ومنها تقسيمها إلى الداخلية[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة الداخلية والخارجية:


[1] المراد بالمقدمة الداخلية هي الداخلة في متعلق الوجوب النفسي، كاجزاء المركب المتعلق به الوجوب. والخارجية هي الخارجة عن ذلك المتعلق، كالشرائط. ويقع الكلام في هذا الأمر من جهتين:

الأولى: هل أجزاء المركب مقدمة له، أو أن الجزء بالإضافة إلى كله لا يتصف بالمقدمة؟

والثانية: أنه على تقدير كون الجزء مقدمة للكل، فهل يتعلق به الوجوب الغيري، بناءاً على الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، أو أن المقدمة الداخلية لا يتعلق بها الوجوب الغيري، حتى بناءاً على الملازمة؟

وقد تعرض (قدس سره) لما قيل في الجهة الأولى من منع كون الجزء مقدمة للكل، بأن كون شيء مقدمة والآخر ذا المقدمة مقتضاه الاثنينية والتعدد بينهما، حيث تكون المقدمة سابقة في التحقق على ذيها والحال أن الكل بحسب الخارج عين الاجزاء فلا إثنينية بينهما.

وأجاب عن ذلك بأنه لا يعتبر في التعدد بينهما التعدد الخارجي بأن يكون للمقدمة وجود ولذيها وجود آخر، بل يكفي التعدد الاعتباري، وهذا التعدد متحقق بين الجزء والكل، حيث إن الكل هو الجزء بشرط سائر الاجزاء، والمقدمة هي الاجزاء لا بشرط، وبما أنـه قد يتوهم أن هذا الفرق بين الكل والجزء ينافي ما ذكر في المعقول من أن جزء الطبيعي مع اعتباره «لا بشرط» يكون جزءاً تحليلياً، كالجنس والفصل، ومع اعتباره «بشرط لا» يكون جزءاً خارجياً، كالهيولى والصورة، تعرض (قدس سره) لدفع هذا الوهم بما حاصله:

أن ما ذكر في المعقول من اعتبار الجزء الخارجي «بشرط لا» إنما هو في مقام التفرقة بينه وبين الجزء التحليلي للماهية كالجنس والفصل، وما ذكرناه من أن الجزء الخارجي «لا بشرط» هو في مقام التفرقة بينه وبين الكل، حيث إن الجزء بالإضافة إلى كله يكون «لا بشرط» ومع اختلاف الاضافة لا يكون في البين تناف، وقد تقدم في بحث المشتق بيان المراد من قولهم «لا بشرط» و«بشرط لا» وأن مرادهم من «لا بشرط» و«بشرط لا» هناك بالإضافة إلى الحمل، والمراد هنا بشرط سائر الاجزاء ولا بشرط بالإضافة إلى الاجتماع.

أضف إلى ذلك أن الكلام في المقام في المركبات الاعتبارية لا الحقيقية لينافي ما ذكروه في التفرقة بين الجنس والفصل وبين الهيولى والصورة «بلا شرط» و«بشرط لا». ولعله يشير إلى ذلك بقوله «فافهم».

 

 

ثم إنه ينبغي خروج الاجزاء عن محل النزاع[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ذكر (قدس سره) أن الجزء وإن كان مقدمة للكل إلا أنه ينبغي خروجه عن محل الخلاف في بحث الملازمة بين وجوب فعل ووجوب مقدمته، حيث إنه لا يتعلق به الوجوب الغيري ولو على الملازمة، لما تقدم من أن الاجزاء عين الكل ذاتاً، والاختلاف بينها وبين الكل بالاعتبار، فيكون الوجوب النفسي المتعلق بالكل متعلقا بنفس الاجزاء، فلا تكون واجبة بوجوب آخر، لامتناع اجتماع المثلين، حتى بناءاً على جواز اجتماع الأمر والنهي في واحد بعنوانين.

وذلك لأن الجهة المصححة للاجتماع ـ كما سيأتي ـ هي الجهة التقييدية، فمع تعددها ـ بأن يكون فيفعل جهتان ـ جاز أن يتعلق به الأمر من جهة، والنهي من جهة أخرى، وليس عنوان المقدمة عنواناً تقييدياً، لأن الوجوب الغيري لا يتعلق به، حيث إن ذا المقدمة لا يتوقف على تحقق عنوان المقدمة، بل على ما يكون بالحمل الشائع مقدمة، كالوضوء والغسل وتحصيل الساتر بالإضافة إلى الصلاة. وبما أن الجزء يتعلق به الوجوب النفسي في ضمن تعل قه بالكل، لسبقه على الوجوب الغيري، فلا يمكن أن يتعلق به الوجوب الغيري للزوم اجتماع المثلين، نعم عنوان المقدمة جهة تعليلية، يعني انطباق عنوان المقدمة على شيء يوجب تعلق الأمر الغيري به لولا المحذور. وبالجملة وحدة تعلق الأمر النفسي والغيري مانعة عن تعلق الوجوبين بالجزء، وبما أن الأمر النفسي سابق في المرتبة على الوجوب الغيري، يتعلق به الأمر النفسي فقط دون الغيري حتى مع ثبوت ملاك الأمر الغيري أيضاً فيه.

أقول: محصل كلامه في المقام أن المقدمة للكل نفس الاجزاء، ولكن لم يلاحظ فيها وصف اجتماعها لا أنـه لا يكون لها اجتماع، وذو المقدمة هو الكل، يعني الاجزاء بلحاظ اجتماعها، وعبر عن فرض عدم لحاظ الاجتماع بلا بشرط، وعن لحاظ الاجتماع بشرط شيء، وعليه فيكون للكل المتألف من عشرة أجزاء، عشر مقدمات داخلية، لتوقف الكل على كل منها، ولكن مع ذلك لا يتعلق بها الوجوب الغيري، للزوم اجتماع المثلين من تعلقه بها.

لكن الصحيح أن الاجزاء لا تكون مقدمة لحصول الكل، بل الاجزاء عين الكل خارجاً، والمقدمة تقتضي الاثنينية الخارجية، وذلك لأن الإنسان إذا أراد فعلاً وتوقف حصول ذلك الفعل على أمر آخر في الخارج تتولد من إرادته لذلك الفعل إرادة أخرى تتعلق بذلك الأمر، فيأتي به بداعوية الارادة المتولدة من إرادته لذلك الفعل، فتكون إرادة الفعل أصلاً ومنشأ للإرادة المتعلقة بذلك الأمر، وبناءاً على الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، حيث إن الفعل يتوقف حصوله خارجاً على أمر آخر، تكون الارادة الطلبية من المولى المتعلقة بفعل، منشأ لإرادته الطلبية الاخرى المتعلقة بذلك الأمر الموقوف عليه، وهذا التوقف الخارجي الموجب لحصول إرادة أخرى من إرادة الفعل، هو الموجب لتعدد طلب المولى، فهنا كطلبان، أحدهما بالأصالة والآخر بالتبعية، ومن الظاهر أن موارد الكل والجزء لا تكون من هذا القبيل، إذ من يريد الاتيان بالكل يأتي بالاجزاء بنفس تلك الارادة المتعلقة بالكل، حيث إن الكل نفس تلك الاجزاء، فيكون الحال في الطلب المولوي المتعلق بالكل أيضاً كذلك، حيث لا يكون في البين موجب لتولد طلب آخر يتعلق بالاجزاء، فإن الاجزاء عين الكل، ولا يؤتى بها إلا بإرادة الكل لا بإرادة أخرى، وإن شئت قلت: تكون الارادة بالإضافة إلى كل جزء ضمنية لا غيرية، فيكون طلبها أيضاً ضمنياً، فما ذكره (قدس سره) من حصول ملاك الوجوب الغيري في الاجزاء أيضاً، لكون الجزء مقدمة لحصول الكل، لا يمكن المساعدة عليه بوجه.

والعجب أنه (قدس سره) أنكر على من زعم أن الاتيان بالفرد مقدمة للإتيان بالطبيعي، وذكر أن الطبيعي عين الفرد ولا معنى للمقدمية، مع أن الاختلاف بين الطبيعي وفرده اعتباراً أوضح من اختلاف الاجزاء مع الكل، لصدق الطبيعي على غير المأتي به، بخلاف الكل فإنه لا يكون إلا عين الاجزاء ولا يصدق على غيرها، وكما أن الموجد للفرد يأتي به بنفس الارادة المتعلق منه بالاتيان بالطبيعي، كذلك الحال بالإضافة إلى الآتي بالمركب.

ولو أغمض عن ذلك وبني على أن الجزء مقدمة للكل وفيه ملاك الوجوب الغيري أيضاً وأنه لا يمكن اجتماع المثلين، فلم لا يلتزم بتعلق وجوب واحد مؤكد، نظير سائر الموارد التي يكون في الفعل ملاكين لوجوبين، فاجتماع الوجوبين بالمعنى الذي ذكره غير لازم، وبمعنى التأكد لا محذور فيه، بل هو واقع كثيراً، كما إذا نذر المكلف الاتيان بفريضته اليومية، فإن مع النذر يتأكد وجوبها لا محالة.

وما قيل من أن التأكد مع اختلاف الرتبة لا يمكن، فهو كما ترى، إذ اختلاف ملاك الحكمين في الزمان ـ بمعنى عدم إمكان اجتماعهما ـ ينافي التأكد، وأما اختلافهما في الرتبة فلا يمنع التأكد.

أضف إلى ذلك أن الايجاب وغيره من الاحكام أمر اعتباري لا يجري فيه مسألة اجتماع المثلين أوالضدين، ولا يكون من العرض بالإضافة إلى متعلقه وموضوعه، بل إن كان عرضاً فهو من فعل المولى، وإنما لا يمكن اعتبار حكمين على متعلق واحد باعتبار تنافي ملاكهما، حيث إن الحكم يحتاج إلى ملاك غالب أو خالص في متعلقه أو من ناحية الغرض من جعلهما، ولذا لا يمكن ثبوت حكمين متضادين في متعلق واحد يكون تضادهما من حيث الملاك والغرض، وأما إذا لم يكن في ناحية الملاكين تناف، ولا في ناحية الغرض تضاد، فلا مانع من اعتبارهما كما في مسألة نذر الفريضة.

ثم إنه قد يقال إنه يترتب على تعلق الوجوب الغيري بالجزء ـ كتعلقه بسائر المقدمات ـ انحلال العلم الاجمالي بالتكليف عند دوران أمر الواجب بين الاقل والاكثر الارتباطيين، كما إذا دار أمر الصلاة بين كون أجزائها تسعة أو عشرة، فإنه على القول بتعلق الوجوب الغيري بالاجزاء ينحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي بوجوب التسع، إما نفسياً أو غيرياً، كما هو ظاهر كلام الشيخ الانصاري (قدس سره) في ذلك البحث ويكون وجوب الزائد مشكوكاً.

ولكن لا يخفى أن الاجزاء متعلقة للوجوب الضمني لا محالة، فيكون تعلق الوجوب بالاقل محرزاً، إذ هي إما نفس متعلق الوجوب النفسي إذا كان الواجب هو الاقل، أو نفس متعلق الوجوب الضمني إذا كان الواجب هو الاكثر، ولو كان هذا المقدار من المعلومية موجبا لانحلال العلم لما كان حاجة إلى ثبوت الأمر الغيري بها، وإن لم يكن كافياً فلا يفيد في الانحلال الالتزام بتعلق الوجوب الغيري بالاجزاء، لما ذكروا من أن الوجوب الضمني أو الغيري يكون فعليته بفعلية الوجوب المتعلق بالواجب النفسي لو كان ذلك هو الاكثر، ولو كان فعلية الوجوب المتعلق بالاقل موجباً لعدم فعلية الوجوب النفسي إذا كان متعلقاً بالاكثر لزم الخلف.

مع أنـه يلزم من الانحلال المفروض عدم الانحلال، وذلك فإن فعلية وجوب الاقل على كل تقدير يستلزم عدم فعلية الوجوب النفسي لو كان متعلقاً بالاكثر، وعدم فعليته يوجب أن لا يكون وجوب الاقل فعلياً على كل تقدير المستلزم لعدم الانحلال، وما يلزم من وجوده عدمه محال.

 

 

وقد ذكر لها أقسام أطيل الكلام في تحديدها[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قد ذكر في أقسام المقدمة الخارجية السبب والمقتضي والشرط وعدم المانع، وأطيل الكلام في تعريف كل منها، كما في القوانين وغيرها، إلا أنه لا يترتب المهم ـ وهو ثبوت الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته ـ على تحقيق الفرق بين السبب والشرط والمانع.

 

المقدمة العقلية والشرعية والعادية:


ومن تقسيمات المقدمة، تقسيمها إلى شرعية وعقلية وعادية.

أما المقدمة الشرعية فهي ما يتوقف الواجب على أمر لكون التقيد به مأخوذاً في الواجب النفسي، كالطهارة بالإضافة إلى الصلاة، فإن الطهارة بنفسها وإن لم تؤخذ في متعلق الأمر بالصلاة إلا أن تقيد الصلاة بها داخل في تعلق الأمر، وتكون نفس الطهارة مقدمة خارجية شرعية لتوقف الصلاة المأمور بها عليها شرعاً، ولكن لا يخفى أنـه بعد فرض أخذ التقيد بالطهارة في متعلق الأمر بالصلاة يكون توقف الصلاة المأمور بها عليها عقلياً لانتفاء المشروط والمقيد بانتفاء شرطه وقيده عقلاً.

وأما المقدمة العقلية فهي ما يتوقف الواجب النفسي على أمر من غير أن يكون مأخوذاً فيه لا بنفسه ولا بتقيده، كتوقف الحج من النائي على السفر، ويطلق على السفر المقدمة الخارجية العقلية.

وأما المقدمة العادية فإن أريد بها ما لا يتوقف الواجب عليها عقلاً، بأن أمكن الاتيان بالواجب فعلاً بدونها، ولكن قد جرت العادة على الاتيان بها قبل الواجب، كالاكل والشرب قبل الفجر بالإضافة إلى صوم الغد، فلا وجه لإدخالها في محل الكلام في المقام، فإنه لا يتعلق به الوجوب المولوي حتى بناءاً على القول بالملازمة، لعدم كونها مما يتوقف عليه الواجب.

وإن أريد منها ما لا يكون الاتيان بالواجب بدونها ممتنعاً ذاتاً، ولكن الواجب موقوف عليها فعلاً، كنصب السلم للصعود على السطح لغير المتمكن من الطيران، وهو الإنسان الموجود المكلف بالفعل، فهذا القسم داخل في المقدمة العقلية لامتناع تحقق الصعود أو الكون على السطح للإنسان فعلاً بدون نصب السلم، ولا فرق بين الكون على السطح الموقوف على نصب السلم وبين المشي إلى الحج من النائي.

وبالجملة تنحصر مقدمة الواجب بالعقلية، غاية الأمر كون شيء مقدمة عقلية له تارة ينشأ من تقيد الواجب النفسي بذلك الشيء، كما في توقف الصلاة المأمور بها على الطهارة، وأخرى من توقف الواجب النفسي على ذلك الشيء خارجاً من غير أن يؤخذ في الواجب تقيده به، كالحج بالإضافة إلى سفر النائي.

 

 

ومنها تقسيمها إلى مقدمة الوجود ومقدمة الصحة، ومقدمة الوجوب ومقدمة العلم[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة الوجودية والعلمية و...:


[1] لا يخفى أن مقدمة الصحة ترجع إلى مقدمة الوجود، ولو على القول بأن أسامي العبادات موضوعة للأعم، فإن الكلام في المقام في مقدمات الواجب لا في مقدمات المسمى بأحد تلك الالفاظ.

وإذا كان التقيد بالطهارة مأخوذاً في متعلق الوجوب النفسي، تكون الطهارة بنفسها من مقدمات وجود الصلاة المأمور بها كما مر، وهذا الكلام بناءاً على ما ذكرنا في بحث التعبدي والتوصلي من إمكان أخذ قصد التقرب في متعلق الأمر بالصلاة ـ مثلاً ـ صحيح، فإنه عليه تنحصر مقدمة الواجب بمقدمة الوجود.

وأما بناءاً على ما سلكه الماتن (قدس سره) وغيره من امتناع أخذ قصد التقرب في متعلق الأمر بها تكون مقدمة الصحة غير مقدمة الوجود لا محالة، ويتعين تقسيم المقدمة إلى مقدمة الوجود وإلى مقدمة الصحة، حيث يمكن للقائل بالملازمة نفي الملازمة بين وجوب شيء ومقدمة صحته والالتزام بها في خصوص مقدمة الوجود كما عليه الماتن (قدس سره) أيضاً، فلا وجه لاعتراضه على التقسيم المفروض. نعم ما ذكر في كلماتهم مثالاً لمقدمة الصحة من الشرائط محل نظر، بل منع.

وعلى كل حال، فمقدمة الوجوب خارج عن مورد الكلام في المقام، فإنه لا يمكن أن يتعلق الوجوب الغيري بتلك المقدمة، حيث لا وجوب للواجب النفسي إلا على تقدير حصولها، وتعلق الوجوب بها بعد حصولها من طلب الحاصل.

وكذلك مقدمة العلم بحصول الواجب، فإن لزوم مقدمة العلم لا يبتني على الملازمة بين وجوب شيء وجوب مقدمته، حيث إن اللزوم في مقدمة العلم عقلي لا شرعي، وملاك اللزوم العقلي فيها غير ملاك الوجوب الشرعي الغيري لمقدمة الوجود، فإن المقدمة العلمية لا تكون مقدمة لوجود الواجب ضرورة أن الصلاة إلى القبلة ـ مثلاً ـ لا تتوقف على الاتيان بها إلى جهتين في مورد اشتباه القبلة فيها، بل إحراز الاتيان بالصلاة إلى القبلة موقوف على تكرارها بالاتيان إليهما، وتحصيل العلم بالاتيان بالمأمور به لازم عقلاً، للأمن من العقاب، فيكون أمر الشارع به كأمره بالاطاعة لمجرد الارشاد إلى ما يستقل به العقل في مقام الامتثال من لزوم إحراز سقوط التكليف والفرار من العقاب المحتمل، بخلاف الوجوب الشرعي لمقدمة وجود الواجب، فإنه منبعث من وجوب الواجب النفسي على ما تقدم، وملاكه المقدمية في الوجود والتحقق، كما لا يخفى.

ومنها تقسيمها إلى المتقدم والمقارن والمتأخر بالإضافة إلى ذي المقدمة[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة المتقدمة والمقارنة والمتأخرة:


[1] قد ذكروا في تقسيمات المقدمة تقسيمها إلى المتقدمة والمقارنة والمتأخرة، وهذا التقسيم بلحاظ زمان حصول المقدمة بالإضافة إلى زمان حصول ذيها، وبما أنـه لا ينبغي التأمل في أنـه لا يحصل المعلول إلا بحصول علته بتمام أجزائها، ضرورة أن المؤثر في المعلول علته، ففرض شيء من أجزاء العلة، وفرض حصول المعلول قبله، غير ممكن، حيث أنه لو لم يكن ذلك الشيء مؤثراً ودخيلاً في حصول المعلول لزم الخلف، وإن كان مؤثراً أو دخيلاً لزم تأثير المعدوم في حصول الشيء.

 

الشرط المتأخر:


وعلى ذلك، فقد أشكل الأمر في موارد قد ثبت فيها من الشرع كون شيء شرطاً للمأمور به أو التكليف أو الوضع، مع أنـه متأخر في الوجود عن زمان وجود المأمور به، أو التكليف، أو الوضع، كالاغسال الليلية المعتبرة عند بعض في صحة صوم المستحاضة، فإن الصوم يتحقق في اليوم وينتهي بدخول الليل مع أن شرطه ـ وهو الغسل ـ يكون في الليل بعد انقضاء اليوم.

ومنها كون الاجازة شرطاً في العقد الفضولي بنحو الكشف، فإن الملكية تحصل من حين العقد، مع أن شرط حصولها وهو الاجازة توجد بعد حين، وكالوضوء من ماء قد وقف على الوضوء للصلاة في المسجد، فإن جواز الوضوء منه يحصل من قبل مع أن شرط الجواز ـ وهو الصلاة في المسجد ـ يحصل بعد ذلك.

والمذكور في الكلمات وإن كان التعرض للإشكال في الشرط المتأخر إلا أن الماتن (قدس سره) قد أجراه في المقتضي أو الشرط المتقدم أيضاً، فإن ملاك الاستحالة المزعومة في المتقدم والمتأخر أمر واحد، وهو تحقق الشيء مع عدم ما يتوقف عليه.

وليس المراد أنه لو كان الشيء من أجزاء العلة فلا يمكن تحققه قبل وجود المعلول بزمان، بل المراد أنـه لابد في تأثيره ودخله من بقائه إلى زمان تحقق سائر أجزاء العلة، إلا إذا كان السابق من قبيل المعد، بأن يكون السابق مقدمة لللاحق، كالصعود على السطح بالسلم، فإن التدرج في السلم للكون على السطح لأجل أن الصعود على الدرج الأول مقدمة للكون على الدرج الثاني، والصعود من الثاني مقدمة للكون على الدرج الثالث وهكذا، والتدريجية في مثل ذلك لا بأس بها، بل لابد منها لامتناع الطفرة.

والمراد من تقدم العلة على المعلول بجميع أجزائها هو التقدم رتبة المصحح لدخول الفاء على المعلول، بأن يقال: (وجدت فوجد) لا التقدم بحسب الزمان، وإلا تخلف المعلول عن علته التامة.

 

 

والتحقيق في رفع هذا الاشكال أن يقال[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قد قسم (قدس سره) موارد توهم انخراج القاعدة العقلية إلى قسمين، الأول: أن يكون المتقدم أو المتأخر شرطاً للتكليف أو الوضع، يعني الحكم الوضعي، والثاني: ما يكون المتقدم والمتأخر شرطاً في متعلق التكليف.

 

الأول، شرط الحكم:


وحاصل ما ذكره في دفع الاشكال في القسم الأول هو أن الدخيل في ثبوت التكليف أو الوضع لحاظ ما يسمى شرطاً لا تحققه الخارجي، ليقال بأن المتأخر أو المتقدم لا يؤثر ولحاظهما كلحاظ الشرط المقارن مقارن لجعل التكليف، أو اعتبار الوضع وانتزاعه. وبتعبير آخر: بما أن الحكم فعل اختياري للحاكم يكون صدوره عنه موقوفاً على انقداح الداعي في نفسه إلى جعله، وليس الداعي له إليه ما يطلق عليه الشرط بوجوده الخارجي، بل بوجوده اللحاظي، ويكون لحاظه مقارناً لجعل الحكم، سواء كان وجوده الخارجي متقدماً على الحكم أو متأخراً أو مقارناً، بلا فرق في ذلك بين الحكم التكليفي والوضعي.

وناقش في هذا الدفع المحقق النائيني (قدس سره) وبنى على امتناع الشرط المتأخر للتكليف أو الوضع.

وحاصل مناقشته: أن جعل الحكم على نحوين:

النحو الأول: أن يجعله على وجه الاطلاق بمفاد القضية الخارجية، كما إذا أحرز المولى الصلاح فيكون عبده خارج البلد في زمان خاص لاستقبال ولده من سفره، في أمره بالذهاب إلى خارج البلد في ذلك الزمان من غير تعليق واشتراط، فيكون الحكم في هذه الصورة فعلياً حتى لو فرض عدم قدوم ولده من سفره في ذلك الزمان كما إذا كان اعتقاد المولى بقدومه مخطئا، لأن فعلية الحكم في هذا النحو من الجعل لا تكون مسببة عن تحقق قدوم ولده خارجاً، بل يكون اعتقاده ولحاظه داعياً للمولى إلى طلبه وحكمه.

وبالجملة الدخيل في هذا النحو من الطلب هو اللحاظ والاعتقاد بحصول الشيء، وهذا حاصل مقارناً للجعل والطلب، ولا عبرة بحصول نفس الملحوظ في المستقبل، فلا مجال لتوهم انخرام القاعدة العقلية في نظائره.

وأما النحو الثاني: فهو أن يجعل الحكم بمفاد القضية الحقيقية معلقا على حصول شرط، كالمثال فيما إذا كان حكمه بالكون في خارج البلد معلقاً على مجيء الولد في ذلك الزمان، بأن كان الجعل بمفاد القضية الحقيقية، وفي هذا الفرض تكون فعلية الحكم دائرة مدار تحقق الشرط خارجاً، ولو أحرز العبد قدوم الولد في ذلك الزمان لزم عليه الكون خارج البلد، ويكون قدومه كاشفاً عن فعلية الحكم من الأول، والشرط المتأخر بهذا المعنى غير ممكن، لأن الدخيل في فعلية الحكم وجود الشرط وتحققه خارجاً، وكيف يثبت الحكم ويكون فعلياً في زمان مع عدم حصول شرطه فيه؟ وبتعبير آخر: الاشكال في المجعول بنحو القضية الحقيقية وشرائط فعلية الحكم لا في شرائط جعله، وإلا فشرط الجعل ـ ومنه كون الفعل الذي يعتبره واجباً ذا مصلحة ـ يكون أيضاً باللحاظ واعتقاد المولى ولو بنحو الخطأ، فما ذكره في الكفاية خلط بين شرائط الجعل وشرط فعلية المجعول(246)

.

أقول: لا يخفى ما فيه، فإن فعلية الحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية تابعة لكيفية الجعل، ولكن الشرط بوجوده الخارجي ـ كقدوم الولد في المثال ـ غير مؤثر في فعلية الحكم، إذ فعلية الحكم كانت على تقدير حصول الشرط في المستقبل لكون الجعل بهذا النحو وعدمفعليته على تقدير عدم حصوله إنما هو لعدم الجعل على تقدير العدم في الحال.

وبالجملة لا مانع من لحاظ المولى عند الجعل أمراً متقدماً أو متأخراً أو مقارناً وجعل الحكم على تقدير حصول ذلك الأمر بمعنى أن تكون فعلية الحكم تابعة لحصول الشرط المفروض على النحو الذي لاحظه، ولو كان الوجوب المعتبر من أول اليوم على تقدير حصول ذلك الأمر في آخره إلا أن الشرط لا يكون مؤثراً في فعلية الحكم ليقال بأن المعدوم لا يؤثر، بل كما ذكرنا فعلية الحكم على تقديره تخضع للجعل على ذلك التقدير، وعدم جعله على تقدير آخر.

ومما ذكرنا يظهر الحال في الوضع وأنـه لا مانع من اعتبار الملكية ـ مثلاً ـ في العقد الفضولي من حين حصول العقد على تقدير إجازة المالك ولو بعد حين بنحو القضية الحقيقية.

وما يقال من أن الحكم لا يتقدم على موضوعه، وشرائط الحكم كلها راجعة إلى قيود الموضوع، غير سديد، فإن الحكم لا يكون معلولاً ولا عرضاً لموضوعه فيما كان أمراً إنشائياً، كما هو الفرض في المقام، ولا بأس بتقدمه على الموضوع زماناً مع كون اعتباره وجعله على هذا النحو.

نعم، ظاهر خطاب الحكم فيما إذا لم يقترن بقرينة داخلية أو خارجية اتحاد زمان الحكم والموضوع في الفعلية فيحتاج رفع اليد عن هذا الظهور إلى قرينة خاصة، ولذا التزمنا في العقد الفضولي بالكشف الحكمي حيث إن ظاهر الادلة أن إمضاء المعاملة مقارن لحصول استنادها إلى المالك ورضا من يعتبر رضاه بها.

والمتحصل أنه لا فرق في الحكم المجعول بنحو القضية الخارجية والحقيقة من جهة توقف الفعلية فيهما على ثبوت الجعل، وإنما الفرق بينهما في أن فعلية المجعول بنحو القضية الخارجية بنفس الجعل فقط، وفي المجعول بنحو القضية الحقيقة بحصول ما علق الحكم عليه خارجاً على النحو الذي اعتبره في الجعل.

ومما يترتب على ذلك أن شخصا لو اعتقد في جماعة أنهم أصدقائه وأذن لهم في دخول داره بأن قال: (ادخلوا داري) أو: (فليدخل كل منكم داري) فيجوز لكل منهم الدخول ولو لم يكن في الواقع من أصدقائه، بخلاف ما إذا قال: (فليدخل داري منكم من كان صديقاً لي) فإنه لا يجوز الدخول إلا لمن كان صديقاً له.

فقد ظهر مما ذكرنا أنه ليس المراد بالحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية هي كلية الحكم وبالمجعول بنحو القضية الخارجية القضية الشخصية بأن يوجه التكليف بفعل إلى شخص معين، فإنه يمكن أن تكون القضية الشخصية حقيقية من جهة قيد التكليف كما مثلنا.

والمعيار في كون القضية حقيقية عدم جعل الحكم بنحو الاطلاق، بل على تقدير تحقق أمر أو أمور سواء كان الحكم كلياً أو شخصياً، بخلاف القضية الخارجية من جميع الجهات فإنه لا تقييد ولا تعليق فيها بجهة من جهات الحكم، فكل جهة فرضها المولى وجعل الحكم مقيداً بها، تكون فعلية المجعول على تقدير فعلية ذلك الأمر سواء كان الحكم شخصياً أو كلياً.

لا يقال: كل ما هو شرط الحكم المجعول بنحو القضية الحقيقية أو كل ما أحرزه المولى من الأمر المتأخر بكونه شرطا في حكمه بنحو القضية الخارجية إما أن يكون لوجود المتأخر دخالة في صلاح الحكم المجعول أو لا، بأن يكون للحاظ ذلك الأمر المتأخر تمام الدخل في صلاح الحكم تكليفاً أو وضعاً دون وجوده ولا أظن أن يلتزم أحد، به ولذا لو أخطأ المولى وجعل الحكم بنحو القضية الخارجية باعتقاد حصول ذلك المتأخر ولم يحصل، لم يكن لحكمه أي صلاح، وإذا كان الدخيل في صلاحه وجود ذلك الأمر المتأخر فكيف يكون في حكمه صلاح مع أن ذلك المتأخر لم يحصل، فيعود محذور تأثير المعدوم في الموجود.

فإنه يقال: إنما الاشكال كان في ثبوت الحكم متقدماً أو متأخراً مع عدم الشرط حال ثبوته، لتقدمه أو تأخره، وقد أجبنا عن ذلك بأن ثبوته كذلك يخضع لكيفية جعله، وقد فرض أن الدخيل في جعله لحاظه، فالمتأخر أو المتقدم بلحاظه دخيل في جعل المولى ودخيل في فعلية الحكم إذا كان الجعل بنحو القضية الحقيقة، ودخله بهذا النحو إنما كان لتعليق المولى اعتباره على حصوله متقدماً أو متأخراً، ودخالته ليس بمعنى التأثير، بل بمعنى ثبوت الجعل على ذلك التقدير.

وأما مسألة صلاح الحكم، فقد يأتي الكلام فيه في الشرط المتقدم أو المتأخر للمأمور به إن شاء الله تعالى، إذ الدخالة في الصلاح لا يفرق فيه بين صلاح الحكم وصلاح متعلق التكليف، غاية الأمر متعلق التكليف فعل العبد، والحكم فعل المولى، واتصافهما بالصلاح وعدمه على حد سواء، وإذا صححنا دخالة المتأخر والمتقدم في صلاح الفعل من غير لزوم انخرام القاعدة العقلية يصح تصوير الدخل في صلاح الحكم أيضاً بعين الوجه المفروض.

 

 

وأما الثاني فكون شيء شرطاً للمأمور به[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثاني: شرط المتعلق:


[1] وحاصله أن إطلاق شرط المأمور به على أمر من فعل أو غيره ليس إلا باعتبار أنه يحصل لمتعلق التكليف بالإضافة إليه عنوان حسن، ويحسن متعلق التكليف بتعنونه بذلك العنوان، مثلاً ضرب اليتيم باعتبار مقارنته بقصد تأديبه يتعنون بعنوان التأديب، وبه يكون حسناً ويتعلق به الغرض، ومع عدم مقارنته به لا يكون حسناً، بل يكون قبيحاً، وليس ذلك إلا لأجل أن إضافة الضرب إلى القصد المفروض يوجب تعنونه بعنوان التأديب الذي يكون الفعل به حسناً عقلاً وشرعاً، ومن الظاهر كما أن إضافة الفعل إلى أمر مقارن يوجب تعنونه بعنوان حسن، كذلك إضافته إلى أمر متأخر أو متقدم يوجب ذلك، نظيرالكذب، فإنه يكون حسناً ويتعلق به الغرض بالإضافة إلى نجاة النفس عن الهلاكة المتحققة بعده ولو فيما بعد، فإن الكذب بالإضافة إلى ترتبه عليه فيما بعد يتعنون بعنوان حسن.

وبالجملة، إذا كان المتأخر أو المتقدم شرطاً للمأمور به فهو باعتبار أن إضافة الفعل إلى المتأخر أو المتقدم توجب تعنون الفعل بعنوان حسن من زمان الاضافة لا من زمان حصول الشرط، وليس نفس ما يسمى شرطاً بمؤثر في العنوان الحسن، بل الموجب له الاضافة الحاصلة من قبل وإنما يتأخر طرف الاضافة.

لا يقال: لا يمكن حصول الاضافة قبل حصول طرف الاضافة المتأخر أو بعد انقضاء المتقدم، فإنه من قبيل حصول الشيء المعلق بلا متعلق وقيام الاضافة بالمعدوم، لأن المفروض أن الاضافة فعلية مع أن طرفها ـ يعني المتقد م أو المتأخر ـ معدوم.

وبتعبير آخر: المضاف والمضاف إليه متضائفان، والمتضائفان متكافئان في الفعلية والقوة.

فإنه يقال: هذا غير شبهة تأثير المعدوم في الموجود، والشبهة التي توهم انخرام القاعدة العقلية قد ارتفعت بما تقدم من أن إطلاق الشرط على قيود المأمور به ليس بحسب معناه المصطلح في المعقول الذي هو من أجزاء العلة التامة ليقال إن المعلول لا يتقدم على علته ولا يتأخر عنها زماناً، وما ذكر شبهة أخرى وهي قيام الاضافة وفعليتها الموجبة لصلاح الفعل، مع أن أحد طرفيها غير فعلي، فيكون من فعلية العرضي بلا فعلية معروضه وفعلية الأمر الانتزاعي بلا فعلية منشأ انتزاعه.

وهذه الشبهة أيضاً موهومة، إذ كما أن أجزاء الزمان يتصف فعلاً بعضها بالتقدم وبعضها بالتأخر مع أن الجزء الآخر منه غير موجود، كذلك الصوم في النهار من المستحاضة يتصف بأنه يتعقبه الغسل في الليل، مع أن الغسل في الليل غير موجود في النهار، وكما أن الجزء المتأخر من الزمان لو لم يتحقق لما كان السابق متصفا بالتقدم، كذلك الغسل في الليل لو لم يتحقق لما كان الصوم في النهار متصفا بالتعقب بالغسل في الليل، فيكون معنى كون الغسل في الليل شرطاً لصوم النهار أخذ التقيد به في متعلق الأمر بالصوم، والتقيد المفروض واقع التعقب لا عنوانه، وهذا بخلاف كون شيء جزءاً لمتعلق الأمر، فإن ما يطلق عليه الجزء بنفسه مأخوذ في متعلق الأمر النفسي.

وربما يقال كما عن المحقق الاصفهاني (قدس سره) أن ظرف اتصاف الصوم بوصف تعقبه الغسل هو الخارج وليس من قبيل الاتصاف بالكلية والجزئية والجنسية ونحوها، مما يكون ظرف الاتصاف فيها الذهن إلا أن اتصاف الصوم بالتقدم أو اتصاف الغسل بالتأخر لا ينشأ عن خصوصية خارجية زائدة على أصل وجود موصوفه.

وتقريره أن الاضافة بين المتضائفين قد تحصل لخصوصية زائدة في كل من الموصوفين كما في العاشقية والمعشوقية، فإن للعاشق عشق وفي المعشوق كمال، وقد تحصل لخصوصية في أحدهما فقط، كالعالمية والمعلومية، والخصوصية هي العلم للعالم، وقد لا تكون خصوصية زائدة في شيء من الموصوفين كالمتيامن والمتياسر وثاني الاثنين وثالث الثلاثة، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن نفس الصوم في النهار لو لوحظ مع الغسل في الليل لاستلزم تعقلهما تعقل عنوانين متضائفين، ولكن هذا لا يدفع الاشكال، لان المتضائفين متكافئان في القوة والفعلية وأن ما لم يكن اتصاف المتأخر بالتأخر لا يتصف الصوم بالتقدم عليه.

ولا يقاس بالزمان، فإن تقدم جزء الزمان على جزئه الآخر ذاتي، حيث إن الزمان الوحداني وجوده تدريجي، فالتكافؤ في أجزائه إنما هو لاتصالها ووحدة وجودها، بخلاف التقدم في الصوم والتأخر في الغسل، إذ ليس الاتصاف بهما بالذات بل بالعرض بتبع الزمان، فمادام لم يكن للغسل تأخر لم يكن للصوم في النهار تقدم، بمقتضى التكافؤ في المتضائفين في الفعلية والقوة، وعلى ذلك فإن كان الصلاح في الصوم المتصف بالتقدم، يكون للمتأخر دخل في ذلك الصلاح، ويعود محذور دخالة المتأخر في المتقدم.

وذكر في آخر كلامه هذا فيما إذا كان الصلاح حقيقياً، وأما إذا كان اعتبارياً كالاحترام والتعظيم، فلا بأس باعتباره فعلاً على تقدير حصول المتأخر في ظرفه نظير ما تقدم في اعتبار الحكم على تقدير حصول المتأخر في ظرفه(247)

.

أقول: لو صح تقدم الجزء من الزمان وأن له عند حصوله تقدم ذاتي فيكون الصوم المتقيد به أيضاً كذلك بالإضافة إلى المتقيد بجزئه الآخر، فإنه لا فرق بين كون الذاتي لنفس الشيء أو لقيده.

والمتحصل أن الدخالة في اتصاف الشيء بعنوان انتزاعي غير تأثيره في تحقق المتصف بذلك العنوان، بمعنى استناد وجود المتصف إليه، فمثلاً تحقق المعلول في رتبته، له دخالة في اتصاف شيء بالعلية له بحيث لو لا المعلول لما كان الشيء متصفاً بالعلية له، ولكن من الظاهر أن العلة لا تستند في حصولها إلى المعلول، وإلا لم يحصلا، وعلى ذلك فحصول المتأخر في ظرفه له دخل في اتصاف الصوم في النهار بتعقبه به، إلا أن تحقق الصوم في النهار لا يستند إلى الغسل في الليل، بل اللازم حصول الاضافة التي لا تحقق لها إلا تحقق طرفيها عند فعلية كل منهما في ظرفه، لا فعليته في غير ظرفه.

لا يقال: المتضائفان متكافئان في القوة والفعلية.

فإنه يقال: التضائف بين الوصفين لا بين الموصوفين، ففي فرض اتصاف الصوم بالتقدم يكون وصف التأخر للغسل في الليل فعلياً، كما أن اتصاف اليوم بالتقدم واتصاف الغد بالتأخر فعليان في هذا اليوم.

وذكر النائيني (قدس سره) إن النزاع في الشرط المتأخر والمناقشة فيه لا يجري في شرط المأمور به، وذلك لأن شرط المأمور به المتأخر زماناً كالجزء الاخير من العمل لا يكون مورد المناقشة، كذلك الشرط المتأخر، حيث إنه في أي زمان تحقق الشرط يتم المشروط من ذلك الزمان، كما هو الحال في الجزءالاخير، فيحصل الكل من حين حصول ذلك الجزء لا قبله.

لا يقال: بين الجزء الاخير والشرط الاخير فرق، فيمكن الأول دون الشرط المتأخر، فإن الجزء بنفسه يتعلق به الأمر النفسي، فمادام لم يتحقق لا يتم العمل، بخلاف الشرط فإن الداخل في متعلق الأمر النفسي هو التقيد لا نفس القيد، وعليه فيقع الكلام في مورد الشرط المتأخر في أنه لو كان التقيد المأخوذ في متعلق الأمر النفسي حاصلاً قبل حصول الشرط يلزم دخالة الشيء وتأثيره حال عدمه، إذ المفروض أن الشرط حين حصول التقى د غير موجود، وإن حصل التقيد بعد وجود الشرط يلزم قيام الاضافة بطرف واحد، حيث إن التقيد في حقيقته إضافة، وأحد طرفيها الشرط وهو موجود، والطرف الآخر وهو الفعل معدوم، لانقضائه بانقضاء اليوم على الفرض.

فإنه يقال: التقيد أمر انتزاعي لا يتعلق به الأمر النفسي، بل الأمر النفسي يتعلق بمنشأ انتزاعه وهو الشرط، ولذا يعتبر أن يكون الشرط المتأخر للمأمور به مقدوراً، إذ مع خروجه عن الاختيار لا يصلح شرط ـ سواء كان حصوله قطعياً أم لا ـ فإنه مع حصوله قطعاً يكون أخذه قيدا في متعلق الأمر لغواً، ومع عدم حصوله يلزم توقف الامتثال على أمر غير اختياري.

والحاصل أنه لا فرق بين الجزء الاخير والشرط المتأخر للمأمور به، إلا كون الجزء بنفسه وبتقيده دخيلاً في متعلق الأمر بخلاف الشرط، فإنه دخيل فيه بتقيده فقط(248)

.

وفيه أن المفروض في الشرط المتأخر للمأمور به حصول التقيد قبل حصول ما يطلق عليه الشرط المتأخر، وهذا التقيد في حقيقته إضافة كما ذكرنا، وحصولها للفعل إنما هو بإضافة الفعل إلى المتأخر، بحيث يكون حصول المتأخر في ظرفه كاشفاً عن حصول تلك الاضافة للفعل من الأول.

وما ذكر (قدس سره) من عدم إمكان تعلق الأمر بالانتزاعي، بل يتعلق بمنشأ انتزاعه، صحيح، ولكن منشأ انتزاع التقيد في باب الشروط هي الحصة التي يتعلق بها الأمر النفسي، وتكون تلك الحصة منحلة بنظر العقلي إلى الطبيعي وتقيده بما يسمى بالشرط، ولو تعلق الأمر النفسي بنفس الشرط بطل كونه شرطاً وانقلب إلى كونه جزءاً، ولم يمكن أن يتعلق به الأمر الغيري حتى بناءاً على القول بالملازمة، وقد تقدم جواز كون الشرط خارجاً عن الاختيار، حيث يكفي في جواز الأمر بالحصة كون الحصة مقدورة، وإلا جرى الحكم في الشرط المتقدم والمقارن أيضاً.

 

 

ولا يخفى أنها ـ بجميع أقسامها ـ داخلة في محل النزاع[1]. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يعني مقدمة الوجود للواجب بجميع أقسامها من المتقدم والمقارن والمتأخر مورد الخلاف في بحث الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته، فإنه بناءاً على الملازمة يتعلق بما يطلق عليه المقدمة وشرط الواجب، الوجوب الغيري.

لا يقال: تعلق الوجوب الغيري بما يطلق عليه الشرط المتأخر للواجب وإن لم يكن فيه إشكال، إلا أن الوجوب الغيري حيث يتبع الوجوب النفسي في الحصول فبعد انقضاء ظرف الواجب النفسي ـ كما في انقضاء النهار في صوم المستحاضة ـ إما أن يلتزم ببقاء الوجوب الغيري أو بسقوطه، فإن التزم ببقائه فكيف يكون تبعياً وترشحياً مع سقوط الواجب النفسي، وإن قيل بسقوطه أيضاً كالوجوب النفسي، فكيف يثبت الوجوب الغيري من الأول ؟ لعدم إمكان داعويته إلى متعلقه في ظرف الواجب النفسي لعدم التمكن عليه ولا بعده لسقوطه تبعاً للنفسي، ولو مع التمكن على الاتيان بمتعلقه.

والاشكال في الشرط المتقدم آكد فيما كان لوجوب الواجب النفسي شرط لم يحصل في ظرف الاتيان بالشرط المتقدم، فإنه كيف يتعلق الوجوب الغيري بالمقدمة مع عدم فعلية الوجوب النفسي، كما في وجوب الغسل على الجنب في الليل مقدمة لصوم الغد بناءاً على اشتراط فعلية وجوب الصوم بالفجر.

ولا يجدي الالتزام ببقاء الوجوب النفسي المتعلق بالصوم إلى أن ينقضي زمان التمكن على الاغتسال من الليل أو إلى أن يغتسل في الليل، فإن اغتسلت المرأة في الليل يسقط كل من الأمر النفسي والغيري بالامتثال والموافقة، وإن لم تغتسل سقطا بالعصيان والمخالفة.

فإنه يقال: لا يمكن الالتزام ببقاء الوجوب النفسي بعد انقضاء النهار، لأنـه لم يتعلق بالاغتسال في الليل ليعقل بقائه إلى حصول تمام متعلقه، بل يبقى مراعى إلى تحقق شرطه، فإن المرأة لو اغتسلت في الليل يكون اغتسالها كاشفاً عن سبق تحقق الصوم وتقدمه على الاغتسال عند انقضاء زمان الصوم، فلا معنى لبقاء التكليف بالصوم بعده، وإن لم تغتسل فيكشف عن عدم سبق الصوم على الغسل وأن التكليف قد سقط عند انقضاء النهار بالعصيان.

أقول: وجوب المقدمة بناءاً على الملازمة وإن كان غيرياً تبعياً إلا أنه ليس المراد من التبعية حصول وجوب المقدمة بلا إنشاء بمعنى حصوله قهراً، نظير تبعية الحرارة للنار، بل المراد أن إرادة إنشاء الوجوب للمقدمة عند التفات المولى إلى كونها مقدمة تحصل بتبع إرادته إنشاء الوجوب لذيها، وعليه فلا مانع من إنشاء الوجوب للمقدمة بحيث يبقى بعد انقضاء ظرف الاتيان بذيها، لئلا ينطبق بالاتيان بمتعلق الوجوب الغيري عنوان العصيان على سقوط الأمر بذيها في السابق، بل ينطبق عليه عنوان الامتثال، وكذلك الحال في الشرط المتقدم، كأمر الجنب بالاغتسال في الليل لئلا يكون التكليف بالصوم عند طلوع الفجر من التكليف بغير المقدور، بل سيأتي أنـه لو صح جعل الوجوب الغيري من المولى، فهو في مثل هذه الموارد، وليس هذا من الوجوب النفسي التهيئي، كما ذكر في بعض الكلمات، فلاحظ.

 

 

الأمر الثالث: في تقسيمات الواجب، منها تقسيمه إلى المطلق والمشروط[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ينقسم الواجب إلى المطلق والمشروط، وقد ورد في كلماتهم لكل منهما تعاريف تختلف بحسب القيود المأخوذة فيها، وأطيل الكلام فيها بالنقض والابرام في اطرادها وانعكاسها بما لا فائدة في التعرض لها، لأن كلا من التعاريف من قبيل شرح الاسم، ولا يدخل في الحد أو الرسم، لكون الفعل واجباً مطلقا أو مشروطاً بالاعتبار، والأمر الاعتباري لا يقبل الحد ولا الرسم.

والظاهر أنـه ليس للاصوليين ـ في كون الواجب مطلقا أو مشروطاً ـ اصطلاح خاص، بل يطلقان على الواجب بما لهما من المعنى العرفي، كما أن وصفي الاطلاق والتقييد ليسا بوصفين حقيقيين، بمعنى أن الواجب في نفسه مطلق أو مشروط، بل اتصافه بهما يكون بالإضافة إلى أمر، فإن كان ذلك الأمر دخيلاً في وجوبه بأن يكون قيداً لذلك الوجوب كان واجباً مشروطاً بالإضافة إليه، وإن لم يكن ذلك الأمر قيداً لوجوبه كان بالإضافة إليه واجباً مطلقا، ومنه يظهر ما في اتصاف الواجب بهما من التسامح، إذ الوجوب في الحقيقة يكون مشروطاً أو مطلقاً لا الواجب، وعلى ذلك فيمكن أن يكون الوجوب بالإضافة إلى أمر مطلقا فيسمى الواجب مطلقاً، وبالإضافة إلى أمر آخر مشروطاً فيسمى الواجب مشروطاً.

ولا ينبغي التأمل في أن ظاهر القضية الشرطية هو كون مفاد الشرط قيداً لمفاد الهيئة في الجزاء وأن قول المولى مثلاً (إن جائك زيد فأكرمه) كون مجيئه في المثال قيداً لطلب إكرامه، لا أن وجوبه وطلبه مطلق، والشرط قيد للواجب، كما في الواجب المعلق، ويزيد ذلك وضوحاً أن استعمال مثل قوله (إن توضأت فصل) في مقام طلب الصلاة المقيدة بالطهارة غير صحيح، بل يقال في ذلك المقام: صل متوضأ، أو مع الوضوء.

ولكن المنسوب إلى الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره) أن رجوع القيد إلى مفاد الهيئة صوري ولا يكون الشرط قيداً لمعنى الهيئة واقعاً وحقيقة، لامتناع كونه قيداً لمفاد الهيئة. وذكر في وجه الامتناع أن التقييد عبارة عن تضييق دائرة المعنى وإلغاء التوسعة عنه، ولا يكون ذلك إلا في المعاني التي في أنفسهاكليات، والطلب المنشأ بالصيغة، بل حتى المنشأ بالمادة جزئي وفرد من الطلب، فلا يكون القيد (أي الشرط) راجعاً إلى الوجوب المنشأ، بل يرجع إلى الواجب، فإن عنوانه إسمي قابل للتقييد والتضييق.

وبتعبير آخر: الوجوب المنشأ بصيغة إفعل أو بغيرها يحصل بالانشاء، وبعد فرض حصوله لا يبقى مجال لتقييده، لأن الموجود الحاصل لا يقيد، وعليه فإن فرض الانشاء فالوجوب حاصل، ومعه فلابد من إرجاع القيد إلى متعلق الوجوب، بأن يكون الوجوب المتحقق متعلقاً بالاكرام الخاص، وهو إكرامه عند مجيئه، وإن لم يحصل فهو خلاف فرض إنشائه، ولازمه تفكيك الانشاء عن المنشأ، وهو باطل قطعاً.

ثم ذكر (قدس سره) أنه يكون الشرط من قيود المادة لباً أيضاً، ومراده أن ما تقدم من أن المنشأ بصيغة إفعل فرد وجزئي، والجزئي لا يقبل التقييد، مقتضاه رجوع الشرط في مقام الانشاء إلى تقييدالفعل، لا إلى مفاد الهيئة والأمر (أي الطلب الحقيقي)، فإن الارادة لا تقبل التقييد، فإن العاقل عندما يلاحظ الفعل إما أن يريده أو لا يريده، وعلى الأول فإما أن يريده مطلقا أو على تقدير خاص ومقيدا،وعلى الثاني فالقيد مهما كان لابد من أن يكون راجعا إلى المراد لا إلى نفس الارادة، إذ لو كان القيد غير اختياري فلابد من دخله في المراد بنحو لا يتعلق به الطلب بأن يكون المراد الفعل المقارن لحصوله، وإذا كان اختيارياً فقد يكون دخالته في المراد أيضاً بنحو لا يتعلق به الطلب الغيري، بأن يكون المراد الفعل المقارن لوجوده الاتفاقي، والمراد بالوجود الاتفاقي ما يكون المكلف مطلق العنان بالإضافة إلى حصول القيد، بخلاف ما كان المراد الفعل المقارن له بحيث يكون على المكلف إيجاد ذلك القيد وتحصيله ليفعل ما هو المراد(249)

.

 

 

وأما حديث عدم الاطلاق[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] وحاصل ما ذكر (قدس سره) في الجواب عن عدم الاطلاق في معنى الهيئة، هو أن مفاد الهيئة نفس الطلب وهو باعتبار كونه من الكلي الطبيعي قابل للتقييد حتى بعد إنشائه، فإن المنشأ يعم حال وجود الشرط وعدمه، فيقيد بما إذا حصل الشرط، كالتقييد في سائر المطلقات الواردة في الخطابات، وقد مر أن المعنى الحرف كمعنى الاسم يكون كلى اً قابلاً للصدق على كثيرين، كما في قوله (سر من البصرة)، غاية الأمر يلاحظ المعنى في مقام الاستعمال في الحرف آليا، وفي الاسم استقلالياً، وهذا اللحاظ لم يؤخذ في ناحية المستعمل فيه، لا في الاسم ولا في الحرف. وبالجملة تقييد مفاد الهيئة وتضيق دائرته بالشرط بمكان من الامكان.

ولو سلم أن المنشأ فرد من الطلب ولا يقبل التقييد إذ الفردية تحصل بالانشاء ولا يمكن تقييده بعد الانشاء فلا يمنع عن إنشاء الطلب من الأول مقيداً وتكون الدلالة على الطلب المقيد بدالين، كما هو مفاد القضية الشرطية.

وبتعبير آخر: غاية ما يمكن أن يقال: هو إنه كما لا يمكن تقييد الملكية بعد إنشائها ولكن لا يمنع ذلك عن إنشائها من الأول مقيدة بتعدد الدال والمدلول، بأن يقول إنشاءاً (هذا لك إن كان كذا)، كذلك الحال في إنشاء الطلب المدلول عليه بالهيئة، فإن الطلب المنشأ بالهيئة لا يزيد في الانشاء على الملكية المنشأة باللام في قوله (هذا لك إذا مت).

ولا يخفى أن ما ذكره (قدس سره) في الجواب يرجع إلى أمرين: أحدهما أن انتزاع الكلية من المعنى بحيث يصدق على كثيرين لا يتوقف على لحاظه استقلالاً، وأن قول القائل (أطلب منك ضرب زيد) وقول الآخر (إضرب زيداً) لا يختلفان في أن المستفاد من لفظ الطلب في الأول ومن الهيئة في الثاني نفس الطلب المنتزع منه الكلية، بحيث يعم حال مجيء زيد وعدمه، غاية الأمر يلاحظ نفس ذلك المعنى في موارد استعمال لفظ الطلب فيه استقلالاً، وفي مورد استعمال الهيئة آلياً، من غير أن يكون اللحاظ مأخوذاً في المستعمل فيه ودخيلاً في انتزاع الكلية منه على ما تقدم في معاني الحروف.

الثاني لو لم يمكن إنشاء طبيعي الطلب بصيغة إفعل أو بمادة الطلب مطلقا، يعني بلا قيد، ثم تقييده بالشرط، بدعوى أن الطلب بالانشاء يكون شخصاً اعتبارياً والجزئي لا يقبل التقييد، فلا ينبغي التأمل في أن تقييد طبيعي الطلب بالشرط قبل الانشاء ثم إنشاء الطلب المقيد بتعدد الدال والمدلول أمر ممكن، وعلى ذلك فعدم فعلية الطلب قبل فعلية الشرط ليس من تفكيك المنشأ عن إنشائه، بل حصول المنشأ قبل حصول شرطه تفكيك بينهما، لأن المنشأ قبل الشرط وفي فرض عدمه خارجاً لم ينشأ ولو حصل قبله لكان من حصول المنشأ بلا إنشائه، والانشاء لا يزيد على الاخبار، فإنه كما يمكن الاخبار بشيء بنحو التعليق والتقييد، كذلك الأمر في الانشاء.

أقول: إن أريد من تقييد الطلب أنـه إذا ورد في الخطاب (أكرم زيداً) في مقام إنشاء النسبة الطلبية المتعلقة بضرب زيد، ثم ورد في خطاب آخر (ليس عليك إكرام زيد إذا لم يجئك) فيجمع بين الخطابين فيما إذا لم يكن المتكلم ممن يتصور في حقه الندم عما أنشأه أولاً، بأن مراده الاستعمالي من الخطاب الأول ولو كان طلب إكرام زيد جاء أو لم يجيء، إلا أن مراده الجدي كان طلب إكرامه على تقدير مجيئه، فهذا التقييد أمر ممكن وهو الجاري أيضاً في التقييد في المعاني الاسمية.

وإن أريد من التقييد أن يكون مراده الاستعمالي من الخطاب الأول طلب إكرام زيد جاء أو لم يجيء، ثم أراد أن يبدل نفس المراد الاستعمالي لا الجدي، فهذا أمر غير ممكن، سواء في معنى الهيئة أو المعاني الاسمية، والممكن هو التقييد في المراد الاستعمالي بنحو تعدد الدال والمدلول من الأول، أو بنحو الاستعمال العنائي والمجازي حتى في الخطابات المتضمنة للمعاني الاسمية، ولا دخل في ذلك أيضاً للالتزام بأن المعاني الحرفية في أنفسها قابلة للتقييد، أو يكون التقييد فيها بتبع مدخولاتها.

والسر فيه هو أن النسبة الطلبية سواء أنشأت بالهيئة أو بالمعنى الاسمي فهي أمر اعتباري، وليس أمراً تكوينياً خارجياً، فالمنشأ في الانشائيات غير نفس الانشاء، ولا يقاس بالايجاد والوجود، إذ هما مختلفان بالاعتبار ومتحدان خارجاً، فينسب الوجود والتحقق إلى الماهية فيقال وجود، وينسب إلى الفاعل والعلة فيقال إيجاد.

وهذا بخلاف المنشأ والانشاء، إذ الانشاء تكويني، والمنشأ اعتباري، فإن الانشاء عبارة عن لحاظ المعنى القابل للاعتبار والاتيان بما يدل على وقوعه بقصد أن يقع، والمنشأ خارجاً وجود ذلك الأمرالاعتباري، وبما أن الوجود الاعتباري إنما يكون في المعنى القابل للاعتبار كالملكية، وأن الوجوب غير وجود الشيء الخارجي حيث أنه لا يمكن فيه أن يكون الايجاد فعلاً والوجود استقبالاً، لأن فرق الوجود والايجاد في المفهوم لا في الخارج بخلاف الانشاء والمنشأ، فيمكن أن يعتبر فعلاً حصول الشيء في الاستقبال أو معلقاً على أمر استقبالي كاعتبار الملكية للموصى له مطلقاً على موته، فهذا لا محذور فيه، فإن الانشاء كما ذكرنا متحقق، ولكن المنشأ بما أنـه أمر استقبالي أو معلق على الأمر الاستقبالي فهو غير فعلي، ولو كان المنشأ فعلياً قبل ذلك الأمر لكان حصوله بلا إنشائه.

وكذا الحال في الاخبار، لأن الاخبار عبارة عن التكلم بما ينتقل الذهن إلى الصورة التي هي لحصول الشيء أو لحصول شيء لشيء، والداعي إلى نقل الصورة هو الاعلام بحصول ذيها أو عدم حصوله، وكما يمكن الانتقال إلى الصورة التي يكون حصول ذيها فعلا، كذلك يمكن فيما يكون حصول ذيها استقبالاً، وقد تقدم في باب الفرق بين الانشاء والاخبار أنهما يشتركان في الاتيان بما يوجب الانتقال إلى صورة حصول الشيء، ولكن الغرض منه في الانشاء حصول ذيها، بخلاف الاخبار فإن الغرض من الاتيان به الاعلام بحصول ذي الصورة في ظرفه المناسب، ولو كان استقبالاً، وأنـه لو كان ما يقصد الاخبار عنه أمراً قابلاً للإنشاء ففي موارد كون الغرض الاعلام، يكون حصول ذي الصورة مع قطع النظر عن هذا الاعلام، وفي الأمر غير القابل للإنشاء لا يحتاج لإحراز كون المتكلم في مقام الاعلام إلى أمر آخر.

وبالجملة كما أن في موارد الانشاء بمفاد القضية الشرطية يكون الغرض حصول ذي الصورة فيظرف حصول الشرط، كذلك في موارد الاخبار بالجملة الشرطية يكون الغرض الاعلام بتحقق ذي الصورة خارجاً على تقدير وجود الشرط.

ودعوى أن في موارد الاخبار بالجملة الشرطية يكون المحكي عنه هي الملازمة بين حصول الشرط ومضمون الجزاء لا تعليق الجزاء على الشرط، ولذا يكون صدق القضية الشرطية أو كذبها دائراً مدار صدق الملازمة أو عدمها، فمثل (إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود) صادقة، إذ الملازمة موجودة ولو مع عدم تحقق الطرفين، لأن المحكي عنه هي الملازمة وحكايتها مطلقة، لا يمكن المساعدة عليها، فإن هذا لا يجري في غير موارد الملازمة، مثل قوله (إن جاء الليل يضرب زيد) الذي هو مورد الكلام فيالمقام، فإنه يكون صدق هذه القضية بتحقيق الضرب في الليل مع عدم الملازمة بينه وبين مجيء الليل لا فعلاً ولا مستقبلاً، هذا بحسب المنطوق. وأما بحسب المفهوم، فكذب مفهومها بتحقق الضرب قبل مجيء الليل.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) وجهاً آخر لامتناع إرجاع القيد إلى معنى الهيئة، وهو أن الالتزام بكون معنى الهيئة كلياً لا يصحح التقييد، إذ التقييد في معناها غير ممكن، لكن لا لجزئيته، بل من حيث إنه يحتاج إلى لحاظ المعنى استقلالاً، فإنه ضرب من الحكم، ومعنى الهيئة ملحوظ آلياً، فالمتعين رجوع القيد إلى المادة الملحوظ معناها على الاستقلال، لأن الاطلاق والتقييد من شؤون المفاهيم الاستقلالية، ومع أخذ القيد في المادة شرطاً يستحيل تعلق الطلب بتلك المادة بدون ذلك القيد، فمثلاً الحج المتقيد بالاستطاعة الخارجية يتصف بالواجب ويقع طرفاً للنسبة الطلبية، وبدون هذا القيد لا يكون متصفاً بوصف الواجب ولا يقع طرفا للنسبة الطلبية.

وبالجملة إرجاع القيد إلى المادة بهذا النحو لا محذور فيه، ولا يوجب إرجاع الواجب المشروط إلى الواجب المعلق باصطلاح صاحب الفصول كما ذكر في الكفاية(250)

.

أقول: يرد عليه:

أولاً: بأنه لابد من أن يفرق (قدس سره) بين قول القائل (إن جائك زيد فأكرمه) وبين قوله (إن جائك زيد فأطلب منك إكرامه)، حيث إن التقييد في الأول غير ممكن، لكون الطلب والبعث يستفاد من الهيئة بخلاف الثاني، فإن الطلب فيه معنى إسمي، ويلاحظ استقلالاً في مقام الاستعمال كسائر المعاني الاسمية الكلية القابلة للتقييد.

وثانياً: قد تقدم أن التقييد في الواجب المشروط بمعناه المشهور الذي كان في مقام الجعل والانشاء ليس بمعنى تضييق المعنى الكلي ليقال بأنه لا يجري في المعاني الملحوظة آلياً، حتى مع كونها كلية، بل هو بمعنى التعليق، وتعليق النسبة أمر ممكن، سواء كان الغرض من تلك النسبة إنشاءاً أو اخباراً، فلاحظ الذي يدق باب زيد ويسأل عن كونه في الدار مثلاً، فإنه لا غرض له إلا الاستفهام عن النسبة الظرفية ثبوتاً أو نفياً، وإذا صح تعلق الغرض بالنسبة استقلالا ـ طلبية كانت أو خبرية ـ فيمكن كونها مطلقة، كما يمكن كونها معلقة.

وثالثاً: إن ما ذكره (قدس سره) من أن إرجاع الشرط إلى المادة بالنحو الذي ذكره لا يوجب كونه من الواجب المعلق، ففيه أنه ليس في البين إلا البعث والطلب المتعلق بالمادة، فإن رجع الشرط إلى نفس الطلب والبعث يكون واجباً مشروطاً باصطلاح المشهور، وإن رجع إلى المادة يكون من الواجب المعلق، ولا يتعقل الشق الثالث الذي عبر عنه بالمادة المنتسبة وأرجع الشرط إليها، وما ذكر (قدس سره) من أن الحج المتصف بالاستطاعة الخارجية يتعلق به الوجوب ويقع طرفاً للنسبة الطلبية، فمعناها أن فعلية النسبة الطلبية منوط بحصول الاستطاعة، وهذا عبارة أخرى عن تعليق النسبة الطلبية إثباتاً، وأخذها في الموضوع لتلك النسبة ثبوتاً، بمعنى أنه لم يعتبر الطلب المتعلق بالحج إلا في ظرف حصول الاستطاعة بنحو الشرط المقارن، فيكونالمكلف المستطيع خارجاً موضوعاً لوجوب الحج.

ثم إنه قد يترائى التنافي بين ما ذكر صاحب الكفاية (قدس سره) هنا في الجواب عن إشكال رجوع الشرط إلى الهيئة من استلزام تعليق إنشاء الطلب على تقدير شيء لعدم كون الطلب في فرض عدم حصوله فعلياً، وإلا يلزم تفكيك المنشأ وتخلفه عن إنشائه.

وبين ما ذكر في بحث الشرط المتأخر من أن الدخيل في حصول الطلب لحاظ الشرط لا نفس الشرط ولحاظه مقارن لجعل الحكم وإنشاء الطلب، فإن مقتضى ذلك فعلية الطلب قبل حصول الشرط خارجاً لفعلية لحاظه.

ويمكن دفع التنافي بأن ما ذكره سابقاً راجع إلى دفع شبهة تأثير المعدوم في الموجود، فذكر في اندفاعها بأن المؤثر في إرادة المولى إنشاء الحكم لحاظ الشرط المتقدم والمتأخر كما في الشرط المقارن، وكلامه في المقام ناظر إلى الشرط بالإضافة إلى الطلب المنشأ الذي يكون بالانشاء، وأن هذا المنشأ إذا علق في إنشائه على حصول شيء لا يكون في فرض عدم حصوله لعدم الانشاء بالإضافة إلى تقدير عدمه، فلا تنافي.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)