وقد انقدح بذلك عدم نهوض ما أفاده[1].

_________________________________________________________

[1] زعم صاحب الفصول (قدس سره) أنه يمكن إبطال الوجه الأول ـ أي احتمال دخول مفهوم الشيء في معني المشتق ـ بلزوم الانقلاب أيضاً، بأن يقال: لو أخذ مفهوم الشيء في معنى المشتق لزم انقلاب القضية الممكنة إلى الضرورية(144)

.

وأجاب عنه الماتن (قدس سره) بعدم لزوم الانقلاب من ذلك، لأن صدق عنوان الشيء على مصداقه وإن كان ضرورياً، إلا أن الضرورة إنما هي مع إطلاق مفهومه وعدم تقييده ـ أي تضييقه بقيد ـ وأما مع التضييق فلا، حيث يمكن أن يكون ثبوته مع التقييد ممتنعاً فضلاً عن الضرورة، كما إذا قيل: الإنسان شيء يتمكن من الجمع بين النقيضين. نعم لو كان أخذ القيد ولحاظه في ناحية الموضوع أيضاً، بأن كانت القضية بشرط المحمول، لكانت ضرورية، ولكن قد تقدم أن القيد لا يؤخذ في طرف الموضوع أصلاً.

ثم إن الماتن (قدس سره) استدل على بساطة المشتق وعدم دخول مصداق الشيء في معناه، بلزوم أخذ النوع في الفصل، وقال إن السيد الشريف لو جعل التالي في الشرطية الثانية «لزوم دخول النوع في الفصل» كان أليق بالشرطية الأولى، وكان الاستدلال تاماً، سواء جعل الناطق فصلاً حقيقياً أو عرضاً خاصاً أقيم مقام الفصل، أما على تقدير كونه فصلاً حقيقياً، فللزوم دخول النوع في الفصل فيما إذا قيل :(الإنسان ناطق)، ومن المعلوم أن الناطق جزء النوع، فكيف يكون النوع جزءاً منه ؟ وأما على تقدير كونه خاصة، فلأن الخاصة خارجة عن الذات وذاتياتها كما في سائر العرضيات، فكيف تكون الذات بذاتياتها داخلة فيها؟

واستدل أيضاً على بساطة معنى المشتق بمعنى عدم دخول الشيء في معناه مفهوماً ومصداقاً، بضرورة عدم تكرار الموصوف في مثل زيد الكاتب، مع أنـه يلزم التكرار من دخول الشيء في معنى الكاتب مفهوماً أو مصداقاً، ولكن لا يخفى أن لزوم التكرار في المثال وما شابهه إنما هو على تقدير أخذ مصداق الشيء في معنى المشتق، وأما بناءاً على أخذ مفهومه فيه، فالشيء المقيد بأن له الكتابة ليس تكراراً للإنسان، نعم يلزم التكرار في مثل قول القائل «الماء شيء بارد بالطبع» كما لا يخفى.

 

 

إرشاد: لا يخفى أن معنى البساطة بحسب المفهوم وحدته إدراكاً وتصوراً[1].

_________________________________________________________

[1] أقول: لا ريب في إمكان انحلال معنى المشتق بحسب التحليل العقلي، فإنه لا يقال عن مبدئه وعن سائر الجوامد كالإنسان والحجر وغيرهما مما هو قابل للتحليل العقلي، وإنما الكلام في انحلال معنى المشتق إلى مفهوم الشيء أو مصداقه، بحيث يكون مفهومه أو مصداقه جزءاً لما ينحل إليه معناه. وأما من ذهب إلى بساطة معناه واستدل عليه بما تقدم من المحقق الشريف، أو بأن الشيء معنى إسمي فلا يدخل في معني الهيئة لأن معناها حرفي وقد تقدم التصريح عن المحقق النائيني (قدس سره) بأن الفرق بين المشتق ومبدئه أن معنى المشتق بعينه معنى المبدأ، إلا أن الهيئة في المشتق تدل على جهة اتحاده مع الذات فهو لا يمكنه الالتزام بانحلال معناه البسيط إلى الذات مفهوماً ومصداقاً، فكيف ينحل معناه بالتحليل العقلي إليه ؟ مع أن الانحلال عبارة عن: فتق معنى اللفظ، كانحلال الإنسان إلى حيوان ناطق، وكذا انحلال سائر الانواع إلى الجنس والفصل.

لا يقال: كيف ينحل الإنسان إلى ما له الإنسانية، والحجر إلى ما له الحجرية، وكذا غيرهما من الانواع، مع أن مفهوم ما والشيء واحد؟

فإنه يقال: لو أريد بالشيء الاشارة الى الهيولى والمادة القابلة للصور فهو صحيح، فإن الانواع من الجواهر، لها أجزاء خارجية هي الهيولى والصورة، وأجزاء عقلية هي الجنس والفصل، ولو أريد أن مفهوم الشيء بنفسه يدخل في معنى الانواع، فهو غير ممكن، لأن المفهوم والعنوان العرضي لا يكون مقوماً للذات. نعم معنى المشتق عنوان عرضي فلا مانع من دخول مفهوم الشيء والذات فيه، وذلك هو المصحح لحمل المشتق على الذات.

 

 

 

الثاني: الفرق بين المشتق ومبدئه مفهوماً أنه بمفهومه لا يأبى عن الحمل على ما تلبس بالمبدأ[1].

_________________________________________________________

[1] كأن مراده (قدس سره) أن للمشتق معنى، وذلك المعنى باعتبار اتحاده مع الذات بنحو من الاتحاد، لا يأبى عن الحمل عليها، بخلاف المبداء، فإن له معنى غير معنى المشتق، ويكون في نفسه آبياً عن حمله على الذات، لعدم اتحاده معها بوجه، بل إذا قيس معناه إلى الذات يرى أنه غيرها مفهوماً وخارجاً، وملاك الحمل هو الاتحاد في موطن ما من ذهن أو خارج، وهذا هو مراد أهل المعقول مما ذكروه في مقام التفرقة بين المشتق ومبدئه، من أن المشتق مفهومه لا بشرط، بخلاف المبدأ فإنه بشرط لا، ومرادهم لا بشرط وبشرط لا بالإضافة إلى الحمل، لا أن كليهما موضوع لمعنى واحد، غاية الأمر لوحظ ذلك المعنى في أحدهما لا بشرط وفي الآخر بشرط لا ليكون تغاير المعنيين بالعرض لا بالذات.

ولكن زعم صاحب الفصول (قدس سره) أن أهل المعقول يرون اتحاد المشتق ومبدئه بالذات ويفرقون بينهما بلا بشرط وبشرط لا بالعرض، فالتفرقة بينهما عرضي وأنهم يقولون بأن مفهوم المشتق بعينه مفهوم المبدأ لا أنه مفهوم آخر، فأورد عليهم بأن مفهوم العلم مثلاً غير قابل للحمل على الذوات حتى وإن لوحظ لا بشرط بالإضافة إلى ما هو خارج عنه(145)

.

ولم يتفطن إلى أن مرادهم هو عين ما ذكره من أن معنى المشتق في نفسه، غير معنى المبدأ، وذلك المعنى قابل للحمل على الذوات بخلاف معنى المبدأ فإنه معنى آخر في نفسه وعاص عن الحمل، فاعتبار اللابشرطية الذاتية في معنى المشتق والبشرط لا الذاتية في معنى الذات إنما هو بالإضافة إلى الحمل على الذات كما لا يخفى. ويتضح ذلك بملاحظة كلام أهل المعقول في الفرق بين الجنس والمادة وبين الفصل والصورة، بأن الجنس والفصل لا بشرط، فيحمل أحدهما على الآخر وعلى النوع، بخلاف الهيولى والصورة فإنهما بشرط لا، فلا يحمل أحدهما على الآخر.

وبيان ذلك على الاختصار أن العقل يلاحظ الشيء تارة ويقايسه إلى سائر الاشياء، فيرى أن له معها جهة اشتراك يكشفها اشتراكها في بعض الآثار فتكون الجهة المشتركة بينها جنساً، كما يرى أن له جهة امتياز عن غيره، فيكون ذلك فصلاً، وأخرى يلاحظ الشيء بحسب مراتب وجوده وسيره بصوره النوعية ،فيرى أن في جميع المراتب جهة باقية إلى المرتبة التالية، لا أن الشيء ينعدم من أصله وتحصل المرتبة التالية من العدم المحض، فتلك الجهة الباقية يعبر عنها بالهيولى والقوة القابلة وتكون فعليتها بأمر آخر يعبر عنه بالصورة، فالصورة والهيولى جزءان خارجيان للجسم بحسب ملاحظة مراتب وجوده.

والجنس والفصل جزءان له ـ بحسب التحليل العقلي ـ في مقام مقايسته إلى سائر الاشياء، ويصح حمل الجنس على الفصل وبالعكس، وحمل كل منهما على النوع، فيكون كل منهما بالإضافة إلى الحمل لا بشرط، بخلاف الهيولى والصورة، فإنه لا يصح حمل أحدهما على الآخر، بل وحتى حمل كل منهما على الجسم الخارجي، فيكون كل منهما بالإضافة إلى الحمل بشرط لا، وليس مراد أهل المعقول أن الجنس بعينه هو الهيولى والفرق بينهما بالاعتبار، وكذلك الفصل مع الصورة. والحاصل أن كلا من الهيولى ـ أي المادة القابلة ـ والصورة متقابلان بالذات، فلا يحمل أحدهما على الآخر، بخلاف الجنس والفصل، فإن كلا منهما أخذ للشيء بلحاظ مقابلته مع سائر الانواع، فيكون كل منهما بالإضافة إلى الآخر لا بشرط ذاتاً، فيحمل أحدهما على الآخر لاتحادهما خارجاً.

وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) بعد قوله «فإن قلت: فما وجه حمل الجنس على الفصل والفصل على الجنس، مع أن طبيعة الجنس في الخارج غير طبيعة الفصل؟ وهل المصحح إلا الاعتبار اللابشرطي»، ما حاصله: أن التركيب بين الجنس والفصل اتحادي لا انضمامي، لأن المركبات الحقيقية لابد لها من جهة وحدة حقيقية، وإلا كان المركب اعتبارياً والوحدة الحقيقية لا تكون الا إذا كان أحد الجزئين بالقوة والآخر بالفعل، فإنه لو كان كل منهما فعلياً، لكانت كل فعلية تأبى عن الاخرى.

وإذا كان أحد الجزئين بالفعل والآخر بالقوة لم يكن في البين إلا جعل واحد، فيكون الجزئين بجعل واحد، فإنه لو فرض أن كلا من الجزئين مجعول مستقل لما كان في المركب وحدة حقيقية، وإذا كان الجزءان مجعولين بجعل واحد، لكان أحد الجزئين ـ أي الاصل ـ مجعولاً بالذات والآخر بالتبع، حتى تصح نسبة الجعل إلى الجزئين مع فرض وحدة الجعل حقيقة، وعلى ذلك يكون مرور الفيض ـ أي فيض الوجود ـ من الاصل إلى التابع ـ أي من الصورة إلى المادة أو من الفصل إلى الجنس ـ.

ثم ذكر (قدس سره) أنه بذلك تبين الفرق بين الجنس والفصل، وبين العرض ومعروضه، فإن التركيب في الثاني اعتباري فيكون كل من العرض والمعروض بالإضافة إلى الآخر بشرط لا ذاتاً، بخلاف الجنس والفصل، كما تبين معنى اتحاد الجنس والمادة واتحاد الفصل والصورة ذاتاً واختلافهما بالاعتبار، حيث إن مبدأ الجنس الطبيعي إذا لوحظ بما له من الوجود الساري يكون مادة ولم يحمل على الفصل، وإذا لوحظ اتحادهما في الوجود الساري يكون جنساً ويصح الحمل عليه. انتهى ما أردنا إيراده من كلامه (قدس سره) في المقام(146)

.

أقول: ظاهر كلامه اتحاد الجنس مع المادة ذاتاً، وكذا اتحاد الفصل مع الصورة، وإنما يكون الاختلاف بينهما بالاعتبار، فإنه إذا لوحظ مبدأ الجنس الطبيعي بما له من الوجود الساري، يكون مادة لا يحمل عليه الفصل، كما أنـه إذا لوحظ اتحادهما في الوجود الساري صح الحمل وكان جنساً، ولكن قد تقدم أن كون شيء جنساً لطبيعي وشيء آخر فصلاً له، أمر يدركه العقل بالإضافة إلى الطبائع الاخر، بخلاف كون شيء مادة له خارجاً، وشيء آخر صورة له، فإنه بملاحظة مراتب وجود الطبيعي، فكل منهما غير الآخر ذاتاً، ولكن مع ذلك ظاهر كلام أهل المعقول في المشتق، وكذا في التفرقة بين الجنس والمادة، والفصل والصورة، هو عدم الاختلاف الذاتي، وكلام بعضهم كالصريح في أن الجنس هو المادة عينا والاختلاف بالاعتبار، كما تقدم في كلام المحقق الاصفهاني (قدس سره).

 

 

الثالث: ملاك الحمل كما أشرنا إليه هو الهوهوية والاتحاد[1].

_________________________________________________________

[1] ذكر صاحب الفصول (قدس سره) أن مصحح الحمل إما اتحاد الموضوع والمحمول حقيقة وتغايرهما اعتباراً، كما في (الإنسان حيوان ناطق)، وإما تغايرهما حقيقة واتحادهما اعتباراً، كما في قولنا: (الإنسان ناطق) أو (الإنسان جسم) فإن الإنسان لا يتحد مع الجسم أو الناطق مفهوماً كما هو واضح، ولا وجوداً فلابد في مثل ذلك من ملاحظة التركيب واعتباره في ناحية الموضوع، بأن يراد من الموضوع مجموع أمرين يصدق على ذلك المجموع، المحمول الملحوظ بنحو لا بشرط(147)

.

وأورد على ذلك الماتن (قدس سره) بأنه في موارد الحمل يكون الموضوع والمحمول متحدين حقيقة، ومختلفين بالاعتبار، كما في المشتقات بالإضافة إلى الذوات، وحتى في مثل (الإنسان جسم) أو(ناطق) حيث إن الإنسان خارجاً هو الجسم أو الناطق كما تقدم في الأمر السابق، ومع هذا الاتحاد لا موجب لملاحظة التركيب في ناحية الموضوع، بل يكون لحاظه مخلا بالحمل، لأنـه يوجب المغايرة بين الموضوع ومحموله بالكل والجزء، بأن يكون الموضوع مثلاً مجموع الجسم والروح ويحمل عليه الناطق لا بشرط، مع أن من الواضح عدم ملاحظة التركيب في موضوعات القضايا المستعملة في مقام التحديد بالفصل أو الخاصة وغيرها، ضرورة أنه لا يلاحظ في القضايا في طرف الموضوعات إلا مفاهيمها، كما هو الحال في ناحية المحمولات، وإنما يحمل المحمول على الموضوع لاتحادهما من وجه مع تغايرهما بنحو من الاعتبار.

وبعبارة أخرى: يعتبر في حمل شيء على شيء أمران:

أحدهما: أن يكون بين الموضوع والمحمول مغايرة ما، لئلا يلزم حمل الشيء على نفسه أو قيام النسبة بين الشيء ونفسه، فالحمل يقتضي التغاير بين الموضوع والمحمول ليكون هذا موضوعاً وذاك محمولاً.

والثاني: أن يكون بينهما نحو من الاتحاد ليصح حمل الثاني على الأول، وعلى ذلك فقد يكون الاتحاد والتغاير كلاهما في مقام الذات والمفهوم، كتحديد الإنسان بأنه حيوان ناطق، حيث إن التغاير بين الموضوع والمحمول بالاجمال والتفصيل مع اتحادهما ذاتاً ومفهوماً، فيكون الحمل أولياً ذاتياً، وقد يكون التغاير بالمفهوم، والاتحاد بحسب الوجود، فالحمل فيه شائع صناعي، كما في حمل الناطق أو الجسم على الإنسان الخارجي، ومن هذا القبيل حمل المشتق على الذات، مثل (الإنسان كاتب) أو (زيد ضارب)، فلو كان بين الشيئين تغاير بحسب الذات والمفهوم، وبحسب الوجود مطلقاً، ذهناً وخارجاً، لم يكن للحمل مصحح، كما في قولنا: (زيد علم) أو (أنـه ضرب) أو غير ذلك.

وقد أضاف صاحب الفصول (قدس سره) على ملاك الحمل أمراً آخر، وهو أن يكون بين الموضوع والمحمول تغاير ذاتاً ووجوداً، واتحاد اعتباراً، ومثل لذلك بقوله (الإنسان ناطق) أو (جسم)(148)

، وعبارة الماتن (قدس سره) في الأمر الثالث: «ولا يعتبر معه ملاحظة التركيب بين المتغايرين واعتبار كون مجموعهما بما هو كذلك واحداً»(149)

ناظرة إلى الجواب عنه، وأنه بعد ما ثبت أن اتحاد الفصل مع الجنس في الخارج حقيقي لاانضمامي، فلا موجب لملاحظة التركيب في مثل (الإنسان ناطق) أو (جسم) أو غير ذلك.

 

 

الرابع: لا ريب في كفاية مغايرة المبدأ مع ما يجري عليه المشتق مفهوماً[1].

_________________________________________________________

[1] الصفات الجارية على الواجب (جل وعلا) المسماة بصفات الذات، فيها جهتان من الاشكال:

الأولى: أن الذات المأخوذة في معنى المشتق على القول بالتركيب، والخارجة عنه على القول الآخر، زائدة على المبدأ، فيلزم كون المبدأ زائداً على ما يحمل عليه معنى المشتق، لينطبق عليه معنى المشتق باعتبار المبدأ، مع أن عنواني العالم والقادر يحملان على ذات الحق (جل وعلا) ومبادئها ليست زائدة على ذاته المقدسة على مذهب الحق.

والثانية: أن المعتبر في معنى المشتق، انتساب المبدأ إلى الذات وقيامه بها، والعلم والقدرة ليسا كذلك في ذاته المقدسة، فإنهما ليسا بعرضين ليقوما به، وعلى ذلك يقع الكلام في أنـه كيف تحمل هذه العناوين المشتقة على ذاته تعالى؟

وأجاب الماتن (قدس سره) عن الجهة الأولى في هذا الأمر، وعن الجهة الثانية في الأمر الآتي، وحاصل ما ذكره في الجهة الأولى: أنه لا يعتبر فيما يجري عليه عنوان المشتق، إلا تغايره مع المبدأ مفهوماً لا تغايره معه وجوداً، وبما أن مفهوم العلم والقدرة مغاير لذات الحق (جل وعلا) فلا إشكال في حمل عنوان العالم والقادر عليه سبحانه.

وما في الفصول من أن الصفات الجارية عليه (سبحانه) منقولة عن معانيها الأولية، أو مستعملة فيغيرها مجازاً، وبتلك المعاني المنقولة إليها أو المجازية تحمل عليه (سبحانه)(150)

لا يمكن المساعدة عليه، حيث لا ملزم لما التزم به، بعد عدم مغايرة المبدأ مع الذات وجوداً.

أقول: لا يعتبر في صدق المشتق وحمله على الذات مغايرتها مع المبدأ حتى مفهوماً، وآية ذلك صدق المنير على النور، والموجود على الوجود ونحوهما، والوجه في ذلك أن الذات المأخوذة في معنى المشتق أمر مبهم سيال حتى في نفس المبدأ.

والحاصل: أنه لا يعتبر في حمل المشتق تغاير المبدأ مع الذات المحمول عليها حتى مفهوماً، بل ولا تغايره مع معنى المشتق ولو اعتباراً.

وقد يورد على ما ذكرنا ـ من عدم اعتبار المغايرة وأن الذات المأخوذة في معنى المشتق مبهمة تصدق على نفس المبدأ ـ بأنه يلزم صدق الضارب على الضرب، والقاتل على القتل، إلى غير ذلك، مع أن قول القائل (الضرب ضارب) غلط فاحش، ولكن لا يخفى أن الذات المبهمة ليست تمام المدلول بحيث ينطبق معناه على نفس المبدأ في كل مورد، بل يعتبر في بعض المشتقات ـ بمقتضى مبادئها ـالتلبس بنحو خاص، أي صدوراً أو نحوه، والذات المأخوذة بهذه الخصوصية لا تنطبق على الضرب والقتل ونحوهما.

ولكن يرد على الماتن (قدس سره) بأن ما ذكره في هذا الأمر إبطال لما تقدم منه سابقاً في الفرق بين المشتق ومبدئه، من كون الأول لا بشرط بالإضافة إلى الحمل، والثاني بشرط لا، فإن مقتضى ذلك عدم صحة حمل العلم والقدرة والحياة على ذات الحق (جل علا)، مع أنـه قد ذكر في هذا الأمر أن اتحاد المبدأ في القادر والعالم مع ذات الحق (عز وجل) حقيقي، والتغاير اعتباري، ولازم ذلك صحة حمل ذات المبدأ على ذاته سبحانه، وهذا يتنافى مع كونه بشرط لا بالإضافة إلى الحمل على الذات.

اللهم إلا أن يراد من بشرط لا، عدم أخذ الذات في معنى المبداء، فلا يتحد مع الذات في كل مورد يتحد معه مفهوم المشتق مع الذات.

ثم لا يخفى أن الاشكال في المقام والجواب عنه يجريان في خصوص صفات الذات، ولا يعمان مثل الرحيم والكريم ونحوهما من صفات الافعال، فلا موجب فيها بالالتزام باتحاد المبدأ مع الذات عيناً وتغايرهما مفهوماً، كما هو ظاهر الماتن (قدس سره)، حيث جعل صفات الذات (المعبر عنها بصفات الكمال) مع صفات الافعال (المعبر عنها بصفات الجمال) سواء في الاشكال والجواب.

 

 

الخامس: أنه وقع الخلاف بعد الاتفاق على اعتبار المغايرة[1].

_________________________________________________________

[1] حاصل ما ذكره (قدس سره) في المقام أنـه بعد الاتفاق على لزوم المغايرة بين المبدأ وما يحمل عليه المشتق مفهوماً، يقع الكلام في أنـه هل يعتبر في حمل المشتق على الذات قيام المبدأ بها، ليكون صدق المشتق عليها على نحو الحقيقة، أو لا يعتبر ذلك؟

وقد استدل من قال بعدم الاعتبار بصدق الضارب والمؤلم على الذات مع قيام الضرب والالم بالمضروب.

ولكن لا ينبغي التأمل في اعتبار تلبس الذات بالمبدأ في صدق المشتق عليها حقيقة، إلا أن التلبس لا ينحصر بقيام المبدأ بالذات قيام العرض بمعروضه، بل للتلبس أنحاء، والقيام بها أحد أنحائه الناشئة من اختلاف المواد تارة، واختلاف الهيئات أخرى من القيام صدوراً، أو حلولاً، أو وقوعاً عليه، أو فيه، وانتزاع المبدأ عن الذات مفهوماً مع اتحاده معها خارجاً من أحد أنحاء التلبس، حيث إن العينية الخارجية نحو من أنحاء التلبس، ضرورة أن كون الشيء واجداً لنفسه أقوى من كونه واجداً لغيره، وأيضاً من أنحاء التلبس ما إذا كانت الذات متصفة بالمبدأ خارجاً، ولكن لم يكن في الخارج بإزاء المبدأ وجود، بأن يكون المبدأ أمراً اعتبارياً عقلياً أو عقلائياً، كما في حمل الواجب والممكن على الذات خارجاً أو حمل الزوج والزوجة عليها، فيكون من خارج المحمول في مقابل المحمول بالضميمة الذي يكون بإزاءه وجود، كما في حمل الابيض أو الاحمر على الجسم الخارجي، وعلى ذلك فلا يبقى إشكال في صفات الذات الجارية على ذات الحق (جل وعلا)، حيث يكون المبدأ مغايراً له (سبحانه) مفهوماً، ومتحداً معه عيناً، وقد تقدم أن هذا أحد أنحاء التلبس، فيكون حمل العالم والقادر عليه (سبحانه) حقيقة، حيث لم يعتبر في صدقها إلا التلبس بمبدأ العلم والقدرة، لا التلبس بهما بنحو قيام العرض بمعروضه، وعدم اطلاع العرف على التلبس العيني لا يضر بكون انطباقهما عليه (تعالى) بنحو الحقيقة، فإن نظر العرف متبع في تشخيص معنى اللفظ، وأما أن انطباقه على مورد بنحو الحقيقة، بعد وضوح المفهوم، فالمتبع فيه نظر العقل.

أقول: كان ينبغي للماتن (قدس سره) أن يضيف إلى اختلاف أنحاء التلبس اختلاف الذوات، فإن اختلافها كاختلاف المبادئ والهيئات.

ثم ذكر (قدس سره) أنـه لا مجال لدعوى صاحب الفصول (قدس سره) أن الصفات الجارية عليه (سبحانه) منقولة، أو مستعملة في غير معانيها اللغوية مجازاً، ولذا لا تصدق على غيره (سبحانه) وتكون أسمائه تعالى توقيفية.

والوجه فيه، مضافاً إلى ما ذكر من صدقها عليه (سبحانه) بما لها من المعاني لغة، أن النقل أو التجوز يوجب كون تلك الالفاظ مجرد لقلقة وألفاظاً بلا إرادة المعنى، فإن معانيها المنقولة إليها، أو المستعملة فيها مجازاً، مجهولة لنا. والعجب أنه جعل نقل الصفات أو التجوز فيها علة لعدم جواز إطلاقها على غيره (سبحانه)، مع أن إطلاق عالم وقادر وحي على غيره (سبحانه) شائع.

أقول: قد تقدم في الأمر السابق عدم اعتبار مغايرة المبدأ مع الذات المحمول عليها عنوان المشتق حتى مفهوماً، ولو كانت العينية الخارجية مصححة للتلبس المعتبر في معنى العالم والقادر لانطبق معناهما على نفس القدرة والعلم، ولصح قول القائل (علمه عالم) و(قدرته قادرة) وعدم مقبولية هذا الحمل في أذهان العامة لم ينشأ إلا من عدم التفاتهم إلى التلبس بنحو العينية.

ولا نريد بذلك أن عنواناً من العناوين إذا كان محكوماً بحكم شرعي يثبت ذلك الحكم لكل ما يراه العقل مصداقاً له، وإن لم يكن مصداقاً بنظر العرف، فإن الخطابات الشرعية متوجهة إلى العرف، فما يفهمه العرف من الموضوعات الواردة فيها يكون هو المراد منها.

وأما ما ذكره الماتن (قدس سره) ـ من الاستدلال على عدم النقل والتجوز من أنـه لو كانت الصفات الجارية عليه (سبحانه) منقولة، أو مستعملة في غير معانيها الاصلية لكانت لقلقة اللسان وألفاظاً بلا معنى ـفلا يمكن المساعدة عليه، فإن كون تلك المعاني معلومة بالاجمال يكفي في خروجها عن مجرد لقلقة اللسان، وكون تلك الصفات عين ذات الواجب (جل وعلا) مما يوجب الاشارة إلى معانيها ولو بالاجمال.

 

 

السادس: أنه لا يعتبر في صدق المشتق وجريه على الذات حقيقة التلبس بالمبدأ[1]. _________________________________________________________

[1] وحاصله أن استعمال المشتق في معناه أمر، وتطبيق ذلك المعنى على شيء أمر آخر، وفيما كان الشيء غير متلبس بالمبدأ حقيقة، بل كان التلبس في غيره حقيقة يكون المجاز في تطبيق معنى المشتق وإسناده إلى الشيء الأول لا في استعمال المشتق في معناه، كما في قوله (الميزاب جار). وبتعبير آخر: يكون المجاز في الاسناد لا في الكلمة، فإن المجاز في الكلمة عبارة عن استعمالها في غير ما وضعت له، والمشتق في موارد المجاز في الاسناد لا يستعمل في غير معناه الموضوع له، بل يكون تطبيق ذلك المعنى الموضوع له عليه بالعناية، فما عن صاحب الفصول (قدس سره) من اشتراط تلبس الذات بالمبدأ في استعمال المشتق حقيقة(151)

غير صحيح.

أقول: عبارة الماتن لا تخلو عن التعقيد والاضطراب، والمراد ما ذكرنا، فإن المراد من قوله «حقيقة» ليس قيداً للصدق والجري، بل قيد للمشتق، أي لا يعتبر في حمل المشتق بمعناه الحقيقي على الذات ،تلبس تلك الذات بالمبدأ حقيقة، بل يكفي تلبسها بالعناية، فيكون الاسناد مجازياً.

 

 

 

المقصد الأول في الاوامر

الفصل الأول مادة الأمر

الأولى: أنـه قد ذكر للفظ الأمر معان متعددة[1].

_________________________________________________________

معنى مادة الأمر:


[1] ذكر للفظ «الأمر» معان عديدة:

منها: الطلب، فيقال: أمره فلان بكذا.

ومنها: الشأن، والمراد به الحال مطلقا، أو فيما كان خطيراً فيقال: (شغله أمر كذا).

ومنها: الفعل، كما في قوله سبحانه «وما أمر فرعون برشيد»(152)

.

ومنها: الفعل العجيب، كما في قوله سبحانه «فلما جاء أمرنا»(153)

.

ومنها: الشيء، كقولك: (رأيت أمراً عجيباً).

ومنها: الحادثة، كقوله: (فلما وقع الأمر).

ومنها: الغرض، كقوله (جئتك لأمر).

وذكر الماتن (قدس سره) أن الظاهر عدم استعمال لفظ «أمر» في جميع هذه المعاني، بل عد بعضها من معانيه من قبيل اشتباه المصداق بالمفهوم، وذلك لأن لفظ «أمر» في قولك (جاء زيد لأمر كذا) استعمل في معنى الشيء، واللام الداخلة عليه تدل على أن الشيء المفروض مصداق للغرض، لا أن مدخول اللام استعمل في معنى الغرض ومفهومه، وكذا استعمل في قوله سبحانه «فلما جاء أمرنا» في معنى الشيء، لا في معني التعجب. غاية الأمر أن الشيء المفروض مصداق للعجيب، وكذا الحال في الحادثة والشأن.

فما عن صاحب الفصول (قدس سره) من أن لفظ «أمر» حقيقة في المعنيين الأولين يعني الطلب والشأن(154)

غير سديد، حيث إن عد الشأن من معانيه من اشتباه المصداق بالمفهوم أيضاً، فلا يبعد أن يكون مشتركاً لفظاً بين الطلب في الجملة ـ على تفصيل يأتي ـ وبين معنى الشيء.

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) أنه لا إشكال في كون لفظ «أمر» حقيقة في الطلب، وأما بقية المعاني فكلها راجعة إلى معنى واحد، وهي الواقعة التي لها أهمية، وهذا المعنى ينطبق على الحادثة والغرض وغيرهما من المعاني(155)

.

ولكن فيه، أولاً: أنـه لم يؤخذ في معناه الاهمية، بل قد يوصف بعدم الاهمية، فيقال: (لا يهمه الأمرالفلاني، أو إن الأمر الفلاني لا أهمية له)، ولو كان قيد الاهمية مأخوذاً في معناه، لكان توصيفه بعدمها من توصيف الشيء بعدمه.

وثانيا: أن الأمر يجمع على نحوين، فيصح إطلاق أحدهما على الطلب، ولا يصح إطلاق الآخر عليه، فمثلاً يطلق على الطلب المتعدد أوامر، ولا يطلق عليه الأمور، وكذا العكس. وأيضاً يصح الاشتقاق منه بمعنى الطلب، ولا يصح منه الاشتقاق بمعناه الآخر فلا يمكن أن يقال إن جميع معانيه ترجع إلى معنى واحد، حتى يكون مشتركاً معنوياً.

وعن السيد الاستاذ (رضوان الله تعالى عليه) أنـه مشترك بين الطلب في الجملة وبين الفعل، الذي يعبر عنه باللغة الفارسية بلفظ (كار)، واختلاف جمعه باعتبار المعنيين، فإنه بمعنى الطلب يجمع على أوامر، وبمعنى الفعل يجمع على أمور(156)

.

أقول: هذا الكلام أيضاً لا يمكن المساعدة عليه، فإن لفظ «أمر» قد يستعمل في موارد لا يصلح لشيء مما ذكر، كما يقال (البياض أمر خارجي، بخلاف الامكان فإنه أمر عقلي) كما أن ما ذكر في الكفاية أيضاً غير تام، فإنه لا يصح في مثل قوله (سبحانه) «وما أمر فرعون برشيد» وضع لفظ الشيء مكانه.

فالحق في المقام هو أنه لا يبعد كونه مشتركاً في كل من الطلب، والشيء، والعمل، بنحو الاشتراك اللفظي ويعين المراد بالقرائن في موارد الاستعمال.

وما يقال من أن الأمر لا يطلق على الجواهر كما عن السيد الاستاذ (رضوان الله تعالى عليه)(157)

، لا يمكن المساعدة عليه أيضاً، فإنه يقال: (مفهوم الإنسان أمر ذهني وواقعه أمر خارجي).

 

 

وأما بحسب الاصطلاح، فقد نقل الاتفاق على أنـه حقيقة في القول المخصوص[1].

_________________________________________________________

[1] وحاصله أن لفظ «أمر» بحسب اصطلاح الأصوليين، حقيقة في المعنى الأول من المعاني المتقدمة، وهو الطلب في الجملة، وما ذكروا في تعريفه بيان للمعنى الأول، وعليه فيرد عليهم أن القول المخصوص لعدم كونه معنى حدثياً غير قابل للاشتقاق منه، مع أن الاشتقاقات منه بلحاظ معناه الاصطلاحي (أي بلحاظ المعنى الأول من المعاني المتقدمة)، فلا يبعد أن يكون مرادهم في التعريف ـ من القول المخصوص ـ الطلب بالقول المخصوص، ليمكن الاشتقاق منه. نعم لو ثبت أن لهم فيه اصطلاح خاص، بأن يكون لفظ الأمر في اصطلاحهم منقولاً عن المعنى اللغوي وموضوعاً للقول المخصوص، فلا مشاحة فيه، وعليه فتكون الاشتقاقات منه بلحاظ المعنى اللغوي، أي الطلب في الجملة، لا معناه الاصطلاحي، أي القول المخصوص.

أقول: لم يظهر وجه اشتقاق المشتقات من المعنى الاصطلاحي لتتم المناقشة في تعريفهم، وظاهر القول المخصوص في كلامهم هو المقول المخصوص، كصيغة إفعل، حيث لا خصوصية للقول بمعناه المصدري إلا الجهر والاخفات، وأما سائر الخصوصيات ـ ككونه صيغة الأمر ونحوها ـ فهي أوصاف المقول، والمقول ـ باعتبار جموده ـ غير قابل للاشتقاق منه.

لا يقال: ما ذكره (قدس سره) من أن مرادهم بالقول المخصوص الطلب ليكون قابلاً للاشتقاق منه ،غير تام، فإن الأمر بهذا المعنى أيضاً غير قابل للإنشاء، والقابل للإنشاء هو نفس الطلب، لا الطلب بالقول.

فإنه يقال: تقييد الطلب بالقول المخصوص للإشارة إلى الحصة الخاصة منه، حيث إن في الطلب المنشأ ضيق ذاتي، نظير ضيق المعلول من ناحية علته، ويكون المدلول بمادة الأمر أو بصيغته هي الحصة من الطلب في مقابل حصته الاخرى، يعني الطلب الحقيقي الذي لا يكون قابلاً للإنشاء.

 

 

نعم، القول المخصوص أي صيغة الأمر[1].

_________________________________________________________

[1] هذا بيان أن تعريف الأمر في كلماتهم بالقول المخصوص غير صحيح، فإن القول المخصوص لا يكون مساوياً لمعنى الأمر والطلب.

نعم القول المخصوص كصيغة الأمر عند استعمالها، يكون باعتبار مدلوله مصداقاً لعنوان الطلب، لا بما هو قول مخصوص، بل من حيث مدلوله من كونه طلباً مطلقاً أو مخصوصاً كما في صيغة (بعت)، فإنها باعتبار المنشأ بها (أي الملكية) تكون مصداقاً للبيع، لا بما هي لفظ وقول مخصوص وكما لا يصح تعريف البيع بأنه القول المخصوص فكذلك الأمر كما لا يخفى.

وذكر المحقق الاصفهاني (قدس سره) أن القول المخصوص بنفسه قابل للاشتقاق منه، حيث إن القول المخصوص صنف من الكيف المسموع وعرض قائم بالإنسان، وعليه فإن لوحظ بنفسه من دون لحاظ صدوره وقيامه بالإنسان ـ مثلاً ـ فهو المبدأ الساري في جميع المشتقات، وإن لوحظ قيامه به بنحو الحدوث فهو المعنى المصدري، وإن لوحظ انتسابه إليه في الحال أو الاستقبال فهو المعنى المضارعي، وإن لوحظ انتسابه إليه في الماضي فهو المعنى الماضوي إلى غير ذلك.

والحاصل أن هيئة «إفعل» لا تكون من الجواهر كالحجر الذي لا يكون له قيام بالغير ولا يمكن فيه اللحاظ بالانحاء المتقدمة ليكون مبدأ أو مصدراً أو ماضياً أو مستقبلاً إلى غير ذلك. وعليه فلفظ (أمر) بصيغة الماضي، موضوع للصيغة المنتسبة إلى الفاعل بانتساب تحققي في الماضي ولفظ (يأمر) موضوع لها بالانتساب المتحقق في الحال أو الاستقبال، وصيغة الأمر موضوعة للدلالة على طلب إيجاد الفعل من الفاعل(158)

.

أقول: مجرد كون شيء عرضاً خارجاً لا يصحح جعله مبدأ اشتقاق، إذ معنى العرض ومعنى الجوهر في ذلك على حد سواء، بل لابد في الاشتقاق من تضمن معنى حدثي ليكون إظهار فعليته على نحو التحقق ماضياً وعلى نحو الترقب مضارعاً إلى غير ذلك، وليس وجه عدم الاشتقاق من معنى الجوهر كونه جوهراً وعدم قيامه بالغير خارجاً، بل الوجه عدم تضمنه المعنى الحدثي.

والحاصل أن القول المخصوص بمعناه المصدري (أي التلفظ به) قابل للاشتقاق منه ولكن مادة (أ ـ م ـ ر) لم توضع له، ولا يقال لمن تلفظ بمادة الأمر أو بصيغة الطلب بدون قصد إنشاء الطلب: إنه قد أمر، بل الأمر من مقولة المعنى (أي المعنى الانشائي) على نسق ما ذكر في البيع والوكالة والوضع وغيرها من الانشائيات.

وعليه، فاللازم في صدق الأمر من فرض الطلب وإنشائه بصيغة (إفعل) أو غيرها من فعل أو قول ليقال على المنشأ بلحاظ إنشائه أمراً، وأما القول المخصوص (أي ما هو ملفوظ) مع قطع النظر عن الانشاء به، فغير قابل للاشتقاق.

 

 

وقد استعمل في غير واحد من المعاني في الكتاب والسنة[1].

_________________________________________________________

[1] لا أرى وجهاً تاماً لهذا الكلام بعد اختياره (قدس سره) أن لفظ الأمر حقيقة في الطلب في الجملة والشيء، فإنه مع فرض كونه حقيقة فيهما على نحو الاشتراك اللفظي، لم يكن مورد لقوله إن لفظ الأمر قد استعمل في الكتاب والسنة في معان، ولا حجة على كونه من الاشتراك لفظاً أو معنى، أو أنه بالحقيقة والمجاز، كما لا وجه لما ذكر في آخر كلامه من ظهوره في المعنى الأول (أي الطلب)، للانسباق من الاطلاق، فإن مفهوم الشيء مع مفهوم الطلب لا يشتبه، وليس استعماله في أحدهما كثيراً وفي الآخر نادراً حتى يحمل في موارد الدوران على المعنى الغالب، باعتبار أن إرادة المعنى النادر يحتاج إلى القرينة دون المعنى الغالبي.

 

 

الظاهر اعتبار العلو في معني الأمر[1].

_________________________________________________________

اعتبار العلو في الآمر:


[1] قيل يعتبر في معنى الأمر وصدقه على الطلب علو الطالب، أو استعلائه، ويستدل عليه بتقبيح طلب السافل المستعلي فإن توبيخه بمثل (ليس لك أن تأمره) دليل على أن الصادر من المستعلي أمر، ولو كان المعتبر هو العلو فقط، لما أمكن صدوره من السافل ليتوجه عليه التوبيخ.

والجواب أن التوبيخ لا يكون لطلبه حقيقة، بل لاستعلائه ورؤية نفسه عالياً، وإطلاق الأمر على طلبه بلحاظ نظر المستعلي حيث يرى نفسه عالياً وطلبه أمراً، ولذا يمكن سلب الأمر عن طلبه فيقال: إنه ليس بأمر، ولكنه لغروره يرى نفسه عالياً، ولو كان الاستعلاء كافياً في كون الطلب أمراً لما صح هذا السلب.

 

 

ولا يبعد كون الأمر حقيقة في الوجوب[1].

_________________________________________________________

دلاله مادة الأمر على الطلب الوجوبي:


[1] لا يخفى أن لزوم الحذر يختص بمحالفة الأمر الوجوبي، والطلب الندبي خارج عن المراد من الأمر في الآية الكريمة يقيناً، ولكن يدور الأمر بين أن يكون خروجه عنه بالتخصص كما إذا كان الأمر حقيقة في الطلب الوجوبي فقط، أو يكون خروجه عنه بالتقييد، كما إذا كان حقيقة في الأعم، ولا معين للخروج بالنحو الأول، فإن أصالة عدم التقييد غير جارية في موارد العلم بالمراد، من ثم جعل (قدس سره) الآية مؤيدة لا دليلاً.

ومما ذكر يظهر وجه المناقشة في الاستدلال بقوله (ص): «لولا أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة»(159)

فإنه لو لم يكن الأمر حقيقة في خصوص الطلب الوجوبي، لزم التقييد في الرواية بأن يراد لأمرتهم وجوباً بالسواك، وقد تقدم أنه لا اعتبار بأصالة الاطلاق في مثل ذلك مما علم المراد.

وأما رواية بريرة(160)

فلم يظهر أنها سألت رسول الله (ص) عن الطلب الوجوبي ليستظهر أن لفظ الأمر حقيقة في الوجوب، بل لعل السؤال عن أصل الطلب المولوي، فلا وجه لعد الرواية مؤيدة أيضاً.

نعم، صحة الاحتجاج على العبد، ومؤاخذته على مخالفته وتوبيخه عليها، فيما إذا قال إني آمرك بكذا فخالف، دليل قطعي على ظهور مادة الأمر في الطلب الوجوبي.

لكن يبقى الكلام في أن هذا الظهور وضعي أو إطلاقي حاصل من مقدمات الحكمة.

فنقول: الصحيح أن مادة الأمر بنفسها دالة على الطلب الوجوبي، بخلاف صيغة الأمر، فإن دلالتها على الطلب الوجوبي بالاطلاق، وذلك لأنـه لا فرق في المستعمل فيه للصيغة، بين كون الطالب عالياً أم لا، مثلاً نفرض أن أحد الموالي طلب من عبده وعبد غيره قراءة القرآن، بأن قال لكل منهما: (إقرء القرآن) فإنا لا نجد في أنفسنا فرقاً في المستعمل فيه للصيغة بين الموردين، ولكن يصدق الأمر على الطلب من العبد الأول، ولا يصدق على الطلب من العبد الثاني، فتكون خصوصية علو الطالب مأخوذة في صدق الأمر على الطلب، وهذا العلو غير مأخوذ في معنى صيغة (إفعل).

 

المائز بين الوجوب والندب:


وكذلك في موارد كون الطلب وجوبياً أو استحبابياً، فإنا لا نجد فرقا بين المستعمل فيه للصيغة، في موارد كون الطلب وجوبياً أو استحبابياً، كما لو ورد في قول الشارع (إغتسل للجمعة ومن مس الميت) وإن كان الطلب بالإضافة إلى الأول استحبابياً وبالإضافة إلى الثاني وجوبياً، فإن افتراق الوجوب عن الندب ،بثبوت الترخيص في الثاني دون الأول.

وبتعبير آخر: أنه إذا لم يكن في البين ترخيص في الترك، ينتزع عنوان الوجوب، وفيما إذا ثبت، ينتزع عنوان الندب، فإن المنشئ ـ بالفتح ـ بصيغة (إفعل) هو النسبة الطلبية، فمع كون المنشئ ـ بالكسر ـ في مقام البيان وعدم ترخيصه في الترك، يستفاد الوجوب، وهذا بخلاف مادة الأمر، فإنها ـ بمقتضى وضعها ـ تنفي الترخيص في الترك، كما يجد ذلك كل من لاحظ مرادف مادة الأمر بمعنى الطلب في سائر اللغات كلفظة (فرمان) في اللغة الفارسية وصحة سلب عنوان الأمر و(فرمان) عن الطلب الاستحبابي.

وبالجملة دلالة صيغة الأمر على الوجوب إنما هو بمقتضى إطلاقها الوارد في مقام البيان، بخلاف مادة الأمر، فإنه بمقتضى وضعها له، وذلك لأن الفرق بين الوجوب والاستحباب لا يكون بشدة الطلب وضعفه، كما عليه الماتن (قدس سره).

لكن لا من أجل أن الوجوب والندب أمران اعتباريان والشدة والضعف لا يكونان في الامور الاعتبارية، وذلك لثبوتهما في بعض الأمور الاعتبارية كالتعظيم والتحقير وغيرهما، فيكون الفعل الفلاني أقوى تعظيماً من الفعل الآخر.

بل لأنا نرى بالوجدان أن الطلب لا يكون شديدا في موارد الوجوب وضعيفا في موارد الاستحباب.

وأما شدة الشوق وضعفه، فهو خارج عن الحكم ومدلول صيغة الأمر ومادته.

كما أن الفرق بين الوجوب والاستحباب لا يكون بتركب الوجوب من طلب الفعل والمنع عن تركه، والاستحباب طلب الفعل مع الترخيص في تركه كما عليه القدماء، بل الفرق بينهما في إطلاق الطلب، فإنه لا يكون في موارد الوجوب ترخيص في ترك الفعل، بخلاف موارد الندب فإن الطلب فيها موصوف بثبوت الترخيص في الترك، ولذا يكون مجرد الطلب مع عدم الترخيص كافياً في استقلال العقل بلزوم اتباعه ولا يحتاج إلى إحراز المنع عن تركه.

ومما ذكرنا يظهر أن ما يذكر في امتياز الوجوب عن الندب بكون مصلحة الفعل في الأول تامة وفي الثاني ناقصة لا يمكن المساعدة عليه، فإن المائز بين الطلب الوجوبي والندبي هو ما ذكرناه، حتى بناءاً على إنكار المصالح والمفاسد في المتعلقات، نعم المصلحة غير الملزمة توجب الترخيص في الترك بخلاف الملزمة.

ولا يخفى أن الطلب لو كان مستفاداً من مادة الأمر، فجميع مشتقاتها تدل على الطلب بلا فرق بينها،دون ما إذا كان مستفاداً من صيغة الأمر فحسب، حيث إن الهيئة تكون دالة على الطلب، والمادة تدل على متعلق النسبة الطلبية.

وعن المحقق النائيني (قدس سره) أن كلا من الوجوب والندب من حكم العقل وليسا من المداليل اللفظية، فإن العقل يرى بمقتضى العبودية والرقية لزوم الخروج عن عهدة ما أمر به المولى، ولا معنى للوجوب إلا إدراك العقل لابدية الخروج عن عهدة الفعل، وذكر أيضاً أن المنشأ بمادة الأمر أو بصيغته كون المادة في عالم التشريع على المكلف وإيقاعها عليه(161)

.

أقول: لا أظن أن أحداً لا يلتزم بحكم العقل في موارد طلب الفعل وإيجابه على المكلف، ولكن حكم العقل بلابدية الفعل يختص بصورة وصول التكليف المجعول على المكلف مع عدم وصول الترخيص في الترك، كما أن العقل مع وصول الطلب وترخيص المولى في الترك لا يحكم باللابدية، بل يحكم بكون المكلف على خيار، إلا أن الكلام في المقام في منشأ هذا الحكم، وقد ذكرنا أن منشأه إطلاق الطلب أو اقترانه بالترخيص كما ذكرنا أن مادة الأمر بمقتضى وضعها تثبت الطلب المطلق بلا حاجة إلى ضم مقدمات الاطلاق، بخلاف صيغة (إفعل) فإن ظهورها في الطلب المطلق بمقدمات الحكمة لابالوضع، وهذا كما يقال في الفرق بين العام الوضعي والاطلاق الشمولي أو غيره.

وأما ما ذكره (قدس سره) من أن المنشأ والمعتبر، في موارد استعمال الصيغة أو مادة الأمر، كون المادة على المكلف، كما هو ظاهر الايقاع عليه، فيدفعه شهادة الوجدان على أن السامع لا يجد فرقاً في المستعمل فيه للصيغة بين موارد الطلب الوجوبي والطلب الندبي، فلو كان المستعمل فيه لصيغة الأمر إيقاع المادة على المكلف، لكان هو المستعمل فيه في كلا الموردين، والحال أنه لم يكن مستعملا فيه في الندب بالضرورة، فلم يكن في الوجوب أيضاً كذلك. نعم اعتبار المولى الفعل على عهدة المكلف داخل في عنوان الايجاب، فيما إذا كان بداعي صدور الفعل من المكلف، إلا أن هذا ليس بالمعنى الموضوع له والمستعمل فيه للصيغة، بل المتبادر منها في موارد استعمالها، البعث إلى المادة وتحريك المخاطب نحو صدور الفعل عنه، غاية الأمر البعث والتحريك اعتباري، فإذا كان مطلقاً اتصف بالايجاب، وإذا كان مقترناً بالترخيص في الترك، اتصف بالندب، كما ذكر.

وأما ما في الكلمات من أن الوجوب بمعنى الثبوت، فلا يدل على أن معنى الثبوت هو الثبوت على الذمة، بل الثبوت بالمعنى اللغوي يعم الندب أيضاً، لثبوت الطلب بالإضافة إلى المندوبات أيضاً.

 

 

الجهة الرابعة: الظاهر أن الطلب الذي يكون هو معنى الأمر[1].

_________________________________________________________

الطلب والارادة:


[1] حاصله أن للطلب نحوين من التحقق:

النحو الأول: الطلب الاعتباري الذي يوجد وينشأ باستعمال اللفظ ويحمل عليه الطلب بالحمل الأولي، بناءاً على انحصار الحمل الشائع الصناعي بحمل الطبيعي على فرده العيني، على ما ذكره بعض في بحث الوجود الذهني، ولفظ الأمر موضوع لهذا النحو من الطلب سواء كان إنشائه بصيغة الأمر أو بمادته أو بمادة الطلب، فإنه إذا قيل: أمر فلان فلاناً، يفهم منه أنه طلب منه طلباً إنشائياً.

والنحو الثاني: الطلب الحقيقي الذي هو أمر نفساني يحمل عليه عنوان الطلب بالحمل الشائع، وإن أبيت إلا عن كون لفظ الأمر موضوعاً لمطلق الطلب، فلا أقل من كونه منصرفاً عند إطلاقه إلى الانشائي منه، لما ذكرنا من تبادره منه، فيكون لفظ الأمر حاله حال لفظ الطلب، فإن لفظ الطلب مع كونه موضوعاً لمطلق الطلب ينصرف عند إطلاقهإلى الانشائي منه، وكذلك للإرادة نحوين من الوجود: حقيقي واعتباري، وعند إطلاقها تنصرف إلى الحقيقي منهما الذي هو عين الطلب الحقيقي، عكس لفظ الأمر والطلب، فلفظ الارادة ولفظ الطلب مترادفان ومتحدان مفهوماً ومصداقاً، ومختلفان في المعنى المنصرف إليه، حيث إن الأول ينصرف إلى الحقيقي منه، والثاني إلى الانشائي منه.

ولا يبقى مجال لتوهم أن في النفس غير الارادة ومقدماتها صفة أخرى قائمة بها تكون طلباً، كما التزم به أبوالحسن الاشعري، وسماه بالكلام النفسي، الذي يكون في موارد الأمر، والوجه في عدم المجال لذلك أن مراجعة الإنسان وجدانه كافية في أن يحصل له اليقين بأنه عند طلب الفعل ولو من الغير لا يجد من نفسه شيئا غير الارادة، أي الشوق المؤكد المستتبع لتحريك عضلاته في موارد إرادة الفعل بالمباشرة، أو المستتبع لأمر عبده في موارد إرادته لا بالمباشرة، ولا توجد صفة أخرى لتكون حقيقة الطلب، بل لا توجد في النفس مع الارادة إلا مقدماتها التي تتحقق عند خطور الشيء على قلبه والميل إليه أي هيجان رغبته إليه، والتصديق بفائدته، وهي الجزم بدفع ما يوجب توقفه عن طلب الفعل وإرادته لأجل تلك الفائدة. وبتعبير آخر: الجزم المفروض في الحقيقة هو الجزء الاخير من مبادئ الارادة، وتحصل الارادة عند خطور الفعل ـ أي حضوره في الذهن ـ والميل إليه والتصديق لفائدته والجزم بعدم المانع عن إرادته.

ثم إنه (قدس سره) قد تعرض لحال سائر الصيغ الانشائية والجمل الخبرية، وذكر أن في موارد إنشاء الترجي والتمني مثلاً لا يكون في النفس غير الترجي وغير التمني وفي مورد الاخبار غير العلم بثبوت النسبة أو لا ثبوتها، صفات أخرى تكون تلك الصفات حقيقة التمني والترجي وحقيقة الاخبار، كما التزم به الاشعري وسماها بالكلام النفسي، وزعم أن الكلام اللفظي دال عليه، كما يشير إليه ما قيل:

«إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا» وعمدة ما استدل به الاشاعرة على مغايرة الطلب مع الارادة هو أمر المولى عبده بفعل لا يريده منه، كما في موارد الاختبار والاعتذار ـ والمراد بالاعتذار أن يكون غرض المولى من أمره عصيان العبد، ليعتذر عن توبيخه وعقابه على مخالفته ـ ففي موردهما يجد الآمر من نفسه حقيقة أمره وطلبه، مع أنـه لا يريد فعله، وهذا شاهد لكون الطلب غير الارادة كما استدل على ثبوت الكلام النفسي بثبوت المدلول في مقامات الاخبار كذباً أو تردداً(162)

.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإنه كما لا إرادة في موارد الاختبار والاعتذار، كذلك لا طلب حقيقي فيمواردهما، بل الموجود الطلب الانشائي، وقد يعبر عنه بالارادة الانشائية، وإنما الاختلاف بين الارادة والطلب، كما تقدم في المعنى المنصرف إليه منهما.

وذكر (قدس سره) أنه يمكن أن يقع التصالح بين الطرفين ويرتفع النزاع في البين بأن يكون مراد الاشعري من المغايرة مغايرة الطلب الانشائي مع الارادة الحقيقية، ومراد معظم الاصحاب والمعتزلة من الاتحاد اتحاد الطلب الحقيقي مع الارادة الحقيقية.

أقول: لا يمكن ان يكون النزاع بين الطرفين لفظياً، فإن الاشعري يلتزم بالكلام النفسي، ويجعله من صفات الحق (جل وعلا) وأنـه غير العلم والارادة، ويقول بأن الكلام اللفظي كاشف عنه وطريق الوصول إليه، وعليه فلابد من فرض صفة زائدة على العلم والارادة، حيث إنه سبحانه كما يوصف بأنه عالم ومريد،يوصف بأنه متكلم، ولعله إلى ذلك أشار في آخر كلامه بقوله «فافه».

وذكر المحقق النائيني (قدس سره) ما حاصله: أن قضية الكلام النفسي على ما التزم به الاشعري وإن كان أمراً موهوماً ـ إذ ليس في النفس غير الارادة ومبادئها، وغير العلم بثبوت النسبة أو لا ثبوتها، وغير تصور النسبة بأطرافها، أمر آخر يكون كلاما نفسيا، والارادة الخارجية وإن لم تكن مدلولا للأمر لا بمادته ولا بصيغته ولا بغيرهما، كما لا يكون مدلول الجملة الخبرية العلم بثبوت النسبة أو لا ثبوتها، إذ دلالتها على تصور المتكلم لمدلول الكلام عقلية، والعلم بتحقق النسبة خارجاً يستفاد من أمر آخر غير نفس الكلام ـ إلا أنه مع ذلك كله لا يكون الطلب حقيقة عين الارادة، فإن الطلب هو الاشتغال بتحقيق المطلوب والوصول إليه بالشروع في فعل أو أفعال يترتب عليه أو عليها ذلك المقصود جزماً أو احتمالاً، ولذا يطلق على من يجتهد في تحصيل متاع الدنيا وغرورها أنـه طالبها، وللحاضر في المجالس العلمية بغرض التعلم أنـه طالب العلم، وعلى السائر في مظان الوصول إلى الضالة بغرض الوصول إليها أنـه طالبها، والطلب في هذه الموارد حقيقي، وهو كما ترى غير الشوق المؤكد المحرك للعضلات نحو الفعل، فلا يكون مجرد الاشتياق طلباً مهما كان بالغاً وشديداً، وإنما الطلب هو التصدي لتحصيل المطلوب بالاشتغال بالفعل والشروع فيه.

وبالجملة إن كان المدعى أن المفهوم من لفظ الطلب عين المفهوم من لفظ الارادة، فلم يقم على ذلك دليل، إلا مجرد دعوى الوجدان، ولعله لم يذهب إليه غير صاحب الكفاية (قدس سره)، والقائلون بالاتحاد يريدون الاتحاد عيناً، واستشهدوا بالوجدان على هذا الاتحاد، مع أن صدق الارادة دون الطلب فيما إذا لم يتصد لتحصيل المطلوب كاف في الاذعان باختلافهما مفهوماً وخارجاً، حيث إن الارادة من الكيف النفساني، والطلب من مقولة الفعل.

وعلى ذلك فتصدي المولى لتحصيل مقصوده بأمر الغير بإتيان المطلوب يكون طلباً، فيكون الأمر بمادة الأمر أو بصيغته أو بغيرهما مصداقاً للطلب، لا أن المستعمل فيه في الموارد المذكورة معنى لفظ الطلب ومفهومه، كما هو ظاهر الكفاية، بل المستعمل فيه في جميع ذلك إيقاع المادة على الغير تشريعاً واعتبار كون الفعل على عهدته، كما تقدم(163)

.

أقول: ما ذكره (قدس سره) من أن الطلب غير الارادة فهو صحيح، سواء قيل بأن الارادة هي الشوق المؤكد المحرك للعضلات نحو الفعل، أو قيل بأن الارادة غير الشوق المفروض، كما سيأتي، بل هي عبارة عن اختيار أحد طرفي الشيء من الفعل أو الترك، فإن الطلب لا يطلق على شيء منهما، بل هو عنوان للحركة نحو الفعل والتصدي لحصوله.

إلا أن ما ذكره (قدس سره) من أن المنشأ بمادة الأمر وبصيغته أو بغيرهما هو النسبة الايقاعية ،ويكون المنشأ بعد إنشائه واعتباره مصداقاً للطلب، حيث إن الطلب تصدي المولى للوصول إلى مقصوده وهو فعل العبد، لا يمكن المساعدة عليه، إذ تقدم أن الوجدان في موارد إيجاب الفعل وندبه شاهد على أن المستعمل فيه للصيغة أمر واحد، مع أنه لا يكون للمكلف عهدة في موارد الندب، فلابد من أن يكون «كون الفعل على العهدة» خارجاً عن المستعمل فيه، ولا منافاة بين أن يكون المنشأ فيها عنوان الطلب ،ويكون المنشأ بعد إنشائه مصداقاً للطلب، فلاحظ قول البائع: بعت مالي بكذا، فإنه إنشاء لعنوان البيع ،ويكون المنشأ بعد إنشائه مصداقاً للبيع. نعم لا ينحصر مصداق الطلب بإنشاء عنوانه، بل يحصل ذلك العنوان باعتبار الفعل على عهدة العبد وإبرازه بمبرز، مثل قوله: عليك أو عليه هذا العمل، فيما إذا كان القصد انبعاثه إلى ذلك العمل أو لرجاء الانبعاث، إلا أن ذلك ليس معنى الصيغة، كما تقدم.

ثم إنه قد يراد من الارادة معنى الطلب، أي التصدي لتحصيل الشيء والوصول إليه، كما يقال لمن يفحص عن ضالته بالمشي أو بغيره: إنه يريد ضالته، أي يطلبها، ويقال: يريد الله (عز وجل) من العباد، يعني يطلب منهم، إلى غير ذلك. إلا أن الكلام في ظهور الارادة ومعناها الانسباقي وهو غير الطلب، لا في جواز استعمال كل منهما في الآخر مع القرينة.

 

 

إشكال ودفع: أما الاشكال[1].

_________________________________________________________

بيان مسلك الجبر وشبه الجبر وإبطالهما:


[1] يعني بناء على أن الارادة عين الطلب الحقيقي، ففي موارد تكليف الكفار بالايمان بل في تكليف العصاة بالواجبات وترك المحرمات إما أن لا يكون تكليف جدي بأن يكون التكليف بالإضافة إليهم صورياً وإنشائياً محضاً بأن لا تكون في البين إرادة من الله سبحانه بالإضافة إلى عملهم، وإما أن يلزم تخلف إرادته تعالى عن مراده فيما إذا كان التكليف جدياً، وهذا كما ذكرنا مبني على اتحاد الطلب الحقيقي والارادة، وأما بناءاً على تغايرهما وتعددهما خارجاً فالتكليف والطلب الحقيقي يثبت فيحق الكفار والعصاة كما يثبت في حق أهل الايمان والطاعة، فلا يلزم محذور عدم ثبوت التكليف الجدي.

وأجاب (قدس سره) بثبوت التكليف الجدي في حق الكفار والعصاة بثبوت الارادة في موارد التكليف، حتى بالإضافة إليهما، ولا يلزم تخلف إرادة الله (عز وجل) عن مراده، لأن الثابت في موارد التكليف هي الارادة التشريعية، وتخلف هذه الارادة لا محذور فيه، وإنما المحذور في تخلف الارادة التكوينية عن المراد، ولا يلزم في موارد التكاليف ثبوت الارادة التكوينية على وفاق الارادة التشريعية.

وتوضيح ذلك على ما ذكره (قدس سره) أن الارادة التكوينية التي هي من صفات الذات لله (جل وعلا) هي العلم بالنظام على النحو الكامل التام(164)

، وهذه الارادة لا يمكن أن تتخلف عن المراد. وأما الارادة التشريعية فهي العلم بالصلاح في فعل العبد وهذه الارادة التي لابد منها في التكليف يمكن أن تتخلف، وعلى ذلك فإن توافقت الارادة التشريعية والتكوينية بأن كان العلم بالصلاح داخلاً في العلم بالنظام على النحو الكامل التام، فلابد من الاطاعة والايمان، وإذا لم يدخل فيه فلابد من أن يختار العبد الكفر والعصيان حيث إن ما لم يرد بالارادة التكوينية لا يكاد يوجد.

ومن هنا ينفتح باب المناقشة في اختيار العباد في أفعالهم بأنه إذا كان الكفر والعصيان والاطاعة والايمان بإرادته (تعالى) التي لا يمكن تخلفها عن المراد، فكيف يمكن تعلق التكليف بأفعالهم الخارجة عن اختيارهم؟ مع أن الاختيار يعتبر في التكليف عقلاً.

وأجاب الماتن (قدس سره) عن الاشكال بما حاصله: أن الارادة التكوينية تعلقت بالكفر والعصيان أو الايمان والطاعة الناشئ كل منها عن إرادة العبد واختياره، وهذا التعلق لا يوجب خروج أفعالهم عن اختيارهم لئلا يصح التكليف بها، ولو خرجت بذلك عن اختيارهم لزم تخلف إرادة الله (تعالى) عن مراده ،حيث إن المراد هو الكفر والعصيان والايمان والطاعة الصادرة من العباد عن اختيارهم، وما تقد م من أنـه إذا توافقتا فلا محيص عن الطاعة والايمان فالمراد أنه لا محيص عن الطاعة والايمان الاختياريين، كما أن المراد من قولنا: (فلا محيص عن الكفر والعصيان) هو أنه لا محيص عن اختيارهما.

ولكن لا يخفى أن المناقشة في كون أفعال العباد اختيارية لهم، لا تنتهي بما ذكره، وإلى ذلك أشار بقوله «إن قلت: إن الكفر والعصيان من الكافر والعاصي ولو كانا مسبوقين ... إلخ» وحاصلها أن الكفر والعصيان وإن كانا ناشئين عن إرادة العبد واختياره، إلا أن إرادة العبد واختياره ناش عن مباد غير اختيارية وحاصلة بإرادة الله (تعالى) ومشيته، حيث إن خطور الفعل والتصديق بفائدته والميل (أي هيجان الرغبة) والجزم بعدم المانع لا يكون من واجب الوجود حتى لا يحتاج إلى علة، ولا يكون حصولها بإرادة العبد وإلا لزم التسلسل، فلابد من أن يؤثر فيها إرادة الله (تعالى) ومشيته، فتكون النتيجة أن العقاب والمؤاخذه تكون على ما يكون بالمآل بلا اختيار، وهذا في الحقيقة مذهب الجبرية، وهو أن المؤثر في فعل العبد إرادة الله (تعالى) ومشيته.

وأجاب عن ذلك أن العقاب يكون على الكفر والعصيان، وبتعبير آخر: استحقاق العقاب يتبع الكفر والعصيان (أي يلزمهما) والكفر والعصيان يتبعان إرادتهما، وإرادتهما ناشئة عن مبادئها الناشئة عن الشقاوة الذاتية للكافر والعاصي، واللازم الذاتي لا يحتاج إلى الجعل والعلة، فإن «السعيد سعيد في بطن أمه، والشقي شقي في بطن أمه»(165)

، و«الناس معادن كمعادن الذهب والفضة»(166)

كما في الخبر. وعليه فالإطاعة والايمان من المؤمن والمطيع تتبع إرادتهما الناشئة من مبادئها الناشئة عن السعادة الذاتية اللازمة لخصوص الذات، ونتيجة كل ذلك، بما أن لوازم الذات لا يتعلق بها الجعل، فلا تكون مبادئ إرادة الطاعة والايمان أو الكفر والعصيان حاصلة بإرادة الحق (جل وعلا)، كما هو مقتضى مذهب الجبرية. وقوله: «قلم اينجا رسيد سر بشكست» كناية عن انقطاع السؤال بلم.

 

حقيقة الارادة من الله (سبحانه) ومن العبد:


أقول: ما ذكره في المقام وإن كان غير مذهب الجبرية الملتزمين بأن تعلق الارادة الازلية بفعل العبد، هو الموجب لحصول الفعل منه بالارادة، وأن إرادة العبد مغلوبة لإرادة الله (تعالى) وإرادة الله هو الموجب للفعل، إلا أن ما ذكره شبه الجبر في نفي الاختيار حقيقة عن العباد في أفعالهم، فإن أفعالهم وإن كانت بإرادتهم، وإرادتهم هي الموجبة لحصولها، إلا أن سلسلة صدور الفعل ينتهي إلى ما لا يكون باختيار العباد، وهي المبادئ المنتهية إلى شقاوة الذوات وسعادتها.

فينبغي في المقام التعرض لما يظهر من كلام الماتن (قدس سره) وجوابه، وبسط الكلام عن إرادة الله (عز وجل) وإرادة العبد بما يسع المجال في هذا المختصر، فنقول وعليه التكلان:

إنه يمكن تلخيص ما ذكره ضمن أمور:

الأول: إن المنشأ بالأمر حتى في الخطابات الالهية هو الطلب الانشائي، والطلب الانشائي يكون منبعثاً من الطلب الحقيقي، والطلب الحقيقي من الله (سبحانه) هو علمه بصلاح الفعل الصادر عن المكلف دون الارادة التكوينية منه (تعالى) التي هي العلم بالنظام الكامل التام. نعم ربما توافقت الارادة التكوينية والطلب الحقيقي المعبر عنه بالارادة التشريعية، فلا محيص عن اختيار الطاعة والايمان، وربما تخالفتا فلا محيص عن اختيار الكفر والعصيان.

الثاني: أن لزوم الطاعة والايمان عند توافق الارادتين واختيار الكفر والايمان عند تخالفهما لا يوجب خروج الفعل عن اختيار العبد وصدوره عنه بإرادته، وأن المؤثر في حصول الفعل هي إرادة العبد التي فسرها في كلماته ـ تبعاً للقوم ـ بالشوق المؤكد المحرك للعضلات .

الثالث: أن إرادة العبد المتعلقة بالطاعة والايمان أو بالكفر والعصيان، وإن افتقرت في تحققها إلى المؤثر لعدم كونها ضرورية وواجبة حتى تستغني عن العلة وإن مبادئها عند اجتماعها هي المؤثرة فيتحقق الارادة، إلا أن حصول تلك المبادئ غير مستند إلى إرادة الله (سبحانه)، بل تستند إلى ما هو لازم الذات من السعادة والشقاوة، وشيء منهما لا يعلل، حيث إن اللازم للذات لا يحتاج إلى علة، بل يوجد بتبع وجود الشيء لا محالة .

وأساس هذه الأمور الثلاثة، هو الالتزام بأمرين:

أحدهما: إن إرادة الله (سبحانه) من صفات الذات، وعليه تكون إرادته تعالى عين علمه، سواء كانت الارادة تكوينية أو تشريعية، وبذلك صرح في كلامه (قدس سره) في «وهم ودفع» فذكر أن المنشأ في الخطابات الالهية ليس هو العلم، إذ العلم بالصلاح يتحد مع الارادة خارجاً، لا مفهوماً. وقد عرفت أن المنشأ ليس إلا المفهوم لا الطلب الخارجي، ولا غرو أصلاً في اتحاد الارادة والعلم عيناً وخارجاً، بل لامحيص عنه في جميع صفاته (تعالى) لرجوع الصفات إلى ذاته المقدسة، قال أميرالمؤمنين (عليه السلام): «وكمال توحيده الاخلاص له، وكمال الاخلاص له نفي الصفات عنه»(167)

.

ثانيهما: أن الممكن لا يوجد إلا مع تمامية علته على ما هو المعروف بينهم من «أن الشيء ما لم يجب لم يوجد»(168)

، بلا فرق بين الافعال وغيرها، إرادية كانت أو غير إرادية.

أقول: أما الأمر الأول وهو ما ذكره (قدس سره) من أن إرادة الله (سبحانه) من صفات الذات وعين العلم بالنظام على النحو التام الكامل، وإرادته التشريعية عين العلم بمصلحة الفعل، فقد أورد عليه المحقق الاصفهاني (قدس سره) في تعليقته بأن صفات الذات تختلف كل منها مع الصفات الاخرى مفهوما، وإنما يكون مطابقها ـ بالفتح ـ واحدا خارجا، لأنـه تعالى بذاته صرف القدرة وصرف العلم وصرف الارادة، ولكن كل منها غير الآخر مفهوماً، وعلى ذلك فلا يصح تحديد إرادته (سبحانه) بالعلم بالنظام الكامل التام والعلم بالصلاح، ولذا قال أكابر القوم(169)

: إن الارادة في ذات الحق (جل وعلا) هو الابتهاج والرضا وما يقاربهما في المعنى، لا العلم بالنظام أو الصلاح في الفعل. نعم الارادة فينا هي الشوق المؤكد.

والسر في الاختلاف وتحديد الارادة منا بالشوق المؤكد وفي ذات الحق (جل وعلا) بصرف الابتهاج الذاتي والرضا هو إنا لمكان إمكاننا وقصور فاعليتنا حيث نحتاج ـ في ظهور هذه الفاعلية إلى الفعلية ـ إلى مقدمات زائدة على ذاتنا من تصور الفعل والتصديق بالفائدة، فبالشوق الأكيد تصير القوة الفاعلية فعلية ومحركة للعضلات، بخلاف ذات الحق (جل وعلا)، فإنه خال عن جهات القوة والنقص وعدم الفعلية، فإنه فاعل بذاته المريدة، حيث إن ذاته بذاته مبتهجة أتم الابتهاج وينبعث عن الابتهاج الذاتي الارادة الفعلية ،كما وردت الاخبار بذلك عن الائمة الاطهار (صلوات الله وسلامه عليهم)، إنتهى ما أردنا إيراده من كلامه (قدس سره)(170)

.

ولكن لا يخفى أن الشوق المؤكد منا لا يطلق عليه الارادة، فإن الارادة تطلق على أحد أمرين:

أحدهما: القصد إلى الفعل والعزم والبناء على العمل.

ثانيهما: بمعنى الاختيار، وهو صرف القدرة في أحد طرفي الشيء من الفعل أو إبقائه على عدمه، والشوق المؤكد غير هذين الأمرين، والشاهد على عدم كون الشوق المؤكد علة لصدور الفعل منا فضلاً عن كونه علة تامة هو صدور بعض الافعال عن الإنسان باختياره بلا اشتياق منه إلى الفعل المفروض، فضلاً عن كونه مؤكداً، كما إذا أصابت عضو الإنسان آفة، يتوقف دفع سرايتها إلى سائر بدنه والتحفظ على حياته على قطع ذلك العضو، فإن تصديه لقطعه بالمباشرة أو بغيرها يكون بلا اشتياق منه إلى القطع، بل ربما لا يحب الحياة بدون ذلك العضو المقطوع، ولكن يقطعه امتثالاً لما هو الواجب عليه شرعاً تخلصا من عذاب مخالفة التكليف، وأيضاً الشوق المؤكد قد يتعلق بفعل لا يتمكن منه ويعلم بعدم الوصول إليه، مع أن العاقل لا يريد غير المقدور له، وكل من الأمرين شاهد قطعي على أن الشوق المؤكد غير الارادة التي لا تتعلق بغير المقدور مع الالتفات إلى أنـه غير مقدور، نعم قد يكون الاشتياق ـ مؤكداً أو غير مؤكد ـ داعياً له إلى إرادة المشتاق إليه أو إرادة الاتيان بأعمال يترتب عليها ذلك المشتاق إليه جزماً أو احتمالاً، وهذا أمر نتعرض له إن شاء الله تعالى.

هذا بالإضافة إلينا، وأما بالإضافة إلى ذات الحق (جل وعلا) فلا دليل على أن إرادة الله (سبحانه) من صفات الذات حتى تفسر بالعلم أو بالابتهاج الذاتي والرضا، بل قام الدليل على أنها من صفات الافعال، كما أن الرضا والسخط أيضاً من صفات الافعال، ولا يرتبطان بصفات الذات، كالقدرة والعلم والحياة.

فقد ورد في صحيحة عاصم بن حميد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال قلت: لم يزل الله مريداً، قال: لا يكون المريد إلا لمراد معه، لم يزل الله عالماً قادراً ثم أراد(171)

.

وفي صحيحة صفوان بن يحيى قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الارادة من الله ومن الخلق ؟ فقال: الارادة من الخلق الضمير وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأما من الله تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لأنـه لا يروي ولا يهم ولا يتفكر، وهذه الصفات منفية عنه وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير، يقول له كن فيكون، بلا لفظ ولا نطق بلسان، ولا همة ولا تفكر، ولا كيف لذلك، كما أنـه لا كيف له(172)

، وظاهر نفي الكيف نفي الابتهاج.

والوجدان أكبر شاهد على أن أفعال العباد من الطاعة والعصيان والايمان والكفر، كلها خارجة عن إرادة الله ومشيته، بل إرادته ومشيته (جلت عظمته) قد تعلقت بتشريع تلك الافعال على العباد، وجعل الدنيا دار الابتلاء والامتحان لهم، ليتميز الخبيث من الطيب، ومن يستمع قول الحق ويتبعه عمن يعرض عنه وينسى ربه ويوم الحساب، ويشتغل بالدنيا وغرورها. نعم بما أن أفعال العباد تصدر عنهم بحول الله وقوته، يعني بالقدرة التي أعطاها رب العباد إياهم، وأرشدهم إلى ما فيه الرشد والهداية وسعادة دنياهم وعقباهم، يصح أن يسند الله (سبحانه) أفعال الخير إلى نفسه، كما في قوله سبحانه: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» الآية(173)

، وقوله سبحانه: «وما تشاءون إلا أن يشاء الله»(174)

، حيث إن كل ما يصدر عنا هو من قبيل تحريك العضلات، ولكن معطي قوة الحركة ونفس العضلات هو الله (سبحانه)، وإذا أمسك قوتها فلا نتمكن من الفعل، فيكون صدور الفعل عنا باختيارنا وإرادتنا، على تقدير إعطاء الله وعدم إنهاء ما بذله، فيصح أن يقول الله (سبحانه): لا يصدر عنك فعل إلا بمشيتي، وإذا لاحظت مثل هذه الأمور كما إذا أوجد شخص أمرا تكون تمام آلاته ومعداته بيد الغير وكانت بإعطائه، تجد من نفسك أنه يصح للغير أن يقول: أنا أوجدت الأمر وفعلك ذلك كان بمشيتي، فكذلك يصح أن يقال إن أفعال العباد تكون بمشية الله (عز وجل)، وربما يضاف إلى صحة الاسناد إلى الله (عز وجل) ملاحظة لطفه وتأييده وعنايته (سبحانه) إلى العبد.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)