المراد بالحال في عنوان المسألة هو حال التلبس[1].

_________________________________________________________

[1] تعرض (قدس سره) في هذا الأمر لبيان المراد من الحال الوارد في عنوان المسألة، وظاهر كلامه أن المراد به فعلية المبدأ للذات، حيث إن انطباق معنى المشتق على الذات مع فعلية تلبسها بالمبدأ ليس محل كلام، وإن ما الكلام في انطباق معناه عليها مع انقضاء تلبسها بالمبدأ، وعلى ذلك فإن كان حمل معنى المشتق على الذات وتطبيقه عليها مع فعلية المبدأ لها، كان الحمل والتطبيق حقيقيين، سواء كانا في الزمان الماضي أو الحال (أي زمان النطق) أو المستقبل. وأما لو كان حمله عليها وتطبيقه بلحاظ انقضاء الفعلية، فكونهما حقيقيين مبني على سعة معنى المشتق، وعلى كل تقدير، فلا عبرة بزمان النطق المعبر عنه بالزمان الحال، نعم يحمل عليه حال الفعلية فيما إذا لم تكن في البين قرينة على تعيينها في غيره.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) أن الحال يطلق على معان ثلاثة، الأول: زمان النطق الذي تقدم عدم دخله في معنى المشتق. والثاني: زمان التلبس يعني زمان تلبس الذات بالمبدأ. والثالث: فعلية التلبس بالمبدأ وأن المراد بالحال في عنوان المسألة هو المعنى الثالث لا الثاني، كما في عبارة كثير من الاعلام، منهم صاحب الكفايه (قدس سره)، حيث ذكروا أن المراد به هو المعنى الثاني(116)

.

أقول: ليس في عبارة الماتن (قدس سره) دلالة على ما ذكره، بل ظاهرها أن المراد بالحال فعلية المبدأ، بمعنى أن حمل المشتق على ذات ـ يكون تلبسها بالمبدأ فعليا ـ حقيقي، وحمله على ذات ـ يكون تلبسها بالمبدأ منقضياً في ظرف الحمل ـ محل النزاع، ويشهد لذلك قوله (قدس سره): «ويؤيد ذلك اتفاق أهل العربية على عدم دلالة الاسم على الزمان»(117)

، فإن مقتضاه خروج الزمان عن مدلول المشتق سواء كان المراد به خصوص أحد الازمنة الثلاثة، أم زمان التلبس الذي يعم الماضي والحال والاستقبال.

 

 

لا أصل في نفس هذه المسألة يعول عليه[1].

_________________________________________________________

[1] إن كان المراد بالاصل، الاصل اللفظي، فلا ينبغي التأمل في أنـه لا بناء من العقلاء ولا من أبناء المحاورات على كون المعنى عاماً أو خاصاً فيما إذا دار أمر الموضوع له بينهما.

نعم قد يقال: إن اللفظ فيما إذا استعمل في موردين ودار أمره بين كون اللفظ موضوعاً للجامع بينهما، ليكون استعماله في كل من الموردين حقيقة أو كان موضوعاً لخصوص أحدهما، ليكون استعماله في المورد الآخر مجازاً، يرجح الاشتراك المعنوي لأجل غلبة الاشتراك المعنوي على المجاز.

ولكن لا يخفى أن غلبة الاشتراك المعنوي على الحقيقة والمجاز غير محرزة، وعلى تقدير الغلبة، فلا دليل على الترجيح بها.

ونظير ذلك ما يدعى من أن المشتق يستعمل كثيراً في موارد الانقضاء، فلو لم يكن مشتركاً معنوياً وكان موضوعاً لخصوص المتلبس لزم المجاز في غالب موارد استعمالاته، فلا محالة يكون مشتركاً معنوياً، حذراً من غلبة المجاز في موارد استعماله.

وفيه أيضاً كما يأتي أن استعماله في موارد الانقضاء بلحاظ حال التلبس حقيقة مع أن غلبة المجازية لا توجب الالتزام بالاشتراك المعنوي أو اللفظي، فإن باب المجاز في الاستعمالات واسع.

وإن كان المراد بالاصل الاصل الشرعي ـ يعني الاستصحاب ـ فلا ينبغي التأمل في عدم الاصل الشرعي أيضاً، لأن استصحاب عدم لحاظ الخصوصية في الموضوع له ـ مع عدم إثباته ظهور المشتق ووضعه للعموم، لعدم كون ظهوره في العموم أمراً شرعياً مترتباً على عدم لحاظ الخصوصية ـ معارض باستصحاب عدم لحاظ العموم والاطلاق.

وذكر الماتن (قدس سره) أنـه إذا انقضى تلبس الذات بالمبدأ، ثم جعل التكليف للموضوع بعنوان المشتق، سواء كان بمفاد القضية الخارجية أو بمفاد القضية الحقيقية، فيرجع إلى البراءة عنه بالإضافة إلى الذات المذكورة، وأما لو جعل الحكم قبل انقضاء التلبس عنه، ثم انقضى عنه المبدأ، فيستصحب الحكم فيه. وبالجملة مقتضى الاصل العملي البراءة عن التكليف في الأول، وبقاء التكليف في الثاني.

أقول: قد يقال بعدم الفرق بين الفرضين، ففي كل منهما يجري استصحاب بقاء الموضوع، وبإحراز بقائه يثبت الحكم، بأن يقال في الفرض الأول إن زيداً كان في السابق عالماً وبعد انقضاء تلبسه بالمبدأ يشك في بقائه عالماً، لاحتمال كون المشتق حقيقه في الأعم، وإذا ثبت بالاستصحاب كونه عالماً يترتب عليه الحكم الوارد في خطاب أكرم العلماء، فإنه يكفي في جريان الاستصحاب كون المستصحب موضوعاً للحكم ولو في زمان الاستصحاب (أي في بقائه)، وكذا الحال فيما إذا ورد الخطاب في زمان تلبس زيد بالمبدأ ثم انقضى عنه المبدأ، فإنه يستصحب كونه عالماً، فيترتب عليه الحكم الوارد في الخطاب.

ولكن لا يمكن المساعدة على هذا القول المذكور، وذلك لعدم جريان الاستصحاب في ناحية الموضوع في موارد الشبهة المفهومية، كما هو المفروض في المقام، وقد تعرضنا لذلك في مبحث الاستصحاب، وبينا أن ظاهر خطاب النهي عن نقض اليقين بالشك أن يحتمل الشخص بقاء ذلك المتيقن الحاصل خارجاً، بأن يكون المحتمل بقاء نفس ذلك الموجود الذي علم به، وفي الشبهات المفهومية لا مشكوك كذلك، فإنه في المثال كان يعلم أن الذات المتلبسة بالمبدأ (عالم) وبقاء تلك الذات محرز، وعدم بقاء تلبسها بالمبدأ أيضاً محرز، فلا يكون شيء في الخارج مشكوكاً، بل المشكوك صدق عنوان (العالم) على الذات المفروضة مع عدم بقاء تلبسها بالمبدأ، والاستصحاب لا يتكفل لإثبات الاسم ومعنى اللفظ، كما هو الحال في مسألة استصحاب بقاء النهار فيما إذا شك بانتهائه بغيبوبة القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، فإنه مع عدم الشك في الخارج لا مجال للاستصحاب.

وأما إجراء الاستصحاب في ناحية الحكم، الذي يظهر من الماتن الالتزام به في الفرض الثاني، فبناءاً على جريان الاستصحاب في الشهبة الحكمية يختص جريانه بما إذا شك في سعة الحكم المجهول وضيقه من حيث تخلف بعض الحالات التي يكون ثبوت الحكم للموضوع في تلك الحالات متيقناً، كما إذا شك في تنجس الماء الكثير بعد زوال تغيره بنفسه، حيث إن التغير في الماء يعد عرفاً من حالات الماء، وإن الموضوع للتنجس عرفاً هو الماء، فيجري استصحاب بقاء نجاسة الماء بعد زوال تغيره، لكون التغير عرفاً من حالات الماء لا من مقوماته.

وأما في الموارد التي لا يحرز فيها بقاء العنوان المقوم للموضوع عرفا، كصوم نهار شهر رمضان، فلا يجري استصحاب الحكم فيها، إذ الموضوع لوجوب الصوم هو نهار شهر رمضان، والنهار مقوم لموضوع الحكم عرفاً، فإذا شك في بقاء النهار بالشهبة المفهومية، فلا يحرز اتحاد القضية المتيقنة والمشوكة ليجري الاستصحاب في وجوبه والأمر في أكرم العالم كذلك فإن عنوان (العالم) مقوم لموضوع استحباب الاكرام، والذي كنا على يقين منه، استحباب إكرام زيد بما هو إكرام عالم، ثم شككنا في أن إكرامه بعد انقضاء علمه إكرام للعالم ليجب، أم لا؟ فالشك يكون فيما هو مقوم للموضوع، ومعه لا يجري الاستصحاب.

وبتعبير آخر: لا يجري الاستصحاب في الشبهات الحكمية إلا فيما إذا كان انطباق العنوان موجباً لحدوث الحكم بنظر العرف، ويحتمل دخالة بقائه في بقاء الحكم، أو كان المتخلف من قبيل حالات الشيء عرفاً، فالأول كما في قوله سبحانه: «لا ينال عهدي الظالمين»(118)

، والثاني كما في تغير الماء الكثير في أحد أوصافه.

 

 

لأجل توهم اختلاف المشتق باختلاف مبادئه في المعنى أو بتفاوت ما يعتريه من الاحوال[1].

_________________________________________________________

[1] كان الاختلاف في معاني المشتقات بين المتقدمين على قولين:

أحدهما: أنها حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ، ومجاز في غيره، بمعنى أن معاني هيئات المشتقات ضيقة لا تنطبق إلا على الذات المتلبسة بالمبدأ، وهذا القول كان لمتأخري الاصحاب والاشاعرة.

وثانيهما: أن معاني المشتقات وسيعة تنطبق على المتلبس والمنقضي، وكان على هذا متقدمي الاصحاب والمعتزلة، ثم حدثت الاقوال الاخر كالتفصيل بين ما إذا كان مبدأ المشتق لازماً أو متعدياً والالتزام بسعة المعنى على الثاني دون الأول، كما فصل بين تلبس الذات بضد المبدأ وعدم تلبسها به، ففي الأول يعتبر عدم الانقضاء بخلاف الثاني، وكالتفصيل بين كون المشتق محكوما عليه فلا يعتبر التلبس بخلاف ما إذا كان محكوماً به فيعتبر التلبس، والاخير تفصيل باعتبار ما يعتري المشتق من الحالات ،بخلاف الأولين فإنهما تفصيل في المشتق بحسب المبادئ.

وقد ذكر المحقق النائيني (قدس سره) أنه لا معنى للنزاع في المشتق بناءاً على بساطة مفهومه، وأن هيئته موضوعة للدلالة على اتحاد المبدأ مع الذات خارجاً، بخلاف نفس المبدأ، فإنه لوحظ في مقابل الذات ولذا لا يحمل عليها.

وبتعبير آخر بعد انقضاء المبدأ عن الذات وارتفاع معنى المشتق لا معنى لانطباقه على عدمه، بل يكون المشتق أوضح خروجاً عن النزاع، من الجوامد التي ذكر خروجها عن محل الكلام كالانواع، ووجه الأولوية أنـه مع ارتفاع الصورة النوعية في تلك الجوامد تبقى الهيولى والمادة القابلة للصور، بخلاف المشتقات بناءاً على بساطة مفاهيمها.

لا يقال: كيف يستعمل المشتق ولو مجازاً في موارد الانقضاء، أو في موارد التلبس فيما بعد؟

فإنه يقال: بما أن الموضوع له اتحاد المبدأ مع الذات والذات الموصوفة بمعنى المشتق باقية، فيكون إطلاق المشتق (الموضوع لجهة الاتحاد) على موصوفه بنحو من المجاز والعناية، وهذا النحو من العناية يمكن في معنى المبدأ أيضاً، فإنه مع عدم إمكان انطباقه على عدمه يمكن إطلاقه على الذات بنحو من العناية كقولنا: (زيد عدل).

نعم، لو قيل بدخول الذات في معنى المشتق، فللنزاع في أنـه موضوع لخصوص المتلبس أو للأعم مجال، إذ الركن الوطيد والثابت بناءاً على تركب معناه مفروض، ويمكن أن يكون تلبسه بالمبدأ كالحيثية التعليلية في صدق المشتق بأن تكون فعلية التلبس في الذات موجبة لصدق معنى المشتق عليها،ولو بعد انقضاء المبدأ عنها.

ثم إنه (قدس سره) عدل عن هذا أيضاً وبنى على عدم إمكان وضع المشتق للأعم، حتى بناءاً على تركب مفهومه، وذكر في وجه ذلك: أن الموضوع له لا يمكن أن يكون الذات بإطلاقها، ضرورة أن من اللازم أخذ قيد فيها، وهذا القيد لا يكون هو المبدأ، فإنه ـ بما هو مبدأ ـ أجنبي عن الذات، بل لابد من لحاظ نسبة ما ـ ولو كانت ناقصة ـ بين المبدأ والذات، وتكون تلك النسبة جهة اتحاد المبدأ مع الذات، ومن الظاهر أن جهة الاتحاد لا تكون إلا في مورد فعلية التلبس، والذات المنقضي عنها المبدأ لا تتحد مع المبدأ إلا بلحاظ التلبس وفعلية المبدأ.

وإن شئت قلت: الذات ـ بعد انقضاء المبدأ عنها ـ خالية عن المبدأ، فكيف تتحد معه والمبدأ في مورد التلبس موجود ومتحد مع الذات، ولا يمكن وضع المشتق للجامع بينهما، حيث لا جامع بين الوجود والعدم، نعم يمكن تصور الجامع بينهما بإدخال الزمان في معنى المشتق، بأن يكون الموضوع له هي الذات المتحدة مع المبدأ في غير الزمان المستقبل، وهذا يوجب دلالة الاسماء على الزمان، مع أن الزمان غير داخل في مداليل الافعال فضلاً عن الاسماء(119)

.

أقول: لو أراد القائل ببساطة مفهوم المشتق، ما ذكره (قدس سره) فالأمر كما ذكره، من أنـه بناءاً عليها لا يمكن وضعه للأعم، وأما لو أريد بها ما سيأتي بيانه في البحث عن بساطة مفهومه أو تركبه، فلا منافاة بين البساطة بذلك المعنى ووضعه للأعم.

وما ذكره ثانياً من أن وضع المشتق للأعم غير ممكن حتى بناءاً على تركب معناه لا يمكن المساعدة عليه، فإنه بناءاً على التركب يمكن أخذ قيد «للذات»، بحيث ينطبق معه على المتلبس والمنقضي، من غير أخذ مفهوم الزمان أو مصداقه أصلاً، بأن توضع هيئة فاعل مثلا للذات الخاصة وهي ما انتسب إليها المبدأ بانتساب تحققي بقي الانتساب أم لا، وهذا المعنى كما ينطبق على المتلبس ينطبق على المنقضي، وإذا لم يمكن ذلك فيمكن وضعها لإحدى الذاتين من المتلبس والمنقضي، فيكون الموضوع له جامعاً اعتبارياً وهو عنوان أحدهما، القابل للانطباق على المتلبس والمنقضي، فإن وضع اللفظ للجامع الاعتباري ممكن، بل واقع، ويزيدك وضوحا ملاحظة الواجب التخييري على ما ذكرنا في محله.

 

ويدل عليه تبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال[1].

_________________________________________________________

حجية القول بوضع المشتق للمتلبس بالحال:


[1] ولعل مراده من الحال في المقام حال الاسناد وحمل معنى المشتق على الذات، بحيث لو قال مخبر: (زيد قائم) ولم يكن في البين قرينة على أن إسناد (قائم) إلى (زيد) وحمله عليه بلحاظ زمان آخر،ينصرف الكلام إلى أن حال الاسناد والحمل زمان النطق كما تقدم سابقاً، ويتبادر أن تلبس زيد بالقيام فيحال حمل قائم وإسناده إليه.

وبتعبير آخر لا يتبادر من المشتق معنى وسيع فحمله على ذات لا يدل على أن تلك الذات في حال الحمل والتطبيق وحال انقضائه عنها بالنسبة إلى الحال المفروض.

ويمكن أن يكون مراده بالحال فعلية المبدأ كما ذكرنا سابقاً، ويقال إن المتبادر من المشتق، ما يكون تلبسه بالمبدأ فعلياً في مقابل ما يكون تلبسه بالمبدأ منقضياً وما يكون تلبسه بالمبدأ فيما بعد، وكما أن إطلاقه على ما يكون تلب سه فيما بعد بنحو من العناية، كذلك إطلاقه على ما انقضى عنه المبدأ يكون بالعناية.

 

 

وصحة السلب مطلقا عما انقضى عنه[1].

_________________________________________________________

[1] المراد بالاطلاق ـ كما يأتي بيانه ـ إطلاق المسلوب، والمراد من السلب نفي ما ارتكز في الاذهان من معنى المشتق عن فاقد المبدأ، وإن كان واجداً له ومتلبساً به فيما انقضى، ويشهد لصحة هذا السلب أن الذات إذا انقضى عنها المبدأ يصدق وينطبق عليها المشتق المضاد للمشتق الذي انقضي عنها مبدئه، كما في صدق القاعد على ذات انقضى عنها القيام، مع أن القاعد والقائم بحسب ما ارتكز في الاذهان من معناهما متضادان، كما هو الحال في مبدئهما.

وربما يقرر تقابل التضاد بين المشتقات التي مبادئها متضادة دليلاً مستقلا على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، بأن يقال: لو لم يكن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال لما كان بين معنى قاعد ومعنى قائم مثلاً تضاد، بل يكونان من المتخالفين في المعنى يصدقان على الذات معاً كما في سائر المتخالفات في المعنى، فإنه يصدق على (زيد) أنه عالم وأنـه قاعد، وكما لا يكون بين معنى عالم ومعنى قاعد إلا التخالف، كذلك بين معنى قاعد ومعنى قائم، بناءاً على عدم وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ في الحال، ضرورة أن التضاد على هذا الفرض يكون بين مبدئهما فقط، فارتكاز التقابل بينهما بنحو التضاد كما هو الحال في مبدئهما، يكون دليلاً على أن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس في الحال.

ولا يرد على هذا التقرير بأن الاستدلال على التضاد بين مثل معنى قاعد ومعنى قائم مصادرة، لتوقف التضاد بينهما على إحراز كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس في الحال، ولو توقف إحراز كونه حقيقة في ذلك على ثبوت التضاد لدار.

والوجه في عدم الورود هو أن التضاد بين معنى قاعد وقائم ثبت بارتكاز أهل المحاورة، فلا يتوقف على إحراز كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس في الحال.

وربما يقال مجرد ارتكاز التضاد بين معنى قاعد وقائم لا يكون دليلاً على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس في الحال، إذ من المحتمل أن يكون ارتكاز المضادة لأجل الانسباق الحاصل من اللفظ المطلق، حيث إن اللفظ إذا كان له معنى كلي و كان لذلك المعنى فردان بحيث استعمل اللفظ في أحدهما كثيراً حتى ما كان يحتاج تعيينه في الارادة إلى ذكر قيد له، بخلاف الآخر حيث كان تعيينه محتاج إلى ذكر القيد له، فمثل هذا الانسباق لا يدل على كون اللفظ حقيقة في خصوص الفرد الأول.

أقول: لو تم هذا الاشكال لأبطل الاستدلال على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال بتقرير التضاد بين المشتقات التي بين مباديها تضاد، وكذا الاستدلال بتبادر المتلبس بالمبدأ في الحال، فإن التبادر الاطلاقي لا يثبت الوضع لخصوص الفرد المتبادر من الاطلاق وعدم ذكر القيد له وإنما يثبت الوضع بالتبادر الحاقي (أي المستند إلى نفس اللفظ)، ولكن لا يبطل الاستدلال بصحة السلب ،فإن اللفظ لو كان موضوعاً لمعنى عام، لما أمكن سلب معناه عن فرده، ولو كان ذلك الفرد من أفراده التي لا يستعمل فيها إلا نادراً ومع ذكر القيد مثلاً لا يقال (ماء السيل ليس بماء) وإن كان المتبادر من الماء عند إطلاقه في الاستعمالات المتعارفة غيره، كما لا يخفى.

وبالجملة جعل المنقضي عنه موضوعاً في السالبة، يدل على عدم وضع المحمول لما يعمه.

وأجاب الماتن (قدس سره) عن الاشكال: بأنه لا مجال في المقام لدعوى احتمال الانسباق من الاطلاق، وذلك لأنـه لو استعمل لفظ في موردين وكان استعماله في أحدهما نادراً وفي الآخر غالباً، فيمكن أن يدعى أن تبادر المورد الثاني دون الأول، مستند إلى كثرة الاستعمال وإطلاقه، وأما إذا كان استعماله في كل منهما كثيراً، أو كان استعماله في الاول أكثر، كما في المقام، حيث إن استعمال المشتق في موارد الانقضاء أكثر، فلا يحتمل استناد تبادر المعنى الثاني إلى الاطلاق وغير حاق اللفظ، وعليه فتبادر خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال لا منشأ له إلا كون المشتق موضوعاً له دون غيره.

وهم ودفع:

أما الوهم، فلعلك تقول: لا ينحصر الانسباق الاطلاقي بما ذكر، إذ ربما يكون اللفظ موضوعاً للجامع ويستعمل في كلا الموردين، من غير أن يكون استعماله في أحدهما نادراً ومع ذلك ينسبق أحدهما بخصوصه إلى الاذهان عند الاطلاق، وليكن المقام من هذا القبيل مثلاً صيغة الأمر تستعمل في مورد الوجوب النفسي وفي مورد الوجوب الغيري، ولا يكون استعمالها في موارد الوجوب النفسي أكثر من موارد الوجوب الغيري، مع أنـه ينسبق إلى الاذهان عند إطلاقها الوجوب النفسي، فلا يكون الانسباق الاطلاقي مختصاً بموارد ندرة استعمال اللفظ في أحد الموردين وشيوعه في المورد الآخر.

أما الدفع، فلأن تمايز الوجوب النفسي عن الوجوب الغيري بالاطلاق والتقييد ثبوتاً، فيكون انفهام الوجوب الغيري في مقام الاثبات أيضاً بالتقييد، وأما الوجوب النفسي فيكفي في تفهيمه إطلاق الطلب في مقام الاثبات مع تمامية مقدمات الاطلاق ولا يقاس ذلك بما إذا لم يكن امتياز فرد من الجامع عن فرده الآخر بالخصوصية الخارجية لكل منهما، مع تباين تلك الخصوصيتين، كما في امتياز المتلبس بالمبدأ في الحال عن المنقضي عنه المبدأ، فلا يكون انسباق المتلبس من المشتق مع كثرة استعماله في موارد الانقضاء من الانسباق الاطلاقي.

 

 

إن قلت: على هذا يلزم أن يكون في الغالب أو الاغلب مجازاً[1].

_________________________________________________________

[1] هذا تعرض لما يرد على الالتزام بأن المشتق حقيقة في خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال مع الالتزام بأنه يستعمل في موارد الانقضاء كثيراً أو أن استعماله فيها أكثر من استعماله في موارد التلبس، فإنه لابد من الالتزام بأن غالب الاستعمالات أو أغلبها في المشتقات بنحو المجاز، وهذا أمر بعيد لا تساعده حكمة الوضع.

لا يقال: لا بأس بالالتزام بأن أكثر استعمالات المشتقات تقع على نحو المجاز، وقد قيل بأن أكثر الاستعمالات في المحاورات تقع مجازاً.

فإنه يقال: لو سلم بأن أكثر المحاورات مجازات، فالمراد بذلك أن المعاني المجازية بالنسبة إلى المعنى الحقيقى متعددة، لا أن أغلب الاستعمالات اللفظية مجازات، نعم ربما يتفق في لفظ واحد أن يستعمل في معناه المجازي كثيراً لكثرة الحاجة إلى تفهيمه ولكن من المستبعد وقوع ذلك في تمام الالفاظ، كما هو الحال في المشتقات حيث إن استعمال كل منها في موارد الانقضاء كثير أو أكثر.

 

 

قلت: مضافاً إلى أن مجرد الاستبعاد غير ضائر[1].

_________________________________________________________

[1] أجاب (قدس سره) عن الاعتراض بلزوم كثرة الاستعمالات المجازيه بوجهين، أحدهما: أنـه لا بأس بالالتزام بها بعد مساعدة ما تقدم من الادلة على أن المشتق موضوع للمتلبس في الحال، وثانيهما: أنه يمكن أن تكون تلك الاستعمالات بنحو لا يلزم منها التجوز بأن يطبق معنى المشتق على المنقضي عنه لا بلحاظ انقضاء المبدأ، بل بلحاظ حال تلبسه به،فيراد من (جاء الضارب) جاء الذي كان ضارباً قبل مجيئه، لا الضارب حال المجيء وبعد انقضائه، كي يكون الاستعمال مجازاً.

وربما يتوهم أنـه لو كان الاستعمال في موارد الانقضاء بلحاظ حال التلبس، لا يمكن إثبات أن انسباق خصوص المتلبس بالمبدأ في الحال ناش من حاق اللفظ، لاحتمال كون تبادره ناشئاً من استعماله المتلبس في الحال غالباً أو دائماً.

وقد دفع (قدس سره) هذا التوهم بأنه لو كان وضع المشتق للأعم لما كان وجه لجعل استعماله في خصوص المتلبس وتطبيقه على موارد الانقضاء بلحاظ حال التلبس، فإن ذلك يكون من قبيل الاكل من القفا، إذ مع إمكان استعماله في معناه الأعم وتطبيقه على الذات المنقضي عنها المبدأ بلا محذور، لا موجب لاستعماله في المعنى الاخص وتطبيقه على الذات المفروضة بلحاظ حال تلبسها.

وبالجملة بناءاً على كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس في الحال، يمكن استعماله في موارد الانقضاء بنحو الحقيقة أيضاً، كما اذا أريد من الذات المفروضة حال تلبسها، فيكون تطبيق معنى المشتق عليها بلحاظ ذلك الحال حقيقة، ويمكن أن يكون استعماله في تلك الموارد بنحو المجاز، بأن يطبق معنى المشتق على الذات المفروضة بلحاظ حال انقضاء المبدأ عنه مجازاً، فمع إمكان الحقيقة، لا موجب للعدول إلى الاستعمال المجازي، بخلاف الموارد التي لا يمكن استعمال اللفظ فيها حقيقة، فإنه يتعين فيها الالتزام بالمجاز.

 

 

ثم إنه ربما أورد على الاستدلال السلب[1].

_________________________________________________________

[1] ذكروا أن علامة المجاز صحة السلب المطلق وأما صحة السلب المقيد فلا تكون علامة المجاز، مثلاً سلب الحيوان المقيد بكونه ناطق عن البقر صحيح ولا يدل على أن استعمال الحيوان وتطبيقه على البقر مجاز، وعلى ذلك فقد أورد على صحة السلب في المقام بأنه إن أريد من صحته سلب المشتق عن المنقضي مطلقا، فالصحة غير محرزة، وإن أريد سلبه مقيداً فلا تدل صحته على المجازية.

وقد أجاب الماتن (قدس سره) بأنه إن أريد من التقييد، التقييد في ناحية المسلوب (أي المشتق) بأن يقيد المشتق بفعلية المبدأ ويقال إن المنقضي عنه الضرب مثلاً ليس هو ضارب بالضرب الفعلي، فهذا التقييد في ناحية المشتق غير مراد في الاستدلال، بل المسلوب هو المشتق بمعناه المرتكز عند الاذهان عند إطلاقه. وبتعبير آخر: نسلم بأن صحة السلب بالمسلوب المقيد أعم من سلب المسلوب مطلقاً، فإنه قد يصح سلب الشيء المقيد عن شيء، ولا يصح سلب ذلك الشيء مطلقاً عنه، كما في مثال سلب الحيوان المقيد عن البقر، فلا يصح سلب مطلق الحيوان عنه، وإن كان المراد من التقييد، تقييد نفس السلب بأن يقال: إن زيداً ليس في حال عدم تلبسه بالضرب بضارب، فصحة هذا السلب دليل على أن المشتق حقيقة في المتلبس في الحال فقط، فإنه لا يصح سلب الطبيعي عن فرده في حال، ولكن هذا التقييد أيضاً غير مفروض في الاستدلال بل المفروض هو التقييد في ناحية الذات المسلوب عنها المبدأ حال انقضائه فيقال إن زيداً حال انقضاء الضرب عنه ليس بضارب، فإنه لو كان معنى المشتق أعم لما أمكن سلبه عنه.

 

 

الثاني: عدم صحة السلب في مقتول ومضروب عمن انقضى عنه المبدأ[1].

_________________________________________________________

[1] قد يستدل على كون المشتق حقيقة في المعني الأعم بحيث ينطبق على الذات المتلبسة بالمبدأ في الحال وعلى المنقضي عنها بعدم صحة سلب معنى المضروب والمقتول، عمن ضرب أو قتل مع فرض انتفاء الضرب والقتل، ونحوهما غيرهما من المحدود والمخلوق والمختار إلى غير ذلك.

وقد أجاب الماتن (قدس سره) عن جميع ذلك بما تقدم في بعض الأمور من أن الكلام في المقام في معاني هيئات المشتقات لا في مبادئها، وأنـه قد يراد من المبادئ في بعض المشتقات معنى مجاز يتبقى الذات متصفة به ولو بعد انقضاء المعنى الحقيقي، فتصدق تلك المشتقات على الذوات بعد انقضاء المبدأ عنها بمعناها الحقيقي، ولكن هذا لا يدل على أن هيئة المشتق موضوعة للأعم من المتلبس في الحال.

وقد يناقش في هذا الجواب بأنه لا يتصور لمثل مبدأ الضرب معنى يقبل البقاء بعد انقضاء معناه الحقيقي، مع صحة دعوى الجزم بأن ما أريد من المبدأ في ضمن هيئة الضارب والقاتل، هو المراد من المبدأ في ضمن هيئة المضروب والمقتول.

وفيه أنه قد يراد في مثل هذه الاستعمالات المتلبس بالمعني الحقيقي، وينطبق على الذات المنقضي عنها المبدأ بلحاظ حال تلبسها به، فيراد من قوله (هذا هو المضروب) المضروب عند فعلية الضرب، وقد يراد المبدأ بنحو العلامية للذات، فيراد من المضروب الذات المتلبسة بعلامية الضرب أو القتل واستعمال المبدأ في العلامية للذات مجاز، كما في قوله: (هذا المال مسروق، وقد سرق من فلان قبل سنوات)، فلاحظ وتدبر.

 

 

استدلال الامام عليه السلام تأسياً بالنبي صلوات الله عليه وآله[1]. _________________________________________________________

[1] استدل على كون المشتق حقيقة في المعنى الأعم باستدلال الامام (عليه السلام) في عدة أخبار(120)

بقوله سبحانه «لا ينال عهدي الظالمين »(121)

على عدم لياقة من عبد صنماً أو وثناً لمنصب الامامة والخلافة، تعريضاً بمن تربع على كرسي الزعامة وادعى لنفسه خلافة النبي (ص)، وكان ممن عبد الصنم مدة مديدة، فإن التعريض المفروض إنما يتم بناءاً على كون المشتق حقيقة في الأعم لينطبق على من تربع على كرسيها، عنوان الظالم عند تربعه، وإلا لما صح الاستدلال لانقضاء تلبسهم بالظلم وعبادتهم للصنم عند تصديهم للخلافة.

وما في عبارة الماتن (قدس سره): «تأسياً بالنبي صلوات الله عليه وآله» إشارة إلى ما رواه الخاصة(122)

والعامة(123)

بأن النبي (ص) قال: «أنا دعوة أبي إبراهيم (عليه السلام)»، حيث لم يعبد هو وعلي صنماً ووثناً، وقال (ص): «فانتهت الدعوة إلي وإلى أخي علي (عليه السلام)، لم يسجد أحد منا لصنم قط، فاتخذني الله نبياً وعلياً وصياً». وفيه تعريض لغير علي (عليه السلام) وأنهم لعبادتهم الصنم والوثن لا ينالون الوصية والخلافة.

وكيف كان، فقد أجاب (قدس سره) عن الاستدلال المفروض بأن أخذ عنوان المشتق في الموضوع على أنحاء:

الأول: أن يكون المشتق لمجرد الاشارة والمعرفية للموضوع، كقول الصادق (عليه السلام): «فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس»(124)

مشيراً إلى زرارة، فإنه لا دخل لجلوسه في جواز الرجوع وتعلم الحكم وأخذه منه.

الثاني: أن يكون لعلية المبدأ لثبوت الحكم وبقائه، بأن يكون انطباق عنوان المشتق على ذات عند تلبسها بالمبدأ، علة لثبوت الحكم وبقائه، كما في قوله (عليه السلام) «لا يصلين أحدكم خلف المجذوم و... المحدود»(125)

، وقوله سبحانه: «وحلائل أبنائكم»(126)

.

والثالث: أن يكون الحكم دائراً مدار انطباق المشتق على الذات وجريه عليها حدوثاً وبقاءاً، كما فيقوله (عليه السلام): «لا أقبل شهادة فاسق»(127)

، وقوله (عليه السلام): «اشهد شاهدين عدلين»(128)

.

والاستدلال المفروض مبني على كون عنوان الظالم في قوله سبحانه «لا ينال عهدي الظالمين»(129)

من قبيل الثالث، وأما إذا كان من قبيل الثاني، كما يقتضيه عظم منصب الامامة والخلافة، فيتم تعريض الامام (عليه السلام) مع كون المشتق حقيقة في خصوص المتلبس في الحال، حيث يكون مفاد الآية أن المتقمص بالخلافة يلزم أن لا يكون متلبساً بالظلم ولو على نحو الانقضاء، بل ولو على النحو الترقب والاستقبال أيضاً، ولا يتوهم أن الحمل على الوجه الثاني يوجب استعمال المشتق في معناه الأعم لينطبق على المنقضي عنه المبدأ بلحاظ حال الانقضاء أيضاً، فإنه كما يستعمل المشتق في النحو الثالث في المتلبس بالحال، كذلك في النحو الثاني، وإنما الاختلاف بينهما في بقاء الحكم بعد زوال عنوان المشتق ،حيث إن موضوع الحكم في النحو الثاني ما انطبق عليه عنوان المشتق ولو فيما مضى، فإن انطباقه عليه يكون علة لثبوت الحكم وبقائه، بخلاف النحو الثالث، فإن بقاء الحكم فيما انطبق عليه عنوان المشتق ،دائر مدار بقاء الانطباق ببقاء المبدأ فيه.

وعلى النحو الثاني يكون معنى الآية من كان ظالماً ولو آنا ما لا ينال عهدي أبداً، وإرادة هذا المعنى من الآية لا يستلزم الاستعمال بلحاظ الانقضاء، بل يصح مع إرادة خصوص المتلبس بالمبدأ من عنوان المشتق، كما لا يخفى.

والمتحصل أنه إذا أخذ عنوان المشتق في خطاب موضوعاً لحكم ولم يكن في البين قرينة على أن ذكره على النحو الاو ل أو على النحو الثاني، فظاهر الخطاب أن حدوث عنوان المشتق، موضوع لحدوث الحكم وبقائه موضوع لبقاء الحكم، فيكون الحكم فيما انطبق عليه عنوان المشتق دائراً مدار الانطباق، وأما إذا قامت قرينة عرفية على أنـه على أحد النحوين، يؤخذ بمقتضى القرينة، والقرينة في مورد الآية المباركة هي عظم منصب الامامة والخلافة من الله (تعالى شأنه)، فإن كل شخص لا ينال هذا المنصب، فيكون انطباق عنوان الظالم على شخص ـ ولو في زمان ما ـ موجباً لعدم نيله هذا المنصب، وهذا لا يكون استحساناً كما توهمه بعض، بل قرينة عرفية، حيث لم يرض الشارع بإمامة ولد الزنا والمحدود في الصلاة ولو مع عدالتهما، فكيف يعطي الله (سبحانه) منصب الامامة والخلافة لمن تلبس بالشرك أو بغيره من الفواحش مدة من حياته؟

وقد يؤيد كون عنوان الظالم في الآية المباركة مأخوذاً على النحو الثاني نفس التعبير عن الحكم بصيغة المضارع، الظاهر في البقاء والاستمرار، مع عدم تقييده بزمان، وبفحوى ما ورد في عدم جواز الاقتداء في الصلاة بالمحدود وولد الزنا.

 

 

بقي أمور: الأول: أن مفهوم المشتق[1].

_________________________________________________________

بساطة معنى المشتق:


[1] لا ينبغي التأمل في أن معنى المشتق كما أن مادته موضوعة لمعنى، كذلك هيئته موضوعة لمعنى، وإذا كان كذلك فاللازم فرض معنى للهيئة غير معنى المادة السارية في جميع المشتقات، ولا يمكن أن يكون معنى الهيئة مجرد أنحاء التلبسات، بأن تكون كل هيئة من هيئات المشتقات موضوعة لنحو من أنحائها، كما هو الحال في هيئة الفعل الماضي المعلوم أو المجهول، وكذا في هيئة الفعل المضارع، وإلا لم يصح جعله محكوماً عليه في مثلقوله سبحانه «السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما»(130)

مما لا يكون على موصوف، بل لا جعله محمولاً على الذات في مثل قوله زيد ضارب، فإن ملاك الحمل في مثله الاتحاد الخارجي، ومن الظاهر أن واقع التلبس بالضرب صدوراً غير (زيد) خارجاً، لا أنه هو هو.

وبتعبير آخر: تحقق المبدأ فيما كان عرضاً وإن كان بعين وجود موضوعه، إلا أن وجود موضوعه غير وجوده، فلا وجه لما هو المعروف من أن الفرق بين المبدأ والمشتق هو الفرق بين بشرط لا ولا بشرط، بمعنى أن المبدأ فيما إذا لوحظ في مقابل الذات يكون مدلولاً للمصدر، وإذا لوحظ بما أنـه متحد مع الذات وأنـه شأن من شؤونها، يكون مدلولاً للمشتق، فإن مقتضى التفرقة بين المعنيين كذلك مع قطع النظر عن الاعتبارين هو اتحادهما في أصل المعنى وأن الاختلاف يكون اعتبارياً، مع أنـه ليس الأمر كذلك، فإن المبدأ ـ بأي نحو لوحظ ـ لا يتحد مع الذات خارجاً، فلو كان المراد ببساطة معنى المشتق هذا المعنى، لما أمكن للقائل بها أن يلتزم بوضع المشتق للمتلبس في الحال أو للأعم كما ذكرنا سابقاً(131)

. مع أنـه لا مجال لدعوى الاتحاد المفروض في ما هو غير عرض بالإضافة إلى معروضه، كما إذا كان المبدأ من المعقولات الثانوية الفلسفية كالإمكان والامتناع، أو كان عرضاً ولكن لوحظ بالإضافة إلى غير معروضه من سائر الملابسات، كالزمان والمكان وغيرهما، فلا محيص عن الالتزام بدخول الذات في معنى المشتق ليكون دخولها مصححاً لحمل معناه على الذوات، ولكن الذات المأخوذة في معناه في غاية الابهام ،حيث لم يلاحظ فيها أي خصوصية إلا خصوصية التلبس بالمبدأ.

وليس المراد أيضاً أن معنى المشتق عند الاطلاق مركب من مفهوم الذات وتلبسها بالمبدأ وأن المشتق من المركبات الناقصة ليدفع بأن ما يتبادر من المشتق ليس إلا معنى واحداً وصورة واحدة.

بل المراد أن المفهوم من المشتق صورة واحدة، وتلك الصورة تنطبق على الذات لا على المبدأ،وتلك الذات مبهمة من جميع الجهات غير جهة التلبس بالمبدأ، وحينئذ فيقع الكلام في أن الجهة المعينة فعلية التلبس بالمبدأ، أو مجرد تحققه، وهذا يوجب انحلال تلك الصورة الواحدة إلى ما الموصولة وتعينها بفعلية التلبس في الحال أو مطلقا.

ودعوى أن الذات المبهمة المفروضة لا يمكن أن تكون مدلولاً للهيئة الطارئة على المبدأ، باعتبار أن مدلول هيئة المشتق معنى حرفي، فلا يتضمن معنى إسمياً(132)

، مدفوعة بأنه لا دليل على كون معنى الهيئة في المشتق الذي يطلق عليه الاسم في الاصطلاح غير متضمن لمعنى الذات، وإنما يطلق على الهيئة أن معناها حرفي، باعتبار أن الحرف كما لا معنى له عند تجرده عن المدخول، كذلك الهيئة من المشتقات التي يطلق عليها الاسم. ولعل ما ذكره الماتن (قدس سره) من تفسير بساطة معنى المشتق بأنه منتزع عن الذات باعتبار تلبسها بالمبدأ، هو ما ذكرناه، وحمل (قدس سره) كلام المحقق الشريف عليه، فيكون التركب المنفي، هو أن يتبادر من المشتق عند إطلاقه الصورة المركبة.

ولكن ظاهر كلام المحقق الشريف يأبى هذا الحمل كما سيأتي، فإن مقتضى استدلاله عدم إمكان دخول الذات في معنى المشتق حتى بالنحو الذي ذكرنا.

 

 

على ما حققه المحقق الشريف في بعض حواشيه[1]. _________________________________________________________

[1] ذكروا في تعريف الفكر بأنـه ترتيب أمور معلومة لتحصيل أمر مجهول، وأورد عليه بالتعريف بالمفرد كالتعريف بالفصل وحده أو العرض الخاص، فإنه ليس في التعريف بهما ترتيب أمور.

وأجاب عن ذلك في شرح المطالع: بأن المعرف ـ بالفتح ـ إذا كان من قبيل المشتق، كالناطق والضاحك، يكون التعريف بأمور، فإن الناطق شيء له النطق والضاحك شيء له الضحك(133)

.

وناقش في ذلك السيد الشريف بأنه لا يكون مفهوم المشتق مركباً، فإنه على تقدير كون معنى الناطق شيء له النطق لزم دخول العرض العام في الفصل وهو ممتنع، فإن العرض لا يكون مقوماً للذات هذا فيما لو أريد بالشيء مفهومه وإن أريد به مصداقه، لزم انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، فإن الجهة فيقولنا (الإنسان كاتب) هي الامكان، وعلى تقدير دخول مصداق الشيء في معنى الكاتب يكون مفاد القضية (الإنسان، إنسان له الكتابة) وهذه قضية ضرورية، لأن ثبوت الشيء لنفسه يكون ضرورياً(134)

.

أقول: لازم ما ذكره المحقق الشريف عدم دخول الذات في معني المشتق، حتى بنحو الانحلال، حيث إنه لو انحل إلى الذات والشيء يلزم أحد المحذورين، إما دخول العرض العام في الفصل، أو انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، فليس السيد الشريف في تحقيقه ناظراً إلى أن مفهوم المشتق فيبدو الانتقال إليه، بسيط لا يدخل فيه الشيء والذات، كما اختاره الماتن (قدس سره) فيما يأتي، ليوافق ما التزم به السيد الشريف، من بساطة معنى المشتق، وقد فسر (قدس سره) «البشرط لا واللابشرط»المذكورين في الفرق بين المبدأ والمشتق ببشرط لا ولا بشرط الذاتيين.

وقد اجيب عن مناقشة السيد الشريف بوجوه :

منها ما ذكره الماتن (قدس سره) عن صاحب الفصول (قدس سره)، وهو عدم لزوم شيء من المحذورين من دخول الذات في معنى المشتق، فإن معنى الشيء الذي يعد من العرض العام، داخل في معنى الناطق لغة، وما جعل فصلاً للإنسان هو معناه الاصطلاحي، ولزوم المحذور من دخول العرض العام في معناه الاصطلاحي لا يوجب محذوراً من دخوله في معناه اللغوي الذي هو المبحوث عنه في المقام ،وأنه لو قيل بدخول مصداق الشيء في معنى المشتق لا يلزم انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، فإن ثبوت الإنسان للإنسان وإن كان ضرورياً إلا أن الإنسان مقيداً بأن له الكتابة، لا يكون ثبوته له ضرورياً، لجواز أن لا يكون القيد ضرورياً(135)

.

وقد أورد المصنف (رحمه الله) على الشق الأول من الجواب المفروض، بأنه غير صحيح، سواء قيل بدخول معنى الشيء في معنى المشتق، أو قيل بدخول مصداقه فيه، فان المقطوع به هو أن الناطق في عرف المنطقيين قد اعتبر فصلاً للإنسان بما له من المعنى اللغوي وبلا تصرف في معناه أصلاً.

كما أورد على استدلال المحقق الشريف لعدم دخول معنى الذات في معنى المشتق، بلزوم دخول العرض العام في الفصل، بأن مثل الناطق ليس بفصل حقيقي، بل لازم الفصل وأظهر خواصه، فيكون فصلاً مشهورياً منطقياً يوضع مكان الفصل الحقيقي إذا لم يعرف الحقيقي، ولذا يجعل مكانه لازمان، إذا كانا متساويي النسبة، كما يذكر الحساس والمتحرك بالارادة، فصلاً للحيوان، فلا يلزم من دخول معنى الشيء في معني الناطق إلا دخول العرض العام، وأخذه في خاصة الشيء التي هي من العرضيات لا في فصله المعدود من الذاتيات في باب الكليات.

وأما مسألة انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية فهو مما لا محيص عنه، كما ذكر المحقق الشريف، وذلك لأن قيد «له الكتابة» لا يمكن أخذه في المحمول إلا بأحد نحوين:

الأول: أن يكون لمجرد الاشارة إلى المحمول بلا دخل فيه أصلاً بأن يكون المحمول على الإنسان في قولنا (الإنسان كاتب) هو الإنسان فقط، وقيد (له الكتابة) إشارة إلى الإنسان، وعليه فالانقلاب ظاهر، لأن ثبوت الإنسان للإنسان ضروري.

والثاني: أن يكون القيد داخلاً في المحمول، بأن يكون المحمول في قوله (الإنسان كاتب) كل من الأمرين (الإنسان) وقيد (له الكتابة) فتنحل القضية الواحدة وهي (الإنسان كاتب) إلى قضيتين إحداهما(الإنسان إنسان) والاخرى (الإنسان له الكتابة) فالأولى ضرورية والثانية ممكنة.

وأما عدم جعل القيد محمولاً مستقلا ولا وصفاً توضيحياً لنفس المحمول، بل جعله تقييداً لمصداق الذات، بأن يضيق دائرة معنى الإنسان في المثال على حد سائر التقييدات، فغير ممكن، لأن معنى الإنسان وإن كان وسيعاً قابلاً للتقييد والتضييق كما يقال: الإنسان الابيض، أو الكبير، أو غير ذلك،إلا أن المفهوم الوسيع يقبل التضييق بالإضافة إلى معنى آخر، لا بالإضافة إلى نفسه، مثلاً يصح أن يقال (البقر حيوان خاص) ولا يمكن أن يقال (الحيوان حيوان خاص).

وبالجملة إذا كان الموضوع في القضية نفس المحمول، أو مرادفاً له، فلا يمكن تضييق دائرة المحمول بالقيد، بل لابد من جعل القيد وصفاً توضيحياً مشيراً إلى المحمول أو محمولاً آخر بأن يؤخذ التقييد معنى حرفياً غير مقصود، والمقصود بالحمل حمل ذات المقيد.

ومما ذكرنا يظهر وجه تخصيص السيد الشريف الانقلاب بصورة أخذ مصداق الشيء في معنى المشتق، فإنه لو كان المأخوذ مفهوم الشيء فهو باعتبار قبوله التقييد لا يكون ثبوته بعد التقييد ضرورياً.

وكأن الماتن (قدس سره) أراد بقوله: «وكان القيد خارجا» عن المحمول «وإن كان التقييد داخلا بما هو معنى حرفي» ما ذكرناه من كون القيد لمجرد الاشارة إلى نفس المحمول، وعبارته في تقرير الانحلال إلى قضيتين، بقوله: «وذلك لأن الاوصاف قبل العلم بها أخبار، كما أن الاخبار بعد العلم بها تكون أوصافا» تشير إلى ما ذكرنا من عدم كون قيد (له الكتابة) إلا وصفاً توضيحياً، ويكون قبل العلم به خبراً.

ولكن ما ذكره من انحلال عقد الحمل وأن الانحلال إلى القضيتين مبني عليه، ليس في محله، بل هو مبني على الأمر الثاني فقط(136)

.

وكيف ما كان، فقد ظهر مما ذكرنا أن مراد المحقق الشريف من بساطة معنى المشتق خروج الذات عن معني المشتق مفهوماً ومصداقاً، ولا يمكن انحلال معنى المشتق إلى أحدهما.

وأورد المحقق النائيني (قدس سره) على ما ذكره السيد الشريف من أن أخذ معنى الشيء في مفهوم المشتق يوجب دخول العرض العام في الفصل، بأن الشيء بمعناه العام لا يكون عرضاً عاماً ليلزم من دخوله في معنى المشتق ما ذكر، بل الشيء جنس الاجناس لجميع الماهيات جهة جامعة بينها لا عرض عام لها، حيث إن العرض ما يكون خاصة للجنس البعيد أو للجنس القريب، والشيئية تكون في جميع الماهيات، وليس ورائها أمر آخر لتكون الشيئية خاصة ذلك الأمر وعرضاً عاماً لجميع الماهيات.

وما يقال من أن الشيئية مساوية للوجود وبما أنه لا يكون مفهوم الوجود جنسا فيكون مفهوم الشيء الذي مرادف له كذلك، لا يمكن المساعدة عليه فإن الوجود يحمل على الشيء كما يحمل على سائر الماهيات، فالمراد من المساوقة مساوقتهما في الصدق لا اتحادهما في المفهوم، ليكون مفهوم الشيء كمفهوم الوجود عارضاً لجميع الماهيات، والحاصل أنـه يلزم من دخول مفهوم الشيء في المشتق دخول الجنس في الفصل، لا دخول العرض العام في الفصل، وإن كان دخول الجنس في الفصل أيضاً باطل(137)

.

وذكر (قدس سره): ـ في جواب صاحب الكفاية الذي ذهب إلى أن الناطق فصلاً مشهورياً لا حقيقياً، فيلزم من تركب المشتق دخول العرض العام في الخاصة ـ أن الناطق يعني المتكلم، أو المدرك للكليات، ليس فصلاً إذ التكلم والادراك من العرض بل المراد به صاحب النفس الناطقة، فلا يلزم من تركب المشتق دخول العرض العام في الخاصة كما ذكر (قدس سره)، بل يلزم دخول العرض العام في الفصل(138)

.

أقول: عنوان الشيء والذات كما يحمل على ممكن الوجود، كذلك يحمل على واجب الوجود بالذات، ومن الواضح أن الواجب بالذات لا ماهية له ليكون له جنس الاجناس، وحمل الوجود على الشيء كحمله على الجواهر والاعراض لا يدل على كونه جنس الاجناس للأعراض والجواهر، فإن العنوان الانتزاعي الاعتباري من كل الموجودات خارجاً أو الملحوظة ذهناً، لا يدخل في الماهيات المتأصلة، ليكون جنساً أو فصلاً أو نوعاً أو يكون جوهراً أو عرضاً وذلك ظاهر، ولذلك يصدق الشيء على المستحيلات أيضاً باعتبار لحاظها وعلى الجواهر والاعراض وغيرهما.

وبالجملة ما ذكر من أن العرض العام يكون خاصة للجنس البعيد كالتحيز بالإضافة إلى الجسم، أو خاصة للجنس القريب، كالماشي بالإضافة إلى الحيوان(139)

والشيئية ليست خاصة فتكون جنسا لأنـها جهة جامعة بين الماهيات، لا يثبت أن عنوان الشيء جنس بمجرد كونها جهة جامعة، كما لا يثبت أنـه عرضي في باب الكليات الخمس، لأن العنوان الانتزاعي الاعتباري خارج عن قسم الجوهر والعرض في باب الكليات(140)

فلا يكون جنسا، وما يقال من أن الشيئية مساوقة للوجود لايراد به الوجود الخارجي فحسب، ولذا يحمل الوجود على الشيء، فالشيء عنوان انتزاعي اعتباري، كما لا يخفى.

وأما ما ذكر (قدس سره) من أن المراد بالناطق الذي يذكر فصلاً للإنسان هو صاحب النفس الناطقة، فلا يمكن المساعدة عليه، ويا ليت اقتصر على «النفس الناطقة» فإن صاحب نفس الناطقة هو الإنسان ،وخصوصيات الافراد لا دخل لها، فيكون صاحبها هو النوع ولا يمكن دخول النوع في الفصل، وأما النفس الناطقة فلم يذكر المراد منها ليعرف كيف تكون فصلاً.

ثم إنه (قدس سره) استدل على بساطة معنى المشتق وخروج مفهوم الشيء والذات عنه بأمرين:

الأول: أنـه على تقدير دخوله، تكون النسبة الناقصة أيضاً داخلة فيه، حيث لا يرتبط المبدأ بالذات بدونها، وإذا دخلت النسبة في معناه، لزم كون المشتقات كسائر الاسماء المتضمنة لمعاني الحروف مبنيات(141)

.

وفيه: أن الموجب للبناء في الاسماء وضعها بمادتها وهيئتها لمعنى يتضمن المعنى الحرفي، ولا يجري في مثل المشتق الذي يكون لمادته وضع ومعنى ولهيئته معنى آخر، مع أنا لا نسلم الملازمة بين تضمن لفظ للمعنى الحرفي وبين كونه مبنياً دائما.

الثاني: أن معنى المشتق بعينه معنى المبدأ إلا أن الهيئة في المشتق موضوعة لقلب المبدأ عن بشرط لا، إلى اللابشرط، ومعه يتحد المبدأ مع الذات، فإن وجود العرض بما هو عرض عين وجود المعروض، لاوجود آخر(142)

.

وفيه: أولاً: أن وجود المبدأ زائد على وجود الذات، فكيف يتحد معها؟

وثانياً: إن المبدأ قد لا يكون عرضاً، بل حكماً شرعياً كالحلال والحرام، أو اعتباراً عقلياً كالواجب والممكن، أو عقلائياً كالحسن والقبيح إلى غير ذلك، فلا يمكن الالتزام باتحاد الموضوع والحكم، وقد لا يكون المبدأ عرضاً بالإضافة إلى الذات المتلبسة به، كما في إسم الزمان والمكان والآلة وغير ذلك مما لا يمكن الالتزام فيها بالاتحاد، بل في صحة الحكم على عنوان المشتق في الخطاب بلا اعتماده على موصوف كفاية للجزم بأن معنى الهيئة في جميع المشتقات يتضمن الذات المبهمة على ما تقدم.

 

 

وتنظر فيما أفاده بقوله «وفيه نظر» لأن الذات المأخوذة[1].

_________________________________________________________

هذا تقريب من صاحب الفصول (قدس سره) لدعوى انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية، وحاصل تقريبه: أنه لو كان معنى قولنا: الإنسان كاتب، الإنسان إنسان له الكتابة، بأن كانت الذات المأخوذة في المحمول عين الموضوع، فإن كان الموضوع في القضية مقيداً بقيد الكتابة واقعاً وفي نفس الأمر،صدق الايجاب بالضرورة، فإن ثبوت إنسان له الكتابة للإنسان المفروض له الكتابة ضروري، وإن لم يكن الموضوع مقيداً بها بحسب الواقع، بأن كان فاقداً لها، صدق السلب بالضرورة، فلا تكون في البين قضية ممكنة، فتتم دعوى انقلاب النسبة(143)

.

وقد أورد الماتن (قدس سره) على هذا التقريب بأن القضية إنما تكون موجهة بإحدى الجهات من الامكان والضرورة والدوام وغيرها، فيما إذا لوحظت نسبة المحمول إلى الموضوع المفروض في القضية، لا ذلك الموضوع مقيداً بثبوت المحمول له واقعاً، أو عدم ثبوته له كذلك.

وإن شئت قلت: ثبوت المحمول للموضوع واقعاً، أو عدم ثبوته له واقعاً، مناط صدق القضية وكذبها وهو غير مأخوذ في موضوع القضية قيداً، وإلا لانحصرت القضايا بالضرورية، إذ الموضوع بشرط المحمول أي مع أخذ المحمول فيه قيداً، يستلزم ضرورية ثبوت المحمول له، حتى في القضية الممكنة، سواء قيل بعدم دخول الذات في معنى المشتق وبساطته، أو قيل بتركبه.

وأما دعوى السيد الشريف فهي لزوم انقلاب القضية الملحوظ فيها نسبة المحمول إلى نفس الموضوع، من الممكنة إلى الضرورية، لا انقلاب القضية إلى الضرورية بشرط تقيد الموضوع بالحمول، فإنه أجنبي عن دعواه، ولا يمكن توجيه دعواه بما تنظر به.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)