وأما
حديث لزوم رجوع الشرط إلى المادة لباً[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وحاصل ما
ذكره (قدس سره) في الجواب عن دعوى لزوم رجوع الشرط
إلى المادة لباً هو أن الشيء إذا كان موافقاً للغرض
ـ سواء كان الغرض صلاح الفعل أو غيره ـ يمكن أن يبعث
المولى إلى ذلك الفعل فعلاً بأن يكون الطلب حالياً
لعدم المانع عن حاليته، كذلك يمكن أن يطلبه بنحو
الاشتراط والتعليق، بأن لا يكون قبل حصول المعلق
عليه طلب فعلي للمانع عن فعلية الطلب وحاليته.
وبالجملة ففي فرض المانع عن فعلية الطلب لا يكون
طلب حالي على نحو يكون المعلق عليه قيداً لنفس
الفعل مع حالية طلبه، كما هو ظاهر كلام الشيخ (قدس
سره)، وهذا ـ بناءاً على تبعية الاحكام للمصالح في
نفس الاحكام ـواضح.
وأما بناءاً على تبعيتها للمصالح في
متعلقات الاحكام فأيضاً كذلك، فإن تعلق الطلب
الحقيقي والبعث الفعلي بها على هذا القول أيضاً
يتوقف على عدم المحذور في فعلية الطلب، إذ التبعية
إنما تكون في الاحكام الواقعية بما هي واقعية لا
بما هي فعلية، وعليه فلا محذور في عدم فعليتها
لمانع، كما في موارد قيام الامارات والأصول
العملية على خلاف التكاليف الواقعية، وفي بعض
الاحكام في الشريعة مع بقاء المانع من فعليتها إلى
ظهور شمس الهداية وارتفاع الظلام.
أقول: ظاهر جوابه (قدس سره) عن رجوع القيد
إلى المادة لباً، هو أنه إذا كان الصلاح في الفعل،
على تقدير حصول أمر خارجاً يمكن أن ينشأ الوجوب
عليه على تقدير حصول ذلك الأمر، بحيث لا يكون في فرض
عدم حصوله طلب ومنشأ ولا يكون بالإضافة إلى الفعل
المفروض ـ على تقدير عدم حصول ذلك الأمر ـ إرادة
أصلاً، وعليه فلا يكون الوجوب المنشأ إلا بعد حصوله
ولا الارادة إلا بعده، فيكون نفس الوجوب المنشأ
وفعليته أمراً استقبالياً، لا أن يكون الوجوب
وفعليته أمراً حاليا والواجب استقبالياً، كما هو
ظاهر المحكي عن الشيخ وقال بأن الوجدان شاهد على أن
الارادة لا تقبل القيد، بل كل ما يفرض من القيد فهو
راجع إلى المراد المشتاق إليه.
وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) في
تعليقته تقريباً لما ذكر الماتن (قدس سره) بأن الشوق
المؤكد مطلقا لا يكون إرادة، بل الارادة هي المحركة
للعضلات نحو الفعل، وما دام لم يحصل القيد لا تحصل
هذه الارادة، وكما أنـه مع المانع عن الفعل
المباشري لا تتحقق الارادة ـ أي الشوق المحرك
للعضلات ـ كذلك مع المانع عن بعث العبد، لا يحصل
للمولى الشوق المحرك نحو البعث، فلا يكون فيظرف
المانع بعث حالي فعلي(251).
ولكن يأتي من المصنف (قدس سره)(252) أنـه لا يعتبر في فعلية الارادة
كونها محركة نحو المراد فعلاً،بل يمكن أن يكون
المراد أمراً استقباليا والارادة حالية وأما
توصيفهم الشوق بكونه مؤكدا محركا فهو بيان مرتبة
للشوق الذي يطلق عليه الارادة والتحريك الفعلي غير
معتبر في كونها إرادة فتصوير المانع بالإضافة إلى
تحريكه لا إلى حصوله، والمدعى في كلام الشيخ (قدس
سره) عدم التقييد في الشوق، بل القيد في المشتاق
إليه.
والجواب الصحيح هو أن الارادة بمعنى
الشوق المؤكد وإن صح تعلقه بالأمر الاستقبالي إلا
أنه ليس حكماً ولا دخيلاً في فعلية الحكم والتكليف،
كما يشهد بذلك فعلية الاباحة مع عدم تصوير الاشتياق
فيها بالإضافة إلى الفعل، بل ذكرنا في بحث الطلب
والارادة أن الشوق المؤكد غير الارادة، فإن الشوق
يتعلق بغير المقدور بمنتهى شدته، والارادة لا
تتعلق به، وقد يصدر الفعل عن الفاعل بالاختيار بلا
اشتياق منه إلى الفعل. وبالجملة الشوق المؤكد ليس
من الحكم، وإرادة المولى لا تتعلق بفعل العبد، فإن
فعل العبد بما هو فعل الغير غير مقدور للمولى بما هو
مولى، بل إرادة الآمر تتعلق بفعله يعني بعثه وطلبه،
ويكون إعمال قدرته فيه، وقد ذكرنا بما أن الوجوب
والطلب أمر إنشائي يكون إنشائه بعثاً وطلباً حقيقة
بكون الغرض منه إمكان كونه داعياً للعبد إلى
الاتيان بمتعلقه.
وأيضاً أنه قد يكون صلاح الفعل على تقدير
حصول شيء بحيث لو لم يحصل، لما كان في الفعل
الاختياري ملاكاً كما في قوله: (جاء الشتاء فالبس
الثياب الشتوية) ففي مثل هذه الموارد لا يكون
للمولى موجب لإنشاء الطلب مطلقاً حتى يكون القيد
راجعاً إلى متعلق الطلب والبعث، بل ينشأ الطلب على
نحو التعليق على حصول أمر آخر، ويكون غرضه من
المنشأ أن يكون في ظرف فعليته داعياً للعبد إلى
الاتيان بالفعل.
ويمكن أن يكون صلاح الفعل مطلقا ولكن لا
يتمكن العبد من ذلك الفعل إلا بحصول أمر آخر كقوله:
(إذا تمكنت على تعلم العلم فتعلم) فإن الطلب مشروطاً
لأجل أنـه لا أثر للطلب بدون حصول التمكن، فلا يكون
الطلب المشروط طلباً واقعياً إلا بعد حصول الشرط
إذن فلا ينحصر الطلب المشروط بموارد وجود المانع عن
إطلاق الطلب الحقيقي.
وقد تحصل مما ذكرنا أن البعث والطلب وإن
اتصف بكونه حقيقياً إلا أن اتصافه به إنما هو بلحاظ
كون الغرض من اعتباره إمكان انبعاث العبد به إلى
الفعل، وعليه إذا كان الصلاح في الفعل أو غيره
داعياً للمولى إلى إنشاء البعث والطلب على نحو
الاشتراط والتعليق فلا محذور فيه، حيث إن الانشاء
ليس عين المنشأ خارجاً ليكون تغايرهما بالاعتبار
كما في تغاير الكسر والانكسار والايجاد والوجود
حتى يلزم فعلية الانشاء بلا فعلية المنشأ فيكون
ممتنعاً، بل هما متغايران ذاتاً كما بيناه سابقاً.
ولا فرق فيما ذكرنا بين القول بكون الانشاء مبرزاً
للمنشأ ومقوماً لعنوانه أو القول بأن المنشأ أمر
مسبب عن الانشاء، فإن التسبب المفروض بما أنـه أمر
جعلي اعتباري فيمكن أن يوجد بالسبب التكويني
الفعلي الأمر الاعتباري المتأخر.
الظاهر
دخول المقدمات الوجودية للواجب المشروط في محل
النزاع أيضاً[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] يعني كما أن
مقدمات الواجب المطلق مورد النزاع في المقام، ويقع
البحث في أن وجوب ذيها يلازم تعلق الوجوب المولوي
الارتكازي بها، كذلك المقدمات الوجودية للواجب
المشروط داخلة في النزاع، غاية الأمر أن المقدمة
تتبع ذيها في إطلاق الوجوب واشتراطه، كما أنها
تابعه له في أصل الوجوب ففي الواجب المطلق يكون
وجوب المقدمة مطلقا بخلاف الواجب المشروط فإنه
يكون وجوب مقدمته أيضاً مشروطاً بحصول شرط الوجوب،
فلا وجه لتخصيص النزاع بمقدمات الواجب المطلق، كما
هو مقتضى ظاهر بعض الكلمات. نعم يخرج شرط الوجوب
وقيده عن محل الكلام في الملازمة وإلى ذلك أشار (قدس
سره) بقوله: «وأما الشرط المعلق عليه الايجاب... إلخ»(253) وحاصله عدم امكان تعلق
الوجوب الغيري بشرط الوجوب حتى لو كان الشرط فعلاً
اختيارياً لأن المفروض عدم الوجوب مع عدمه، ووجوبه
مع حصوله مقتضاه طلب الحاصل.
وأما بناءاً على مسلك الشيخ (قدس سره) فقد
تقدم أن الوجوب يتعلق بالحج المقارن للاستطاعة
الخارجية مثلاً، وأن الاستطاعة قد أخذت قيداً للحج
بنحو لا يتعلق بها وجوب ويكون المكلف مطلق العنان
بالإضافة إليها، ولو تعلق بها وجوب ففي فرض عدمها
يلزم الخلف، وفي فرض وجودها يلزم طلب الحاصل.
أقول: ظاهر كلامه (قدس سره) تعلق الوجوب
فعلاً على مسلك الشيخ (قدس سره) بالحج على تقدير
استطاعته ولو بعد حين من عمره، ولذا يجب عليه فعلاً
سائر مقدماته الوجودية على تقدير تلك الاستطاعة،
وهذا يرجع إلى الواجب المشروط بالشرط المتأخر، كما
يظهر ذلك أيضاً من قوله: «فإنه جعل الشيء ـ أي الحج
مثلاً ـ واجباً على تقدير حصول ذلك الشرط، فمعه كيف
يترشح عليه الوجوب ويتعلق به الطلب؟ وهل هو إلا طلب
الحاصل»(254)، ولكن إن هذا
الارجاع لا يناسب استدلال الشيخ (قدس سره) على عدم
كون الشرط قيداً للوجوب، فإنه لو أمكن كون الشرط
قيدا للوجوب بنحو الشرط المتأخر لأمكن كونه قيداً
للوجوب بنحو الشرط المقارن بالأولوية.
والمناسب لكلامه واستدلاله هو أن يلتزم
بأن التكليف في الواجبات المشروطة كالواجبات
المطلقة مجعول في حق كل قابل للتكليف من البالغ
العاقل المتمكن على متعلقه زمان العمل فيطلب منه
الفعل المقيد بحيث لا يسري الطلب إلى قيده، ولو سرى
الطلب إلى ذلك القيد لزم الخلف.
ثم لا يخفى أن في الواجبات المشروطة وإن
كان الشرط قيداً لنفس الوجوب أخذاً بظاهر القضية
الشرطية في الخطاب إلا أن الوجوب في مقام الثبوت
مجعول بمفاد القضية الحقيقية، وأن كل شرط وقيد راجع
إلى التكليف فهو يفرض في مقام الجعل والثبوت قيداً
للموضوع، فالشارع يجعل وجوب صلاة الظهر مثلا على كل
بالغ عاقل زالت عليه الشمس، ويجعل وجوب الحج على كل
بالغ عاقل يكون مستطيعاً، فجميع قيود التكليف تفرض
في مقام الجعل والثبوت في ناحية الموضوع مفروضة
الوجود ثم يجعل التكليف على الواجد لتلك القيود،
فاختلاف مفاد القضية الشرطية مع مفاد القضية
الحقيقية ينحصر بمقام الاثبات، وإلا فالقضية
الشرطية ترجع إلى مفاد القضية الحملية ثبوتاً،
وعلى ذلك فليس لازم ما ذكرنا من رجوع الشرط إلى قيد
الحكم أن يثبت حكم شرعي معلق بعد جعله على موضوعه،
كما توهم من ثبوت وجوب الحج المعلق على الاستطاعة
في حق جميع المكلفين، فإن ثبوت هذا النحو من الحكم
المعلق ثبوتاً في حق كل بالغ عاقل لغو محض.
والعجب من الشيخ (قدس سره) حيث التزم
بامتناع كون الشرط قيداً لنفس الوجوب، والتزم
برجوعه إلى تقييد متعلق التكليف، ولم يلتزم برجوعه
إلى تقييد الموضوع للتكليف حتى لا يرد عليه بأنه
كيف يكون العمل الاختياري قيداً لمتعلق التكليف
ومع ذلك لا يجب تحصيله كسائر مقدمات المتعلق، وأخذه
طوراً لا يكاد يسري إليه الوجوب، لا يعقل إلا بفرض
وجود الشرط في ناحية الموضوع لذلك الوجوب، ومما
يترتب على ما ذكرنا بطلان القول باعتبار الاستصحاب
التعليقي، حيث إن المستصحب في موارد الاستصحاب هو
الحكم في مقام الثبوت، والحكم في مقام الثبوت له
مرتبتان: مرتبة الجعل ومرتبة الفعلية، وليس شيء
منهما مما يتم فيه أركان الاستصحاب على ما سيأتي
توضيحه في محله إن شاء الله تعالى.
وأما
المعرفة، فلا يبعد القول بوجوبها حتى في الواجب
المشروط بالمعنى المختار[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المراد معرفة الواجب من حيث
أجزائه وشرائطه مما يعتبر فيه من ترتيب الاجزاء
وغيره كحدود الصلاة والحج والصوم وغيرها، ولا
ينبغي التأمل في لزوم معرفة الواجب فيما إذا كان
وجوبه فعلياً سواء كان ظرف الاتيان به أيضاً فعلياً
أو كان ظرفه أمرا استقبالياً، كما في الواجبات
المشروطة على مسلك الشيخ (قدس سره).
ولكن ربما يناقش في وجوب تعلم الواجب قبل
حصول شرط وجوبه وقبل فعلية وجوبه كما في الواجبات
المشروطة والموقتة على مسلك المشهور فيما إذا علم
المكلف أو احتمل حصول شرطها فيما بعد، وأنـه إذا لم
يتعلمها قبل فعلية وجوبها لم يتمكن بعد فعلية الشرط
أو دخول الوقت من الاتيان بذلك الواجب بتمام أجزائه
وشرائطه للغفلة أو العجز.
ووجه المناقشة أنه قبل حصول الشرط أو دخول
الوقت لا يكون الوجوب في ذلك الواجب فعلياً ليجب
عليه المعرفة كسائر مقدمات الواجب، وكما أن سائر
مقدمات الواجب لا يكون وجوبها فعلياً قبل فعلية
وجوب ذيها ـ كما تقدم ـ فكيف تجب معرفته قبل وجوبه؟
وقد ذكر المصنف (قدس سره) أن وجوب المعرفة
ليس وجوباً غيرياً كسائر المقدمات الوجودية للواجب
حتى يناقش في وجوبها قبل فعلية وجوب الواجب، بل
معرفته تدخل فيما يستقل به العقل من تنجز الاحكام
والتكاليف في الوقائع على المكلف بمجرد احتمالها،
ولا يكون مخالفتها من حيث الجهل بها عذراً إلا مع
الفحص واليأس عن الظفر بالدليل على التكليف،
فيستقل العقل بعده بالبراءة وأن العقاب على
المخالفة بلا حجة وبيان.
أقول: ما ذكره (قدس سره) من أن المعرفة
وجوبها ليست من الوجوب الغيري كالمقدمات الوجودية
للواجب أمر صحيح، ولكن استقلال العقل بما ذكره ـ
فيما إذا كان التعلم من تحصيل القدرة على الواجب
قبل فعلية وجوبه ـ غير معلوم، وإنما الثابت عدم
المعذورية في مخالفة التكليف المحتمل فعليته، مع
التمكن من موافقته بالاحتياط أو بالاجتهاد
والتقليد على تقدير التعلم، وأما عدم المعذورية مع
عدم التمكن من موافقته ولو بترك التعلم قبل زمان
حصول فعلية الوجوب وحصول شرطه، فهذا لا يستقل به
العقل، لعدم القدرة على الفعل بعد فعلية شرط
الوجوب.
وقد يجاب عن ذلك بأن الغفلة أو العجز لم
يؤخذ عدمها شرطاً في ناحية التكليف، بل التكليف
المجعول يصير فعلياً بحصول شرطه ودخول وقته. نعم
تكون الغفلة أو العجز مانعاً عن تنجز التكليف في
الموارد التي يحكم العقل بالعذر، والعقل لا يحكم
بالمعذورية مع ترك التعلم.
وفيه: أن من شرط التكليف القدرة على
متعلقه في ظرف الواجب، والغافل كالعاجز غير متمكن
عليه.
ولكن مع ذلك، الصحيح وجوب المعرفة، وذلك
فإن الاخبار الواردة في وجوب تعلم الاحكام
والواجبات بإطلاقها تعم المشروطة والموقتة، مما
يحتمل المكلف الابتلاء بها فضلاً عما يعلم، وتكون
دالة على أن العجز الناشئ عن ترك التعلم ـ ولو كان
الترك قبل حصول الشرط أو الوقت ـ يوجب تفويت ملاك
الواجب، نظير ما تقدم في الأمر بالاغتسال في الليل
على الجنب الذي عليه صوم الغد عند طلوع الفجر.
وبالجملة وجوب التعلم طريقي يقطع العذر في مخالفة
التكليف أو في تفويت الملاك الملزم الموجود في
مورده.
تذنيب:
لا يخفى أن إطلاق الواجب[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قد تقدم في
بحث المشتق أن معناه ضيق لا ينطبق إلا على المتلبس
بالمبدأ، وعليه فإن كان إطلاق الواجب على الحج ـ
مثلاً ـ بلحاظ حال الاستطاعة، يكون الاطلاق
حقيقياً، بلا فرق بين مسلك المشهور ومسلك الشيخ
(قدس سره)، وإن كان الاطلاق بلحاظ قبل الاستطاعة
يكون الاطلاق حقيقياً بناءاً على مسلكه (قدس سره)
بخلاف مسلك المشهور، فإن الاطلاق يكون بالعناية،
كما صرح به الشيخ البهائي (قدس سره)، والشاهد لكون
الاطلاق مع العنائية أن إطلاق المستحب على الحج حال
عدم الاستطاعة صحيح لا عناية فيه، وأما صيغة الأمر
فهي موضوعة لإنشاء البعث والطلب الجامع بين مطلقه
ومشروطه المعبر عن ذلك الجامع بالمبهم المقسم
فيكون استعمالها في إنشاء الطلب على نحو الحقيقة،
سواء حصل بها الطلب المطلق أو المشروط، فإنها في
كلتا الصورتين تستعمل في معناها الموضوع له، ويكون
إنشاء أصل الطلب بها وخصوصية الاطلاق أو الاشتراط
بدال آخر، وهي القرينة العامة يعني مقدمات الحكمة
فيما كانت الخصوصية هي الاطلاق المقابل للاشتراط،
والقرينة الخاصة فيما كانت الخصوصية هي الاشتراط.
والمراد من الطلب المطلق على مسلك الشيخ
(قدس سره) الاطلاق الذاتي الذي لا يحتاج إلى مقدمات
الحكمة، حيث إن الاحتياج إليها في إثبات الاطلاق
العرضي الذي يكون في فرض إمكان تقييده، وحيث قد
التزم (قدس سره) بعدم إمكان تقييد الوجوب بوجه
ثبوتاً أو إثباتاً فلا محالة يكون الاطلاق عنده
ذاتياً.
أقول: إطلاق الواجب على الفعل يكون
باعتبارين أحدهما: بحسب مقام الانشاء والجعل، كما
يقال: الصلوات الخمس واجبة، وغسل الميت واجب، وغسل
الجمعة مستحب، ولا فرق بين المسلكين في هذا
الاطلاق، فإنه عليهما حقيقي لا مجازي لفعلية
الانشاء وتحققه حتى على المسلك المشهور. والثاني:
الاطلاق بحسب فعلية الوجوب المنشأ والطلب، فالوجوب
قبل حصول شرطه غير فعلي، فلا يكون الفعل حينئذ
واجباً، ليكون الاطلاق بلحاظه حقيقياً، هذا على
مسلك المشهور. وأما بناءاً على مسلك الشيخ (قدس سره)
فالفعل الاستقبالي واجب حقيقة، لعدم الاشتراط في
وجوبه.
ومنها
تقسيمه إلى المعلق والمنجز[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] حاصل ما ذكره
في الفصول أنه إن لم يتوقف متعلق الوجوب على أمر غير
مقدور كالمعرفة بالله (سبحانه) يكون الواجب منجزاً
وإن توقف عليه كالحج بالإضافة إلى مجيء زمانه
بناءاً على حصول وجوبه بحصول الاستطاعة أو خروج
الرفقة يكون الواجب معلقاً، والفرق بين المعلق
والمشروط أن نفس الوجوب في المشروط معلق على حصول
الشرط بخلافه في المعلق فإنه لا يتوقف على حصول
الشرط، بل المتوقف على حصوله هو الواجب.
وذكر الماتن في ذيله: بما أن الواجب
المعلق عند صاحب الفصول بعينه هو ما التزم به الشيخ
(قدس سره) في الواجب المشروط حيث ذكر امتناع رجوع
القيد إلى نفس الوجوب ثبوتاً وإثباتاً وأن القيود
كلها ترجع إلى متعلق الوجوب أنكر على صاحب الفصول
هذا التقسيم، وقد
عرفت أن إنكاره يرجع في الحقيقة إلى الواجب
المشروط باصطلاح المشهور لا إلى الواجب المنجز
والمعلق.
نعم يرد على الفصول أن تقسيم الواجب إلى
المنجز والمعلق بلا موجب، فإن الوجوب الغيري
للمقدمة من لوازم حالية وجوب ذيها سواء كان متعلقه
منجزاً أو معلقاً، ولو أريد تقسيم الواجب من غير
لحاظ دخله في المهم لكثرة تقسيماته.
أقول: قد ذكر صاحب الفصول (قدس سره) هذا
التقسيم لتصحيح وجوب المقدمة في بعض الواجبات قبل
مجيء زمانها، كاغتسال الجنب والحائض في الليل لصوم
يوم الغد، وكالخروج إلى السفر قبل زمان مجيء أشهر
الحج للنائي.
وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) في ذيل ما
أورده الماتن على الفصول: بأنـه لا يخفى أن انفكاك
زمان الوجوب عن زمان الواجب (أي تأخر زمان الواجب)
هو المصحح لوجوب مقدمته قبل زمان الواجب، وإلا فلو
كان زمان الوجوب متحداً مع زمان الواجب لما وجبت
مقدمته قبل زمان الواجب، ولعله (قدس سره) أشار إلى
ذلك بقوله «فافهم»، فوجوب المقدمة حينئذ وإن كان
معلولاً لوجوب ذيها لكن وجوب المقدمة قبل زمان ذيها
إنما هو لتقدم زمان وجوب ذيها على زمان ذي المقدمة،
بحيث لولا تأخر زمان ذي المقدمة لما وجبت المقدمة
قبل زمان ذيها(255).
أقول: ما ذكره (قدس سره) لا يزيد أمراً ولا
يوجب خللاً فيما ذكر الماتن (قدس سره) من أن ثبوت
وجوب المقدمة في مورد إنما هو لفعلية وجوب ذيها،
سواء كان نفس الواجب مقيداً بقيد متأخر أم لا.
ولكن الذي ينبغي أن يقال في المقام هو أن
نفس فعلية وجوب ذي المقدمة ـ ولو كان مقيداً بقيد
استقبالي ـ لا يوجب وجوب مقدمته حتى يؤتى بالمقدمة
قبل مجيء زمان ذيها ولو بنحو الواجب الغيري الموسع،
بل يختص ذلك بما إذا لم يؤخذ المتأخر قيداً للوجوب
ولا لنفس المقدمة أيضاً بأن لم تكن المقدمة من قبيل
الاغسال للمستحاضة الكثيرة أو المتوسطة بالإضافة
إلى صومها في الغد، وعليه فلا يكون مجرد انفكاك
زمان فعلية وجوب فعل عن زمان الاتيان بنفس الفعل
مجدياً في تعين أو جواز الاتيان بمقدمته قبل مجيء
ذلك الزمان وإنما يكون ذلك فيما إذا كان المتأخر
مأخوذاً في ناحية نفس الواجب النفسي خاصة لا في
ناحية وجوبه ولا في ناحية مقدمته.
وربما
حكي عن بعض أهل النظر[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] قيل هو
المحقق النهاوندي (قدس سره)، وحاصله أن الايجاب
يقابل الارادة، وكما لا تنفك إرادة الفاعل عن
مراده، بل تحريك العضلات نحو المراد إنما يكون
بفعلية الارادة، فليكن الحال في الايجاب الفعلي
كذلك، بأن يكون تحريك العبد نحو المتعلق تابعاً
لحدوث الطلب الفعلي، فإن الايجاب أيضاً إرادة،
غاية الأمر يتعلق الايجاب بفعل الغير والارادة
بالفعل المباشري، وعلى ذلك فلا يمكن تصوير الواجب
المعلق، حيث إن لازمه الفصل بين تحقق الطلب الفعلي
والمطلوب بزمان ما، وهو محال كالفصل بين الارادة
والمراد.
وأجاب المصنف (قدس سره) عن المناقشة بوجوه
ثلاثة: الأول والثاني راجعان إلى الارادة
التكوينية المتعلقة بالفعل المباشري، والثالث إلى
الايجاب والارادة التشريعية.
وحاصل الوجه الأول: أن الارادة التكوينية
أيضاً تتعلق بأمر استقبالي وتنفك عن المراد بحسب
الزمان، كما إذا تعلقت بأمر يكون موقوفاً على
مقدمات يحتاج في تحصيلها إلى طول الزمان، كإرادة
الوصول إلى مرتبة الاجتهاد واستنباط الاحكام من
مداركها، فإن الشوق إليه الحادث للنفس يدعو إلى
تحمل المشاق في تحصيل مقدماته ليحصل له الغرض بعد
سنين، ولو كان حدوث الشوق إلى الاجتهاد بعد حصول
مقدماته لما كان كل مريد للاجتهاد متحملاً للمشاق
من تحصيل المقدمات، فحركة العضلات المعتبرة في
الارادة التكوينية نحو المراد أعم من أن تكون نحو
نفس المراد أو نحو مقدماته.
وحاصل الوجه الثاني أنه يمكن انفكاك
إرادة الفاعل عن مراده بأن لا تتحرك عضلاته نحو
المراد ولا نحو مقدماته لكون المراد وما اشتاق إليه
كمال الاشتياق أمراً استقبالياً غير محتاج إلى
تهيئة مقدمة، فيكون غرضهم من توصيف الارادة والشوق
المؤكد بكونها محركة للعضلات بيان المرتبة من
الشوق الذي تسمى إرادة، ضرورة إمكان كون اشتياق
الإنسان إلى أمر استقبالي أقوى وآكد من الشوق
المحرك فعلاً نحو مراد حالي أو استقبالي يحتاج إلى
مقدمة أو مقدمات.
وحاصل الوجه الثالث: منع قياس الايجاب
بالارادة التكوينية وذلك فإن البعث والطلب لإيجاد
الداعي إلى الفعل في نفس العبد وحصول الداعي في نفس
العبد ثم حركته نحو الفعل يتوقف على علمه بالبعث
وتصوره ما يترتب على موافقته ومخالفته والتصديق
بما هو صلاح له وبعد ذلك ينقدح الداعي في نفسه
فتتحرك عضلاته نحو الفعل. إذن فتخلل زمان ولو كان
قصيراً بين الايجاب وبين الفعل خارجاً مما لابد
منه. وإذا أمكن الانفكاك بينهما بزمان قصير أمكن
الفصل بالطويل أيضاً.
وعن المحقق الاصفهاني (قدس سره) ما حاصله
أن ما ذكر المصنف (قدس سره) في ناحية كل من الارادة
التكوينية والتشريعية غير تام، أما الارادة
التكوينية فالأمر فيها كما ذكر النهاوندي من أن
الارادة (أي الشوق المؤكد) علة تامة لحركة العضلات
نحو الفعل.
وبيانه: أن النفس في وحدتها كل القوى لها
منازل ومراتب، ولها في كل مرتبة ومنزلة من تلك
المراتب والمنازل شأن وحركة فتدرك في مرتبة
العاقلة أن في الفعل فائدة عائدة إلى جوهر ذاتها أو
إلى قوة من قواها ويحصل لها في مرتبة القوة الشوقية
شوق إلى ذلك الفعل، وإذا لم تجد مانعاً ومزاحماً
يخرج الشوق من حد النقصان إلى الكمال المعبر عن ذلك
الكمال بالاجماع تارة، وبتصميم العزم أخرى،
وبالقصد والارادة ثالثة، وينبعث من هذه المرتبة من
الشوق البالغة كماله وحد نصابه، حركة وهيجان في
مرتبة القوة العاملة في العضلات، وعلى ذلك فلا يكون
الشوق في مرتبة ضعفه إرادة وقوة فاعلة، لتعلق الشوق
بما هو خارج عن اختيارها، بل إنما يكون إرادة في
مرتبة كماله وهيجانه للقوة العاملة في العضلات،
ففاعلية النفس محركيتها بالارادة التي تنبعث منها
القوى العاملة في العضلات، وإذا لم تنبعث تلك القوى
فليس إلا لعدم خروج الشوق عن نقصانه وعدم وصوله إلى
كماله.
ولا منافاة بين بقاء النفس في مرتبة النقص
من الشوق بالإضافة إلى الفعل المراد وبين خروج
الشوق إلى مقدمته ـ المتولد من الشوق إلى ذلك الفعل
ـ إلى مرتبه كماله، وينبعث من الشوق الواصل إلى
كماله القوى العاملة في العضلات بالإضافة إلى تلك
المقدمة فلا يكون التصدي لمقدمات المطلوب والمراد
كاشفاً عن وصول الشوق إلى ذي المقدمة إلى كماله.
و بتعبير آخر عدم المانع والمزاحم
بالإضافة إلى مقدمة فعل، الموجب لخروج الشوق بها
إلى الارادة الناشي من الشوق بذي المقدمة لا ينافي
بقاء الشوق إلى ذي المقدمة لوجود المزاحم والمانع
في مرتبة نقصانه.
والحاصل تكون الارادة المتعلقة بشيء
الجزء الاخير من العلة التامة لذلك الشيء، فلا يعقل
انفكاك انبعاث القوى العاملة في العضلات عن إرادة
ذلك الشيء وإلا لزم تخلف المعلول عن علته التامة،
هذا بالإضافة إلى الارادة التكوينية.
وأما الارادة التشريعية فالأمر فيها
أيضاً كذلك، فإن شوق المولى بفعل العبد لا يمكن أن
يصل إلى مرتبة الارادة، لأن فعل العبد خارج عن
اختياره بما هو مولى، فيتولد من اشتياقه إلى فعل
العبد المنقاد شوق إلى بعثه نحو ذلك الفعل، ويصل
هذا الشوق إلى مرتبة الارادة، فإرادة المولى تتعلق
ببعثه، وهذا البعث لا يترتب عليه انبعاث العبد إلى
الفعل بنحو القهر والغلبة، فإنه خلاف الفرض، بل
لابد من أن يكون بنحو يترتب عليه إمكان انبعاثه.
وبتعبير آخر ما تعلق به شوق المولى وميله
هو الفعل الاختياري للعبد، ولو كان بعث المولى إلى
فعله بنحو القهر والاجبار لكان ذلك بعث إلى غير ما
اشتاق إليه، فلابد من أن يكون بعثه على نحو يترتب
عليه إمكان انبعاث العبد فيما لو كان منقاداً،
والمفروض في الواجب المعلق عدم ترتب الانبعاث عند
تحقق البعث مع فرض انقياد العبد، فلا يكون بعث
المولى بعثا حقيقة ولو إمكاناً(256).
أقول: قد تقدم سابقاً وكراراً أن إرادة
المولى لا تتعلق بالبعث الخارجي الحقيقي، فإن
البعث الخارجي الحقيقي قهر على الغير لا ينفك عن
الانبعاث الخارجي ولا يتحقق بدونه، كما لا يتحقق
الكسر بلا انكسار، وإنما تتعلق إرادته بالبعث
الخارجي الاعتباري، وإذا كان البعث اعتبارياً
فيمكن أن ينشأ البعث معلقاً على أمر استقبالي بنحو
الشرط المقارن أو غيره نظير الوصية التمليكية
ويمكن أن ينشأ البعث مطلقاً ويقيد المبعوث إليه
بأمر استقبالي، فإن الاعتبار غير التكوين، إذ غاية
ما يعتبر في موارد إطلاق البعث هو أن يكون لإطلاقه
أثر حتى لا يلحق إطلاقه بأنياب الاغوال ولئلا يكون
الاعتبار فيه لغواً ومجرد فرض و خيال، والمفروض في
موارد إطلاقه واستقبالية متعلق البعث والطلب حصول
الاثر، ولو كان تهيؤ المكلف بالاشتغال ببعض
مقدماته، نظير الاغتسال في الليل لصوم يوم الغد
والتحفظ بمال الاستطاعة لسفر الحج وإلى غير ذلك.
وقد ذكرنا في بحث الطلب والارادة أن الشوق
بأي مرتبة فرض لا يكون إرادة، إذ قد تتحقق إرادة
الفعل من غير اشتياق إليه أصلاً، فلا نعيد.
وقد يجاب عن المحقق الاصفهاني (قدس سره)
بأن للفاعل في موارد الفعل بالمباشرة إرادتين
تتعلق كل منهما بمراد، إذ تعين الارادة للنفس في
النفس إنما يكون بالمراد، ومع تعدد المراد لا يعقل
وحدة الارادة، فإن المتعدد بما هو متعدد لا يتعلق
به إرادة واحدة، فالعطشان الذي يريد رفع عطشه أو
شرب الماء تكون إرادته متعلقة برفع عطشه أو شرب
الماء، ومع الالتفات بأن شرب الماء (أي إيجاده) لا
يكون إلا بحركة عضلاته تكون حركة عضلاته بإرادة
ثانية، ولو كانت تبعية، ومصحح اختيارية الافعال
هذه الارادة الثانية، إذ لو لم تكن حركتها بإرادة
ثانية لا يكون الفعل اختيارياً، والارادة التي لا
تنفك عن المراد هي هذه الارادة لا الأولى، حيث لا
يعقل تحقق الارادة بالحركة الفعلية من غير تحرك
العضلات فعلاً، وأما الارادة الأولى فيمكن تعلقها
بما يكون أمراً استقبالياً، وهذا ليس من التخصيص في
حكم العقل، بل لأن تحقق حركة العضلات يكشف عن بروز
الارادة للنفس بلا مزاحم، وأما الارادة الأولى فهي
تابعة لكيفية تعلقها، فإن تعلقت بالفعل فوراً يحصل
للنفس إرادة ثانية التي لا تنفك عن حركة العضلات،
وإن تعلقت بالفعل استقبالاً فلا تحصل الارادة
الثانية إلا مع بقاء الارادة الأولى إلى وصول زمان
الفعل في المستقبل، ففي ذلك الزمان تحصل الارادة
الثانية، فاللتي يترتب عليها حركة العضلات هي
الارادة الثانية المترتبة على الارادة الأولى فيما
كان المراد به فعلياً ولو بفعلية القيد الاستقبالي(257).
أقول: ما ذكره (قدس سره) غريب، وذلك فإن
تحقق الارادتين إنما يكون فيما لا ينطبق المراد على
نفس حركة العضلات، إذ من أراد شرب الماء وشربه،
فالصادر منه بما هو فعل ليس إلا عبارة عن تحريك
الحلق بنحو ينزل الماء في المعدة، وعليه فلا تتعلق
مع إرادة شرب الماء إرادة أخرى متعلقه بحركة الحلق
بنحو يزدرد الماء، نعم تهيئة الماء وإيصاله إلى
فضاء الحلق يكون بإرادة أخرى، حيث إن ذلك مقدمة
للشرب، وهذا غير منكر في كلام المحقق الاصفهاني
(قدس سره)، وإنما الكلام فيما إذا أراد ـ مثلاً ـ
مصافحة إنسان قد مد يده إليه، فإن إرادة مصافحته
عبارة أخرى عن تعلق إرادته بمد يده ووضعها في اليد
الممدودة إليه، وليس في البين إرادتان إحداهما
تتعلق بمصافحته، وأخرى بمد يده ووضعها في اليد
الممدودة إليه، وإذا لم يكن في مثل ذلك إرادتان،
فكيف تكون هذه الافعال اختيارية بناءاً على ما أسسه
واختاره؟ وكيف تكون إرادتها علة تامة لحصول
المراد، إذن فلا معنى للقول بتصحيح اختيارية
الافعال بالالتزام بإرادة ثانية متعلقة بحركة
الاعضاء والجوارح، تابعة للإرادة الأولى المتعلقة
بالمراد بالذات. ومع الاغماض عن ذلك والتسليم بأن
للفاعل المريد إرادتين تتعلق إحداهما بالمراد
بالذات، والاخرى بحركة العضلة، فنقول: كما أن
الارادة بالإضافة إلى المراد بالذات تابعة لكيفية
تعلقها، كذلك الارادة بحركة العضلات ـ بشهادة
الوجدان والبرهان ـ تابعة لكيفية تعلق الارادة
الأولى، فإن كانت الارادة الأولى متعلقه بفعل
حالاً تتعلق الارادة بحركة العضلات أيضاً حالا،
وإن تعلقت بفعل مستقبلا، تعلقت الارادة بحركة
العضلات أيضاً مستقبلاً بأن يكون الاستقبال قيداً
للحركة لا لإرادتها. ودعوى أن إرادة حركة العضلات
في هذه الموارد لا تحصل من الأول وإنما تحصل عند
فعلية القيد الاستقبالي، فالوجدان وبرهان تبعية
الارادة الثانية يشهدان على خلافها.
ثم إنه قد أنكر المحقق النائيني (قدس سره)
الواجب المعلق والتزم بامتناع فعلية الوجوب بدون
فعلية أمر يكون من القيد غير الاختياري المأخوذ في
الواجب كالزمان، وأوضح ذلك بأن الايجاب يعني
الارادة التشريعية تكون بإزاء الارادة التكوينية،
وكما لا يصح من الإنسان إرادة فعل وعمل فعلاً يكون
ذلك الفعل مقيداً بزمان الاستقبال أو أمر استقبالي
غير مقدور إلا بنحو التقدير والتعليق، كذلك لا يصح
الأمر به فعلاً، بل يصح على نحو الاشتراط والتقدير،
وهذا بخلاف عمل يتوقف ذلك العمل على تهيئة مقدمات
مقدورة، ولا يحصل إلا بعد حصولها، فإنه يصح من
الإنسان إرادة ذلك العمل كإرادة استنباط الاحكام،
حيث يتوقف الاستنباط على مراجعة الادلة والنظر
فيها، فيكون الداعي إلى هذه المقدمات نفس إرادة
الاستنباط، ففي مثل ذلك يصح للآمر الأمر بذلك العمل
بلا محذور.
وإن شئت قلت: ما يكون من العمل موقوفاً على
مقدمات مقدورة للفاعل، ففي مثله لا بأس بالأمر
فعلياً بذلك العمل وقبل حصول تلك المقدمات، فيكون
الأمر به داعياً إلى الانبعاث إلى تلك المقدمات،
وما يكون من العمل موقوفاً على حصول أمر غير
اختياري، كالزمان المستقبل والزماني، ففي مثل ذلك
لا يصح الأمر الفعلي بذلك العمل، بل يكون الأمر على
تقدير مجيء ذلك الزمان أو الزماني كما هو الحال في
الواجب المشروط، وهذا مقتضى لحاظ الارادة
التشريعية بالإضافة إلى الارادة التكوينية، حيث لا
تكون الارادة التكوينية في هذا القسم إلا بنحو
التقدير والاشتراط، فمثلا إرادة شرب الماء موجودة
لكل ملتفت إلى صلاح شربه عند عطشه، ولكن هذه
الارادة تقديرية، وتكون فعلية عند فعلية العطش،
ولو كان في هذا القسم مقدمة مقدورة بحيث لو لم يأت
بها المكلف قبل فعلية الايجاب لما تمكن منه بعد
فعلية العطش، يكون إيجاب تلك المقدمة بأمر نفسي
تهيئي لا بالالتزام بفعلية وجوب ذيها واستقبالية
ذلك الواجب، كما هو ظاهر الفصول(258).
أقول: لا يكون التقدير والتعليق في نفس
الارادة ـ يعني الشوق المؤكد ـ بأن يكون للشوق وجود
تقديري في مقابل وجوده التنجيزي، بل هو كسائر
الأمور الواقعية يتصف بالوجود تارة وبالعدم أخرى،
وإنما يكون القيد راجعاً إلى المشتاق إليه باعتبار
دخله في صلاحه، بلا فرق بين كون القيد اختيارياً أو
غير اختياري.
ودعوى أنه لا يكون للشوق فعلية مع كون
القيد أمراً غير اختياري بخلاف ما إذا كان القيد
اختيارياً غير تامة، فإنه يكفي في فعلية الشوق
إحراز ذلك القيد في موطنه، كما إذا أحرز أن الامير
يعطيه الجائزه الخطيرة غداً، فإنه يصبح باشتياق
مفرط لأخذ تلك الجائزة من غير أن ينام في ليلته مهما
طالت، شوقاً إليها.
والسر في ذلك أن الموجب للاشتياق ليس
الوجود الخارجي بنفسه، بل بإحراز حصوله في موطنه،
ويشهد لعدم الفرق بين كون القيد اختيارياً أو غير
اختياري أن الاشتياق إلى شرب الماء عند عطشه لا
يوجب جعل نفسه عطشاناً أو قطع المسافة.
نعم لو كانت الارادة هي الاختيار بمعنى
إعمال النفس قدرتها في أحد طرفي الشيء، فهذا لا
يتعلق بغير المقدور ولا بالمتأخر، كما تقدم
التفصيل في بحث الطلب والارادة، وذكرنا أن الحاصل
في المتأخر القصد والبناء وأن صرف المولى قدرته
يكون على فعله وهو إنشاء البعث والطلب، والبعث
والطلب بما أنـه أمر اعتباري لا يحتاج في تحققه إلى
حصول القيد خارجاً، فيمكن للمولى لحاظ ذلك القيد في
ناحية المتعلق، لا في ناحية نفس البعث، فيكون
واجباً معلقاً، كما يمكن أن يلاحظ قيداً لنفس
البعث، فيكون واجباً مشروطاً.
والحاصل لو كان المراد بالارادة
التشريعية البعث الاعتباري، فهذا لا يقاس بالارادة
التكوينية، وعلى تقدير القياس فالإرادة التكوينية
أيضاً ـ بمعنى الشوق والميل والبناء قلباً ـ تتعلق
بفعل استقبالي مع إحراز حصول قيدها في موطنه، ولو
كان المراد بالارادة الاختيار وإعمال القدرة، فصرف
المولى قدرته يكون بفعله، وهو إنشاء البعث لا بفعل
العبد، على ما تقدم.
وربما
أشكل على المعلق أيضاً بعدم القدرة على المكلف به
في حال البعث[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وقد يقال: إن
ما ذكره في الفصول من كون غير الاختياري قيداً
للواجب، وكون الوجوب بالإضافة إليه مطلقا، غير
صحيح، بل الواجب المعلق بعينه هو الواجب المشروط
بنحو الشرط المتأخر، بحيث لو لم يحصل ذلك القيد غير
الاختياري في موطنه أو لم يحصل التمكن على الفعل في
ذلك الظرف لما كان وجوب من الأول، فيكون الوجوب من
الأول مشروطا بحصول ذلك القيد غير الاختياري
فيموطنه، كما تقدم بحث الواجب المشروط.
ودعى صاحب الفصول (قدس سره) إلى الالتزام
بالواجب المعلق من تصحيح وجوب الاتيان ببعض مقدمات
الواجب قبل حصول ظرف نفس الواجب، يترتب على الوجوب
المعلق بذلك الفعل بنحو المشروط بالشرط المتأخر
أيضاً، فلا موجب لتصحيح وجوب الاتيان ببعض مقدمات
الواجب قبل وقت ذلك الواجب إلى الالتزام بالواجب
المعلق، بل ما سماه واجباً معلقاً فهو في الواقع من
الواجب المشروط بالشرط المتأخر.
ويظهر من الماتن (قدس سره) في الجواب عن
الاشكال الذي تعرض له في المتن بقوله: «وربما أشكل
على المعلق أيضاً بعدم القدرة... الخ»(259) أن في موارد الواجب المعلق تكون
القدرة على الفعل شرطاً للتكليف بنحو الشرط
المتأخر، ولكن نفس القيد غير الاختياري المتأخر
كالزمان لا يكون قيداً لنفس التكليف، ولو بنحو
الشرط المتأخر، بل ذلك القيد قيد للواجب فقط، وبهذا
يفترق الواجب المشروط بالشرط المتأخر عن الواجب
المعلق، فإنه لو كان نفس القيد غير الاختياري قيداً
للتكليف بنحو الشرط المتأخر لكان الواجب من قبيل
الواجب المشروط بالشرط المتأخر وأما إذا كان القيد
المفروض قيداً للواجب فقط ولم يكن في ناحية الوجوب
إلا الاشتراط بالقدرة على ذلك الفعل في ظرفه فهو من
الواجب المعلق.
ولكن لا يخفى أن اشتراط حصول ذلك الزمان
يدخل في اشتراط القدرة على ذلك الفعل، فيكون حصوله
قيداً للوجوب بنحو الشرط المتأخر وللواجب بنحو
الشرط المقارن، نظير دخول الوقت، حيث أنه شرط
للوجوب وقيد للصلاة أيضاً، ولا فرق في اشتراط
التكليف بين كون الشيء بنفسه قيداً له أو بما يحصل
عنه.
والمتحصل أن مرجع الواجب المعلق إلى
الواجب المشروط بالشرط المتأخر فلا يكون أحدهما في
مقابل الآخر، وقد أشرنا إلى أن الثمرة التي ذكرت
للواجب المعلق تترتب على الواجب المشروط بالشرط
المتأخر، حتى لو فرض أن أحدهما في مقابل الآخر.
ثم
إنه لا وجه لتخصيص الواجب المعلق بما يتوقف حصوله
على أمر غير مقدور[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] وحاصل ظاهر
كلامه (قدس سره) أنـه لا وجه لتخصيص الواجب المعلق
بما إذا كان قيد الواجب أمراً غير اختياري، بل
ينبغي تعميمه لما إذا كان القيد المفروض اختيارياً
مأخوذاً في الواجب بنحو يترشح عليه الوجوب الغيري،
أو مأخوذاً بنحو لا يترشح عليه ذلك الوجوب، فإن غرض
صاحب الفصول من تقسيم الواجب إلى المعلق والمنجز
لزوم تحصيل بعض المقدمات التي لا يتمكن المكلف من
الاتيان بها في ظرف الواجب، فإن لزوم التحصيل يترتب
على كون الواجب معلقاً، ولا يترتب على كونه
مشروطاً، لثبوت الوجوب الحالي في الواجب المعلق،
فيترشح من الوجوب الحالي المتعلق بالواجب وجوب تلك
المقدمات بناءاً على الملازمة، ولا يترشح هذا
الوجوب لها بناءاً على الواجب المشروط، لعدم وجوب
حالي لذلك الواجب إلا بعد حصول الشرط.
ولكن هذا بناءاً على كون اشتراط وجوب
الواجب بالشرط بنحو الشرط المقارن، وأما إذا كان
بنحو الشرط المتأخر وفرض وجود الشرط في ظرفه
المتأخر، يكون وجوب ذلك الواجب حاليا أيضاً، فيكون
الوجوب الغيري لتلك المقدمة أيضاً حالياً، وليس
الفرق بين الواجب المشروط بالشرط المتأخر وبين
الواجب المعلق إلا كون وجوب الواجب مرتبطاً بحصول
الشرط المتأخر، بخلاف المعلق، فإن المرتبط فيه
بالمتأخر نفس الواجب.
أقول: قد تقدم أن الوجوب في الواجب المعلق
أيضاً مرتبط بحصول ذلك الشرط، فإنه لولاه لما تمكن
المكلف من الاتيان بالواجب، والقدرة على الاتيان
بالواجب في ظرفه شرط لوجوبه لا محالة، غاية الأمر
على تقدير اعتبار المتأخر في الواجب أيضاً كما هو
الفرض يكون نظير اشتراط شيء في كل من وجوب الواجب
ونفس الواجب، واعتبر في الوجوب بنحو الشرط المتأخر
وفي الواجب بنحو الشرط المقارن.
والحاصل أن الواجب المعلق قسم من الواجب
المشروط بالشرط المتأخر، وهذا من جهة كون شيء
واجباً معلقاً أو مشروطاً.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أنـه لا وجه
لتخصيص المعلق بما إذا كان قيد الواجب أمراً
غيراختياري، بل يعم ما إذا كان ذلك القيد
الاستقبالي مقدوراً، سواء أخذ في الواجب بنحو
يترشح عليه أيضاً الوجوب الغيري أم لا، فهو صحيح في
الجملة لا مطلقاً، إذ لو كان ذلك القيد للواجب
أمراً اختيارياً، بحيث يترشح عليه الوجوب الغيري،
لدخل الواجب في المنجز، حيث لا يعتبر في الواجب
المنجز المساوي للمطلق أن لا يكون قيد للواجب
أصلاً، نظير الأمر بدفن الميت، فإنه مقيد بكونه بعد
تغسيله وكفنه والصلاة عليه، وبما أن كلا من
الاغتسال والكفن والصلاة عليه أمر مقدور، يكون
الدفن واجباً منجزاً فيجب مع قيوده.
وأما إذا أخذ القيد المقدور في الواجب
بنحو لا يترشح عليه الوجوب، ويعبر (قدس سره) عن ذلك
بأن وجوده الاتفاقي قيد للواجب، فما ذكره وإن كان
صحيحا إلا أن هذا أيضاً يدخل في الواجب المشروط
بالشرط المتأخر، فيكون حصوله فيما بعد شرطاً لوجوب
الواجب بنحو الشرط المتأخر ولنفس الواجب بنحو
الشرط المتقدم أو المقارن، وذلك لما يأتي من أنـه
إذا أراد المولى أن لا يسري الوجوب الغيري أو لزوم
الاتيان العقلي إلى قيد الواجب فعليه أن يفرض ذلك
القيد في ناحية موضوع التكليف مفروض الوجود، كما
إذا التزمنا بأن وجوب غسل مس الميت يكون حالياً قبل
مسه، ولكن الغسل لابد من أن يقع بعد المس، فعلى
المولى أن يفرض في موضوع وجوب الاغتسال مس الميت
بنحو الشرط المتأخر،ويجعل المس قيداً لنفس
الاغتسال بنحو الشرط المتقدم، فيجب على المكلف
الذي يعلم بمس الميت بعد ذلك تحصيل الماء لاغتساله
فيما أحرز أنه لا يتمكن على تحصيل الماء بعد المس.
وبما أن القسم الأول لا يدخل في الواجب
المعلق بوجه ـ والمراد بالقسم الأول القيد
الاختياري للواجب الذي يترشح عليه الوجوب الغيري ـ
التزم بعض بوقوع الغلط في نسخة الكتاب بسقوط كلمة
«لا» من قوله «على نحو يكون مورداً للتكليف»(260)، وكان الصحيح «على نحو لا
يكون مورداً للتكليف» وأن كلمة «أو لا» بعد قوله
«ويترشح عليه الوجوب» زائدة.
وكانت العبارة هكذا «بل ينبغي تعميمه إلى
أمر مقدور ومتأخر أخذ على نحو لا يكون مورداً
للتكليف ويترشح عليه الوجوب لعدم تفاوت فيما يهمه»
والله العالم.
تنبيه:
قد انقدح من مطاوي ما ذكرنا[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] حاصله: أن
المناط في فعلية الوجوب الغيري للمقدمة وكونها
بحيث يلزم على المكلف تحصيلها هو حالية الوجوب في
ذي المقدمة وفعليته، سواء كان نفس ذي المقدمة أمراً
حالياً أو استقبالياً، كالصوم في الغد والمناسك في
الموسم، ولا يفرق أيضاً في فعلية وجوب ذيها بين كون
وجوبه مشروطاً قد تحقق ذلك الشرط، كما إذا كان
مشروطاً بنحو الشرط المتقدم أو المقارن، أو يتحقق
في ظرفه، كما إذا كان وجوبه مشروطاً بنحو الشرط
المتأخر أو كون وجوبه مطلقا بنحو الواجب المنجز، أو
بنحو الواجب المعلق، فإنه مع حالية وجوب ذي المقدمة
يجب على المكلف مقدماته الوجودية.
نعم فيما كانت مقدمة الوجود قيداً للوجوب
أيضاً، أو كانت مقدمة الوجود مأخوذة في الواجب بنحو
لا يسري إليها الوجوب الغيري، كما إذا أخذت عنواناً
للمكلف، كالمسافر والحاضر والمستطيع، أو كان
الواجب هو الفعل المقيد باتفاق حصوله باختيار
المكلف أو بلا اختياره، لم يتعلق بها الوجوب الغيري
ولم يلزم تحصيلها.
والوجه في عدم اتصاف مقدمة الوجوب وشرطه
بالوجوب الغيري فيما أخذ بنحو الشرط المتقدم أو
المقارن ظاهر حيث لا فعلية لوجوب ذي المقدمة قبل
تحققه، وبعد تحققه لا معنى لتعلق الوجوب الغيري به،
لأنـه من طلب الحاصل، وكذا فيما كان القيد عنواناً
للمكلف، فإن وجوب الصلاة قصراً يتوقف على السفر
خارجاً ليصير المكلف مسافراً، ومعه لا معنى لتعلق
الوجوب الغيري بالسفر بعد صيرورة المكلف مسافراً
لأنـه من طلب الحاصل.
وذكر (قدس سره) أن الأمر فيما كان القيد
شرطاً للوجوب بنحو الشرط المتأخر أو كان الفعل
المقيد بقيد اتفاقي مورداً للتكليف أيضاً كذلك،
بمعنى أن تعلق الوجوب الغيري بالقيد يكون من طلب
الحاصل، وكذا فيما أخذ القيد عنواناً للمكلف بنحو
الشرط المتأخر.
ولكن قد يتوهم أن الشيء إذا كان شرطاً
للوجوب بنحو الشرط المتأخر لا يلزم من تعلق الوجوب
الغيري به طلب الحاصل، لأن فعلية الواجب تكون قبل
تحقق ذلك الشرط، ولكنه فاسد، فإن اشتراط وجوب
الواجب بشيء يلازم اشتراط وجوب مقدماته أيضاً بذلك
الشيء بمقتضى التبعية في الملازمة، ولو كان نفس ذلك
الشيء أيضاً واجباً غيرياً لكان وجوبه أيضاً
مشروطاً بحصول نفسه، وهذا من طلب الحاصل.
وبهذا يظهر الحال فيما إذا كان انطباق
عنوان على المكلف فيما بعد شرطاً لتكليفه فعلاً
بالفعل، فإن الأمر الغيري لا يمكن أن يتعلق بتطبيق
ذلك العنوان، بناءاً على ما تقدم من رجوع تقييد
الواجب بالوجود الاتفاقي للقيد ـ كجعله عنواناً
للمكلف ـ إلى اشتراط وجوب الفعل به بنحو الشرط
المتأخر، وظاهر ذيل كلام الماتن (قدس سره) يساعد على
ذلك أيضاً، فتدبر تجزم أنـه لا معنى للوجود
الاتفاقي للقيد غير كون المكلف مطلق العنان
بالإضافة إلى ذلك القيدالاختياري، ولازم كون
المكلف مطلق العنان بالإضافة إليه جعل التكليف
الفعلي على تقدير حصوله، كما هو الشأن في جميع قيود
التكليف ثبوتاً.
فتحصل من جميع ما ذكرنا أن الواجب
التعليقي والواجب المشروط بالشرط المتأخر على
اصطلاح الشيخ (قدس سره) والمشهور مرجعهما إلى أمر
واحد ثبوتاً، فيكون التكليف على تقدير حصول ذلك
القيد المتأخر، فعلياً قبله لحصول شرطه المتأخر في
موطنه، سواء كان القيد أمراً غير اختياري أو
اختيارياً،وثمرة فعلية التكليف قبل حصول شرطه
المتأخر هو لزوم الاتيان بمقدماته الوجودية تعيناً
فيما إذا لم يتمكن المكلف ـ على تقدير عدم تحصيلها
فعلاً ـ من الاتيان بمتعلق التكليف فيما بعد، وبنحو
التوسعة والتخيير فيما إذا تمكن منه بالاتيان
بالمقدمة بعد ذلك.
إن
قلت: لو كان وجوب مقدمة في زمان كاشفاً عن سبق وجوب
المقدمة[1].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] هذا إشكال
على ما التزم به (قدس سره) من أن وجوب المقدمة قبل
زمان ذيها يكشف إنا عن سبق وجوب ذلك الواجب وكون
وجوبه فعلياً، وإن كان نفس الواجب فعلاً
استقبالياً.
وحاصل الاشكال أنه بناءاً على كشف حالية
وجوب المقدمة عن فعلية وجوب ذيها يكون فعلية وجوب
ذيها موجباً لتعلق الوجوب الغيري بسائر مقدماته
أيضاً ولو موسعاً، فتجب المبادرة إلى تلك المقدمات
قبل زمان الواجب فيما إذا لم يتمكن المكلف منها بعد
زمان الواجب لولا المبادرة، مع أن الأمر ليس كذلك
في سائر المقدمات.
وأجاب (قدس سره) بأنه يلتزم بهذه المبادرة
إلا إذا كانت القدرة المأخوذة من ناحية سائر
المقدمات أو بعضها قدرة خاصة وهي القدرة عليها بعد
مجيء زمان الواجب لا مطلق القدرة ولو في زمان وجوب
الواجب.
وبيان ذلك أن المقدمة الوجودية وإن لم تكن
بنفسها قيداً لوجوب ذيها إلا أن التمكن على تلك
المقدمة يكون قيداً للتكليف بذيها لا محالة، ولذا
لا يجب الشيء فيما إذا لم يتمكن المكلف على مقدمة من
مقدماته، والتمكن على المقدمة المعتبر في التكليف
بذيها ليس خصوص التمكن عليها بعد حصول ظرف الاتيان
بنفس الواجب، بل الأعم منه ومن التمكن عليها في
زمان التكليف بذيها. وإذا لم يجب تحصيل مقدمة قبل
حصول ظرف الواجب بحيث إذا لم يأت بها لم يتمكن عليها
في ظرف الواجب، يكون ذلك كاشفاً عن كون المعتبر من
التمكن عليها في وجوب ذيها هي القدرة عليها بعد
حصول ظرف الواجب وحال العمل به لو ثبت عدم وجوب
التحفظ حتى بعد حصول ظرف الواجب، كجواز إجناب
المكلف نفسه بعد حصول ظرف الواجب ـ يعني الصلاة ـ،
ولو مع علمه بأنه لا يتمكن من الغسل مع إجناب نفسه،
يكون ذلك كاشفاً عن كون المعتبر في وجوب الصلاة مع
الطهارة المائية من حدث الجنابة خصوص التمكن على
تلك الطهارة في ظرف القيام إلى الصلاة المعبر عن
ذلك بالقدرة على المقدمة حال العمل.
أقول: قيام الدليل على وجوب مقدمة في زمان
ـ كما في وجوب الغسل في الليل بالإضافة إلى صوم الغد
ـ لا يكون كاشفاً عن فعلية التكليف بذيها في ذلك
الزمان، فإن تعلق الوجوب الغيري بشيء ليس إلا لتوقف
الواجب عليه، وإذا فرض توقف استيفاء الصلاح الملزم
في الواجب على الاتيان بشيء بحيث لا يمكن استيفاء
الصلاح بدونه، يكون العقل حاكماً بلزوم تحصيل
القدرة عليه بتحصيل ذلك الشيء، ولو قبل فعلية وجوب
ذلك الواجب، وقد ذكرنا عند التعرض لوجوب التعلم أن
تفويت الغرض الملزم للمولى ـ كمخالفة تكليفه ـ قبيح
في نظر العقل، وعليه فلو فرض أن الواجب كذلك ولم يكن
للمكلف سبيل إلى معرفة ذلك، لكان على المولى الحكيم
الأمر بتلك المقدمة والبعث إليها قبل البعث إلى
ذيها، ولا نتعقل لهذا الوجوب معنى غير الوجوب
الغيري.
وما يسمى بالوجوب النفسي التهيئي بحيث
يتعدد العقاب في صورة المخالفة أو يكون العقاب على
مخالفة الأمر بتلك المقدمة لا يمكن الالتزام به مع
استقلال العقل بأنه يصح للمولى مؤاخذة العبد على
تفويت الملاك الملزم في ذلك الواجب في ظرفه، ولو
بتعجيز نفسه بترك تلك المقدمة التي أمر بها المولى
قبل الأمر بذيها.
وبتعبير آخر: فعلية وجوب المقدمة تتبع
فعلية ملاك ذيها فيما كانت تلك المقدمة دخيلة في
استيفاء ملاك ذيها، بخلاف المقدمة التي يكون
التمكن عليها في ظرف الواجب دخيلاً في أصل ملاك ذلك
الواجب، فإنه لا يصح للمولى الأمر بتلك المقدمة قبل
مجيء ظرف ذلك الواجب.
ثم إنه لا مانع من أن يكون ملاك الواجب
بالإضافة إلى مقدمة من مقدماته فعلياً، وبالإضافة
إلى سائرها غير فعلي، فلا يكون تعلق الوجوب الغيري
بالأول كاشفاً عن فعلية وجوب ذيها، وإنما يكون
كاشفاً عن فعلية الملاك وملزميته بالإضافة إلى تلك
المقدمة، ولذا ذكرنا في بحث الشرط المتأخر للواجب
أن وجوب الصوم عن المستحاضة يسقط بدخول الليل، لكون
بقاء وجوبه لغواً، ولكن الوجوب الغيري المتعلق
باغتسالها في الليل باق، لبقاء الملاك الملزم وعدم
حصوله بدونه.
وما في بعض الكلمات من أن إيجاب مقدمة في
مورد قبل إيجاب ذيها، من الايجاب للغير لا الايجاب
بالغير، لا يرجع إلى أمر صحيح بعد الاحاطة بما
ذكرنا من أن الايجاب الغيري للمقدمة يتبع فعلية
ملاك ذيها من ناحيتها لا فعلية الأمر بذيها، وسنذكر
فيما بعد من أنـه لو كان للوجوب الغيري أثر،حتى
يكون مولوياً فهو هذا المورد.
وجميع ما ذكره الماتن (قدس سره) وغيره مبني
على كون فعلية وجوب فعل متوقفة على تعلق إرادة
المولى بذلك الفعل، ويلزم من إرادته إرادة ما يتوقف
عليه ذلك الفعل من المقدمات قهراً، ولكن قد تقدم
منا عدم تعلق إرادة المولى بفعل العبد، بل تتعلق
بفعل نفسه وهو البعث نحو الفعل لملاك ملزم يكون ذلك
الملاك داعياً له إلى البعث نحوه، وإذا اختلفت
مقدماته من حيث دخلها في ذلك الفعل ملاكاً يبعث إلى
مقدمته التي لها دخل في ملاكه مطلقاً قبل مجيء ظرف
ذلك الفعل كما تقدم من غير أن يطلب نفس الفعل قبل
مجيء ظرفه.
لا يقال: الأمر بمقدمة قبل التكليف بذيها
إرشاد إلى دخلها في ملاكه الملزم مطلقاً، فلا يدخل
الأمر بها في التكليف المولوي بالمقدمة، ليقال إنه
غيري لا نفسي تهيئي، فقاعدة الملازمة بين إيجاب ذي
المقدمة ومقدمته في الفعلية وعدمها لم تنتقض.
فإنه يقال: جميع الأوامر المولوية ـ نفسية
كانت أو غيرية ـ تكشف عقلا ـ بمقتضى حكمة المولى ـ
عن ثبوت الملاك في متعلقاتها نفسياً أو غيرياً،
وهذا لا يوجب الارشادية، بل لو لم يأمر المولى
بالفعل وأخبر أن له فيه ملاكاً ملزماً بداعي البعث
إليه يعتبر هذا أمراً وطلباً مولوياً قاطعاً لعذر
العبد ومصححاً لاحتجاجه عليه فيما إذا لم يأت
بالفعل المفروض مع تمكنه عليه.
ومما ذكرنا يظهر أنـه لو ترك المكلف
المقدمة التي وجبت عليه قبل التكليف بذيها، لم يكن
في حقه تكليف بذيها فيما بعد، فإن تكليفه به لغو
محض، ولكن مع ذلك يستحق العقاب على تركه وتفويته
ملاكه الملزم، والأمر الغيري بتلك المقدمة مصحح
لهذا الاستحقاق، حيث إن
الامتناع بسوء الاختيار ينافي
التكليف ولا ينافي استحقاق العقاب.

|

|