والتحقيق ما كان منه يجري في تنقيح ما هو موضوع التكليف وتحقيق متعلقه[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إجزاء المأمور به الظاهري عن الواقعي:


[1] حاصل ما ذكره (قدس سره) في المقام أنه قد يكون مقتضى خطاب الحكم الظاهري جعل ما هو معتبر في موضوع الحكم ومتعلق التكليف جزءاً أو شرطاً كقاعدة الطهارة، فإن مفاد خطابها اعتبار طهارة البدن واللباس المأخوذة في تعلق الأمر بالصلاة، وكاستصحابها بناءاً على ما هو الصحيح من كون الاستصحاب أصلاً عملياً ومفاد خطاب اعتباره ثبوت حكم ظاهري مماثل للثابت سابقاً، غاية الأمر الثابت سابقاً طهارة واقعية بخلاف الثابت بالاستصحاب فإنها طهارة ظاهرية لا محالة، وكقاعدة الحلية فإن مقتضاها حلية المكان أو الحيوان المأخوذ من أجزائه اللباس وكذا استصحاب الحلية فيما إذا طرء على الحيوان أو المكان ما يشك معه في بقاء الحلية، وهذا كما ذكر بناءاً على ما هو الصحيح من اعتبار الاستصحاب كسائر الأصول العملية لا أنـه معتبر كالامارات.

وقد يكون مفاد خطاب الحكم الظاهري اعتبار كشف الشيء عن الواقع أو اعتبار منجزيته ومعذريته كما في أدلة اعتبار الامارات الحاكية عن الواقع.

ثم إنه يحكم بالاجزاء في مورد الاتيان بالمأمور به الظاهري وانكشاف مخالفته للواقعي في القسم الأول، مما يكون مفاد الخطاب الظاهري تحقق الجزء أو الشرط للمأمور به بجعلهما، والسر في الاجزاء حكومة الخطاب الظاهري على دليل اعتبار ذلك الشرط أو الجزء في متعلق التكليف أو موضوعه، فمثلاً تكون القاعدة والاستصحاب في طهارة الثوب أو حليته موجباً للتوسعة فيما دل على اعتبار الطهارة والحلية في ثوب المصلي، وأنها أعم من الطهارة أو الحلية الواقعية.

أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) عدم الفرق في الصورة الثانية التي يحكم فيها بعدم الاجزاء بين القول بجعل الحجية للأمارة أو جعل الحكم الطريقي، وأنه لا يحكم بالاجزاء على كلا القولين.

وعليه يبقى سؤال الفرق بين الطهارة والحلية في موارد جريان الأصول وبين الطهارة والحلية في موارد قيام الطريق والامارة، فإنه بناءاً على جعل الحكم الطريقي يكون المجعول في مورد قيام الطرق على قيود متعلق التكليف كمفاد الأصول فيها.

وقد ذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) في التفرقة بين الاصل العملي الجاري في متعلق التكليف وبين الامارة القائمة عليه ـ على مسلك جعل مدلول الامارة حكماً طريقياً ـ ما حاصله: أن الامارة بما أنها تحكي عن الثبوت واقعاً، يكون اعتبارها جعل الاثر المترتب على ذلك الواقع، فيكون مقتضى اعتبار الامارة القائمة على طهارة شيء أو حلية حيوان جواز الصلاة فيه أو معه، بخلاف الاصل الجاري في طهارة شيء أو حليته، فإن مقتضى قوله (عليه السلام): «كل شيء طاهر أو حلال» جعل نفس الطهارة للشيء من غير نظر إلى ثبوتها أو نفيها واقعاً، وكذا في الحلية.

لا يقال: على ما ذكر يلزم أن لا يكون الاستصحاب في طهارة الثوب أو البدن موجبا للتوسعة في المتعلق، لأن مفاد خطاب اعتباره ثبوت الطهارة السابقة وبقائها، فيكون كالامارة القائمة على بقائها في أنه إذا انكشف الخلاف وظهر عدم ثبوتها واقعاً يكون مقتضى خطاب التكليف بالمأمور به الواقعي الاتيان به، مع أن صحيحة زرارة قد صرحت بخلافه.

فإنه يقال: المدعى قصور التعبد بثبوت الشيء واقعاً عن جعل نفس ذلك الشيء، لا أنه ينافيه، وعليه فلا بأس بالتعبد بثبوته واقعاً مع جعل نفس ذلك الشيء، ولكن نقول التعبد بالامارة القائمة على طهارة شيء لا يقتضي جعل نفس الطهارة، لأن التعبد في الامارة إنما هو في جهة حكايتها، والتعبد فيها من هذه الجهة لا يقتضي إلا جعل أثر المحكي عنه بخلاف الاستصحاب، فإن اعتباره ليس من جهة الحكاية، نعم هو كذلك بناءاً على أنـه ظن بالبقاء وأنـه اعتبر من هذه الحيثية(240)

.

أقول: قد يتبادر إلى الذهن أن نتسائل كيف حكم الماتن (قدس سره) بإجزاء الاتيان بالمأمور به الظاهري في الموارد المشار إليها، مع أنـه (قدس سره) قد قسم المأمور به الاضطراري إلى أقسام أربعة، وحكم في بعضها بعدم الاجزاء وفي بعضها بعدم جواز البدار لتفويت الملاك، ولكن لم يفصل في المأمور به الظاهري بمثل ذلك؟

والجواب أنـه استفاد من خطاب اعتبار الاستصحاب وقاعدتي الطهارة والحلية في موارد جريانهما في متعلق التكليف، التوسعة في الواقع المعبر عنها في كلمات القوم بالحكومة، ولازم التوسعة تدارك ملاك القيد الواقعي مع الاتيان بالمأمور به الظاهري، فلا نقص فيه من جهة تدارك الملاك.

ولكن لا يخفى أن الاستصحاب في طهارة الثوب لو كان موجباً للتوسعة في شرط الصلاة بأن يكون أعم من الطهارة الواقعية و الظاهريه لكان الاستصحاب في نجاسته أيضاً موجباً للتوسعة في مانعية النجاسة عن الصلاة، وعليه لو قامت أمارة على نجاسة الثوب فصلى فيه برجاء طهارته لاحتمال عدم إصابة الامارة للواقع وشك رجل آخر في بقاء نجاسة ثوبه وصلى فيه برجاء طهارته واقعاً، ثم بعد الصلاة ظهر طهارة كل من الثوبين حال الصلاة، فاللازم الحكم بصحة الصلاة في مورد قيام الامارة والبطلان في مورد الاستصحاب، مع أن الحكم بالصحة في الأول والبطلان في الثاني لم يعهد التزامه من فقيه، وأيضاً لو كانت الحكومة في قاعدة الطهارة واستصحابها أمراً صحيحاً، للزم الالتزام بطهارة المتنجس فيما إذا غسله بماء شك في طهارته ثم بعد غسله علم بأن الماء كان نجساً، فإن الطهارة المعتبرة في الماء المغسول به أعم من الواقعية والظاهرية على الفرض، ولو شك في بقاء وضوئه وصلى، ثم علم بأنه كان محدثاً، فاللازم الحكم بعدم وجوب إعادة الصلاة لعدم الخلل بذلك في الطهارة، حيث إن الطهارة ـ كما زعم الماتن (قدس سره) ـ قد ارتفعت من حين العلم بالحدث، وأن الصلاة قد وقعت مع الطهارة المعتبرة، حيث إنها أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية.

ولو شك في بقاء الماء على طهارته ولاقاه شيء طاهر، وبعد ذلك علم نجاسة الماء، فاللازم أن لا يحكم بنجاسة الملاقي، لأن الماء المفروض حال الملاقاة كان طاهراً.

والسر في ذلك كله أنه يعتبر في الحكومة الموجبة للتوسعة والتضييق أن يكون المنفي أو المجعول المحكي بخطاب الحاكم من سنخ المجعول المحكي بخطاب المحكوم في كونه نفسياً أو طريقيا، ليكشف خطاب الحاكم عن السعة والضيق في المجعول المحكي بخطاب المحكوم، وأما إذا كان المجعول في الخطاب حكماً نفسياً، وفي الخطاب الآخر ـ ولو عبر عنه بخطاب الحاكم ـ طريقياً، يكون مقتضى المجعول الطريقي عدم النفسية وأنـه يرتب عليه أثر الواقع النفسي ما دام الجهل لغاية التنجيز والتعذير، وإذا أحرز الواقع وأنـه كان على خلاف المجعول طريقاً، فاللازم رعايته، حيث إن ثبوت الحكم الظاهري لا يوجب الانقلاب والتغيير في المجعول الواقعي، لعدم المنافاة بين أن يكون تعلق الحكم أو موضوعه مقيداً بالقيد الواقعي، وبين جعل ذلك القيد طريقياً، بحيث يعتبر ذلك الحكم الطريقي بترتيب أثر القيد الواقعي عليه ما دام لم ينكشف الواقع لمصلحة في جعل ذلك القيد الطريقي واعتباره، ولو كانت تلك المصلحة نوعية، وإذا انكشف الخلاف وجب التدارك لبقاء الواقع بحاله وعدم الاتيان بمتعلق التكليف الواقعي. ومما يكشف عن بقاء قذارة الشيء ونجاسته الواقعية بحالها الغاية الواردة في خطاب قاعدة الطهارة من قوله (عليه السلام): «كل شيء نظيف حتى تعلم أنـه قذر»(241)

.

ودعوى أن معنى جريان أصالة الطهارة الجارية في الثوب المشكوك طهارته ليس جعلاً لطهارة الثوب ضرورة، أنـه لو كان نجساً فهو باق على نجاسته واقعاً، وإنما الطهارة الظاهرية له تفيد التوسعة في الشرطية الحاصلة من تعلق التكليف بالصلاة في الثوب الطاهر، حيث إن المتفاهم عرفاً من خطاب أصالة الطهارة مع لحاظ خطاب الأمر بالصلاة في الثوب الطاهر، هو أن القيد أعم، فإذا صلى في الثوب المفروض يسقط ذلك التكليف حتى لو انكشفت نجاسة ذلك الثوب بعد الصلاة، لأن التوسعة في الشرطية أوجبت سقوط التكليف ولا انكشاف للخلاف بالإضافة إلى التوسعة، ومع ذلك يحكم بنجاسة ملاقي ذلك الثوب رطباً ولو قبل ظهور الحال. والحاصل أن ما دل على طهارة المشكوك حاكم على خطاب اشتراط الصلاة بطهارة الثوب لا خطاب ما دل على تنجس الشيء بملاقاة النجس، وهذا بخلاف ما إذا قام الطريق على طهارة ثوب وانكشف خطاءه فيما بعد، فإن اعتبار شيء طريقاً إلى القيد الواقعي لا يوجب التوسعة في الشرطية المستفادة من مثل خطاب: صل في ثوب طاهر. ويمكن استفادة هذا الاجزاء في موارد قاعدة الطهارة واستصحابها من مثل قول علي (عليه السلام): «ما أبالي أبول أصابني أو ماء إذا لم أعلم»(242)

.

لا يمكن المساعدة عليها، فإنه لم يظهر الفرق بين ما إذا كان مفاد الاصل والقاعدة اعتبار ما هو قيد لمتعلق التكليف، وبين ما إذا كان مفادهما اعتبار قيد لموضوع الحكم الوضعي، بأن يقال بإجزاء الصلاة مع استصحاب الطهارة، ولا يطهر الثوب المتنجس بماء مستصحب الطهارة، ودعوى الفرق بينهما جزاف، وجعل الفارق ضرورة الفقه كما ترى، فإن الحكم بصحة الصلاة مع النجاسة الواقعية جاهلاً بها إنما هو من باب عدم كونها مانعة في الصلاة.

نعم النقض على كلام الماتن (قدس سره) بموارد قاعدة التجاوز كما إذا شك في الركوع بعد ما سجد وبنى على الركوع قبله وأتم الصلاة، ثم انكشف عدم الاتيان بالركوع، أو بموارد بيع الشيء مع الشك في كونه ملكاً له، وبعد البيع ظهر عدم كونه ملكاً له، ونحوهما لا وجه له، لأن مفاد قاعدة التجاوز ليس جعلاً للركوع، ومفاد قاعدة اليد ليس جعلاً للملكية حال البيع، بل القاعدة اعتبرت طريقاً إلى الملكية الواقعية.

ثم لو فرض صحة الالتزام في موارد جعل الطهارة والحلية الظاهريتين بالاجزاء للتوسعة المزعومة، فلا يجري ذلك في موارد استصحاب الطهارة والحلية، وإن قلنا ـ كما هو الصحيح ـ بكون الاستصحاب أصلاً عملياً، وذلك لما ذكرنا في بحث الاستصحاب بأن مفاد دليله ليس جعل حكم مماثل للحكم السابق، بل مفاده اعتبار العلم بحصول السابق علما بالبقاء، والتفصيل موكول إلى محله.

بقي في المقام أمر، وهو أنـه لو قيل بالاجزاء في موارد التعبد بالشرط أو الجزء أو عدم المانع بمفاد الأصول باعتبار أنها توجب التوسعة فيما هو شرط وجزء ومانع في متعلق التكليف لا يفرق في جريان الأصول بين الشبهات الموضوعية والحكمية، وهذا بخلاف موارد الامارات، حيث إن مفاد دليل اعتبارها ثبوت الشرط الواقعي بجعل الامارة طريقا تاماً إليه فلا يوجب قيامها الاجزاء بعد انكشاف الخلاف فيها، ويكون مقتضى التكليف بما هو مقيد بالشرط امتثاله، وهذا كله بناءاً على ما هو الاظهر في اعتبار الامارات من أن اعتبارها على وجه الطريقية لا بنحو السببية.

 

الاجزاء في الامارات على السببية:


وأما بناءاً على السببية وكون قيامها موجباً لحصول الحلية أو الطهارة للشيء، فيكون الاتيان بالمأمور به الظاهري موجباً لحصول الامتثال، لأن المأمور به الذي يأتي به المكلف على طبق الامارة القائمة على الطهارة ـ مثلاً ـ يكون مشتملاً عليها بقيام الامارة، ويكون كالواجد لها بالوجدان في حصول الملاك، كما هو مقتضى دليل اعتبارها، بناءاً على السببية، إلا أن يقوم دليل خاص في مورد على فوات بعض الملاك الواقعي بحيث يلزم تداركه، فلا يجزي، أو يستحب تداركه فيجزي كصورة اشتماله على جميع الملاك. والوجه في اقتضاء إطلاق دليل اعتبارها على السببية هو أن مدلوله بناءاً عليها جعل مدلول الامارة شرطاً واقعياً، والوجه في اقتضاء إطلاق دليل اعتبارها على السببية هو أن مدلوله بناءاً عليها جعل مدلول الامارة شرطاً واقعياً، فلا معنى لانكشاف الخلاف فيه بعد ذلك.

ولكن لا يخفى أنه لا يظن أن يلتزم أحد باعتبار الامارة على نحو السببية إلا في الامارات القائمة على الاحكام الكلية التكليفية أو الوضعية، دون القائمة على الموضوعات الخارجية والاحكام الجزئية، كما إذا اشترى ثوباً من جلد الحيوان وبعد الصلاة حصل له العلم بأنه من الميتة، فالالتزام بالاجزاء من جهة اعتبار سوق المسلمين من باب السببية، وأن الشارع قد جعل التذكية الواقعية للثوب المفروض بشرائه منه مادام لم ينكشف الحال، غير معهود في باب اعتبار الامارات، وعليه فتنحصر ثمرة اعتبار الامارة بنحو الكشف أو السببية في الاحكام الكلية فقط، سواء كانت وضعية (مثل ما إذا قامت الامارة على كون الدباغة في الميتة ذكاة)، أو تكليفية (مثل ما إذا قامت على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيب).

 

 

وأما إذا شك ولم يحرز أنها على أي الوجهين، فأصالة عدم الاتيان بما يسقط معه التكليف مقتضية للإعادة في الوقت[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاجزاء عند الشك في سببية الامارة وطريقيتها:


[1] بعد ملاحظة كلامه (قدس سره) في المقام من صدره إلى ذيله، يظهر أن مراده من قوله (قدس سره): «أصالة عدم الاتيان بما يسقط...» إلخ، أحد أمرين:

الأول: أن يكون مراده منها استصحاب التكليف المحرز حدوثه بنحو القسم الثاني من الكلي، حيث إن التكليف يختلف باختلاف متعلقه، ومتعلق التكليف المحرز إما المقيد بالقيد الواقعي، كما هو مقتضى اعتبار الامارة بنحو الطريقية والكشف، وإما المقيد بما هو مدلول الامارة، كما هو مقتضى اعتبارها بنحو الموضوعية والسببية، فمع عدم إحراز كيفية اعتبار الامارة وانكشاف الخلاف ـ كما هو المفروض ـ، يحكم ببقاء ذلك التكليف المحرز حدوثه حين قيام الامارة، ولا ينفع في إحراز سقوطه أصالة عدم فعلية التكليف بالقيد الواقعي بعد انكشاف الواقع، حيث إن إحراز سقوطه يكون بإحراز تعلق الأمر حقيقة عند قيام الامارة بالمأتي به وإثبات تعلقه به بأصالة عدم الفعلية في ناحية الواقعي إثبات لأحد المتلازمين بالاصل الجاري في ناحية نفي الملازم الآخر فيكون من الاصل المثبت.

الثاني: أن يكون مراده كما يستفاد من ذيل كلامه، أنـه مع العلم بحدوث التكليف ووجوده حال قيام الامارة، يكون المورد بعد انكشاف الخلاف مجرى قاعدة الاشتغال بالتقريب الآتي، أو استصحاب عدم الاتيان بمتعلق التكليف الحادث حال قيام الامارة، ليثبت به بقاء التكليف الحادث المفروض، والاستصحاب كذلك داخل في الشبهة الصدقية، كما يأتي في بيان إثبات وجوب القضاء به.

وأما تقريب قاعدة الاشتغال، فبأنه لو أحرز أن المأتي به الظاهري متعلق التكليف حقيقة، كما في موارد الأصول الشرعية التي تقدم أن مقتضى خطاباتها التوسعة في الواقع، وكما إذا أحرز اعتبار الامارة القائمة على الشرط بنحو الموضوعية والسببية وشك في إجزاء المأتي به الظاهري أو الاضطراري يكون مقتضى الاصل العملي الاجزاء حتى بالإضافة إلى الاعادة كما تقدم، حيث يدور الأمر بين أن يكون عدل الواجب على المكلف هو المأمور به الظاهري المنضم إليه الواقعي بعد كشف الخلاف، أو الاضطراري المنضم إليه الاختياري بعد ارتفاع الاضطرار، وبين أن يكون عدل الواجب نفس المأمور به الظاهري أو الاضطراري، فأصالة البراءة عن وجوب ضم الواقعي أو الاختياري مقتضاها الاجزاء.

وهذا بخلاف ما إذا لم يحرز كون الفعل الاضطراري مأموراً به حال الاضطرار حقيقة، أو الظاهري مأموراً به كذلك، فإنه مع عدم إحراز ذلك ـ كما هو مقتضى تردد اعتبار الامارة بين السببية والطريقية ـيشك في امتثال التكليف المحرز حال قيام الامارة ويحكم العقل بالاشتغال ولزوم إحراز السقوط، ولم يحرز تعلق الأمر بالمأتي به حتى يكون المورد مجرى لأصالة البراءة، واستصحاب عدم فعلية التكليف بالواقعي ـ كما تقدم ـ لا يثبت تعلق التكليف حقيقة بالمأتي به، إلا على الاصل المثبت.

أقول: يرد على الماتن (قدس سره):

أولاً: أنه إذا لم يحرز تعلق التكليف بالظاهري حقيقة ـ كما هو مقتضى تردد اعتبار الامارة بين السببية والموضوعية ـ يكون مقتضى الاطلاق في خطاب التكليف الواقعي وجوب الاتيان بمتعلقه وعدم الاجتزاء بغيره، كما ذكرنا ذلك في الاضطراري أيضاً، وقلنا: إذا لم يتم دليل على تشريع الاضطراري عند الاضطرار في بعض الوقت، يكون مقتضى الاطلاق (أي عدم ذكر العدل للإختياري في خطابه) تعين الاتيان به ولو في آخر الوقت، فلا تصل النوبة إلى الاصل العملي بمجرد تردد أمر اعتبار الامارة ثبوتاً بين كونه على نحو الطريقية أو السببية، بل مقتضى إطلاق الأمر الواقعي نفي اعتبارها على نحو السببية، لأن مثبتات الأصول اللفظية حجة.

وثانياً: قد ذكرنا سابقاً أن الوجوب التخييري بين الاتيان بفعلين وبين إتيان واحد معين منهما ثبوتاً غير معقول، وما ذكره (قدس سره) من الرجوع إلى البراءة في فرض إحراز تعلق الأمر حقيقة بالمأتي به وفي غيره إلى الاشتغال أو استصحاب التكليف مبني على إمكان فرض الوجوب التخييري المفروض، والا فإن كان المأتي به مأموراً به واقعاً، فالأمر والتكليف يتعلق بالجامع، وعلى فرض عدمه يتعلق بخصوص الاختياري أو الواقعي، فاستصحاب عدم تعلق التكليف ثبوتاً بالجامع معارض باستصحاب عدم تعلقه بخصوص الاختياري أو الواقعي، وبعد تساقطهما يكون المقام من موارد دوران أمر الواجب بين التعيين والتخيير، أو بين المطلق والمقيد، وتقدم أن أصالة البراءة تجري في ناحية تعلقه بمحتمل التعيين أو المقيد، لكون رفع التكليف عنهما موافقاً للامتنان، بخلاف رفعه عن الجامع أو المطلق، فإن تعلق التكليف بهما ثبوتاً وإن كان غير معلوم إلا أن رفعه عنهما خلاف الامتنان، فلا يعم خطاب «رفع ما لا يعلمون» ذلك التكليف المحتمل.

 

 

وأما القضاء فلا يجب بناءاً على أنه فرض جديد[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يعنى مع دوران الأمر بين السببية والطريقية، وانكشاف الخلاف في الامارة بعد الوقت، فلا يجب تدارك الواقع بالقضاء ولا يفيد في وجوبه استصحاب بقاء التكليف في الوقت وعدم الاتيان بمتعلقه، لأن مجرد إحراز عدم الاتيان بمتعلق التكليف في الوقت بالاصل لا يكون إحرازاً لفوته، فإنه من الاصل المثبت، فيجري الاستصحاب في ناحية عدم فوته، ولا أقل من أصالة البراءة عن وجوب القضاء.

نعم لو قيل بأن وجوب القضاء مستفاد من الأمر بالاداء، بأن يكون الاتيان بذات الفعل مطلوباً، والاتيان به في الوقت مطلوباً آخر، وأنه بانقضاء الوقت يسقط الطلب الثاني ويبقى الأول، لكان (عند دوران اعتبار الامارة بين السببية والطريقية) استصحاب طلب الطبيعي بعد خروج الوقت مقتضياً للقضاء، وكذا لو كان وجوب القضاء بأمر جديد، ولكن كان موضوعه عدم الاتيان بالواجب الواقعي في الوقت، لا فوته، فإن عدم الاتيان به في الوقت بعد انكشاف الخلاف في الامارة محرز.

أقول: هذا إذا كان الموضوع لوجوب القضاء عدم الاتيان بالفريضة الأولية في وقتها، وإلا فلو كان موضوعه عدم الاتيان بفريضة الوقت، سواء كانت أولية أو ثانوية لكانت الشبهة صدقية، وقد ذكرنا عدم جريان الاستصحاب في الشبهات المفهومية، وعليه كان المرجع أصالة البراءة عن وجوب القضاء، كما لا يخفى.

 

تبدل فتوى المجتهد:


ثم إنه لا فرق في عدم الاجزاء ـ بناءاً على الطريقية في موارد الأصول والامارات ـ بين انكشاف الخلاف بالوجدان أو انكشافه بحجة معتبرة، كما في موارد تبدل رأي المجتهد أو عدول العامي بعد موت مقلده إلى الاعلم من الاحياء، أو عدوله إلى من صار أعلم ممن كان يقلده، وذلك لأن الامارة السابقة أو الاصل السابق لا يزيد في الاعتبار على اليقين والاعتقاد الجزمي الذي لم يكن معتبراً بعد زواله حتى بالإضافة إلى الأعمال السابقة.

فإن غاية دليل اعتبار الامارة أنها علم بالواقع، وغاية مفاد خطاب الاصل المحرز أن المكلف عالم بالواقع، وخطاب الاصل غير المحرز أنه تنجيز أو تعذير عن الواقع، على ما تقرر من أنـه المجعول في مورد الامارة أو الاصل، ولو قلنا بأنه الحكم المماثل أو المؤدى لا يخرج من الطريقية إلى النفسية أيضاً.

لا يقال: تبدل الرأي والاجتهاد لا يوجب إلا زوال الاعتبار عن الاجتهاد السابق والفتوى السابقة، من حين زواله لا من الأول. وبتعبير آخر: التبدل في الفتوى أو التردد فيها، نظير الفسخ، لا يوجب إلغاء المعاملة إلا من حينه، فيكون التبدل أو التردد موجباً لإلغاء الرأي السابق من حين حصولهما لا من الاصل.

فإنه يقال: قياس تبدل الفتوى أو التردد بفسخ المعاملة مع الفارق، إذ في مورد الفسخ يتغير الواقع من حين الفسخ، فالملكية الحاصلة بالبيع تنتفي من حين فسخه، ومع انتفائها من حينه لا يمكن ترتيب آثار عدم الملكية من الأول، بخلاف موارد تبدل الفتوى أو التردد، فإن الزائل من حين حصولهما هو الاعتبار لا الواقع، وإذا أحرز الواقع بالفتوى الثانية، المفروض عدم اختصاص اعتبارها بالأعمال اللاحقة والموجود بعد التغير والتبدل فقط، فاللازم تداركه مع فوته أو إحراز الاتيان به، ودعوى أنـه لا اعتبار للفتوى اللاحقة بالإضافة إلى الأعمال السابقة، يدفعها مقتضى إطلاق دليل اعتبارها بعد سقوط الأولى عن الاعتبار، حتى بالإضافة إلى تلك الأعمال، ولذا لو فات الواقع بترك العمل بها في السابق يجب تداركه على طبق الحجة الفعلية.

وينبغي قياس المقام بحصول التردد وصيرورة المكلف شاكاً بزوال يقينه، فإن زوال الاعتقاد وإن لم يوجب إلا زوال المنجزية والمعذرية من حين زواله، إلا أنه بعده لا اعتبار له حتى بالإضافة إلى الأعمال السابقة. وتوضيح ذلك: إن تبدل الفتوى يكون بالظفر بأصل حاكم على الاصل الذي كان يعتمد عليه، أو بالظفر بالامارة أو المخصص أو المقيد أو القرينة على خلاف ما كان يعتمد عليه، وإذا ظفر بذلك فهو يكشف بحسب المدلول عن ثبوت مقتضاها من الأول، وهذا الكشف قد اعتبر علماً على ما هو مفاد دليل اعتبار الامارة، ولا ينتفي بعد ذلك موضوع الحجة والاصل الذي كان يعتمد عليه، حتى بالإضافة إلى الأعمال الماضية، وليس المراد أن قيامها يكشف عن عدم الاصل من الأول، بل المراد ارتفاع موضوع الاصل والحجة بالظفر على الاصل الحاكم أو الامارة أو المخصص والمقيد ونحوهما من القرائن، ونظير ذلك ما إذا استظهر من رواية حكماً ثم تردد في الاستظهار، فإنه لم يثبت عنده ظهور فعلاً ليبقى معتبراً بالإضافة إلى الأعمال السابقة.

والحاصل أن الاجزاء في موارد الأصول العملية أو الامارة بعد انكشاف الواقع على خلافها ولو بكاشف تعبدي يحتاج إلى دليل خاص أو عام، كالذي ذكرناه وجهاً للإجزاء في العبادات والمعاملات، بمعنى العقود والايقاعات في موارد تغير الفتوى أو عدول العامي، أو مثل حديث «لا تعاد» في موارد الاخلال بما يعتبر في الصلاة مما لا يدخل في المستثنى الوارد فيه، ويطلب تفصيل المقام مما ذكرناه فيبحث الاجتهاد والتقليد في وجه الاجزاء.

الاجزاء عند تبدل الفتوى أو العدول:

ومجمل ما ذكرنا في ذلك البحث أنه يحكم على العمل الواقع سابقاً على طبق اجتهاد صحيح، أو على طبق فتوى معتبرة في ذلك الزمان، بالاجزاء في العبادات والمعاملات، بمعنى العقود والايقاعات السابقة، لما علم من مذاق الشارع بجعل هذه الشريعة سهلة سمحة، وأنـه لم يعهد في الشريعة أن يأمر الائمة (عليهم السلام) من كان يعمل على طبق أخبارهم المعتبرة أن يتدارك عمله السابق بمجرد ظهور خبر أو وروده عنهم (عليهم السلام) فيما بعد، بحيث يقدم بعد وروده على ما كان يعمل عليه، بل وردعنهم ما يشير إلى إجزاء ذلك العمل، ففي موثقة محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال:«قلت له: ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (ص) لا يتهمون بالكذب، فيجيء منكم خلافه ؟ قال: إن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن»(243)

، فإن التعبير عن الحديث الآتي من قبلهم بالناسخ للحديث عن رسول الله (ص) وتنزيله الحديث منزلة القرآن في وقوع النسخ فيه يشير إلى إجزاء العمل السابق قبل ورود الحديث الناسخ، فإن النسخ في المقام، وإن لم يكن بمعناه المعروف بل المراد منه التقييد والتخصيص، إلا أن العمل بالكتاب قبل ورد المخصص أو المقيد عليه كما كان يجزي كذلك العمل بالحديث قبل ورود الحديث اللاحق، ويؤيد ذلك الاجماعات المنقولة في المقام على الاجزاء حيث قال في العروة: «فإذا أفتى المجتهد الأول بجواز الذبح بغير الحديد مثلاً، فذبح حيواناً كذلك، فمات مجتهده، وقلد من يقول بحرمته، فإن باعه أو أكله حكم بصحة البيع وإباحة الاكل، وأما إذا كان الحيوان المذبوح موجوداً فلا يجوز بيعه ولا أكله»، وقال قبل ذلك: «وكذا لو أوقع عقداً أو إيقاعاً بتقليد مجتهد يحكم بصحته، فإن مات وقلد من يقول ببطلانه، يجوز له البناء على الصحة. نعم يجب عليه العمل بمقتضى فتوى المجتهد الثاني فيما يأتي»(244)

.

ولا يخفى أن ما ذكره من الفرق بين الذبح بغير الحديد وبين العقد السابق لا يصح، إلا بأن يقال المتيقن من التسالم على الاجزاء، موارد العبادات السابقة والعقود والايقاعات، ويبقى غيرها تحت القاعدة المشار إليها آنفاً في الاصل الأولي على القول بالطريقية في الامارات واعتبار الأصول من عدم الاجزاء.

ثم إنه يقع الكلام في أنـه لو قلنا بإجزاء الأعمال السابقة على طبق الفتوى السابقة، فيما إذا انكشف خلافها بالفتوى اللاحقة، فهل تكون تلك الأعمال مجزية بالإضافة إلى غير العامل أيضاً ممن يكون الطريق المعتبر عنده على خلاف تلك الأعمال، مثلاً إذا تيمم الامام لصلاته في مورد، يرى الغير أنـه يتعين فيذلك المورد الوضوء جبيرة، فهل يجوز ـ لمن يكون الحكم عنده كذلك ـ الائتمام بصلاة هذا الامام الذيي صلي بالتيمم، بدعوى أنـه إذا كانت صلاة الامام مجزية بحيث لا يجب عليه تداركها بالاعادة والقضاء بعد كشف الخلاف عنده بتبدل فتواه أو رجوعه إلى المجتهد الآخر، تكون صلاته مع التيمم المفروض كالصلاة مع الخلل في الموارد التي تدخل في المستثنى منه من حديث «لا تعاد»، وكما أنه يجوز الاقتداء فيها مع علم المأموم بخلل صلاة الامام بما لا يضر الاخلال به في صحتها في حقه، فكذلك الحال في الفرض، أو أنـه لا يجوز للغير ممن يقوم الطريق المعتبر عنده على بطلان عمله واقعاً ترتب أثر الصحيح على تلك الأعمال؟

الصحيح هو الثاني، وذلك لأن الحكم بالاجزاء في الأعمال السابقة بالإضافة إلى العامل، ليس بمعنى صحتها واقعاً، بل معنى الاجزاء إبقاء فتواه السابقة أو فتوى المجتهد السابق على الاعتبار بالإضافة إلى تلك الأعمال في حق العامل، ولذا لو كان كشف الخلاف في الفتوى السابقة مع الواقع كشفاً وجدانياً لم تكن مجزية، ولزم تدارك الواقع الفائت، فلا يقاس الاجزاء فيها بموارد الخلل في الصلاة، مما يدخل في المستثنى منه من الحديث، فإن الصحة في تلك الموارد واقعية، ولذا لا تجب إعادة الصلاة ولا قضائها بالكشف الوجداني للخلل.

وبالجملة غاية ما يستفاد مما تقدم ـ من أن لزوم التدارك في موارد تبدل الفتوى أو الرجوع إلى المجتهد الآخر ينافي كون الشريعة سهلة وسمحة وقيام السيرة المتشرعة الجارية على عدم التدارك فيما إذا وقعت الأعمال السابقة عن تقليد أو اجتهاد صحيح في العبادات والمعاملات من العقود والايقاعات ـ هو بقاء الفتوى السابقة أو الاجتهاد السابق على الاعتبار بالإضافة إلى العامل فحسب، وكذا فيما أشرنا إليه من الرواية، فتدبر.

قد يقال: إنه يستثنى مما ذكر من عدم ترتيب أثر الصحيح لمن يرى بطلان ذلك العمل بحسب اجتهاده أو تقليده موردان:

أحدهما: النكاح، فإنه إذا عقد على امرأة بعقد صحيح عندهما بحسب تقليدهما، فلا يجوز للغير الذي يرى بطلانه اجتهاداً أو تقليداً تزويجها بعد ذلك بلا طلاق صحيح، بدعوى أن المرأة من الأول خلية، لبطلان العقد على رأيه.

الثاني: الطلاق فإنه إذا طلق زوجته بطلاق يرى صحته، كما إذا أنشأه ببعض الصيغ مما أفتى بعض بصحة إنشائه بها، ويرى الغير بطلان ذلك الطلاق، فيجوز له التزويج بتلك المرأة بعد انقضاء عدتها.

والدليل على ترتيب الاثر في الموردين ـ مضافاً إلى السيرة المستمرة ـ ما يستفاد مما ورد في أن «لكل قوم نكاح» وما ورد في قاعدة الالزام.

ولكن لا يخفى ما فيهما، إذ دعوى السيرة المستمرة في موارد الحكم الظاهري لم تثبت، وما ورد في أن لكل قوم نكاح أو في قاعدة الالزام لا يستفاد منهما إجزاء النكاح أو الطلاق الواقع على طبق الحجة المعتبرة عند العامل، بالإضافة إلى من تكون الحجة المعتبرة عنده على خلافها، وكذلك الحال في الميراث. نعم إذا كان النكاح والطلاق أو الميراث عند قوم مخالفاً لما عندنا، فهو مجرى السيرة وقاعدة الالزام لا ما إذا كان عند مجتهد مخالفا لما عند مجتهد آخر.

 

 

ثم إن هذا كله فيما يجري في متعلق التكاليف من الامارات الشرعية والأصول العملية[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كان كلامه (قدس سره) في الأصول العملية والامارات التي تكون مقتضاها إحراز قيود متعلق التكليف جزءاً أو شرطاً، نفياً أو إثباتاً. وأما التي مقتضاها إحراز التكاليف المستقلة، فلا يوجب الالتزام بالسببية فيها الاجزاء، ولو قامت أمارة على وجوب فعل، وكان الواجب في الواقع غيره، فلا يوجب قيامها عدم لزوم تدارك الواقع بعد انكشافه، حيث إن غاية اعتبارها أن قيامها أوجب صلاح ذلك الفعل لا سقوط الواجب الواقعي عن صلاحه، إلا فيما كانت الامارة القائمة على وجوب فعل دالة على عدم وجوب ذلك الواجب الواقعي، كما في مثل الامارة القائمة على وجوب القصر أو الجمعة في يومها، فإنها بالملازمة تنفي وجوب التمام أو الظهر لقيام الضرورة، ولا أقل من الاجماع على عدم وجوب الازيد من الصلوات الخمس في اليوم والليلة على كل مكلف، فإنه في الفرض يحكم بالاجزاء على مسلك السببية، حتى مع كشف الخلاف في الوقت، حيث إنه لو وجب التدارك لزم وجوب الازيد من الصلوات الخمس على المكلف.

 

 

 

لا ينبغي توهم الاجزاء في القطع بالأمر في صورة الخطاء[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] مراده (قدس سره) أنه يمكن أن يكون الجزم بوجوب فعل في مورد، مع الغفلة عن الواجب الواقعي في ذلك المورد، موجباً لحدوث تمام مصلحة الواقع في ذلك الفعل، فلو أتى به حال الغفلة عن الواجب الواقعي لا يبقى مجال لتدارك الواجب الواقعي بعد زوال الجزم، لأن المفروض تدارك مصلحته بالفعل الذي جزم بوجوبه. وكون فعل في حال الغفلة عن الواجب الواقعي كذلك وإن كان ممكناً إلا أنه لا يمكن أن تكون مصلحة الواقع في ذلك الفعل مطلقة، (يعني ولو في غير حال الغفلة عن الواجب الواقعي) وإلا كان تخصيص الوجوب بذلك الفعل وعدم جعله تخييرياً بينهما بلا موجب.

نعم، يمكن أن يكون الفعل الذي جزم بوجوبه خطأ مشتملاً على بعض ملاك الواجب مطلقا، ولو في غير حال الغفلة عن الواجب الواقعي، ومع ذلك لا يتعلق به الوجوب لا تعييناً ولا تخييراً بين الفعلين والفعل الواحد، لأن مع الاتيان به أولاً لا يمكن تدارك الباقي بالاتيان بالفعل الآخر، ولذا عمم (قدس سره) الاشتمال على مقدار من المصلحة بقوله: «ولو في غير هذا الحال».

وبالجملة اشتمال فعل على تمام ملاك الواجب الواقعي حال الغفلة عنه أو على بعض ملاكه مطلقا،مع عدم إمكان استيفاء الباقي، أمر ممكن، ولكن هذا لا يرتبط ببحث إجزاء الاتيان بالمأمور به الظاهري عن الواقعي، لأن القائل بالاجزاء في المأمور به الظاهري لا يلتزم بالاجزاء بالاتيان بما اعتقد أنه الواجب الواقعي، كما أن القائل بعدم الاجزاء في الاتيان بالمأمور به الظاهري يلتزم بالاجزاء في موارد كون الاعتقاد بوجوب فعل موجباً لحدوث مصلحة الواقع فيه، أو كونه واجداً لبعض ملاك الواجب الواقعي ولم يمكن مع الاتيان به تدارك الباقي فيما قام دليل خاص على ذلك، كإجزاء كل من الجهر والاخفات في موضع الآخر، وكالتمام في صورة الجهل بوجوب القصر.

 

 

الثاني: لا يذهب عليك أن الاجزاء في بعض موارد الأصول[1]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كأن هذا الأمر رد على من ذكر أن الالتزام بإجزاء المأمور به الظاهري ـ حتى بعد انكشاف الخلاف ـ يلازم التصويب في الاحكام والتكاليف الواقعية، ويظهر من صدر كلامه (قدس سره) إلى ذيله أن التصويب الباطل هو ما كان يستتبع خلو الواقعة عن الحكم الواقعي الانشائي في حق الجاهل، وإن هذا لا يلزم من الالتزام بالاجزاء، فإن معنى خلو الواقعة عن الحكم الواقعي في حق الجاهل هو أن لا يكون فيحقه حكم إلا مؤدى الامارة أو مقتضى الاصل، بحيث لو أغمض عن تلك الامارة أو الاصل لم يكن في الواقع للواقعة حكم في حق الجاهل أصلاً، والقول بالاجزاء لا يلازم ذلك، لأن الحكم الواقعي المشترك بين العالم والجاهل في مرتبة الانشاء محفوظ، ولا يختص بالعالم، ولكن هذا الحكم الانشائي لا يصل إلى مرتبة الفعلية في ظرف قيام الامارة أو وجود الاصل العملي على خلافه، بلا فرق في ذلك بين الالتزام بالاجزاء أو عدمه، فالقائل بعدم الاجزاء متفق مع القائل بالاجزاء على عدم الفعلية في التكليف الواقعي في مورد الاصل أو ظرف قيام الامارة فيما لو خالفا الواقع، والفرق أن الأول يقول بصيرورته فعلياً بعد انكشاف الخلاف ويلزم التدارك، والقائل بالاجزاء يقول بأنه لا يصير فعلياً، إما لحصول الملاك، أو لعدم إمكان استيفاء الباقي، وعليه فكيف يكون الاجزاء موجباً للتصويب، أي خلو الواقعة عن الحكم، وأن لا يكون في حق الجاهل حكم غير مؤدى الامارة ومفاد الاصل، مع أن الجهل بخصوصية الواقعة أو بأصل حكمها موضوع لاعتبار الامارة والاصل، وما دام لم يفرض أن في الواقعه حكماً لا يتم الموضوع للأصل أو لاعتبار الامارة.

أقول: التصويب تارة يكون باختصاص الاحكام الشرعية والتكاليف الواقعية بالعالمين بها، بأن يكون المجعول الواقعي قاصراً عن الشمول للجاهلين بها ولا يكون في حق غير العالمين إلا مقتضى الاصل أو مدلول الامارة، وهذا النحو من التصويب منسوب إلى الاشعري، ولازمه أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم، وأخرى بأن يكون الحكم المجعول في الوقائع بنحو الاقتضاء، يعني اعتبر التكليف والحكم في حق المكلف مطلقاً ما لم يكن مقتضى الاصل أو الامارة على خلافه، ومع مخالفة مقتضاهما له يكون الحكم الثابت هو مقتضى الاصل أو مدلول الامارة، وهذا النحو من التصويب منسوب إلى المعتزلي، والاجزاء المتقدم في بعض الأصول العملية كما التزم به الماتن (قدس سره) ولو مع دعوى الطريقية في مفادها، يلازم هذا النحو من التصويب، كما أن الالتزام بالسببية في الامارات يوجبه أيضاً، فإنه إذا اقتضى الاصل تحقق قيد متعلق التكليف وقيل إن الاصل المفروض حاكم على أدلة شرائط متعلق التكليف، وأنـه يوجب التوسعة فيه واقعاً تكون الطهارة المعتبرة في الصلاة ـ في حال الشك فيها ـ أوسع من الطهارة الواقعية، وكذلك القول في الامارة القائمة على الشرط بناءاً على السببية، وكذا فيما قامت الامارة بناءاً عليها على تكليف مستقل، كما إذا قامت الامارة على وجوب القصر مع كون الحكم المجعول الأولي فيه هو التمام، فإنه لا محالة يتقيد وجوب التمام تعييناً في ذلك المورد، بما إذا لم تقم الامارة على وجوب القصر، ومع قيامها إما يسقط وجوب التمام رأساً، أو يكون وجوبه حال قيام الامارة المفروضة تخييرياً، وبالجملة الحكم المجعول أولاً يتبع الصلاح والملاك ومع عدم انحصار الملاك في وجوب التمام عند قيام الامارة على خلافه يكون تخصيص الوجوب التعييني بالتمام بلا ملاك.

وبتعبير آخر: كما أن طريان الاكراه أو الاضطرار على الحرام الواقعي أو ترك الواجب الواقعي يوجب انتهاء تلك الحرمة أو ذلك الوجوب، فيكون الثابت بعد طريان أحدهما الحلية، كذلك قيام الامارة المخالفة للواقع بناءاً على السببية أو كون مفاد الاصل في مورد على خلافه يوجبان انتهاء الحكم الواقعي. وهذا التصويب المعتزلي يلازم القول بالسببية في اعتبار الامارات والأصول، كما أن القول بالسببية يلازم الاجزاء، فالتزامه (قدس سره) بالاجزاء في موارد بعض الأصول العملية يلازم القول بالسببية في مفادها الموجبة للتصويب لا محالة.

نعم الالتزام بالاجزاء في موارد بعض الامارات ـ على ما ذكره في التذنيب الأول ـ لا يلازم التصويب بالنحو الأول ولا بالنحو الثاني، لأن المفروض في مواردها أن العمل على مفاد الامارة هو الذي يلازم حدوث الملاك في الفعل لا قيام الامارة بحكم ذلك الفعل، فقيام الامارة على وجوب القصر في مورد وجوب التمام أو على وجوب الظهر في مورد وجوب الجمعة لا يوجب حدوث الصلاح في القصر أوالظهر، كما هو مقتضى القول بالسببية في اعتبار الامارة، بل القصر والظهر بعد قيام الامارة على وجوبهما باقيان على ما هما عليه من عدم الملاك، وأن المصلحة الملزمة تكون في التمام أو في الجمعة، إلا أن الاتيان بالقصر أو الظهر يلازم حدوث مصلحة فيها تسد مكان صلاح التمام أو الجمعة، ويعبر عن هذا الأمر بالمصلحة السلوكية، ولكن هذا النحو من المصلحة أيضاً يوجب التقييد في المجعول الأولي بأن ينشأ الوجوب في ذلك المورد ما دام لم يأت المكلف بالقصر وينشأ وجوب الجمعة مادام لم يعمل بأمارة وجوب الظهر.

وذلك لأن إنشاء الحكم والتكليف بفعل يكون لغرض إمكان كونه داعياً للمكلف إلى العمل عند وصوله إليه، فالإنشاء لداع آخر ـ كالتعجيز والاستهزاء ـ لا يدخل في الحكم والتكليف، وإذا فرض عدم الملاك في التمام بعد الاتيان بالصلاة قصراً أو في الجمعة بعد الاتيان بالظهر، يكون جعل الوجوب المتعلق بهما مطلقاً لغوا.

وقد ظهر مما ذكرنا أن الاجزاء فيما إذا أتى بفعل باعتقاد وجوبه أو قيام الامارة على وجوبه وإن كان لا يلازم التصويب بالنحوين، فإن التصويب ـ كما ذكرنا ـ تغيير الحكم الواقعي في ظرف ثبوت مدلول الامارة أو مفاد الاصل. ومن الظاهر أنه في الفرض يثبت الحكم الواقعي على ما هو عليه من غير تغيير في ظرف قيام الامارة على الخلاف، وإنما يكون سقوط الحكم الواقعي بعد العمل بمدلول الامارة من أجل عدم إمكان امتثاله لا لسبب آخر.

وعليه فالالتزام بعدم وجوب الاعادة على المسافر الجاهل بالقصر بعد ما صلى تماما ثم علم بوجوب القصر عليه، ليس التزاماً بالتصويب، وهكذا في مسألة الجهر في موضع الاخفات وبالعكس، ولكن لو قلنا بالمصلحة السلوكية المعبر عنها بالطريقية المخلوطة فقد يقال إنها أيضاً توجب التصويب لا محالة (أي التبدل في الحكم الواقعي) فيما لو كانت المصلحة السلوكية بحيث يتدارك بها مصلحة الواقع، فإنه إذا قامت الامارة على وجوب صلاة الظهر يوم الجمعة، وكان الواجب بحسب الواقع صلاة الجمعة، وقيل بأن قيام الامارة لا يوجب المصلحة في صلاة الظهر، بل العمل بتلك الامارة والالتزام بأن مدلولها حكم من قبل الشارع، يشتمل على مصلحة يتدارك بها ما فات بترك الواجب الواقعي، فإنه مع انكشاف الخلاف قبل خروج الوقت وإن لزم الاتيان بالواجب الواقعي لعدم فوته، إلا أنه إذا لم ينكشف الخلاف إلا بعد الوقت لم يجب القضاء، باعتبار أن مصلحة الجمعة في الواقع متداركة بصلاة الظهر المأتي بها بعنوان العمل بالامارة. فاللازم أن يكون التكليف الواقعي متعلقاً بأحد أمرين إما بالجمعة أو الاتيان بالظهر بعنوان العمل بالامارة مع فرض عدم انكشاف خلافها، هذا بالإضافة إلى من قامت الامارة عنده على وجوب صلاة الظهر، وأما في حق من لم تقم عنده هذه الامارة فالواجب في حقه صلاة الجمعة خاصة، فليس وجوب صلاة الجمعة تعييناً بمشترك بين العالم والجاهل، كما هو مبنى القول ببطلان التصويب حتى المنسوب إلى المعتزلي وغيره.

لا يقال: في موارد كشف الخلاف بعد الوقت يتدارك مصلحة الفعل في الوقت لا مصلحة نفس الفعل، لئلا يلزم تداركه بالقضاء.

فإنه يقال: لا سبيل لنا إلى العلم بتعدد الملاك الملزم في الفعل في الوقت ليلتزم بوجوب القضاء مع انكشاف الخلاف في خارج الوقت، والأمر بالقضاء على من فاته الواقع لا يكشف عن ذلك، فلعل الملاك في الفعل خارج الوقت قد حصل بعد خروج الوقت في حق من لم يدرك مصلحة الفعل في الوقت، ولذا من تدارك مصلحة الفعل في الوقت لا يجب عليه العمل بالامارة، فيلزم على القول بالمصلحة السلوكية الالتزام بالاجزاء بالإضافة إلى القضاء. وبالجملة الالتزام بالمصلحة السلوكية يوجب التغيير والتبدل في الحكم الواقعي بالإضافة إلى من لا ينكشف خلاف الامارة له أصلاً، أو حتى فيما إذا انكشف خلافها عنده بعد خروج الوقت، كما في فرض وحدة الملاك الملزم في الفعل في الوقت وحدوث ملاك ملزم آخر في ذات الفعل بعد خروجه في حق من فات عنه الملاك الملزم الذي كان في الفعل في الوقت لا مطلقاً، كما لا يخفى.

فقد تحصل أن القول بالاجزاء يوجب التقييد في التكليف الواقعي بعدم الاتيان بمؤدى الاماره فيما إذا لم يمكن تدارك مصلحة الواقع بعد العمل بها من غير أن يكون في العمل بها مصلحة شخصية، وإلا لزم التبدل والتغير في الحكم الواقعي كما مر.

ولا يخفى أيضاً أنه إنما يلزم من الالتزام بالاجزاء تقييد الحكم الواقعي بعدم العمل بمدلول الامارة المخالفة فيما إذا التزم بالاجزاء في مورد كشف الخلاف وجداناً، كما في مسألة التمام في موضع القصر والاخفات أو الجهر في موضع الآخر.

وأما إذا التزمنا بالاجزاء في خصوص كشف الخلاف بأمارة معتبرة، كما في موارد تبدل الفتوى، أو عدول العامي إلى مجتهد آخر، فلا يلزم من الالتزام بالاجزاء التقييد في التكليف الواقعي أصلاً، فإن معنى الاجزاء في هذه الموارد بقاء الامارة السابقة على اعتبارها بالإضافة إلى الأعمال السابقة وعدم اعتبار الامارة الحادثة إلا بالإضافة إلى الأعمال الآتية، ولذا لو كان كشف الخلاف في الامارة السابقة وجداناً كان يجب تدارك العمل السابق والعمل على الوظيفة الواقعية.

لا يقال: من أين علمنا أن الاحكام الواقعية في الوقائع والتكاليف الشرعية المجعولة في حق المكل فين لم تقيد بعدم الاتيان بمؤديات الطرق والامارات القائمة على خلافها، حتى نلتزم بلزوم التدارك، فيما إذا انكشف الخلاف مطلقا، أو في خصوص الانكشاف الوجداني؟

فإنه يقال: نكتشف عدم التقييد من الاوامر الواردة بالاحتياط في الدين والوقائع المبتلى بها، حتى مع قيام الامارة فيها على تعيين الاحكام والتكاليف بنحو خبر العدل والثقة وغيرهما، مما يحتمل مخالفتها مع الواقع، كما يأتي الكلام في ذلك في بحث شرائط العمل بالاصل إن شاء الله تعالى، كما أن إطلاق هذه الاخبار ينفي التصويب حتى المنسوب منه إلى المعتزلي.

بقي في المقام أمر وهو أن ما ذكره الماتن (قدس سره) من عدم فعلية الحكم الواقعي في مورد قيام الامارة على خلافه ـ سواء قيل بالاجزاء أم لا ـ ينافي ما اختاره في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي في مبحث حجية الامارات. وقد ذكرنا أن الفعلية بالمعنى الذي التزم به وجعلها من مراتب الحكم أمر غير صحيح، وليست الفعلية في التكليف المجعول على نحو القضية الحقيقية إلا تحقق الموضوع لذلك التكليف المجعول خارجاً، وبينا أن الفعلية في التكليف الواقعي مع جهل المكلف به لا ينافي الحكم الظاهري، حيث إن الحكم واقعياً كان أو ظاهرياً، مجعول اعتباري يكون منافاته مع المجعول الآخر، إما في الملاك أو في الغرض من الجعل، والحكم الظاهري والواقعي يختلفان في الغرض ولا يتنافيان في الملاك، ولتفصيل الكلام مقام آخر.

 

المهم المبحوث عنه في هذه المسألة البحث عن الملازمة[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة الواجب:


[1] المبحوث عنه في هذه المسألة هي الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته، وأن التفكيك بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته ممتنع أم لا، وليس المراد من وجوب المقدمة وجوبها المولوي التفصيلي، بأن يكون القائل بوجوبها مدعياً عدم تحقق الأمر بشيء إلا مع الأمر بمقدمته أيضاً، ليقال كثيراً ما لا يكون الآمر عند أمره بشيء ملتفتا إلى مقدمته، فضلاً عن أمره بها أيضاً. بل المراد الوجوب المولوي الارتكازي، بمعنى أن الآمر على تقدير لحاظ مقدمة الشيء هل يعتبر الوجوب لها أيضاً أم لا؟ ويعبر عن هذا الوجوب بالتبعي وهو على تقدير ثبوته غيري، بمعنى أن تعلقه بما ينطبق عليه عنوان مقدمة الواجب يكون لغرض الوصول بها إلى ذلك الواجب، لا لتعلق غرض بنفسها مع الاغماض عن ذيها.

وحيث إن نتيجة البحث عن الملازمة تقع في طريق الاستنباط تكون المسألة أصولية، إذ بناءاً على الملازمة يكون ثبوتها موجباً للعلم بوجوب الوضوء ونحوه في قياس استثنائي، فيقال:

لو كان الشيء واجباً وجبت مقدمته أيضاً، ولكن الصلاة تجب عند الزوال فتجب مقدمتها أيضاً من الوضوء وتحصيل الساتر وتطهير الثوب والبدن إلى غير ذلك.

وظاهر بعض عبارات الاصحاب أن المبحوث عنه في المسألة نفس وجوب المقدمة لا الملازمة بين وجوب ذيها ووجوبها، حيث ذكر في عنوان البحث أن ما لا يتم الواجب إلا به، واجب، وعليه لا تكون المسألة أصولية، بل تكون فرعية، فإن البحث عن وجوب المقدمة كالبحث عن وجوب الوفاء بالنذر، ووجوب طاعة أمر الوالد وغيرها من المسائل الفرعية.

وقد ذهب السيد الاستاذ (قدس سره) إلى أن البحث في مقدمة الواجب من المبادئ الاحكامية(245)

.

وفيه: أن المبادئ إما تصورية أو تصديقية، والأولى هي التي يكون البحث فيها عن نفس موضوعات مسائل العلوم أو محمولاتها، كالبحث عن المراد من الفاعل أو المفعول أو الحال أو التمييز من موضوعات مسائل علم النحو، أو البحث عن المراد من الرفع أو النصب من محمولاتها.

والثانية ـ يعني المبادئ التصديقية ـ هي التي يحرز بها ثبوت المحمولات في مسائل العلم لموضوعاتها، وبتعبير آخر: بما أن مسائل العلم نظرية تحتاج إلى الواسطة في الاثبات ـ كنتائج المسائل الأصولية بالإضافة الى المسائل الفقهية ـ فتكون نتائج مسائل علم الأصول وسائط في إثبات المسائل الفقهية.

فإن أريد أن البحث في المقدمة من المبادئ التصديقية لعلم الفقه فهو صحيح، كما هو الحال في جميع المسائل الأصولية، وإن أريد من المبادئ الاحكامية نفس المبادئ التصورية لعلم الفقه، أو معنى آخر مستقلا عنهما، فلا يمكن المساعدة عليه، بل لا نتصور للمبادئ الاحكامية معنى في مقابل المبادئ التصورية والتصديقية.

نعم، بناءاً على ما اشتهر بينهم، والتزم به الماتن (قدس سره)، من أن مسائل العلوم تكون بمفاد كان الناقصة، حيث يبحث في مسائل العلم عن العوارض الذاتية لموضوع العلم المنطبق على موضوعات مسائله، انطباق الكلي على مصداقه والطبيعي على فرده، يشكل جعل بحث الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته من مسائل علم الأصول، فإن الملازمة إن كانت بعينها حكم العقل فيكون البحث عن ثبوت الملازمة بحثاً بمفاد كان التامة، حيث يبحث عن ثبوت موضوع علم الأصول الذي عد منه حكم العقل أو عن ثبوت مصداقه وإن كانت أمرا واقعياً يكشف عنه العقل، فيمكن أن يتكلف في المقام بأن البحث عنها بحث عن كشف العقل عن ذلك الأمر الواقعي، ولكن المذكور في عنوان البحث الذي هو المعيار في دخول المسألة في مسائل العلم هو البحث عن أصل ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته.

وأما بناءاً على ما ذكرنا ـ من أن المعيار في كون مسألة من مسائل العلم هو ترتب الغرض منه عليها، سواء كان البحث فيها بمفاد كان التامة أو الناقصة ـ فلا كلام في كون البحث في المقام بحثاً عن مسألة أصولية، وقد تقدم ترتب استنباط الحكم الشرعي على نتيجة المسألة في قياس استثنائي.

ومنه ظهر أن المسألة ليست من مباحث الالفاظ من علم الأصول، كدلالة صيغة الأمر أو مادته على الوجوب أو الفور أو المرة، بل المسألة عقلية وأن الكلام في ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته بمعنى أن العقل هل يرى إمكان تفكيك المولى وجوب الشيء عن وجوب مقدمته أو لا؟ فلا تكون المسألة من مباحث الالفاظ، كما يظهر من كلام صاحب المعالم (قدس سره)، حيث استدل على نفي الملازمة بانتفاء الدلالات الثلاث، وذكرها في مباحث الالفاظ.

وبالجملة، فالمهم في المقام هو البحث عن الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته فإن ثبوتها موجب للعلم بوجوب مثل الوضوء عند وجوب الصلاة على ما مر، وأما الدلالة اللفظية فلا يترتب على انتفائها عدم وجوب الوضوء عند وجوب الصلاة، لإمكان ثبوت الملازمة بين إيجاب شيء وإيجاب مقدمته من غير دلالة خطاب الأمر بذي المقدمة على وجوب مقدمته، بل للملازمة، ومعها تكون المقدمة واجبة بوجوب ذيها. ولو كان ثبوت الملازمة بين الايجابين محل مناقشة، فاللازم هو البحث عنها لترتب المطلوب من المسألة الأصولية عليها، لا البحث عن ثبوت الدلالة اللفظية للأمر بذي المقدمة أو عدمها،بل عدم دلالة الأمر بشيء على وجوب مقدمته بالدلالة اللفظية أمر واضح لا ينبغي البحث عنه.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)