل في المتدارك، من فوته بنفسه، أو فوت بعض ملاكه، ومع الاتيان بالمأمور به أو حصول ملاكه لا يكون في البين فوت، لا في المأمور به ولا في بعض ملاكه(225)

.

أقول: الظاهر أن المراد بالاقتضاء ليس الاقتضاء الاثباتي ولا الاقتضاء الثبوتي بمعنى علية الاتيان بالمأمور به وتأثيره في سقوط التكليف، لا لما ذكره(قدس سره)، بل لأن الطلب والبعث الاعتباري حدوثاً وبقاءاً يكون بالاعتبار والجعل، فعدم الأمر بعد الاتيان بالمتعلق خارجاً إنما هو لعدم سعة المجعول من الطلب بالإضافة إلى بقائه، ولا يؤثر فيه شيء من الاتيان أو لعدم بقاء الغرض على غرضيته، فإنه لو التزم بعدم الغرض في أوامر الشارع أصلاً لكان الاتيان بالمتعلق ـ سواء كان على نحو صرف وجود الطبيعي أو غيره ـ مقتضياً لسقوط الأمر وعدم بقائه، فالمراد من الاقتضاء مجرد حكم العقل بعدم الانفكاك، بمعنى أن عدم البعث نحو الفعل بقاءاً المستند إلى عدم جعله، ملازم للإتيان بمتعلق الأمر، وكذلك بالإضافة إلى عدم الأمر بالتدارك والقضاء. وبالجملة، هذه المسألة نظير مسألة اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضده الخاص، أو مسألة الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته بحث عن حكم العقل بالملازمة وعدمها.

وما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) من أن الاتيان بمتعلق الأمر معلول للأمر به ففيه أن الأمر لا يكون علة، بل يمكن أن يكون داعياً ومرجحاً لاختيار المكلف، ولكن لا بوجوده الواقعي، بل بوجوده الاحرازي والعلمي، والفرق بين المرجح والداعي وبين العلة تقدم تفصيله في بحث الطلب والارادة.

 

 

الظاهر أن الاجزاء ههنا بمعناه لغة وهو الكفاية[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قد فسر في كلام جماعة الاجزاء بسقوط التعبد ثانياً وبسقوط القضاء، وعليه يكون استعماله فيهما من استعمال اللفظ في معنيين مختلفين، ولكن لا يخفى أنـه ليس للإجزاء معنى مصطلح، بل المراد منه المعنى اللغوي وهو الكفاية، ويختلف ما يكفي عنه، فإن كان ما يكفي عنه الأمر به، فلازم الكفاية عدم لزوم الإعادة أو عدم جواز تكرار الامتثال، وإن كان الأمر الآخر كما في إجزاء الاتيان بالمأمور به الظاهري عن الواقعي وإجزاء المأمور به الاضطراري عن الاختياري، فلازمه عدم لزوم التدارك أو القضاء.

 

 

الفرق بين هذه المسألة ومسألة المرة والتكرار[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ذكر (قدس سره) أن الفرق بين البحث السابق في دلالة صيغة الأمر على المرة أو التكرار، وبين البحث في هذه المسألة ظاهر، حيث كان البحث في تلك المسألة في تعيين متعلق الأمر بحسب دلالة الصيغة بنفسها، أو بالقرينة العامة كما تقدم، ولكن البحث في هذه المسألة هو أنـه بعد تعيين المأمور به يكون البحث في أن مع الاتيان به هل يحكم العقل بالاكتفاء به وأنـه لا يبقى للتعبد به ثانياً مجال، أم لا يحكم؟

نعم لو قيل في تلك المسألة بدلالة الصيغة بنفسها أو بالقرينة على التكرار، لكان التكرار عملاً موافقاً لعدم الاجزاء.

وكذا الفرق بين مسألة الاجزاء ومسألة تبعية الاداء للقضاء ظاهر، فإن البحث في مسألة تبعية القضاء للأداء في دلالة الصيغة على تعدد المطلوب بأن يكون نفس الفعل مطلوباً والاتيان به في الوقت مطلوباً آخر، بحيث يتحقق بالاتيان في الوقت كلا المطلوبين ويجب الاتيان بالفعل خارج الوقت على تقدير تركه في الوقت، أو أن المستفاد منها وحدة المطلوب، ويحتاج لزوم الاتيان بالفعل خارج الوقت إلى تكليف وخطاب آخر.

ويكون البحث في المقام ـ بعد تعيين أن المطلوب هو الطبيعي أو المقيد ـ في أن الاتيان بالمأمور به هل يوجب سقوط الأمر أم لا؟ ولا يخفى أن مسألة تبعية القضاء للأداء تركت في كتب المتأخرين، لوضوح عدم استفادة المطلوبين من الأمر بالفعل في الوقت، بل لا يبعد القول بعدم إمكان تعلق وجوبين في زمان، أحدهما بطبيعي الفعل، وثانيهما بالطبيعي المقيد بالزمان أو بغيره، لأن الأمر بالطبيعي في زمان الأمر بالمقيد يصبح لغواً لحصول الطبيعي بالمقيد، وإنما يصح وجوبه معلقا أو مشروطاً بترك المقيد أو فوته.

 

 

الأول: أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي، بل بالأمر الاضطراري[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إجزاء الأمر عن نفسه:


[1] يقع البحث في مسألة الاجزاء في موضعين:

أحدهما: إجزاء الاتيان بكل من المأمور به الاختياري أو الاضطراري الظاهري عن الأمر المتعلق بكل منها، وحاصل ما ذكره (قدس سره) في هذا الموضع أنه لو كان حصول متعلق الأمر علة تامة لحصول الغرض الاقصى، كما إذا أمر المولى عبده ببيع شيء فباعه العبد، ففي مثل ذلك لا محيص عن سقوط الأمر بحقيقته وملاكه، ونظيره ما إذا أمره بعتق نفسه أو عتق عبد آخر فأعتقه.

وأما إذا لم يكن الاتيان علة تامة لحصول الغرض، كما إذا أمره بالاتيان بالماء ليشربه أو يتوضأ به، ففي مثل ذلك لا يكون الأمر ساقطاً بعد الاتيان بالماء، بحقيقته وملاكه، وإن سقطت داعويته، حيث إن الغرض الداعي إلى الأمر به ليس مجرد تمكنه من الماء ولو آناً ما، بحيث لو أهرق الماء بعد المجيء به لكان حاصلاً، بل الغرض رفع عطشه والوضوء به، والمفروض بقاء هذا الغرض، فكيف يسقط الأمر المسبب منه ؟ نعم تسقط كما ذكرنا داعويته مادام المأتي به قابلاً لصرفه في عطشه أو وضوئه، فلو أهرق واطلع عليه العبد تتجدد داعويته، فيجب الاتيان به ثانياً، كما إذا لم يأت بالماء أولاً.

وعلى ذلك، فما دام لم يصرف المولى الماء، فللعبد تبديل امتثاله بامتثال آخر مثله أو أحسن منه.

 

تبديل الامتثال:


ولو لم يعلم أن الاتيان بالمأمور به من أي القسمين يكون له تبديل الامتثال لاحتمال بقاء الأمر، ويؤيد جواز تبديل الامتثال ـ بل يدل عليه ـ ما ورد في إعادة من صلى فرادى جماعة، من أن الله (سبحانه) يختار أحبهما إليه.

أقول: الاتيان بمتعلق الأمر وإن لم يكن موجباً لحصول الغرض الاقصى، ولكن ذلك الغرض لا يطلب حصوله من المكلف وما يكون مترتباً على متعلق التكليف يحصل بالاتيان به لا محالة، فإذا أمر المولى بالاتيان بالماء ليشربه أو يتوضأ به، فمادام لم يصرفه في شربه أو وضوئه وإن لم يحصل غرضه الاقصى، إلا أن الغرض الداعي له إلى الأمر بالاتيان بالماء ـ وهو تمكنه منه وحصول الماء تحت يده ـ حاصل، ومعه لا معنى لبقاء أمره، إذ مع وجود الماء عنده بعد الاتيان أو قبله لا يصح أمر العبد بالاتيان بالماء.

والحاصل أنه مع الاتيان بالماء وتمكين المولى منه، يكون الأمر به ساقطاً بحقيقته وملاكه، ولو كان في الاتيان بالماء الآخر غرض آخر غير إلزامي، يكون الاتيان ثانياً امتثالاً للطلب غير الالزامي، وتحصيلاً لذلك الغرض غير الملزم، ولا معنى لامتثال الأمر السابق الساقط.

نعم، لو أهرق الماء في المثال واطلع عليه العبد، يجب الاتيان به ثانياً، لكن لا بالأمر السابق الساقط، بل للطلب الجديد الذي هو مثل السابق، والعلم بأن المولى يريد منه الاتيان ثانياً كاف في لزوم ذلك عليه، بحيث لو فرض غفلة المولى عن إراقته يكون علمه بأن لمولاه غرض في حصول الماء عنده، حجة عليه.

وما ورد في إعادة الصلاة جماعة، فهو أمر آخر استحبابي تعلق بإعادتها، كاستحباب إعادة صلاة الآيات، لا أنها امتثال للأمر الأول، وما في بعضها من أنـه يجعلها فريضة، فالمراد منها قصد القضاء لا قصد فريضة الوقت، كما صرحت بذلك موثقة إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): «تقام الصلاة وقد صليت، فقال: صل واجعلها لما فات»(226)

. فلا يتعين أن يكون المراد من جعلها فريضة قصد الفريضة بالاصل وإن كانت مستحبة بعنوان إعادتها، كما هو المحتمل في صحيحة الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «إذا صليت وأنت في المسجد، وأقيمت الصلاة، فإن شئت فاخرج، وإن شئت فصل معهم واجعلها تسبيحاً»(227)

. وفي موثقة عمار، قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوماً يصلون جماعة، أيجوز أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: نعم، وهو أفضل» الحديث(228)

.

وبالجملة، إعادة الصلاة المأتي بها ثانيا كما في إعادة صلاة الآيات ما لم يحصل الانجلاء، والصلاة التي صلاها فرادى مع الجماعة ثانيا إنما هو بأمر استحبابي آخر، وكذا يجوز لمن صلى في جماعة إماما أن يعيد تلك الصلاة إماماً لقوم آخرين، بأن يكون المأموم في إعادتها غير المأموم في المأتي به أولاً، كما يدل على ذلك الاطلاق في صحيحة ابن بزيع، قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): «إني أحضر المساجد مع جيرتي وغيرهم، فيأمرونني بالصلاة بهم، وقد صليت قبل أن آتيهم، وربما صلى خلفي من يقتدي بصلاتي والمستضعف والجاهل، فأكره أن أتقدم، وقد صليت لحال من يصلي بصلاتي ممن سميت ذلك،فمرني في ذلك بأمرك أنتهي إليه وأعمل به إن شاء الله تعالى، فكتب (عليه السلام): صل بهم»(229)

.

كل ذلك بأمر آخر، وليس امتثالاً للأمر الأول.

نعم يمكن أن يكون المراد في بعض الروايات الاتيان بصورة الصلاة لا إعادتها حقيقة، كالتي وردت في إعادة الصلاة مع المخالفين، وأمره (عليه السلام) بجعلها تسبيحة، ولكن ظاهر البعض الآخر استحباب الاعادة لمن صلى منفرداً ثم وجد جماعة، كصحيحة حفص البختري، عن أبي عبدالله (عليه السلام) «في الرجل يصلي الصلاة وحده، ثم يجد جماعة، قال يصلي معهم ويجعلها الفريضة»(230)

. والمراد بجعلها فريضة في مثلها قصد الفريضة بالاصل، وإن كانت مستحبة بالاعادة. وموثقة عمار، قال: «سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصلي الفريضة ثم يجد قوماً يصلون جماعة، أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم؟ قال: نعم، وهو أفضل، قلت: فإن لم يفعل ؟ قال: ليس به بأس»(231)

.

وما في رواية أبي بصير، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): أصلي ثم أدخل المسجد فتقام الصلاة، وقد صليت، فقال: صل معهم يختار الله أحبهما إليه»(232)

، مضافاً إلى ما في سندها من الضعف لا يدل على تبديل الامتثال بالمعنى الذي ذكره، فإنها ناظرة إلى مرحلة حفظ العمل لإعطاء الثواب، ولا دلالة فيها على وقوع الاحب مصداقاً للواجب، وإلا يكون اختيار المصداق بإرادة الله لا بقصد العبد، كما هو المراد من تبديل الامتثال، وظاهرها أنـه لو كانت الجماعة المفروضة موجبة للمزية في الصلاة، كما إذا كانت واجدة لشرائطها، تحسب صلاته المنفردة التي صلاها أولاً بتلك المزية في مقام إعطاء الثواب. ثم إن هذا كله بالإضافة إلى الاتيان بالمأمور به الواقعي الاختياري أو الاتيان بالمأمور به الاضطراري الواقعي، بالإضافة إلى أمر نفسهما وأنه لا مجال بعد الاتيان بمتعلق الأمر فيها لإعادة الامتثال، إلا مع ورود الأمر الاستحبابي بإعادتهما أو مع احتمال الأمر الاستحبابي بإعادتهما، حيث يمكن الاعادة بقصد الرجاء واحتمال ذلك الأمر.

وأما المأمور به الظاهري، فلا مجال فيه للتفصيل المتقدم في كلام الماتن (قدس سره) من كون الاتيان علة تامة لحصول الغرض أو بقاء الغرض الاقصى مع الاتيان به، وذلك لأن المأمور به الظاهري لا يكون فيه ملاك ليقال إن الاتيان به علة تامة لحصول ذلك الملاك أو بقاء الغرض الاقصى، كما هو المقرر في محله. نعم إذا صادف المأمور به الظاهري المأمور به الواقعي يجري عليه ما تقدم في الاتيان بالمأمور به الواقعي. وبالجملة، التفصيل في الاجزاء بحسب الغرض والملاك لا يجري في المأمور به الظاهري.

 

 

وتحقيق الكلام فيه يستدعي[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إجزاء الأمر الاضطراري عن الواقعي:


[1] تعرض (قدس سره) لأقسام المأمور به الاضطراري، وذكر له أربعة أقسام، والتزم بالاجزاء في القسم الأول والثاني والرابع، وبعدم الاجزاء في الثالث.

 

أنحاء الفعل الاضطراري:


القسم الأول: ما إذا كان المأمور به الاضطراري في ظرف تشريعه الواقعي مشتملاً على تمام ملاك الاختياري أو المقدار اللازم منه، وظرف التشريع يختلف، فتارة يكون عدم التمكن من الاختياري في تمام وقته، وأخرى يكون ظرف تشريعه عدم التمكن من الاختياري، ولو في بعض الوقت مطلقا، أو بشرط اليأس من التمكن من الاختياري إلى آخر الوقت، وعبر عن الفرض الأول بالاضطرار بشرط الانتظار، وعن الثاني بالاضطرار مطلقاً، وعن الثالث بالاضطرار مع اليأس من طرو الاختيار، وعلى الفروض الثلاثة يكون الاتيان بالمأمور به الاضطراري في ظرف تشريعه موجباً للإجزاء في الفرض الأول عن القضاء فقط، وعن القضاء والاعادة في الفرضين الآخرين.

هذا بحسب الفروض في القسم الأول، ولكن لا يخفى أن ظاهر خطاب الاضطراري مع عدم القرينة على الخلاف هو الفرض الأول، أي اعتبار عدم التمكن من الاختياري في شيء من الوقت، وذلك لأن التمكن اللازم في الأمر بالاختياري هو التمكن من صرف وجوده لا على كل واحد من وجوداته ومصاديقه، ومع التمكن منه ولو في آخر الوقت يصح إيجابه من أول الوقت، حيث يترتب على إيجابه من أول الوقت تهيئة بعض ما يتوقف على تهيئته الاتيان به ولو في آخر الوقت، وعلى ذلك فيكون ظاهر عدم التمكن من الاختياري، الموضوع للأمر بالاضطراري هو عدم التمكن من صرف وجوده في وقته، نعم مع القرينة على الخلاف تتبع تلك القرينة، سواء كان مقتضاها اعتبار مجرد الاضطرار مطلقا، أو بشرط اليأس. وبالجملة، ففي فروض اشتمال المأمور به الاضطراري في ظرف تشريعه على تمام ملاك الاختياري لا موجب لوجوب الاعادة أو القضاء.

القسم الثاني: أن يكون الفعل الاضطراري مشتملاً على بعض ملاك الاختياري، ولكن لو استوفى ذلك البعض بالاتيان به لا يبقى مجال لتدارك الباقي لا بالاعادة ولا بالقضاء، وفي مثل ذلك لا يصح للآمر الأمر بالفعل الاضطراري إلا مع استيعاب الاضطرار جميع الوقت، كما لا يجوز للمكلف الاتيان به أول الوقت أو في جزء منه مع تمكنه من الاختياري، ولو في آخر الوقت، لأن في هذه المبادرة تفويتاً للغرض ولمقدار من الملاك الملزم، لفرض تمكنه من إدراك تمام الملاك الملزم بالاتيان بالاختياري ولو في آخر وقته، وهذا فيما كان المقدار الفائت بالبدار ملاكا ملزماً كما هو ظاهر الفرض.

لا يقال: لا مجال في الفرض لتشريع الاضطراري أصلاً، بل يتعين الأمر بقضاء الاختياري لإمكان الاستيفاء به.

فإنه يقال: لا يتدارك بالقضاء مصلحة الوقت، ولذا يتعين تشريع الاضطراري في صورة استيعاب الاضطرار لتمام الوقت، ومع فرض الاستيعاب يجوز للمكلف الاتيان بالاضطراري في أول الوقت، إذ مع إحرازه استيعاب الاضطرار لا تفويت في البدار. نعم، مع عدم إحرازه لا يجوز له ذلك لاحتمال التفويت، والاستصحاب في بقاء الاضطرار إلى آخر الوقت لا يثبت عدم التفويت، ولو بادر المكلف إلى الاتيان بالاضطراري في هذا القسم ـ ولو مع إحرازه التمكن من الاختياري ـ فهل يمكن الحكم بصحته حتى في العبادات، فلا يبعد ذلك كما هو ظاهر الماتن (قدس سره) أيضاً، حيث فرض مع البدار حصول بعض الملاك وبهذا الاعتبار يمكن قصد التقرب بالعمل ولا يكون الفعل الاضطراري المتبادر إليه محرماً شرعاً لعدم اقتضاء الأمر بالاختياري النهي عن ضده الخاص، وإنما يحكم العقل بعدم جوازه في الفرض لئلا يكون الاتيان به موجباً لفوات الملاك الملزم في الاختياري.

ثم إنه لا وجه للاستثناء من عدم جواز البدار في الفرض بقوله: «إلا لمصلحة كانت فيه»(233)

وذلك لأنـه لو كان المراد البدار في صورة استيعاب الاضطرار لتمام الوقت فهذا ليس من البدار المصطلح، وإن كان المراد البدار في صورة ارتفاع الاضطرار قبل تمام الوقت فلا يحصل بالبدار تمام الملاك الملزم، فضلاً عن أن يكون أهم من ملاك الاختياري، ولعله إلى ذلك أشار بقوله «فافهم».

القسم الثالث: أن يكون الفعل الاضطراري واجداً لبعض الملاك الملزم، ويبقى بعضه الآخر قابلاً للتدارك بالاتيان بالاختياري مع ارتفاع الاضطرار في الوقت بالاعادة ومع ارتفاعه بعد خروج الوقت بالقضاء، وفي هذا القسم يجب الاتيان بالاختياري بالاعادة عند ارتفاع الاضطرار في الوقت وبالقضاء عند ارتفاعه خارجه، ويجوز البدار إلى الاضطراري، وعليه فيتخير المكلف في فرض ارتفاع الاضطرار قبل خروج الوقت بين الاتيان بالاضطراري حال اضطراره مع الاتيان بالاختياري قبل خروج الوقت وبين الاتيان بالاختياري خاصة قبل خروج الوقت وهذا فيما إذا كان البعض الباقي من الملاك وافياً بالمقدار اللازم استيفاؤه ولا يقل عنه.

أقول: لا يمكن المساعدة على ما ذكره في هذا القسم، فإن الفعل الاختياري في هذا القسم مع تمكن المكل ف من صرف وجوده قبل خروج الوقت، مأمور به من الأول، كما هو مقتضى كونه واجباً موسعاً، ومعه كيف يمكن إيجاب الاضطراري حال الاضطرار، والتكليف التخييري بين فعل وبين ذلك الفعل مع الفعل الآخر غير معقول، لأن أحد الفعلين مأمور به على كلا التقديرين، وإنما الممكن الأمر الاستحبابي بالبدار إلى الاضطراري.

نعم، مع استيعاب عدم التمكن لتمام الوقت، يمكن الأمر بكل من الاضطراري بعنوان الاداء لاستيفاء ملاك الوقت وبالاختياري بعنوان القضاء لاستيفاء باقي الملاك الملزم، ولا يمكن في موارد الأمر بالقضاء اشتمال الاختياري قضاءاً على تمام ملاك الاختياري أداءاً وإلا كان اشتراط الوقت بلا ملاك.

القسم الرابع: ما إذا أمكن استيفاء بعض الباقي من الملاك، ولكن لم يكن ذلك البعض بالمقدار اللازم استيفائه، بل كان أقل منه ففي هذا الفرض إن كان الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت يتعين الاتيان بالاضطراري في الوقت ويستحب قضاء الاختياري خارج الوقت.

ولو كان الفعل الاضطراري مشتملاً على بعض الملاك الملزم كذلك فبمجرد طرو الاضطرار وإن لم يستوعب تمام الوقت لا يتعين البدار، بل يجوز للمكلف الاتيان بالاضطراري حال الاضطرار والاتيان بالاختياري بعد رفع الاضطرار قبل خروج الوقت.

ولا يخفى أن كلام الماتن (قدس سره): «وفي الصورة الثانية» أي فيما لم يكن المقدار الباقي لازم الاستيفاء يتعين عليه البدار، ويستحب إعادته بعد زوال الاضطرار، غير تام لا في فرض وجود الملاك مع استيعاب الاضطرار، فإنه خلاف مصطلح البدار وإن صح البدار في هذا الفرض ولا في فرض وجود الملاك بمجرد حدوث الاضطرار، حيث ذكرنا أن المكلف مخير مع ارتفاع الاضطرار قبل خروج الوقت.

وقد ظهر مما ذكرناه في الاقسام أنـه يلزم من تشريع المأمور به الاضطراري في القسمين الأولين والقسم الرابع الاجزاء بخلاف تشريعه في القسم الثالث، فإنه لا يلازم الاجزاء.

ولا يخفى أن في البين قسماً خامساً من المأمور به الاضطراري، وهو أن يكون فيه ملاك ملزم آخر يحدث ذلك الملاك عند الاضطراري إلى ترك الاختياري ولكن لا يفوت ـ حتى مع الاتيان به ـ ملاك الفعل الاختياري رأساً، حيث إن الملاكين سنخان لا يرتبط أحدهما بالآخر أصلاً، وفي هذا الفرض كما يؤمر بالاضطراري يؤمر بالاختياري أيضاً بعد تجدد الاختيار لاستيفاء الملاك الفائت ولو بقدر الامكان كما في مسألة من لا يتمكن من إدراك الوقوف بالمشعر بعد الاحرام بالحج، فإنه مكلف بإتمام الاحرام عمرة وبالحج في السنة القابلة.

وقد يقال: إن البحث عن إجزاء المأمور به الاضطراري عن الاختياري في الاقسام الاربعة مبني على تعدد الأمر والوجوب بأن يتعلق وجوب بالفعل الاختياري ووجوب آخر بالفعل الاضطراري، ويبحث في أن موافقة الثاني أو امتثاله هل يوجب سقوط الأمر بالاختياري أو لا؟ مع أنـه لو كان الأمر كذلك فكل تكليف يقتضي امتثال نفسه ولا يوجب سقوط التكليف الآخر، بل التتبع فيما هو الثابت في الشرع من التكاليف الاضطرارية يرشدنا إلى أنـه ليس في البين إلا تكليف متعلق بطبيعة واحدة بالإضافة إلى جميع المكلفين على نحو الوجوب العيني أو الكفائي، وتختلف أفراد تلك الطبيعة بالإضافة إلى المكلفين تارة، وإلى مكلف واحد بحسب حالاته تارة أخرى، فمثلاً خطاب «أقيموا الصلاة» يقتضي توجه التكليف بالصلاة إلى كل واحد من المكلفين والمطلوب في الخطاب طبيعي الصلاة من كل مكلف، غاية الأمر أن الطبيعي من المسافر في الرباعيات ركعتان ومن غيره أربع ركعات كما أن الطبيعي من واجد الماء يكون بوضوء أو غسل ومن فاقد الماء يكون بالتيمم، وهكذا من القادر على القيام لا يتحقق بالجلوس ويتحقق به من العاجز عن القيام.

والحاصل أن على كل مكلف امتثال الأمر بالطبيعي، ولا يكون فرده في حال فرداً في حال آخر، وهذا لا يوجب تعدد الطبيعة وتعدد الأمر، نعم يبقى في البين تشخيص أن الصلاة مع التيمم مثلاً فرد لها عند عدم وجدان الماء في جميع الوقت أو إنما فرد لها بمجرد عدم التمكن ولو في بعض الوقت مطلقا أو بشرط اليأس عن وجدانه قبل خروج الوقت، فإن أحرز أن المعتبر العجز في تمام الوقت فلا مورد لوجوب القضاء وإن أحرز الثاني فلا موضوع للامتثال بعد سقوط الأمر بالطبيعي. وعدم جواز البدار واقعاً مع اعتبار العجز في تمام الوقت، إنما هو لعدم كون المأتي به مع البدار فرداً من الطبيعي، فتحصل أنه مع إحراز كون المأتي به فرداً لا إعادة ولا قضاء.

لا يقال: يمكن أن يكون الفرد الاختياري للصلاة أتم صلاحاً وأقوى ملاكاً ولبقاء الملاك بالاتيان بالفرد الاضطراري يجب الاعادة أو القضاء لتدارك الباقي من الملاك.

فإنه يقال: اللازم عقلاً على المكلف امتثال أمر الشارع لا تحصيل المصالح لعدم إحاطة عقولنا بالمصالح الواقعية ليلزم علينا تحصيلها.

أقول: ليس المراد في باب الاجزاء أن الثابت في حق كل مكلف تكليفان: أحدهما واقعي اختياري، والآخر واقعي اضطراري، بل المراد أن مقتضى الاتيان بالمكلف به الاضطراري، أن لا يتوجه إليه ما يجب على المكلف المختار على فرض تركه الفعل الاختياري من القضاء أو الاداء والاعادة.

ودعوى أنـه لا تعدد في ناحية متعلق التكليف بالإضافة إلى المختار والعاجز، بل كل منهما مكلف بطبيعي واحد وإنما الاختلاف في ناحية أفراد تلك الطبيعة، لا يمكن المساعدة عليها، لما تقدم في مبحث الصحيح والأعم أنـه لا يمكن فرض جامع في الصلاة بحيث ينطبق على الافراد الصحيحة خاصة ولا يعم الافراد الناقصة المعبر عنها بالفاسدة، نعم في مثل الطهارة بناءاً على كونها من المسببات كما ذهب إليه المشهور، وأن التيمم والوضوء والغسل موجد لها يمكن القول بأن الصلاة المقيدة بالطهارة لا تختلف وأن المأمور به في حق كل من واجد الماء وفاقده هي الصلاة مع الطهارة، حيث إن التيمم من واجد الماء لا يوجب طهارة، ولكن هذا لا يجري بالإضافة إلى صلاة العاجز عن القيام وصلاة القادر عليه وكذا صلاة المتمكن من استقبال القبلة وصلاة غير المتمكن منه، ونحوهما بل لابد من الالتزام بتعدد الوجوب لتعدد المتعلق، وخطاب «أقيموا الصلاة» وإن كان يعم العاجز والقادر، إلا أنه بضميمة ما دل على اعتبار الاستقبال والستر والقيام مع التمكن منها ينكشف أن متعلق الوجوب ثبوتاً غير متعلق الوجوب في حق العاجز عنها.

نعم في باب الصلاة خصوصية وهي أن الاجماع والضرورة اقتضتا عدم وجوب الازيد من خمس صلوات في اليوم والليلة في حق كل مكلف، وإذا ثبت في مورد تشريع الصلاة الاضطراري واقعاً ولو مع التمكن من الاختياري في آخر الوقت يحكم بإجزاء الاضطراري، ولا ربط لذلك بالقول بأن متعلق الوجوب في حق جميع المكلفين طبيعة واحدة.

وأما ما ذكر أخيراً من أنـه لا يجب على المكلف استيفاء المصالح ورعايتها لعدم إحاطة عقولنا بها، ففيه ما لا يخفى، فإن الاقسام المتقدمة إنما فرضت بحسب مقام الثبوت في علم الشارع وملاحظته، وأن الشارع إذا لاحظ أن الملاك الموجود في الاتيان بالفعل الاختياري لا يدرك إلا بالاتيان بالاضطراري في الوقت وبالاختياري في خارجه، يأمر بالاضطراري في الوقت وبالاختياري بعد ارتفاع الاضطرار في خارج الوقت، نظير ما ذكر في القسم الخامس من الأمر بإتمام الاحرام للحج عمرة مفردة، مع الأمر بقضاء الحج في السنة القادمة والذي دل عليه صحيحة معاوية بن عمار، قال أبو عبدالله (عليه السلام): «أيما حاج سائق للهدي، أو مفرد للحج، أو متمتع بالعمرة إلى الحج، قدم وقد فاته الحج فليجعلها عمرة، وعليه الحج من قابل»(234)

.

والحاصل، يقع البحث في المقام في أنـه لو شرع الفعل الاضطراري ولم يقم دليل على أنـه من قبيل تشريع الصلاة عند الاضطرار، أو أنـه من قبيل الأمر بإتمام الاحرام للحج عمرة عند فوت الوقوف الاضطراري أيضاً، فهل لازم تشريع الاضطراري الاجزاء، أو أنـه لا يلازم الاجزاء، لما تقدم من إمكان وقوعه على بعض الاقسام مما هو غير ملازم للإجزاء، كما إذا يمموا الميت لفقد الماء وكفنوه وصلوا عليه ودفنوه، وبعد أيام أخرج الميت بجريان السيل على مكان دفنه، أو بفعل آدمي، فهل يجب تغسيله فعلا، لأن الميت لم يغسل، أو أن تشريع التيمم السابق يلازم كفايته فلا حاجة إلى تغسيله، بل يجب دفنه خاصة.

 

 

وأما ما وقع عليه، فظاهر إطلاق دليله مثل قوله سبحانه «فلم تجدوا ماءاً»(235)

[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يظهر من كلامه (قدس سره) أنه يستفاد من خطاب الأمر بالاضطراري الاجزاء عن الاختياري في موردين:

الأول: أن يستفاد من خطابه كفاية الاضطرار، ولو في بعض الوقت في مشروعيته والأمر به، ولو كان المكلف متمكنا من الاختياري بعد ذلك، كما هو ظاهر الآية المباركة في أن التيمم وظيفة غير الواجد للماء عند القيام إلى الصلاة حتى لو وجد الماء بعد الصلاة ولو قبل خروج وقتها.

الثاني: أن يدل خطاب الاضطراري على تساوي ملاكه مع ملاك الفعل الاختياري، والتساوي إما أن يستفاد من إطلاق خطاب الاضطراري، كقوله (عليه السلام): «إن التيمم أحد الطهورين»(236)

، حيث إنه لم يقيد بمثل قوله «ولكنه ناقص في طهوريته» أو يصرح بالتساوي أو يذكر ما ظاهره التساوي، كقوله (ص):«يا أباذر، يكفيك الصعيد عشر سنين»(237)

، وفي مثل الموردين يؤخذ بمقتضى خطاب الاضطراري ويرفع اليد عن إطلاق خطاب الاختياري لو كان له إطلاق يقتضي الاتيان به عند حصول التمكن.

ولو لم يكن لخطاب الفعل الاضطراري إطلاق ـ كما ذكرـ، وكان لخطاب الاختياري إطلاق يقتضي الاتيان به عند التمكن، كما في مثال إخراج الميت الذي يمموه سابقاً، يؤخذ بإطلاق الاختياري ومقتضاه عدم الاجزاء.

وأما إذا لم يكن إطلاق لا في ناحية الخطاب الاضطراري ولا في ناحية خطاب الأمر بالاختياري، ووصلت النوبة إلى الاصل العملي، فالمرجع هي أصالة البراءة عن وجوب الاختياري في الوقت أو ما هو بمنزلة الوجوب في الوقت، لكونه شكاً في التكليف، كما أن المرجع هي أصالة البراءة عن وجوب القضاء بالأولوية، لأن القضاء بأمر جديد.

نعم لو فرض أن موضوع وجوب القضاء في خطاب الأمر به، عدم الاتيان بالاختياري، ولو مع عدم وجوبه واستيفاء الغرض منه كلا أو بعضاً لوجب القضاء، ولكن هذا مجرد فرض، لأن الموضوع للقضاء فوت الشيء، أي عدم إدراك ملاكه، ومع احتمال الادراك بالاضطراري لا يحرز الفوت.

أقول: كما أنـه إذا لم تجب الاعادة لم يجب القضاء بالأولوية، كذلك وجوب القضاء يوجب الاعادة أيضاً بالأولوية.

ثم بناءاً على ما ذكره (قدس سره) في الصورة الثالثة من إمكان كون الاضطراري واجداً لبعض الملاك الملزم ويكون المقدار الباقي ممكن الاستيفاء بالفعل الاختياري قبل خروج الوقت أو بعد خروجه قضاءاً، وفي فرض القدرة على الاختياري قبل خروجه الذي يكون الوجوب في الوقت على النحو التخيير بين الفعلين بأن يأتي بالاضطراري عند الاضطرار وبالاختياري قبل خروج الوقت أو يأتي بالاختياري فقط، لا يمكن أن يكون تشريع الاضطراري في بعض الوقت موجباً للحكم بالاجزاء، ولو كان لخطاب الاضطرار إطلاق، فإن مقتضى إطلاقه أنه متعلق للأمر، سواء تمكن من الاختياري قبل خروج الوقت أو لم يتمكن، وهذا لا ينافي عدم الاجزاء، واحتمال الوجوب التعييني في المأمور به الاضطراري مع عدم استيعاب الاضطرار لجميع الوقت غير موجود، وعليه فيمكن أن يكون تشريعه في بعض الوقت من قبيل القسم الثالث.

نعم بناءاً على ما ذكرنا من عدم إمكان الوجوب التخييري بين الفعلين والفعل الواحد منهما يكون الأمر بالاضطراري حال الاضطرار ولو تخييراً بينه وبين تركه إلى الاتيان بالاختياري مقتضياً للإجزاء لامحالة، وأيضاً استظهار كفاية الاضطرار في بعض الوقت في الاتيان بالصلاة بالتيمم من الآية المباركة على تقدير تماميته، إنما هو مع قطع النظر عن الروايات الواردة في فاقد الماء، وأما بالنظر إليها فلا تصح الصلاة مع التيمم مع عدم اليأس عن الظفر بالماء قبل خروج الوقت فضلاً عن العلم به، وفي صحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل(238)

. والتفصيل موكول إلى محله.

ولا يخفى أيضاً أن استفادة الاجزاء، فيما إذا كان مدلول الخطاب أن القيد الاضطراري لمتعلق الأمر ولو كان الاضطرار في بعض الوقت كالقيد الاختياري في حال الاختيار، وإن كان صحيحاً إلا أنه لا يوجب جواز إدخال المكلف نفسه في الاضطرار، حيث إن منصرف عدم التمكن من الاختياري الموضوع للأمر بالاضطراري صورة عدم الادخال في الاضطرار عمداً في ظرف الأمر بالاختياري، ولا يستفاد مما ورد في أن التيمم أحد الطهورين، مع ملاحظة ما ورد من تفريع الأمر بالتيمم على عدم التمكن من الطهارة المائية إلا الأمر به عند هذا الاضطرار، كما هو الحال أيضاً بالإضافة إلى ما دل على أن من أدرك اضطراري الوقوف بالمشعر فقد أدرك الحج، بل وعدم جواز إدخال النفس في الاضطرار في ظرف فعلية الأمر بالاختياري هو مقتضى فعلية هذا الأمر، فالحكم بجواز إدخال النفس في موضوع الاضطرار بعد حصول ظرف فعلية الأمر بالاختياري في مورد يحتاج إلى دليل خاص فيه، كالحكم بجواز إدخال النفس في التقية الموجبة لترك بعض ما يعتبر في الصلاة، كترك السجود على ما يصح السجود عليه، كالحكم بجواز إجناب المكلف نفسه بإتيان الزوجة مع علمه بعدم التمكن من الاغتسال ولو أدخل المكلف نفسه في الاضطرار بعد فعلية التكليف بالاختياري، فإن قام دليل على أن التكليف لا يسقط حتى مع الاضطرار، كذلك كما هو الحال بالإضافة إلى الصلاة، تنتقل الوظيفة إلى الصلاة بالقيد الاضطراري، وإن أثم بمخالفة مقتضى التكليف بالاختياري بإدخال نفسه في الاضطرار بعد فعليته.

وأما إذا لم يقم دليل على عدم سقوط التكليف، فلا يمكن الحكم بالاجزاء مع القيد الاضطراري، كما قد يقال بذلك بالإضافة إلى الصوم فيما إذا تعمد المكلف البقاء على الجنابة إلى أن بقي إلى الفجر زمان لا يسع إلا التيمم، حيث إنه لا يحكم بإجزاء ذلك الصوم، وهذا هو الحال فيمن ترك الوقوفين في عرفة والمشعر متعمداً وأراد أن يكتفي بالوقوف في المشعر يوم العيد قبل الظهر.

ثم إن ما ذكره (قدس سره) من أنه إذا لم يتم الاطلاق في ناحية الاضطراري ليكون مقتضياً للاجزاء، ولا في ناحية الاختياري ليكون مقتضياً للإعادة، مع فرض عدم الاطلاق في الاضطراري، ووصلت النوبة إلى الاصل العملي، يكون مقتضى أصالة البراءة عن وجوب الاختياري عدم لزوم الاعادة، غير خال عن الاشكال، بناءاً على ما ذكره في القسم الثالث من التخيير بين الفعلين، أي الاتيان بالاختياري في آخر الوقت والاتيان بالاضطراري في حال الاضطرار، مع لزوم الاختياري آخر الوقت فإن احتمال عدم الاجزاء يلازم احتمال وقوع الأمر بالاضطراري على هذا النحو، وبناءاً على صحة التكليف بالاختياري من أول الأمر، لتمكن المكلف من صرف وجوده بين الحدين، كان المكلف على يقين من حصول الأمر بالاختياري من حين الأمر بالاضطراري، ويحتمل عدم سقوط ذلك التكليف بالاتيان بالاضطراري، فيكون وجوب الاختياري بعد الاتيان بالاضطراري مجرى للاستصحاب بناءاً على اعتباره في الشبهة الحكمية ومقتضاه لزوم الاعادة في الوقت.

والالتزام بحدوث الأمر بالاختياري بحدوث الاختيار والتمكن بلا موجب، حيث إن التمكن من صرف وجود الاختياري قبل خروج الوقت كاف في الأمر به في أول الوقت، فلا مجال لتوهم أن المورد من موارد الرجوع إلى البراءة، لاحتمال حدوث التكليف بالاختياري عند حدوث التمكن عليه.

نعم بناءاً على ما ذكرنا من أن التخيير في الوجوب بين فعل وفعلين أحدهما عين الأول غير معقول، يكون تشريع الاضطراري عند الاضطرار في بعض الوقت ملازماً للإجزاء فيما إذا كان التشريع بنحو الايجاب، لأن المكلف في الفرض يكون مكلفاً بفعل واحد، وهو إما الاتيان بالاضطراري في ظرف الاضطرار، وإما الاتيان بالاختياري قبل خروج وقته، فيتعلق الوجوب بأحدهما، ومعه لا مجال لاحتمال عدم الاجزاء.

وأما إذا احتمل تشريع الاضطراري في ظرف الاضطرار بنحو الاستحباب، وأن المكلف يتعين عليه الفعل الاختياري، يدخل المقام في دوران أمر التكليف بالاختياري بين التعيين والتخيير، فإن الوجوب المعلوم إما تعلق بالاختياري أو بالجامع بينه وبين الاضطراري، فالأول كما إذا كان تشريع الاضطراري بنحو الندب، والثاني ما إذا كان بنحو الايجاب، وقد ذكرنا في محله أنه مع دوران أمر التكليف بين كونه بنحو التعييني أو التخييري يكون مقتضى البراءة عن تعلقه بخصوص أحدهما هو التخيير، ولا يعارض بأصالة البراءة عن تعلقه بالجامع، لأن رفع الوجوب المحتمل في الجامع خلاف الامتنان، وهذا بعد سقوط الاستصحاب في ناحية عدم جعل الوجوب للجامع مع عدم جعله لخصوص الاختياري، وتمام الكلام في محله.

وكذا الحال فيما إذا لم يعلم تشريع الاضطراري بنحو البدار أصلاً، بل احتمل تشريعة بنحو الوجوب التخييري، فإنه يكون المرجع أصالة البراءة عن تعيين الاختياري.

وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) في تعليقته على كلام الماتن (قدس سره) ما حاصله: أن تعلق الوجوب بالاختياري كالصلاة بالوضوء محرز، كما أن تعلقه بالصلاة مع التيمم محرز ـ كما هو فرض جواز البدار واقعاً ـ ولكن لم يعلم أن البدل بمجرده عدل للاختياري، أو أن البدل المنضم إليه المبدل عدل له، فإن كان تشريع الاضطراري بالقسم الأول أو بالقسم الرابع، فالبدل بمجرده عدل للاختياري، وإن كان تشريع الاضطراري بالقسم الثالث ـ الذي لازمه عدم الاجزاء ـ فالعدل للاختياري هو الاضطراري المنضم إليه الاختياري بناءاً على التخيير بين الفعلين والفعل الواحد، وعليه فلا مانع من جريان البراءة في ناحية تعلق الوجوب بانضمام المبدل إلى البدل.

ولا يقاس المقام بدوران الأمر بين تعل ق الوجوب بالاقل أو الاكثر الارتباطيين، حيث يقال فيه بعدم انحلال العلم الاجمالي بالوجوب عقلاً، والوجه في عدم القياس أن الاقل في ذلك الباب مرتبط بالاكثر في الصحة، وحصول ملاكه لو كان الوجوب متعلقاً بالاكثر بخلاف المقام، فإن الوجوب لو كان متعلقاً بالبدل المنضم إليه المبدل لحصل ملاك البدل وصح الاتيان به، كما أن الأمر في ناحية المبدل أيضاً كذلك، وعليه فتعلق الوجوب بذات البدل محرز، وتجري البراءة في تعلق ذلك الوجوب بالمبدل المنضم إلى البدل.

وبتعبير آخر: تعلق الوجوب بالمبدل المسبوق بالبدل غير محرز، فتجري البراءة عن وجوبه، وأما تعلقه بالمبدل غير المسبوق بالبدل، فهو محرز كما أن تعلقه بأصل البدل محرز، فالمقام أشبه بموارد دوران أمر الواجب بين الاقل والاكثر الاستقلاليين(239)

.

أقول: لو سلم (قدس سره) في موارد الوجوب التخييري تعلق وجوب واحد بعنوان ينطبق على كل من الابدال كما هو ظاهر كلامه (قدس سره)، فالأمر في ذلك العنوان الجامع دائر بين أن يكون بحيث ينطبق على المبدل بانفراده وعلى البدل بانفراده، أو أن يكون بحيث ينطبق على المبدل بانفراده وعلى البدل المنضم إليه المبدل، ومقتضى استصحاب عدم تعلق وجوب بالجامع على النحو الأول عدم الاكتفاء بالبدل بانفراده، ولا يعارض هذا الاستصحاب استصحاب عدم تعلقه بالجامع على النحو الثاني، فإن هذا الاستصحاب لا أثر له للعلم بإجزاء المبدل بانفراده والبدل المنضم إليه المبدل، فإن أريد بهذا الاستصحاب نفي هذا الاجزاء فلا مورد له، وإن أريد إثبات تعلقه بالجامع على النحو الأول فهو مثبت.

اللهم إلا أن يقال: مقتضى هذا الاستصحاب أنـه لا يتعين على المكلف الاتيان بالمبدل المنضم إلى البدل، فيتعارضان وتصل النوبة إلى البراءة، فتجرى في ناحية تعلق الوجوب بالعنوان على النحو الثاني ولا تعارضها البراءة عن تعلقه بالجامع بالنحو الأول، فإنها خلاف الامتنان، كما مر.

وأما ما يقال من أن الاصل في المقام هو الاشتغال كما هو مقتضى العلم بوجود الملاك الملزم في البين، وتمكن المكلف من استيفائه بالاتيان بالاختياري قبل خروج الوقت، وأما مع الاقتصار على البدل فلا يحرز استيفائه، فلا يخفى ما فيه، فإن هذا القول ذكر وجها لوجوب الاحتياط في موارد دوران أمر الواجب بين الاقل والاكثر الارتباطين، وكذا مورد دورانه بين التعيين والتخيير، والجواب كما ذكر في ذلك البحث أن الملاك الملزم لا يزيد على التكليف، فمع جريان البراءة عن وجوب الاكثر، أو وجوب ما يحتمل تعيينه، يكون مقتضاه عقلاً معذورية المكلف في ترك استيفاء الملاك لو كان موجوداً في الاكثر أو فيما يحتمل تعيينه.

ثم إن الرجوع إلى الاصل العملي ـ على ما مر ـ يختص بما إذا لم يكن في البين ما يثبت نفي تشريع الاضطراري، وقد ذكرنا أن في موارد الشك في تشريعه يكون خطاب الأمر بالاختياري نافياً لتشريعه، فإن مقتضاه تعل ق التكليف بالاختياري معيناً مع التمكن من صرف وجوده من أول دخول الوقت إلى آخره.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)