ومع الغض عنه فالإنصاف منع حصوله في زمان الشارع في لسانه ولسان تابعيه مكابرة[1].

_________________________________________________________

[1] يعني لو فرض الاغماض عما تقدم والتسليم بأن الاستعمالات في تلك الالفاظ كانت بنحو المجاز والعناية، فلا ينبغي المناقشة في أنها صارت حقائق في المعاني الشرعية باستعمالات الشارع واستعمالات تابعيه، يعني المسلمين، وإنكار ذلك مكابرة، ويكفي في الجزم بذلك تداول بعض تلك الالفاظ في محاورات الشارع والمسلمين في كل يوم مرة أو مرات، نعم يمكن منع حصول الوضع بكثرة الاستعمال في خصوص كلام الشارع واستعمالاته.

أقول: هذا مبني على حصول الوضع بكثرة الاستعمال وصيرورة اللفظ ظاهراً في معناه الجديد بكثرة الاستعمال، بحيث لا يحتاج في استعماله فيه إلى تعيين، ولكن ذكرنا أن التعيين يحصل لا محالة ولو بنحو إنشائه بالاستعمال.

 

 

وأما الثمرة بين القولين[1].

_________________________________________________________

[1] تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا ورد من تلك الالفاظ في كلام الشارع بلا قرينة، فعلى القول بإنكار الحقيقة الشرعية يحمل على معناه اللغوي، وبناءاً على ثبوت الحقيقة الشرعية بنحو الوضع التعييني يحمل على المعنى الشرعي، وكذا إذا قيل بالحقيقة الشرعية بنحو الوضع التعييني فيما إذا كان صدور الكلام بعد حصوله بخلاف ما إذا كان صدوره قبل حصوله، ويكون الكلام مجملاً فيما إذا دار أمر صدوره بين التقدم والتأخر.

وعن المحقق النائيني (قدس سره) أنـه لم يوجد في كلام الشارع من تلك الالفاظ ما دار أمره بين حمله على المعنى اللغوي أو الشرعي بأن يجهل مراد الشارع، وعليه فيصبح البحث في الحقيقة الشرعية بحثا علمياً محضا(38)

.

أقول: يمكن المناقشة فيه بأن المراد من الصلاة في قوله سبحانه: «قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى»(39)

مردد بين الدعاء ومعناه الشرعي، وكذا في قوله سبحانه «يا أيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلموا تسليماً»(40)

فإنه يدور أمره بين الدعاء ولو بقول القائل: (اللهم ارفع درجات النبي (ص))،وبين كونها الصلاة المتعارفة عند المتشرعة، وكذا ما وصل إلينا من كلام النبي (ص) من غير طرق أئمتنا(عليهم السلام) فإنه وإن وصل غالب كلامه إلينا بواسطتهم (عليهم السلام) وكان عليهم نقله بحيث يفهم مراده(ص) لوقوع النقل فهم في مقام بيان الاحكام الشرعية إلا أن قليلاً منه قد وصل بغير واسطتهم فاستظهار المراد من كلامه يبتنى على البحث في الحقيقة الشرعية.

 

 

وأصالة تأخر الاستعمال[1].

_________________________________________________________

[1] قد يقال: إنه إذا دار أمر الاستعمال بين وقوعه قبل الوصول إلى مرتبة الوضع التعيني أو بعد وصوله، فيحمل على المعنى الشرعي لأصالة تأخر الاستعمال.

فنقول: إن كان المراد بأصالة التأخر استصحاب عدم صدور الاستعمال المفروض إلى زمان حصول الوضع ويثبت به ظهوره في المعنى الشرعي وهو موضوع الحجة، فهذا مع الغض عن كونه مثبتاً حيث إن ظهوره في المعنى الشرعي أثر عقلي لتأخر الاستعمال، معارض بأصالة تأخر الوضع، يعني استصحاب عدم حصول الوضع إلى زمان ذلك الاستعمال.

وإن أريد بأصالة تأخر الاستعمال عدم حصول النقل في اللفظ المفروض زمان استعماله وإن هذا أصل عقلائي يعبر عنه بأصالة عدم النقل.

ففيه: أن أصالة عدم النقل إنما تعتبر عند العقلاء فيما إذا شك في مراد المتكلم من ذلك اللفظ ولم يعلم حصول النقل فيه أصلاً، وأما إذا علم النقل وشك في تقدمه وتأخره فلا تعتبر ولا يمكن إحراز مراد المتكلم بها.

 

وغاية ما يمكن أن يقال في تصويره[1].

_________________________________________________________

الصحيح والأعم:


[1] ذكر (قدس سره) ما حاصله إن جريان البحث في الصحيح والأعم على القول بإنكار الحقيقة الشرعية، والبناء على أن استعمال الشارع تلك الالفاظ في معانيها الشرعية كان بنحو المجاز يتوقف على أمرين:

الأول: عدم ملاحظة الشارع العلاقة بين كل من الصحيح والأعم وبين المعاني اللغوية لتلك الالفاظ، بل كانت الاستعمالات في أحدهما بملاحظة العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي، واستعماله في الآخر منها بنحو سبك المجاز عن مجاز، يعني بملاحظة العلاقة بينه وبين المعنى المجازي الأول.

والثاني: إثبات أنـه بعد فرض وحدة المجاز المسبوك عن المعنى اللغوي جرى ديدنه عند إرادة المعنى المسبوك من الحقيقة على الاكتفاء بنصب قرينة صارفة فقط، وأنه عند إرادة المعنى المسبوك عن المجاز كان ملتزماً بنصب قرينة معينة عليه ونتيجة هذين الأمرين حمل كلامه على المسبوك من معناه اللغوى عند قيام القرينة الصارفة على عدم إرادته، فللمتزم بالأمرين أن يتكلم في المعنى الذي لاحظ الشارع العلاقة بينه وبين المعنى اللغوي، والذي جرت عادته عند إرادته على نصب قرينة صارفة فقط، هل كان هو الصحيح أو الأعم، ولكن لا يمكن لمنكر الحقيقة الشرعية والقائل بمجازية استعمالات الشارع إثبات هذين الأمرين، إذ من المحتمل ملاحظة الشارع العلاقة بين كل من الصحيح والأعم، وبين المعنى اللغوي في عرض واحد، أو كان ديدنه نصب قرينة معينة لكل منهما.

وذكر بعض الاعاظم (قدس سره) أنه يكفي في جريان النزاع على القول بمجازية استعمالات الشارع إثبات أحد الأمرين المفروض ين، فإنه لو ثبت سبك أحد المعنيين عن الحقيقة، وسبك الآخر من المجاز، كان كلامه عند قيام القرينة الصارفة عن المعنى اللغوي ظاهراً في إرادة المسبوك من المعنى الحقيقي لا محالة، كما أنـه لو قيل بأنه كانت عادته على عدم نصب قرينة معينة لأحد المعنيين، بل كان تفهيمه بالقرينة الصارفة فقط، كان اللفظ ظاهراً فيه عند قيام القرينة الصارفة فقط، حتى مع ملاحظته العلاقة بين كل من المعنيين والمعنى اللغوي في عرض واحد(41)

.

أقول: لا يخفى ما فيه، فإنه كيف يكون ظهور اللفظ في أحد المعنيين بخصوصه بقيام القرينة الصارفة، فيما إذا ثبت أن استعماله فيه كان بنحو سبك المجاز عن الحقيقة، مع احتمال جريان عادته على نصب القرينة لتعيين كل منهما، نعم لو ثبت الأمر الثاني من الأمرين لكفى في جريان النزاع، ولا حاجة معه إلى اثبات الأمر الأول.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) النزاع بوجه آخر ـ بناءاً على كون استعمالات الشارع بنحو المجاز ـ وهو أن يكون النزاع في مقتضى الادلة الدالة على الحقيقة عند المتشرعة من التبادر وغيره، وفي أنها دالة على كون الالفاظ حقيقة عند المتشرعة في خصوص الصحيح أو في الأعم، وحيث إن المعنى الحقيقي (أي المسمى بلفظ الصلاة) عندهم كاشف عن المراد الشرعي عند الاطلاق الذي هو مجاز عنده ـ حسب الفرض ـ، فإن منشأ هذه الحقيقة ذلك المجاز، فيتعين بتعيينها(42)

.

ولا يخفى ما فيه أيضاً، فإنه لا تكون ثمرة البحث مترتبة على ما ذكره، وذلك لأنـه لو ثبت مثلا أن الحقيقة الشرعية هي الأعم، وعلم أيضاً أن منشأ هذا استعمال الشارع اللفظ فيه مجازاً، فلا يمكن إثبات أن الشارع لم يكن يستعمل اللفظ في الصحيح أصلاً، ولو في بعض الاحيان، ليكون المعنى الأعم تعييناً في كلامه فيما إذا أحرزنا أنه لم يرد في الاستعمال المفروض معناه اللغوي، فإنا نحتمل أن يكون صيرورة اللفظ حقيقة في الأعم عند المتشرعة لشيوع استعمال اللفظ عندهم في المعنى الأعم من غير سبق هذا الشيوع في استعمالات الشارع.

 

 

وقد انقدح بما ذكرنا تصوير النزاع على ما نسب إلى الباقلاني[1].

_________________________________________________________

[1] وتقريره: أنـه بناءاً على المنسوب إلى الباقلاني وإن كانت تلك الالفاظ مستعملة في كلام الشارع في معانيها اللغوية دائماً وإنما الخصوصيات التي لها دخل في المأمور به من الاجزاء والشرائط مستفادة من دال آخر، إلا أنه لم تكن الدلالة عليها دائماً بذكرها تفصيلا، فلم يكن يقول دائماً: صلوا، واركعوا، واسجدوا، وكبروا، إلى غير ذلك، بل كان ينصب على تلك الخصوصيات دالا يدل عليها بالاجمال، أي بنحو دلالة لفظ الدار على أجزائها، فيقع البحث في أن ذلك الدال عليها بالاجمال المعبر عنه بالقرينة المضبوطة كان دالا على عدة منها كما في دلالة لفظ الصلاة عليها على القول بالأعم أو كان دالا على جميعها، كما لو قيل بوضعها للصحيح، ولا يخفى أن هذا التصوير لم يعلم مما ذكره قبل ذلك،فلا يظهر وجه لقوله (قدس سره): «وقد انقدح بما ذكرنا».

 

 

إنما هو بالمهم من لوازمها[1]. _________________________________________________________

[1] لا يخفى أن إسقاط القضاء أو موافقة الشريعة وإن كانا من اللوازم، إلا أنهما من لوازم صحة المأتي به، بمعنى مطابقته لمتعلق الأمر، وكلامنا في المقام في صحة المتعلق لا المأتي به، حيث إن صحة المأتي به تكون بعد تعلق الأمر، وفي مرحلة الامتثال، والبحث في المقام في الصحة التي تكون مأخوذة في المسمى على مسلك الصحيحي والمتأخر عن الأمر لا يؤخذ في متعلقه، فضلاً عن أخذ لوازمه. وبتعبير آخر: مثل الصلاة مركب اعتباري وقوامه باعتبار معتبره، فما يوجد من الافراد يضاف إلى ذلك المركب، فإن كان شاملاً لجميع المأخوذ فيه يكون تاماً، وإن كان فاقداً لبعضها يكون فاسداً، فيقع الكلام في المقام في أن الموضوع له للفظ الصلاة مثلاً تمام ذلك المركب بحيث يكون إطلاقها على الناقص بالعناية، أو أن الموضوع له هو المركب الموصوف بالتمام تارة، وبالناقص أخرى، والصحة بمعنى التمام والفساد بمعنى النقص لا تكون إلا في المركبات أو المقيدات، وبالجملة المحتمل اعتباره في الموضوع له ليس عنوان الصحة أو الصحيح، بل على تقدير الاخذ يكون المأخوذ في الموضوع له، ما به يوصف بالصحة والتمام.

وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) في تعليقته مناقشة أخرى في كلام الماتن (قدس سره) وحاصلها: أن موافقة الأمر أو إسقاط القضاء ليسا من لوازم الصحة، يعني التمامية، بل تكون التمامية بهما حقيقة، حيث لا حقيقة للتمامية إلا التمامية من جهتهما، ولا يمكن أن يكون اللازم متمما لمعنى ملزومه، وتمامية حقيقة الصحة بهما كاشفة عن عدم كونهما بالإضافة إليها من قبيل اللازم بالإضافة إلى ملزومه، فتدبر(43)

.

ثم ذكر في الهامش في وجه التدبر أن ما ذكر من عدم إمكان تمامية معنى الملزوم بلازمه إنما هو في لوازم الوجود حيث إنه لا يعقل فيه دخالته وتمامية ملزومه به، وأما بالإضافة إلى عارض المهية أي محمولها الخارج عنها مفهوماً، فيمكن أن يكون الشيء خارجاً عن تلك الماهية ومع ذلك دخيلاً فيتماميتها وحصولها، كالناطق بالإضافة إلى الحيوان، حيث إنه عارض للحيوان ولكن يكون به حصول الحيوان(44)

.

أقول: قد تقدم أن التمامية إذا كانت وصفاً للمأتي به، فالمراد بها مطابقته لمتعلق الأمر، فيكون سقوط القضاء أو موافقة الأمر من آثار صحة المأتي به، وإذا كانت وصفاً لما تعلق به الأمر فالمراد اشتماله على جميع ما يوصف معه بالصحيح بمعنى التام، وسقوط القضاء أو موافقة الأمر لا يرتبط بالمتعلق وليسا من لوازمه، فإنه يوصف بالصحة قبل تعلق الأمر وفي مرحلة التسمية.

وأما ما ذكره (قدس سره) من التفرقة بين لوازم الوجود والمهية، من أن عارض الوجود لا يدخل في معنى ملزومه، ولكن عارض المهية يمكن دخله في تماميتها، فإن كان المراد من التمامية صيرورة الماهية نوعاً فهو وإن كان صحيحاً إلا أن الكلام هنا في الدخول في معنى الملزوم، كما لا يخفى، وصيرورة المهية نوعاً وعدمها أجنبي عن مورد الكلام في المقام.

ثم إنه قد يقال الصحة في العبادة تغاير الصحة في المعاملة أي ـ العقود والايقاعات ـ، حيث إن الصحة في المعاملة بمعنى ترتب الاثر عليها خارجاً والمعاملة لا يترتب عليها الاثر ـ أي الاثر المترقب من تلك المعاملة ـ. ووجه الفرق بين الصحتين هو أن الحكم المجعول للمعاملة بنحو القضية الحقيقية يكون انحلالياً يثبت لوجودات تلك المعاملة، فمعنى قوله سبحانه «أحل الله البيع»(45)

ثبوت الحلية الوضعية لكل ما ينطبق عليه عنوان البيع خارجاً، فالبيوع التي لا تثبت لها تلك الحلية يعبر عنها بالفاسدة، وهذا بخلاف التكاليف فإن الأمر لا يتعلق بالوجود الخارجي للمتعلق، فإنه يكون من طلب الحاصل بل يتعلق بالعنوان ومعنى الأمر به طلب صرف وجوده بالمعنى المصدري، فالمأتي به إذا كان صرف وجوده يكون مسقطاً للأمر به فينتزع الصحة للمأتي به عن مطابقته للعنوان المتعلق به الأمر بمعنى اشتماله على تمام ما اعتبر في ذلك المتعلق من الاجزاء والقيود، ولكن الظاهر أن ترتب الاثر ليس بمعنى الصحة حتى في المعاملة، حيث إن كلامنا في الصحة في مقام التسمية، فيكون المراد من كون الفاظ المعاملات أسامي للصحيحة أو الأعم كونها موضوعة لما يكون جامعاً لجميع ما يلاحظ في إمضائها أو أنها موضوعة لما يلاحظ في إمضائها في الجملة ولو لم تكن جامعة لجميعها، ولذا لو سئل أحد عن البيع الصحيح، لأجاب بمقوماته بجميع قيوده، وبهذا الاعتبار تتصف المعاملة بالصحة قبل تحققها، نعم لا تكون الصحة الفعلية إلا إذا حصل ذلك الجامع الملحوظ خارجاً بتمام قيوده الملازم لإمضائها، وليس كلامنا في المقام في الصحة الفعلية بل الصحة في مقام التسمية.

 

إنه لابد على كلا القولين من قدر جامع كان هو المسمى بلفظ كذا، ولا إشكال في وجوده بين الافراد الصحيحة[1].

_________________________________________________________

[1] الاشتراك اللفظي في مثل لفظ الصلاة، بأن يوضع اللفظ لكل ما يطلق عليه الصلاة بوضع مستقل، أو يوضع لها بالوضع العام والموضوع له الخاص غير محتمل، كما يشهد بذلك خطور المعنى الواحد عند الاطلاق، مع أن الثاني أيضاً يستدعي وجود الجامع ولو بين الافراد الصحيحة، والتزم المصنف (قدس سره) بإمكان وجود الجامع بين الافراد الصحيحة، بل التزم بوجود الجامع المفروض لا محالة، اعتماداً على قاعدة «الواحد لا يصدر إلا من الواحد» حيث إن كل ما يطلق عليه الصلاة ويوصف بالصحة له أثر واحد كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه: «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»(46)

، وقوله (عليه السلام) ـ على ما ادعى ـ: «الصلاة معراج المؤمن»(47)

، حيث إن المؤثر في الواحد يكون واحداً، كما هو مقتضى لزوم السنخية بين الشيء وعلته، يمكن الاشارة في مقام الوضع إلى ذلك الجامع ولو بذلكالاثر، فيوضع له لفظ الصلاة، أو يستعمل فيه لفظها مجازاً، أو بنحو تعدد الدال والمدلول.

ثم أورد (قدس سره) على ذلك، بأن الجامع المفروض لا يمكن أن يكون مركباً من الاجزأوالشرائط، فإن كل ما يفرض من المركب منها، يمكن أن يكون صحيحاً في حال وفاسداً في حال آخر، لما تقدم من اختلاف الصحيح بحسب الحالات والاشخاص، وأن الصحيح في حال أو من شخص فاسد في حال آخر أو من شخص آخر. وكذا لا يمكن أن يكون الجامع المفروض أمراً بسيطاً بحيث لا يصدق ذلك العنوان البسيط إلا على الافراد الصحيحة، فإن البسيط إما عنوان المطلوب، أو عنوان ملزوم لعنوان المطلوب، وأما كون لفظ الصلاة موضوعاً لعنوان المطلوب فغير معقول، لأن هذا العنوان يحصل بعد تعلق الطلب بالصلاة، ويستحيل أن يتعلق الطلب بعنوان يتوقف على تعلق الطلب به، هذا مع عدم الترادف بين لفظ الصلاة ولفظ المطلوب، وأما كون المسمى عنوان المطلوب أو ملزومه المساوي له فلازمه أن لا تجري البراءة عند الشك في جزئية شيء أو قيديته للصلاة مثلاً، فإن الشك فيها لا يكون شكاً في نفس متعلق التكليف، بل فيما يحصل به ذلك المتعلق، والشك والاجمال فيما يحصل به المتعلق مجرى قاعدة الاشتغال، وبهذا يظهر أن المسمى للصلاة على الصحيحي، كما لا يمكن أن يكون عنوان المطلوب كذلك لا يمكن أن يكون ملزومه المساوي له، فإنه عليه أيضاً لا يمكن أن تجري البراءة في موارد الشك في جزئية شيء أو شرطيته لكون الشك في المحصل للصلاة.

وأجاب عن الايراد، بالالتزام بأن المسمى عنوان بسيط، ملزوم لعنوان المطلوب بعد تعلق الأمر به، والمعنى البسيط المنتزع بلحاظ الاثر الواحد يمكن أن ينطبق على المركب بتمام أجزائه وقيوده، لا أن تكون الاجزاء والقيود محصلة له كما في عنوان (حافظ الإنسان من برودة الجو) فإن عنوان الحافظ ينطبق على البيت المركب من الاجزاء بتمام شرائطه، انطباق الكلي على مصداقه، والاجمال في أجزاء المركب المفروض وشرائطه عين إجمال ذلك العنوان بحسب وجوده، فيؤخذ عند الشك، بالمقدار المتيقن من المطلوب، ويرجع في المشكوك إلى أصالة البراءة كان المشكوك جزءاً أو شرطاً وقيداً، وإنما لا يؤخذ بالبراءة فيما إذا كان متعلق الأمر واحداً خارجياً، مسبباً وجوده عن وجود مركب مردد أمره بين الاقل والاكثر، كالطهارة من الحدث بناءاً على أنها حالة للنفس تحصل من الغسل أو الوضوء، وفي مثل ذلك إذا شك في كون شيء جزءاً أو شرطاً للوضوء أو الغسل، فلا مورد للبراءة، بل مقتضى استصحاب بقاء الأمر بالطهارة وقاعدة لزوم إحراز الامتثال بعد إحراز اشتغال الذمة بشيء، لزوم الاحتياط.

أقول: يستفاد من كلامه (قدس سره) من صدره إلى ذيله أمور:

الأول: لزوم الجامع على كل من القولين، الصحيحي والأعمي.

الثاني: إن تحقق الجامع بين الافراد الصحيحة مقتضى البرهان، يعني برهان لزوم السنخية بين الشيء وعلته، ويكون ذلك الجامع المستكشف بالبرهان هو الموضوع له على الصحيحي.

الثالث: إن الجامع المستكشف بمقتضى البرهان بسيط يتحد مع الاجزاء والشرائط خارجاً، وملزوم لعنوان المطلوب ولو بعد تعلق الأمر بذلك الجامع(48)

.

الرابع: إنه من تعلق الأمر بذلك الجامع البسيط عنواناً، لا يلزم الاحتياط في موارد الشك في جزئية شيء أو شرطيته وإنما يجب الاحتياط فيما إذا كان للعنوان البسيط وجود خارجاً مسبب عن المركب أوتردد أمر المركب بين الاقل والاكثر(49)

.

أما الأمر الأول: فقد ناقش فيه المحقق النائيني (قدس سره)، وذكر ما حاصله أن للصلاة مراتب تكون أعلاها صلاة المختار، وأدناها صلاة الغرقى، وبينهما مراتب لها عرض عريض، فيمكن القول بأن الصلاة وضعت للمرتبة الاعلى أولاً وهي الصلاة الاختيارية من جميع الجهات، ثم إنها استعملت وطبقت على سائر المراتب بالادعاء والتنزيل، أو من باب الاكتفاء بها في سقوط التكليف، من غير أن تكون فرداً تنزيلياً، كما في صلاة الغرقى، فإنه يمكن أن لا تكون فرداً تنزيلياً، بل يكتفى بها في مقام الامتثال، نظير ما ذكره الشيخ (قدس سره) في نسيان بعض أجزاء الصلاة وشرائطها مما لا يدخل في المستثنى من حديث «لا تعاد»، حيث التزم بأن المأتي به خارجاً المنسي بعض أجزائه أو شرائطه لا يعمه متعلق الأمر، ولكن مع ذلك يسقط به التكليف بالصلاة.

نعم بالإضافة إلى صلاة المسافر والحاضر لكونهما في مرتبة واحدة وعرض واحد، لابد من فرض جامع بينهما.

والالتزام بأن لفظ الصلاة موضوع للمرتبة العليا ويستعمل فيها وتطبق تلك المرتبة على سائرها بالادعاء والتنزيل، أو من باب الاكتفاء، قريب جداً. ويؤيده جملة من الاستعمالات المتعارفة، حيث يوضع اللفظ ابتداءاً لما اخترع أولاً، ثم يستعمل ذلك اللفظ في الناقص والمشابه له، وعلى ما ذكر ينتفي النزاع بين الصحيحي والأعمي من أساسه، لأن ثمرة الخلاف كما يأتي تظهر في التمسك بإطلاق خطابات العبادة، فإنه لا يجوز التمسك به عند الشك في جزئية شيء أو شرطيته لمتعلق الأمر على الصحيحي لإجمال المتعلق عندنا، ويتمسك بإطلاقه على الأعمي مع عدم وروده بنحو الاهمال، وتنتفي هذه الثمرة بناءاً على وضع الصلاة للمرتبة العليا والالتزام بالتنزيل في سائر المراتب، ووجه الانتفاء عدم إحراز التنزيل في الاستعمال الواقع في الخطاب بالإضافة إلى الفاقد ليؤخذ بالاطلاق(50)

.

أقول: لا يخفى ما فيه، فإن الصلاة الاختيارية من جميع الجهات لا تنحصر بالقصر والتمام، بل الصلاة اليومية وصلاة الآيات والجمعة والعيدين، وغيرها من الصلوات حتى المندوبة منها كلها اختيارية، ولا تكون بعضها في طول الاخرى، فلابد من فرض الجامع بينها، هذا أولاً.

وثانياً: إن الوجدان شاهد صدق بأن إطلاق الصلاة وانطباق معناها على المراتب على حد سواء فيعرف المتشرعة، وكما أن الصلاة مع الطهارة المائية صلاة، كذلك مع الطهارة الترابية، ومن هنا ينساق إلى الاذهان من مثل قوله سبحانه «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»(51)

ومن قوله (ص): «بني الاسلام على خمس: على الصلاة...» الحديث(52)

، معنى يعم جميع أفرادها، وعليه فاللازم تصوير الجامع بين جميع المراتب، ولو كانت بعضها في طول الاخرى في مقام تعلق الأمر بها، وقد تقدم منه (قدس سره) الالتزام بأن التبادر الفعلي كاشف عن كيفية وضع الشارع واستعماله في ذلك الزمان.

وثالثاً: ما ذكره (قدس سره) من انتفاء ثمرة الخلاف فيما إذا شك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً، فهو فيما إذا شك في اعتبار أحدهما في سائر المراتب، وأما إذا شك في اعتبار أحدهما في المرتبة العليا التي تعلق بها الأمر، فعلى الصحيحي لا يمكن التمسك بإطلاق الخطابات، لإجمال تلك المرتبة وعلى الأعمي يصح مع عدم إهمال الخطاب.

وأما الأمر الثاني: فيقع الكلام فيه من جهتين، الأولى: هل للصلوات الصحيحة أثر واحد يحدث بحصول كل منها؟ والثانية: على تقدير الاثر الواحد لها، فهل يكشف ذلك الاثر عن جامع ذاتي بين الصلاة الصحيحة، بحيث يكون التأثير لذلك الجامع لقاعدة «عدم إمكان صدور الواحد إلا عن واحد» أم لا؟

أما الجهة الأولى، فتظهر حقيقة الحال فيها بالتكلم في معنى قوله سبحانه «الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»(53)

فنقول: ليس المراد من النهي النهي التشريعي قطعاً، فإن الناهي عن الفحشاء والمنكر هو الشارع سبحانه، يقول الله عز وجل: «إن الله يأمر بالعدل والاحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر»(54)

.

وقد يقال: إن إسناد النهي عن الفحشاء والمنكر باعتبار أن الصلاة المتعلق بها الأمر مقيدة بقيود ـ من عدم السوء والمنكرـ، حيث إنها مشروطة بإباحة المكان والثوب والساتر وعدم لبس الذهب للرجال وغير ذلك، فيكون نهي الصلاة عن السوء بمعنى أخذ عدم ذلك السوء فيها، فلا يكون عدم الفحشاء والمنكر أثراً خارجياً مترتباً على الصلاة ترتب المعلول على علته، لتكشف وحدته عن وحدة المؤثر.

ولكن لا يخفى أن إرادة ذلك من نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر لا يناسب تعظيم الصلاة وحث المؤمنين على المواظبة عليها لكي لا تضيع ولو في وقتها، بل الظاهر أن المراد من النهي، المنع الخارجي المترتب على المواظبة عليها والاتيان بما هو حقها، فإن الاتيان بها كذلك يقتضي أن لا ينقدح للمؤمن داع نفساني إلى السوء والمنكر، نظير إسناد الأمر بالسوء والفحشاء إلى الشيطان في مثل قوله سبحانه: «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء»(55)

، و«إنما يأمركم بالسُّوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون»(56)

، وبتعبير آخر: ترتب الامتناع عن السوء على الصلاة إنما هو في مرحلة امتثال الأمر بها، حيث إن العبد إذا امتثل الأمر بها، بالتدبر بالقراءة والادعية والاذكار المشروعة في أفعالها، والتعمق في الخشوع بها الوارد في الروايات بأن ذلك روحها تحصل للنفس حالة ترتقي بها عن الانحطاط المناسب للشرور والقبائح، وبوصولها إلى بعض مراتبها الكمالية، لا يحصل لها الداعي إلى ارتكاب الفحشاء والمنكرات عند الشارع، ويختلف هذا باختلاف مراتب الارتقاء الحاصل بمراتب الامتثال في الصلاة.

والحاصل إن منع الصلاة عن الفحشاء والمنكر، إنما هو لارتقاء النفس بها في بعض مراتب الامتثال، الملازم لعدم ميل النفس إلى الشرور والقبائح، أو لعدم تمامية الداعي له إليها، فيكون للصلوات الصحيحة جهة جامعة في مقام الامتثال، وهي كون محتوى الافعال والاذكار والقراءة والادعية المشروعة فيها موجبة لتذكر العبد رب العالمين والتوجه إلى عزه وذل نفسه، وتمتاز الصلاة بذلك عن سائر العبادات، حيث لا يكون لها هذه المرتبة من التذكر والخشوع، ولذا عبر عن الصلاة بالذكر في قوله سبحانه: «فاسعوا إلى ذكر الله»(57)

.

وأما الجهة الثانية: فمن الظاهر أن ترتب هذا الاثر على الصلاة الصحيحة في مقام الامتثال لا يلازم الجامع لها بين الافراد الصحيحة في مقام التسمية بالمعنى المتقدم، فإن الناقص أيضاً لو كان مأمورا به وكان امتثال أمره ببعض مراتب الامتثال المراعى فيها الخشوع والتذكر بمحتواها، لحصل لها هذا المنع أيضاً.وبالجملة فليس المترتب على الصلاة في مقام التسمية إلا شأنيتها للخشوع والتذكر بها، وهذا الاثر يشترك فيه في مقام التسمية التامة والناقصة، ولا تترتب الشأنية على خصوص التام، كما ذكرنا.

وأما ما ذكر من كون «الصلاة معراج المؤمن» فلم يحرز وروده في خطاب الشارع ليقال إن ترتب العروج على الصلاة الصحيحة يكشف عن جامع بينها، وعلى تقدير وروده أيضاً يجيء فيه ما تقدم فيقوله سبحانه: «الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر»(58)

، حيث إن عروج المؤمن عبارة أخرى عن ارتقاء نفسه إلى بعض المراتب الكمالية، كما لا يخفى.

وإن شئت البرهان على أنـه لا يمكن أن يكون في البين جامع ذاتي بين الافراد الصحيحة، فنقول: الاثر الوارد في الكتاب المجيد أو غيره يترتب على ما يحصل خارجاً ويوصف بالصحة، ومن الظاهر أن الموجود خارجاً مركب اعتباري أوله التكبير وآخره التسليم، فيعتبر فيه أفعال وأقوال من الاذكار والقراءة وسائر القيود المعبر عنها بالشرائط، ومن البديهي أن القراءة والذكر من مقولة، والركوع والسجود والقيام من مقولة أخرى، والطهارة من الحدث والخبث من مقولة ثالثة، فالاثر المترتب يترتب على المجموع، ولا يعقل جامع ذاتي بين مجموع هذه المقولات المتباينة، وإذا لم يمكن الجامع الذاتي بين أجزاء صلاة واحدة، بحيث يكون هو المؤثر، فكيف يمكن الجامع الذاتي بين الصلوات المختلفة؟ بل الجامع على تقديره يكون اعتبارياً ولو لوحظ خصوصية كل من الصلاتين، فلا يمكن أخذ الجامع التركيبي أصلاً فإن إحدى الصلاتين مشروطة بالركعة الاخرى مثلا والاخرى مشروطة بعدم تلك الركعة كصلاة الصبح وصلاة المغرب، وأخذ الجامع فرع إلغاء الخصوصيتين ومع إلغائهما يكون ذلك الجامع منطبقا على الصحيح والفاسد، لما تقدم من أن الصحيح في حال، فاسد في حال آخر، وأما الجامع البسيط فلا يمكن كونه ذاتياً لما ذكرنا من أن أجزاء صلاة واحدة لا تدخل في مقولة واحدة، فكيف يمكن دخولها ودخول أجزاء غيرها تحت مقولة، بل الممكن من الجامع البسيط هو كونه عنوانياً والجامع العنواني لا تحصُّل له خارجاً، ليكون هو المؤثر في الاثر.

ومما ذكرنا يظهر وجه المناقشة فيما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) في المقام، حيث قال: إن تصوير الجامع في المقام على الصحيحي والأعمي على نهج واحد، وذلك فإن الماهية مع وجودها الحقيقي (الذي حيثية ذاته طرد العدم) متعاكسان في الاطلاق والسعة، لأن الماهية سعتها وإطلاقها للضعف والابهام، وسعة الوجود الحقيقي لفرط الفعلية، ولذا كلما كان الضعف والابهام في المعنى أكثر،كان الاطلاق والسعة والشمول فيه أكثر، وكلما كان الوجود أشد وأقوى، كان الاطلاق والسعة أعظم وأتم، فإن كانت الماهية من الماهيات الحقيقية، كان إبهامها وضعفها بلحاظ الطوارئ والعوارض، مع حفظ نفسها كالإنسان، فإنه لا إبهام فيه من حيث الجنس والفصل، وإنما الابهام فيه من حيث الشكل واللون وشدة القوى وضعفها، وسائر عوارض النفس والبدن حتى عوارض الوجود والماهية، وإن كانت الماهية من الأمور المؤتلفة من عدة أمور بحيث تنقص وتزيد كماً وكيفاً، فمقتضى الوضع لها بحيث يعمها مع تفرقها وشتاتها أن تلاحظ على نحو مبهم غاية الابهام بمعرفية بعض العناوين غير المنفكة عنها، وكما أن الخمر مثلاً مائع مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما، ومن حيث اللون والطعم والريح ومن حيث مرتبة الاسكار والمقدار، ولذا لا يمكن وضعه إلا لمائع خاص، بمعرفية المسكرية من دون لحاظ الخصوصية تفصيلاً، بحيث إذا أراد المتصور تصوره لم يوجد في ذهنه إلا مائع مبهم من جميع الجهات إلا جهة مائعيته، بمعرفية المسكرية من دون لحاظ شيء آخر، كذلك لفظ الصلاة مع الاختلاف الشديد بين مراتبها كما وكيفاً، فلابد من أن يوضع لفظه لعمل يكون معرفه النهي عن الفحشاء أو غيره من المعرفات، بل العرف لا ينتقل من سماع لفظ الصلاة إلا إلى سنخ عمل خاص مبهم إلا من حيث كونه مطلوباً في الاوقات الخاصة، وهذا لا يدخل في النكرة، فإنه لم يؤخذ فيه كما ذكرنا خصوصية البدلية كما أخذت فيالنكرة، والحاصل أن الابهام في معنى الصلاة غير الترديد المأخوذ في معنى النكرة، والجامع بالنحو الذي ذكرناه لا مناص منه بعد الجزم بحصول الوضع للمعنى الشرعي ولو تعينا وعدم إمكان الالتزام بجامع ذاتي وعدم صحة الالتزام بكون الموضوع له الجامع العنواني أو الاشتراك اللفظي في مثل الصلاة.

وقال (قدس سره): قد التزم بنظير ما ذكرنا بعض أكابر فن المعقول في تصحيح التشكيك في الماهية، جواباً عما قيل بعدم إمكان شمول طبيعة واحدة لتمام مراتب الزائدة والناقصة والمتوسطة، مع الاغماض عن وجودها، حيث قال: الجميع مشترك في سنخ واحد مبهم غاية الابهام، بالقياس إلى تمام نفس الحقيقة ونقصها زائداً عن الابهام الناشئ فيه عن اختلاف الافراد بحسب هوياتها. وقال: إن ما ذكرناه في المركب الاعتباري أولى مما ذكره في الحقائق المتأصلة، كما لا يخفى .

أقول: لعل نظره في الأولوية إلى أن الحقائق المتأصلة لا يمكن فيها الاهمال بالإضافة إلى نفس الماهية، فالماهية لابد من كونها متعينة، بخلاف المركبات الاعتبارية، فإنه يمكن فرض الابهام في معانيها(59)

.

ووجه ظهور المناقشة: أن ما قرره في إبهام المعنى، لا يخرج المعنى عن الجامع العنواني البسيط (الذي اعترف (قدس سره) في كلامه بأنه لا يمكن أن يكون معنى الصلاة) حيث لو تبادر إلى أذهان المتشرعة ذلك الجامع ولو بمعرفية النهي عن الفحشاء، أو الوجوب في أوقات خاصة مع فرض إبهامه من سائر الجهات، فإن كان المتبادر عنوان العمل المبهم من جميع الجهات المعلومة، بمعرفية النهي عن الفحشاء أو التكليف به في أوقات خاصة، فمن الظاهر أن عنوان العمل، جامع عنواني وإن كان المتبادر واقع العمل ومصاديقه، المعرفة بالنهي عن الفحشاء والمنكر، أو بالتكليف بها في أوقات خاصة، فمن الظاهر أن المصاديق مختلفة متعددة فيكون وضع اللفظ لها من الوضع العام والموضوع له الخاص.

أضف إلى ذلك، صدق الصلاة وشمول معناها للصلاة المندوبة التي ليس لها وقت، وتبادر المعنى منها إلى أذهان المتشرعة من غير أن يعرفوا علامية النهي عن الفحشاء، وما هو المراد منه أصلاً.

وما قيل: من أن لفظ الصلاة ليس موضوعاً لجامع ذاتي مقولي، ولا لجامع عنواني، وإنما هو إسم لمرتبة من الوجود، وتلك المرتبة سيالة في جميع الصلاة الصحيحة(60)

، لا يمكن المساعدة عليه أيضاً، إذ لو أريد أن الصلاة إسم للأجزاء المشروطة والمقيدة المتحققة، فمن الظاهر أن ما في الخارج وجودات متعددة تندرج في مقولات مختلفة، تجمعها وحدة اعتبارية، وليست مرتبة من الوجود، وإن أريد أن مع الوجودات المتعددة وجوداً آخر يحصل بتلك المتعددات وتكون وحدتها بذلك الوجود، نظير مرتبة من قوة جر الثقيل الحاصلة من العشرة رجال أو الخمس عشرة نسوة، أو رجلين، أو غير ذلك. وبتعبير آخر: الملاك الملحوظ يحصل من كل من الصلاة الصحيحة المختلفة بحسب اختلاف الاشخاص والاحوال، فمن الظاهر أن الملاك الملحوظ الواحد على تقدير وجوده غير محرز عند العرف فلا يمكن أن يكون نفس ذلك الملاك موضوعاً له، كما لا يمكن أن يكون الموضوع له، ما هو دخيل في حصول ذلك الملاك، فإنه إن أريد مما هو الدخيل فيه عنوانه، فيكون جامعاً عنوانياً، ولا يتبادر إلى الاذهان من لفظ الصلاة عنوان «الدخيل فيما هو ملاك عند الشارع»، وإن أريد معنونه، فقد تقدم أن المعنون بذلك العنوان متعدد ومختلف بحسب الحالات والاشخاص، فيكون وضع اللفظ للمعنون من وضع العام والموضوع له الخاص.

وبالجملة، لا يتصور معنى لا يكون من الجامع الذاتي ولا من الجامع العنواني بحيث يكون معنى واحداً بسيطاً ولا يتصف بأحدهما، وقد ذكرنا عدم معقولية الجامع الذاتي بين الافراد الصحيحة، فيتعين الجامع العنواني البسيط، وذكرنا أن كون الموضوع للفظ الصلاة مثلا هو العنوان البسيط خلاف المعنى المتبادر عرفاً، حيث لا يتبادر منها إلا المشتمل على الأعمال الخاصة.

وقد تحصل مما ذكرنا، أن ما يمكن للقائل بوضع اللفظ للصحيح بحيث يساعده فهم المتشرعة أن يدعيه، هو أن الشارع لاحظ التكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليمة، وبنى على أن كل عمل يشر عه فيما بعد ويشتمل على جميع الأعمال المفروضة أو معظمها فنفس العمل المفروض بتشريعه هو معنى لفظ الصلاة مثلاً، سواء كان تشريعه بعد ذلك بالأمر الوجوبي أو الندبي، فيكون التشريع شرطاً لفعلية وضع اللفظ لذلك العمل، ويكون في الحقيقة لفظ الصلاة موضوعاً بالوضع العام والموضوع له الخاص، فإن كان العمل المؤلف منها مشروعاً في حال أو في حق شخص فهو صلاة في ذلك الحال أومن ذلك الشخص، لا يكون صلاة في حال آخر، أو في حق شخص آخر لعدم المشروعية فيهما. ولا ينافي ذلك تعلق الأمر في خطاب تشريعه به بعنوان الصلاة، فإن المفروض اتحاد زمان التشريع مع الاطلاق على ما تقدم.

 

 

أحدها أن يكون عبارة عن جملة من أجزاء العبادة كالاركان[1]. _________________________________________________________

[1] ذكر هذا الوجه صاحب القوانين (قدس سره) في تصحيح الجامع على الأعمي وأن لفظ «الصلاة» مثلاً موضوع للأركان(61)

.

وأورد عليه المصنف (قدس سره) بوجهين:

الأول: أن لفظ الصلاة لو كان موضوعاً لها بحيث كان كل من الاركان مقوماً لمعنى الصلاة، فلازمه دوران صدق الصلاة مدار تحقق الاركان، مع أن الوجدان شاهد على خلافه، فإن الصلاة تصدق مع الاخلال ببعضها كالصلاة قبل الوقت، ومع نسيان الركوع فيها، وعدم صدقها على الاركان مع فقد سائر الاجزاء والشرائط.

الثاني: أنـه يلزم من وضعها للأركان كون استعمالها في المشتملة على تمام ما يعتبر في المأمور به، مجازياً ومن قبيل إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل، لا من باب إطلاق الكلي وإرادة الفرد، ولا يلتزم القائل بالأعم بذلك.

لا يقال: لو أخذت الاركان لا بشرط، بالإضافة إلى بقية الاجزاء والشرائط، يكون إطلاق اللفظ الموضوع للمعنى لا بشرط على المشتملة لسائر الاجزاء والشرائط من قبيل إطلاق الكلي على الفرد.

فإنه يقال: إنما يتم ذلك فيما كان المأخوذ لا بشرط متحداً مع ما في الخارج وجوداً كاتحاد الحيوان مع الإنسان والإنسان مع أشخاصه، بأن يكون الاختلاف بين المعنى لا بشرط، والمشروط، في العنوان والمفهوم، وأما إذا كان المعنى المشروط بشيء مجموع الوجودات والمأخوذ لا بشرط، بعض تلك الوجودات، يكون إطلاق اللفظ الموضوع للثاني على الأول من قبيل إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل، ولعله (قدس سره) أشار إلى ذلك بالأمر بالفهم.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) أنه لا يمكن للأعمى أن يلتزم بأن تام الاجزاء والشرائط، الشامل للأركان وغيرها صلاة والناقص يعني المشتمل على الاركان فقط أيضاً صلاة، فإن لازم ذلك كون غير الاركان على تقدير وجوده داخلاً في حقيقة الشيء، وعلى تقدير عدمه خارجاً عنها، ولا يمكن ذلك في جزء الحقيقة، فإن الشيء إذا كان مقوماً للحقيقة يكون دخيلاً فيها مطلقا، وإذا لم يكن مقوماً لا يكون دخيلاً فيها أصلاً(62)

.

وما قيل في تصحيح ذلك بالتشكيك وأنه كما يحمل الشيء على مرتبته الاخيرة وتكون الشدة في تلك المرتبة داخلة في الحقيقة وعلى المرتبة الضعيفة الفاقدة للشدة وتكون الشدة في هذه المرتبة خارجة عن الحقيقة، كذلك الصلاة بالإضافة إلى التام والناقص(63)

، لا يمكن المساعدة عليه، فإن التشكيك لا يتحقق إلا في موردين:

أحدهما: أن تكون الماهية من البسائط، بأن يكون ما به الامتياز عن سائر مراتبها عين ما به الاشتراك فيها كالسواد والبياض.

وثانيهما: أن يكون التشكيك في حقيقة الوجود وإدراك هذا النحو من التشكيك أمر صعب فوق إدراكنا، وعلى تقديره، فإن حقيقة الوجود بنفسه أشد بساطة من الماهيات البسيطة وما نحن فيه خارج عن الموردين، فإن الصلاة في حقيقتها مركبة من الاجزاء التي لها وجودات مستقلة مقيدة بقيود ودخول بعض تلك الوجودات في حقيقتها تارة، وخروجها عنها أخرى، غير ممكن.

ثم أورد (قدس سره) على ما في القوانين بوجه ثالث، وهو أن الاركان تختلف بحسب المكلف وحالاته، فإن الركوع له مراتب تبدء من الانحناء عن قيام بحيث يتمكن من إيصال اليدين إلى الركبتين بقصد الركوع، وتنتهي إلى القصد المجرد، فلابد من تصوير الجامع بين مراتبه، فيعود المحذور المتقدم من عدم الجامع بين المراتب، فإنه كيف يتصور الجامع بين الانحناء المفروض في المرتبة الأولى، وبين القصد المجرد في المرتبة الاخيرة، مع أنهما داخلتان تحت مقولتين.

أقول: حاصل ما تقدم أن الالتزام بكون مسمى لفظ الصلاة هو الاركان، فيه محاذير ثلاثة:

الأول: عدم دوران صدق الصلاة مدار الاركان.

والثاني: لزوم العناية في إطلاق الصلاة على التام من حيث الاجزاء والشرائط.

والثالث: عدم الجامع بين مراتب الاركان ليؤخذ ذلك الجامع في المسمى.

ولكن هذه المحاذير إنما تتجه لو التزمنا بأن الاجزاء المسماة بالصلاة محدودة بالاركان في ناحيتي القلة والكثرة، وأما مع الالتزام بعدم كونها محدودة في ناحية الكثرة فلا يرد شيء من المحاذير، والوجه فيذلك ما تقدم من أن الصلاة مركب اعتباري تكون وحدتها كتركيبها بالاعتبار، وليست من المركبات الحقيقية كالنوع المركب من الجنس والفصل عقلاً، ومن المادة والصورة خارجاً، ليقال إنه لا يمكن في المركب الحقيقي الترديد في أجزائه العقلية والخارجية بأن يكون شيء فصلاً للنوع في حال دون حال، أو صورة له في زمان دون زمان، وهذا بخلاف المركب الاعتباري الذي يكون لكل من أجزائه وجود مستقل خارجاً، وتكون وحدتها برعاية الجهة الخارجة عن الاجزاء، فإن أجزاء هذا المركب قلة وكثرة وتعييناً وتخييراً بيد معتبره، فإنه قد يعتبر الحد لأجزائه في ناحية قلتها فقط، ويأخذه في ناحية كثرتها لا بشرط بالإضافة إلى أمور، مثل الكلام عند النحويين فإن المعتبر عندهم أن لا يكون أجزاء الكلام أقل من الفعل والفاعل أو المبتداء والخبر، وأما في طرف الكثرة فأخذوه لا بشرط بالإضافة إلى الملابسات لكل منهما، فيصدق الكلام على قول القائل (ضرب زيد) وكذا على قوله ثانيا (ضرب زيد عمرواً) وعلى قوله ثالثا (ضرب زيد عمرواً يوم الجمعة) وعلى قوله رابعا (ضرب زيد عمرواً يوم الجمعة في المسجد)إلى غير ذلك، فإنه ما لم يحصل مصداق آخر للكلام بالتكلم بفعل وفاعل آخرين أو مبتداء وخبر كذلك، يصدق الكلام على الفعل والفاعل المفروض ين بجميع ملابساتهما، ولأن يطمئن قلبك لاحظ صيغ الجمع، فإنه اعتبر في الموضوع له فيها أن لا يكون أقل من ثلاثة، ولم يعتبر حد في ناحية الزيادة، فإذا قال المخبر: (جائني علماء) وأراد الاخبار بمجيء من جائه من العلماء من عشرين أو أقل أو أكثر فلا يكون ذلك من استعمال صيغة الجمع في غير الموضوع له، وعلى ذلك فيمكن أن يكون لفظ (الصلاة) موضوعاً لعدة أجزاء تكون في ناحية قلتها محدودة بها، وتؤخذ في ناحية كثرتها لا بشرط، نظير المركبات الاعتبارية التي أشرنا إليها، فيكون إطلاق الصلاة على التام والناقص على حد سواء من غير أن يكون في البين مجاز، وهذه المركبات تمتاز عن المركبات الحقيقية بأنه لا يمكن الابهام والتردد في المركب الحقيقي بحسب أجزائه فإن الجنس والفصل أو الهيولى والصورة لا يكون شيء منها مبهماً أو مردداً، غاية الأمر يمكن كونه مجهولاً لنا وله واقع معين بخلاف المركبات الاعتبارية فإنه يمكن أن يكون الجزء مبهماً لا يكون له واقع معين أصلاً، كما لو أخذ أحد الاشياء لا بعينه جزءاً، ولا يخفى أن تبادل المسمى بهذا النحو ممكن بل واقع.

والحاصل أنه يمكن للشارع لحاظ مراتب الركوع والسجود وغيرهما من الاركان، فيأخذ في المسمى إحدى تلك المراتب لا بعينها وعدم إمكان الجامع الذاتي بين المراتب لا يضر بما ذكر، فلا يكون ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من اختلاف المراتب في الاركان موجباً للمحذور في التسمية، كما لا يرد الاشكال بلزوم محذور المجاز في الاطلاق على التام.

نعم ربما يناقش في كلام صاحب القوانين (قدس سره) بعدم دوران صحة الاطلاق مدار الاركان، وهذه المناقشة على تقدير صحتها تدفع بتصوير الجامع بمعظم الاجزاء، فإنه لا فرق بينه وبين ما ذكره صاحب القوانين (قدس سره) إلا في تعيين الحد الاقل فإنه على ما ذكره يكون الاركان، وعلى الوجه الثاني يكون معظم الاجزاء.

وربما يقال: المستفاد من الروايات كون المأخوذ في الصلاة في ناحية القلة هو الاركان، وأنه كيف لا يصدق الصلاة عليها، فإنها ربما تكون الصلاة معها صحيحة فضلاً عن صدق إسم الصلاة، كما إذا كبر لصلاة الوتر ونسي القراءة فيها وركع ثم سجد ونسي السجدة الثانية وتشهد وسلم وانصرف، أو انصرف قبل التشهد والتسليمة نسياناً، وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: «الصلاة ثلاثة أثلاث، ثلث طهور، وثلث ركوع، وثلث سجود»(64)

. نعم لابد من رفع اليد عن إطلاقها وحملها على كون المراد بالاثلاث أثلاثها بعد الدخول فيها، بما دل على كون تكبيرة الاحرام ركناً وأنه لا يتحقق الدخول فيها بتركها ولو نسياناً، ولعل عدم ذكر التكبيرة في حديث «لا تعاد» باعتبار أن الصلاة لا تتحقق إلا بالدخول فيها بالتكبيرة وأن الحديث ناظر إلى بيان حكم الخلل فيما يعتبر في الصلاة بعد الدخول فيها. وأيضاً المراد بالتكبير ما يكون بقصد الدخول في الصلاة لا مطلق التكبير، وبالركوع الانحناء الخاص المعتبر وقوعه قبل السجود، كما أن المراد بالسجود الواقع بعد الركوع، وبهذا يدخل الترتيب في المسمى.

أقول: لا ينبغي التأمل في أن التحديد الوارد في الروايات تحديد للصلاة في مقام تعلق الأمر بها، لا في مقام التسمية، وقد ورد في حديث «لا تعاد»(65)

ذكر الوقت في المستثنى، مع أنه غير داخل في المسمى قطعاً، لعدم اعتبار الوقت في بعض الصلوات كصلاة القضاء، وبعض المندوبة، كالهدية للموتى والصلاة الابتدائية المندوبة، ولا يمكن استفادة المسمى بالصلاة من الروايات المشار إليها لعدم اعتبار الظهور بعد العلم بالمراد، والشك في كيفية الارادة مع اختلاف الصلوات المتعلق بها الأمر، بالإضافة إلى الاوقات والموجبات وحالات المكلفين، وكلامنا في المقام على الأعمي في الجامع بينها المأخوذ محدوداً في ناحية الاقل في المسمى، وبعد ما نرى بالوجدان صدق الصلاة على فاقد بعض الاركان كالصلاة مع نسيان الطهارة، كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سئل عن رجل صلى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يصلها، أو نام عنها؟ فقال (عليه السلام): «يقضيها إذا ذكرها في أي ساعة ذكرها من ليل أو نهار» الحديث(66)

، وكذا إطلاقه على الصلاة قبل الوقت، وإلى غير القبلة أو مع نسيان الركوع حتى في كل من ركعتي الفجر إلى غير ذلك، وهذا الصدق والاطلاق لم ينشأ في الازمنة المتأخرة عن زمان الشارع، بل نشأ وصدر من الشارع في ذلك الزمان، فلا سبيل إلا إلى الالتزام بأن المسمى هو معظم الاجزاء مع قيوده في الجملة، على ما ذكر من عدم التحديد في ناحية الكثرة وأن المعظم قد أخذ في ناحية الكثرة لا بشرط.

وليس المراد من لا بشرط أن وجود الاجزاء الاخرى خارجا لا تضر بصدق الصلاة على المعظم، كعدم قدح وجود حيوان آخر مع الإنسان في صدق الإنسان على ذلك الإنسان، ليقال إن إرادة المجموع من الإنسان وغيره من لفظ الإنسان تجوز، كما أنه ليس المراد من لا بشرط، كون استعمال لفظ الصلاة دائما في معظم الاجزاء، حتى عند إرادة تمام الاجزاء والشرائط، ليرد عليه أن المستعمل فيه خارجا، يتردد بين بعض تلك الاجزاء ويكون استعماله وإرادة تمام الاجزاء والشرائط من الاستعمال في غير الموضوع له، فيصير مجازا كما ذكر المصنف (قدس سره) هذين الأمرين في الايراد على كون الجامع هو المعظم، وأضاف إليهما اختلاف العبادات بحسب اختلاف الحالات من العجز والنسيان والحرج والضرر إلى غير ذلك، فلا يمكن تعيين المعظم، لاختلافه بحسب تلك الحالات، بل المراد لا بشرط بالإضافة إلى ضم بقية الاجزاء والقيود إلى المستعمل فيه عند الاستعمال، نظير إطلاق الكلام في مقام استعماله على الفعل والفاعل مع جميع ملابساتهما أو بعضها على ما تقدم، فلا يكون إرادة التام منها مجازاً، ولا يتردد معه الخارج عن المستعمل فيه.

وأما تبادل الجزء أو الشرط واختلافهما بحسب الحالات، فقد تقدم أخذ الجامع بين الحالات، ولو كان الجامع المفروض عنواناً اعتبارياً كعنوان أحدها، والحاصل يلاحظ المعظم بالإضافة إلى أقل الافراد كماً والجامع بين أجزائه وشرائطه كيفاً، فلا محذور في ذلك أصلاً.

 

 

وفيه مضافا إلى ما أورد على الأول أخيراً [1].

_________________________________________________________

[1] المراد مما أورد على الأول أخيراً، هو لزوم المجاز في إطلاق لفظ الصلاة وإرادة التام من حيث الاجزاء والشرائط، فإنه يكون من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء ـ أي المعظم ـ في الكل.

وقوله (قدس سره): «يتبادل»، إشكال ثان على الالتزام بكون الموضوع له معظم الاجزاء والشرائط، وتوضيحه: أنا إذا استعملنا لفظ الصلاة في مجموعة من أجزائها ثم استعملناه في مجموعة أخرى وكانت كلتا المجموعتين معظم الاجزاء إلا أن بعض أجزاء الثانية خارجة عن الأولى، لزم أن تكون هذه الاجزاء داخلة في المسمى في الاستعمال الثاني، وخارجة عنه في الاستعمال الأول. وهذا هو التبادل، وقد ظهر مما ذكرناه في التعليقة السابقة، الجواب عن إشكالات لزوم المجازية والتبادل والتردد، فلا نعيد.

وقوله (قدس سره) فيما بعد هذا: «مع ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب الحالات» راجع إلى الاشكال في تعيين المعظم، كما تقدم في التعليقة السابقة.

 

 

ثالثها: أن يكون وضعها كوضع الاعلام الشخصية[1].

_________________________________________________________

[1] قيل إن الوضع في أسامي العبادات كالوضع في الاعلام الشخصية، وكما أن تبادل الحالات المختلفة كالصغر والكبر والسمن والنحافة وتغير اللون إلى لون آخر ونقص بعض الاجزاء وزيادته لا يضر في الاعلام الشخصية كذلك في العبادات.

وبتعبير آخر: كما يطلق إسم زيد على ما في الخارج من الشخص مع التبادل واختلاف الاحوال فيه، كذلك إسم الصلاة يطلق على العبادة المخصوصة في جميع حالاتها. وأجاب الماتن (قدس سره) بأن الموضوع له في الاعلام هو الشخص الذي يكون بالوجود الخاص، وتغير عوارض ذلك الوجود لا ينافي بقاء الوجود الذي يكون بقائه بقاء الشخص، وكما لا يضر اختلاف أحوال الشخص ببقائه كذلك لا يضر ببقاء تسميته، وهذا بخلاف الموضوع له في مثل لفظ الصلاة، فإنه من قبيل المفهوم والكلي، وعليه فاللازم تعيين ذلك المعنى الكلي بحيث يكون حاوياً لمتفرقاته وجامعاً لأفراده، كما تقدم ذلك في الجامع على قول الصحيحي.

لا يقال: الشخص هو الوجود الخارجي، ومن الظاهر عدم وضع اللفظ له أصلاً حتى في الاعلام الشخصية، حيث إن الموضوع له لابد من كونه قابلاً للتصور واللحاظ في الوضع والاستعمال، والوجود الخارجي لا موطن له إلا الخارج.

فإنه يقال: الوجود الخارجي قابل للحاظه ولو بعنوان مشير إليه وإمكان لحاظه كذلك يكفي في صحة وضع اللفظ له، كما تقدم في الوضع العام والموضوع له الخاص، ولذلك لا توصف الاعلام الشخصية بالوجود والعدم، بأن يقال زيد موجود أو معدوم، بل يقال إنه حي يرزق، أو غير باق وميت، بخلاف الكليات فإنها توصف بالوجود والعدم.

ثم لا بأس للتعرض في المقام لما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) في بيان المسمى في الاعلام الشخصية، لدفع الوهم عن كون مسماها من المجردات.

فإنه ذكر أولاً ما حاصله: إن زيداً مثلاً مركب من نفس وبدن، والبدن مركب من عظم ولحم وجلد وأعصاب، فيكون زيد مركبا طبيعياً في مقابل الصناعي كالسرير والبناء، ووحدة جسم زيد باتصال الاعضاء التي لكل منها وجود. والاتصال لا يخرجه إلى الوحدة إلا من جهة الذبول والنمو، لا من جهة نقص يده أو رجله أو إصبعه إلى غير ذلك، والالتزام بأنه ملحوظ لا بشرط، بالإضافة إلى أعضائه مشكل، فإنه لو كان الملحوظ بنحو اللابشرط نفس زيد يلزم كون المسمى من المجردات، وإن كان الملحوظ كذلك نفسه مع بدنه يجيء الكلام في أن أي مقدار من البدن ملحوظ مع النفس بنحو لا بشرط.

وذكر ثانياً بأن المراد من البدن الملحوظ مع النفس المسمى بلفظ زيد، ليس هو الاعضاء من اللحم أو الشحم والاعصاب وغيرها، بل الروح البخاري الذي يكون مادة للنفس ويعبر عن الروح البخاري الذي هو في حقيقته جنس طبيعي بالحيوان، وتكون فعلية النفس بذلك الروح ويتحد معها اتحاد المادة بصورته، كما أن الروح البخاري متحد مع الاعضاء لأنـها مادة إعدادية للروح البخاري، فتحصل أن الموضوع له للفظ زيد نفسه المتعلقة بالبدن، وتشخص البدن ووحدته بوحدة النفس وتشخصها، إذ المعتبر مع النفس مطلق البدن.

وذكر ثالثاً أن ما ذكر خلاف المتفاهم العرفي من اللفظ، فإن ما ذكر لا يدركه إلا الاوحدي من الاعلام، والصحيح أن يقال: إن المسمى عندهم الهوية الخارجية التي لا يلاحظ المميز فيها إلا كونها غير الهويات الاخر، من كونها مبهمة من سائر الجهات(67)

.

أقول: لا ينبغي التأمل في أن الاعضاء الخارجية الرئيسية حال اتصال بعضها ببعض، بحيث تكون الروح توأماً معها، هو الشخص ويكون لا بشرط بالإضافة إلى كمال الاعضاء ونقصها وما يعرض عليها، سواء كان في الخارج هوية أخرى مثلها أو لم تكن، فلا يفرق في وضع العلم الشخصي بين وضع لفظ آدم لأول مخلوق من الإنسان وبين وضع لفظ زيد لمن يتولد من أمه فعلاً، والملحوظ عند وضع كل منها الشخص الذي هو البدن التوأم مع الروح.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)