وأما إذا كان بمعنى الاتيان بالفعل بداعي حسنه أو كونه ذا مصلحة أو له (تعالى)[1].

_________________________________________________________

أنحاء قصد التقرب:


[1] قد يقال: إن قصد التقرب في العبادة لا ينحصر بالاتيان بالعمل بداعوية الأمر بذلك العمل، ليقال إن قصد التقرب بهذا المعنى لا يمكن أخذه في متعلق الأمر لما تقدم من المحاذير، بل يكون قصد التقرب في العمل بالاتيان به بداعوية حسنه أو بداعوية مصلحته أو قصد كونه لله (سبحانه)، فيمكن للشارع الأمر بالصلاة أو غيرها بشرط أن يؤتى بها لله أو لحسنها ومصلحتها، ولا يلزم من أخذ شيء من ذلك في متعلق الأمر أي محذور.

وأجاب (قدس سره) عن ذلك بأن أخذ ما ذكر في متعلق الأمر وإن كان ممكناً إلا أن شيئاً منها غير معتبر في متعلق الأمر في العبادات قطعاً، لأنـه يكفي في صحة العمل عبادة الاتيان بقصد التقرب بالمعنى المتقدم، ولازم صحة العمل بقصد التقرب ـ بالمعنى المتقدم ـ أن يتعلق الأمر بذات العمل، بأن لا يؤخذ في متعلق الأمر شيء مما ذكر.

أقول: يمكن ان يؤخذ جامع قصد التقرب في متعلق الأمر بالصلاة وغيرها من العبادات جزءاً، ففي هذه الصورة، كفاية قصد التقرب بالمعنى المتقدم يكشف عن عدم اعتبار خصوص غيره، ولا ينافي اعتبار الجامع بين أنحاء التقرب وهو أن يكون عند العمل قصد يكون معه العمل لله، نظير قوله (سبحانه):«وأتمُّوا الحج والعمرة لله»(206)

.

وبتعبير آخر: لا يكون ذلك الجامع قيداً لمتعلق التكليف بنحو الشرطية، ليقال إن متعلق الأمر يصير حصة من الصلاة لا نفس الصلاة، وإن الاجزاء التحليلية لا تتصف بالوجوب، بل يكون الجامع جزءاً من المركب على نحو ما تقدم، فيمكن للمكلف الاتيان بذات العمل بداعوية الأمر الضمني المتعلق بنفس العمل، كما يمكن له الاتيان بالمركب من الصلاة وقصد الاتيان بها، لصلاحها أو لتحصيل رضا الرب بها.

لا يقال: إذا فرض أخذ الجامع بين أنحاء التقرب فذلك الجامع لا يمكن أن يعم الاتيان بداعوية الأمر بالعمل.

فإنه يقال: إذا فرض حصول فرد للتقرب المأخوذ في متعلق الأمر، يصح الاتيان بذات الفعل مع ذلك الفرد من التقرب، حيث إن الفعل مع ذلك الفرد من التقرب يكون مصداقاً للمجموع المتعلق به الأمر، وسراية الحكم إلى الفرد، من الطبيعي الحاصل بعد الحكم لا محذور فيه، نظير قولك: (خير الكلام ما قل ودل) فإن الحكم المذكور فيه يشمل نفسه.

وبالجملة لو فرض امتناع أخذ التقرب ـ بمعنى داعوية الأمر إلى العمل ـ في متعلق الأمر بذلك العمل، لما تقدم من لزوم اتحاد الحكم والموضوع، فهذا الوجه يختص بأخذ خصوص التقرب المفروض لا جامع التقرب، فإن أخذ جامع التقرب لا يتوقف على فرض وجود الأمر بالفعل في مقام جعل الحكم ،حيث إن الاطلاق ـ كما تقدم ـ عبارة عن رفض القيود وعدم دخالتها في متعلق الحكم، ولا يكون شيء من خصوصيات أنحاء التقرب مأخوذاً في متعلق الأمر، فلا يلزم من أخذ الجامع لها محذور اتحاد الحكم والموضوع.

نعم قد يقال ـ كما عن المحقق النائيني (قدس سره) ـ: أنـه كما لا يمكن أخذ قصد التقرب ـ بمعنى قصد الفعل بداعي الأمر المتعلق به ـ في المتعلق، كذلك لا يمكن أخذ سائر وجوه القربة في متعلق الأمر، وذلك لأن الدواعي كلها في عرض واحد، بمعنى كونها في مرتبة سابقة على إرادة الفعل وتنشأ منها إرادة الفعل، وإذا كان الأمر كذلك، فيستحيل تعلق الأمر بالفعل بداع خاص منها، أو بالجامع بينها، وذلك لأن إرادة العبد الناشئة من داع ما تتعلق بالفعل ولا تتعلق بالداعي، وإذا استحال تعلق الارادة التكوينية بشيء، استحال تعلق الارادة التشريعية به، فإن ما تتعلق به الارادة التكوينية من العبد يتعلق به أمر المولى، ومن الظاهر أن إرادة العبد تتعلق بنفس العمل لا بالداعي الموجب لإرادة العمل، حيث إن الارادة متأخرة عن الداعي، فكيف تتعلق الارادة المتأخرة بالداعي المتقدم عليها؟ وإذا كان الأمر في الارادة التكوينية كذلك، فالإرادة التشريعية ـ يعني أمر المولى ـ أيضاً كذلك فإنها تتعلق بنفس ما تتعلق به إرادة العبد لا بالداعي الموجب لإرادته(207)

.

ولكن لا يخفى ما فيه، فإن الداعي الموجب لإرادة الفعل واختياره لا يدخل في متعلق تلك الارادة والاختيار، وأما تعلق إرادة واختيار أخرى بذلك الداعي فلا محذور فيه، ولو كان في ذلك محذور لما أمكن للمحقق النائيني (قدس سره) الالتزام بتعلق الأمر الثاني في العبادات باستناد الاتيان بالعمل إلى داعوية الأمر الأول المتعلق بذات العمل، فإنه من تعلق الأمر الثاني بالداعي الموجب لإرادة الفعل. وبتعبير آخر: يمكن للعبد أن يختار ويريد الداعي الموجب لإرادته العمل.

ثم إنه لو أغمض عن كل ما ذكرنا إلى الآن، فنقول: لا مانع عن تعلق أمر الشارع بالصلاة الخالية عن إرادتها بالدواعي النفسانية ولو بنحو التقييد، بأن يكون متعلق الأمر الصلاة الخاصة وهي الصلاة التي تعلقت بها إرادة غير ناشئة عن الدواعي النفسانية، وهذا الوصف يستلزم قصد التقرب، فقصد التقرب بنفسه غير مأخوذ في متعلق الأمر بالصلاة لا شرطاً ولا جزءاً، بل متعلق الأمر نفس الصلاة الخالية عن الارادة الناشئة من الدواعي النفسانية، وعليه يتمكن المكلف من الاتيان بالصلاة المتعلق بها الأمر، فإنه مع فرض الاتيان بها بداعوية الأمر بها تكون تلك الصلاة هي الصلاة التي تعلق بها الأمر، فتدبر. ولعل هذا هو المراد مما حكي عن بعض تقريرات العلامة الشيرازي (قدس سره)، فلا يرد عليه شيء مما ذكر حوله(208)

.

 

 

فلا مجال للاستدلال بإطلاقه ولو كان مسوقاً في مقام البيان على عدم اعتباره[1].

_________________________________________________________

استظهار التوصلية من إطلاق صيغة الأمر:


[1] قد تقدم أنـه (قدس سره) بنى على عدم إمكان أخذ التقرب في مقام الثبوت في متعلق الوجوب وأن الوجوب ثبوتاً يتعلق بذات الفعل، سواء كان من قبيل الواجب التعبدي أو التوصلي، وإنما الفرق بينهما في ناحية الغرض والملاك الملحوظ بنظر الشارع، فإن كان ذلك الملاك والغرض في ذات الفعل، يسقط الوجوب المتعلق به بالاتيان بنفس المتعلق، بخلاف التعبدي فإن الملاك والغرض لا يحصل إلا بوقوع المتعلق على نحو العبادة وقصد التقرب بالعمل، وحيث إن سقوط التكليف تابع لحصول الملاك وتأمين الغرض فلا يسقط التكليف في التعبديات بمجرد الاتيان بنفس متعلق الوجوب، وعلى ذلك فإن تعلق التكليف في خطابه بفعل وكان المولى في مقام بيان متعلق التكليف في مقام الثبوت، فلا يمكن التشبث بإطلاق ذلك المتعلق في مقام الاثبات (يعني الخطاب) وإثبات أن الوجوب ثبوتاً توصلي، لما تقدم من عدم الفرق في مقام الثبوت بين متعلق التكليف في التوصليات والتعبديات، وأن المتعلق على كلا التقديرين نفس الفعل، والمفروض أن الخطاب يكون كاشفاً عن التكليف ومتعلقه وموضوعه في مقام الثبوت.

هذا كله ـ كما ذكرنا ـ مبني على عدم إمكان أخذ قصد التقرب في متعلق التكليف ولو بجعل وجوبين على ما سلكه وأما بناءاً على إمكان أخذ قصد التقرب في متعلق التكليف وأن الواجب التعبدي والتوصلي يفترقان ثبوتاً في ناحية متعلق الوجوب فيؤخذ قصد التقرب في متعلق الوجوب الواقعي جزءاً أو وصفا بنحو التخلية عن الدواعي النفسانية كما ذكرناه أخيراً، فلا مانع عن التمسك بإطلاق المتعلق في مقام الاثبات، وكشف أن الواجب ثبوتاً توصلي بمقتضي تطابق مقام الاثبات مع الثبوت، فيكون الاطلاق المتمسك به إطلاقاً في ناحية المتعلق بخلاف ما إذا بنينا على تعين أخذ قصد التقرب في المتعلق بالأمر المولوي الثاني كما التزم به المحقق النائيني (قدس سره) فلا يمكن التمسك بإطلاق المتعلق وإنما يتمسك بإطلاق الوجوب المتعلق بذات الفعل في الأمر الأول، حيث إن عدم تعقبه بالأمر الثاني المتعلق بالاتيان بالأول بنحو التعبد يقتضي التوصلية، نظير عدم تعقب الترخيص في الترك للطلب فكما أن الاطلاق المستفاد من صيغة الأمر أو غيرها يقتضي كون الطلب وجوبياً، كذلك إطلاق الوجوب المتعلق بذات الفعل وعدم تعقبه بالوجوب الثاني يقتضي التوصلية، فلا يحتاج في إثبات التوصلية إلى إحراز الاطلاق المقامي، ليقال إن إحراز الاطلاق المقامي بالإضافة إلى قصد التقرب غير ممكن، لأن احتمال التعبدية في الواجبات الشرعية ليس مما يغفل عنه العامة حتى يحتاج إلى التنبيه، كما سيأتي ذلك في اعتبار قصد الوجه والتمييز في التعليقة اللاحقة.

وبالجملة فإن أحرز في مورد أن الشارع في مقام بيان تمام ما له الدخل في متعلق التكليف جزءاً أو شرطاً أو مانعاً فلا يصح للمصنف (قدس سره) التمسك بهذا الاطلاق المقامي، حيث إن قصد التقرب ليس مما يمكن أخذه في متعلق التكليف، بخلاف ما إذا بنينا على إمكان أخذه في متعلق التكليف ولو بأمرين، فإنه يجوز التمسك بهذا الاطلاق المقامي، لأن قصد التقرب مثل سائر الاجزاء والشروط. نعم إذا كان الشارع في مقام بيان تمام ما له الدخل في حصول غرضه لا تكليفه ومع ذلك سكت فيه عن بيان اعتبار قصد التقرب يستكشف من هذا الاطلاق المقامي التوصلية حتى بناءاً على مسلك الماتن (قدس سره).

وإذا فرض عدم الاطلاق اللفظي وعدم الاطلاق المقامي ووصلت النوبة إلى الاصل العملي يكون مقتضى أدلة البراءة الشرعية عدم جزئية قصد التقرب وعدم شرطيته بناءاً على إمكان أخذ قصد التقرب في متعلق الأمر ولو بأمرين، حيث إن تعلق الأمر بقصد التقرب أو ثبوت الأمر الثاني مما لا يعلمون، فهو مرفوع كالرفع في سائر الاجزاء والشرائط، ومعها لا تصل النوبة إلى قاعدة الاشتغال كما هو مقرر في بحث دوران الأمر بين الاقل والاكثر الارتباطيين.

نعم بناءاً على ما اختاره الماتن (قدس سره) لا يكون المورد إلا من موارد قاعدة الاشتغال، لأن لزوم قصد التقرب ليس مجعولاً شرعياً حتى تجري البراءة في ناحيته لمكان الجهل بذلك المجعول الشرعي، بل يكون عقلياً، والمفروض استقلال العقل بلزوم الطاعة بنحو يحصل الغرض ويسقط التكليف المتعلق بالفعل، كما لا يخفى.

 

 

ولا لاستظهار عدم اعتبار مثل قصد الوجه مما هو ناش من قبل الأمر من إطلاق المادة في العبادة[1].

_________________________________________________________

قصد الوجه والتمييز:


[1] ما ذكره (قدس سره) في ناحية عدم إمكان أخذ قصد التقرب في متعلق الأمر أجراه في ناحية أخذ قصد الوجه والتمييز أيضاً والتزم بأن كل قصد ناش من قبل الأمر بفعل، لا يمكن أخذه في متعلق ذلك الأمر لعين ما تقدم في وجه امتناع أخذ قصد التقرب، وعليه فلو شك عند الأمر بفعل في لزوم قصد الوجه والتمييز في حصول الغرض وسقوط التكليف به، فالعقل يستقل بالرعاية حتى يحرز سقوط التكليف وحصول الغرض، إلا أن الاطلاق المقامي المشار إليه في التعليقة السابقة بالإضافة إلى قصد الوجه والتمييز ثابت، حيث إن احتمال دخلهما في سقوط التكليف وحصول الغرض مما يغفل عنه عامة الناس، ولو كان شيء منهما أو كلاهما دخيلاً في غرض الشارع في العبادات لتعرض إلى اعتبارهما في المتعلق ولو في بعض الخطابات، مع أنه لم يرد التعرض لهما في شيء منها، ومن ذلك يعلم عدم دخلهما وإلا كان سكوت الشارع والتعويل على حكم العقل فيها من نقض الغرض.

أقول: أخذ قصد التمييز في موارد الشبهات الموضوعية في متعلق التكليف لا محذور فيه بأن يأمر الشارع بالصلاة إلى جهة يعلم عند الاتيان بأنها القبلة، أو يأمر بصلاة يعلم أنها مع الطهارة ونحو ذلك، فلا يرد فيه شيء من محذور أخذ قصد التقرب. وكذا الحال في قصد الوجه والتمييز إذا أريد بهما توصيف العمل بالوجوب والندب عند الاتيان.

نعم إذا أريد من قصد الوجه الاتيان بالعمل بداعوية وجوبه أو ندبه ومن قصد التمييز كون وجوبه داعياً إلى الاتيان به لا احتمال وجوبه، لجرى فيها ما تقدم في قصد التقرب.

في التعبدي بمعنى عدم سقوط التكليف بفعل الغير:

ثم إنه يبقى الكلام في كون الواجب تعبدياً أو توصلياً بالمعنى الآخر كما أشرنا إليه في أول البحث، وهو أن التكليف المتوجه إلى المكلف إن كان يسقط بفعل الغير يكون التكليف توصلياً، وإن لم يسقط يكون تعبدياً، وكذا إن كان يسقط بالاتيان بالفرد غير الاختياري أو حتى بالفرد المحرم يكون توصلياً، ومع عدم سقوطه كذلك يكون تعبدياً، فالكلام يقع في مقامات ثلاثة:

الأول: ما إذا شك في سقوط التكليف بفعل الغير، فنقول: مقتضى إطلاق إيجاب فعل على مكلف، هو مباشرته في الاتيان به، حيث إن مقتضى إطلاق الوجوب ثبوته حتى على تقدير إتيان الغير به أيضاً، كما يأتي في بيان أن إطلاق الوجوب يقتضي كونه عينياً لا كفائياً، ثم لو لم يكن في البين إطلاق ووصلت النوبة إلى الاصل العملي، فإن كان إتيان الغير بالفعل قبل توجه التكليف إلى المكلف فالمرجع هي البراءة عن التكليف به، إلا إذا كان في البين أصل محرز لبقاء موضوع التكليف، كما إذا كان الولد الاكبر حين فوت أبيه صغيراً، أو قد قضى ما على أبيه صغير آخر وبعد البلوغ شك في إجزاء فعل ذلك الصبي أو بقاء ما كان على أبيه على عهدته، ففي مثل ذلك لا بأس باستصحاب بقاء ما كان على أبيه، ويثبت وجوب القضاء عليه فيكون مقتضاه التعبدية، وكذا فيما كان توجه التكليف بالفعل إليه قبل فعل الغير، ولا يخفى أن هذا كله فيما كان الفعل بحيث لا يستند عرفاً إلا إلى المباشر.

وأما إذا كان بحيث يستند إلى المباشر وغير المباشر مع تسبيبه، كما إذا شك في أن التقصير أو الذبح الواجب في الحج يعم ما كان بالتسبيب أو يعتبر فيه المباشرة، فقد يقال: إن مثل ذلك يدخل في دوران التكليف بين التعيين والتخيير، ويكون مقتضى الاصل التخيير، حيث إن ما دل على البراءة من حديث الرفع ينفي خصوصية التعيين.

ويورد عليه بأن التكليف لا يكاد يتعلق بفعل الغير، حيث إن فعل الغير خارج عن قدرة المكلف واختياره، وإذا لم يمكن تعلق التكليف بفعل الغير، فلا يتعلق بالجامع بين فعل نفسه وفعل الغير.

نعم يمكن تعلقه بالجامع بين فعليه من المباشرة أو نفس التسبيب، إلا أن لازم ذلك سقوط التكليف بنفس التسبيب، وعلى ذلك فمرجع الشك في كفاية صدور الفعل تسبيباً إلى الشك في اشتراط التكليف بعدم حصوله من الغير أيضاً، ومقتضى الاستصحاب بقاء التكليف وعدم سقوطه بفعل الآخر، بل لو أغمض النظر عن الاستصحاب لكون الشبهة حكمية وقلنا بعدم جريانه في تلك الشبهة، يتعين الرجوع إلى قاعدة الاشتغال ولا مجرى لأدلة البراءة الشرعية في مثل المقام، فإنه لا مجال لدعوى أن ثبوت التكليف بعد صدور الفعل عن الآخر تسبيباً في هذا الفرض وبغير تسبيب في الفرض السابق، غير محرز، ومقتضى حديث الرفع عدم وضعه.

والوجه في عدم المجال انصراف حديث الرفع إلى الجهل بثبوت التكليف فلا يجري في موارد الشك في سقوطه بعد حدوثه، نظير انصرافه عن موارد الجهل بالتكليف للشك في القدرة على المتعلق.

والحاصل أن كل ما تقدم في الشك في سقوط التكليف بفعل الغير مع عدم استناده إلى المكلف بتسبيبه يجري في الشك في سقوطه بفعل الغير مع استناده إليه بالتسبيب.

أقول: الصحيح التفرقة بين ما إذا كان فعل الغير لا يستند إلى المكلف ولو مع تسبيبه، كما إذا استأجر الولد الأكبر لقضاء ما على أبيه من الصيام، فإن فعل الاجير لا يستند إلى المستأجر فلا يقال صام الولد عن أبيه، وبين ما إذا استند الفعل الصادر عن الغير إليه مع التسبيب، ففي موارد عدم الاستناد يكون سقوط التكليف بفعل الغير باشتراط بقاء التكليف بعدم حصوله لا محالة، ومع إطلاق التكليف في خطابه وعدم ثبوت القرينة على الاشتراط يحكم بتعبديته.

ولو وصلت النوبة إلى الاصل العملي فلابد من التفصيل ـ كما تقدم ـ بين تحقق فعل الغير قبل توجه التكليف إليه، فيرجع إلى البراءة، وبين ما إذا كان فعله بعد توجه التكليف إليه، فيرجع إلى الاستصحاب في ناحية بقاء التكليف، ومع الغمض عن الاستصحاب لكون الشبهة حكمية، يرجع إلى أصالة الاشتغال، بناءاً على أن أصالة البراءة لا تجري في موارد الشك في سقوط التكليف، وأما في موارد استناد فعل الغير إلى المكلف بالتسبيب، فلا بأس مع الخطاب بالتمسك بإطلاق المتعلق فيه، فيحكم بكفاية تحقق الفعل ولو تسبيباً. وبتعبير آخر: مقتضى الاطلاق في الأمر بالتقصير أو الحلق ونحوهما التوصيلة في وجوبهما.

ودعوى ـ أن الاطلاق لا يعم الفعل التسبيبي لأنـه من فعل الغير وفعل الغير خارج عن قدرة المكلف واختياره فلا يمكن تعلق التكليف به، ولو كان فعل الغير مجزياً لكان عدم حصوله شرطاً في بقاء التكليف لا محالة، كما في الفرض الأول، وإطلاق التكليف يدفع هذا الشرط ـ لا يمكن المساعدة عليها، لأن المكلف به في الحقيقة في موارد الاستناد إلى الشخص ولو بالتسبيب، إيجاد استناد الفعل إلى نفسه، وهذا الايجاد يكون بالفعل مباشرة وبالتسبيب في فرض خصوص الفعل عن الآخر، نظير نذر بيع متاعه، فإن متعلق النذر يحصل بالمباشرة في بيعه أو بالتسبيب، ولا يكون مقتضى وجوب الوفاء بنذره فيما إذا قال: (لله علي أن أبيع متاعي هذا) بيعه بالمباشرة ولا تخييره بين بيعه بالمباشرة أو أمر الغير ببيعه ولو مع عدم حصول البيع.

ومما ذكرنا يظهر أنه مع عدم الاطلاق ووصول النوبة إلى الاصل العملي يكون المورد من موارد دوران متعلق الوجوب بين كونه خصوص الفعل مباشرة أو إيجاد الاستناد في تحققه إلى نفسه الحاصل بالفعل مباشرة أو بالتسبيب، ومقتضى أصالة البراءة عن تعين المباشرة الاكتفاء بالتسبيب، لأن الرفع في ناحية تعلق التكليف بالاستناد إليه في تحققه خلاف الامتنان، حيث إن في هذا التعلق توسعة على المكلف.

في التعبدي بمعنى سقوط التكليف بالفرد غير العمدي:

المقام الثاني: ما إذا شك في سقوط التكليف بالفرد الغير العمدي، أي ما يكون تحققه مع الغفلة وعدم الالتفات، فقد يقال بعدم السقوط لانصراف الافعال إلى صورة التعمد والاختيار، وتكون دعوى الانصراف في ناحية المواد تارة وفي ناحية الهيئات أخرى.

وناقش المحقق النائيني (قدس سره) في دعوى الانصراف سواء كانت في ناحية موادها أو هيئاتها بأن معنى المادة هو الطبيعي الذي يكون صدقه على تمام افراده بالتواطئ، والهيئات دالة على انتساب المواد إلى الذوات وقيامها بها، ويشترك في ذلك الانتساب التعمدي وغيره، ولذا ذكر الفقهاء الضمان في إتلاف مال الغير غفلة وبلا التفات أخذاً بعموم قاعدة «من أتلف»، وذكروا عدم حكومة حديث الرفع على ما بين في محله، ولم ينكر ذلك أحد منهم، بدعوى انصراف الاتلاف إلى صورة التعمد، نعم العناوين القصدية التي لا تتحقق إلا بالاعتبار والانشاء تتوقف على قصدها، لا لانصراف الفعل إلى التعمد، بل لعدم الفعل مع عدم القصد، حيث إن الانشاء والاعتبار مقومهما القصد.

هذا بالإضافة إلى الاختيار بمعنى التعمد والالتفات، وأما الاختيار المقابل للجبر والقهر فلا يبعد دعوى انصراف الفعل إليه كما ذكر الشيخ (قدس سره) في بحث خيار المجلس بأن تفريق المتبايعين بالقهر والجبر لا يوجب سقوط الخيار لانصراف الافتراق المأخوذ غاية له في الروايات إلى ما كان بالاختيار.

ثم إنه (قدس سره) قد ذكر وجهين للانصراف في خصوص صيغة الأمر وما بمعناها بالإضافة إلى التعمد بمعنى الالتفات وبالإضافة إلى الاختيار بالمعنى المقابل للقهر والجبر.

الأول: اعتبار الحسن الفاعلي في تعلق الأمر والطلب بالمادة، ومن الظاهر أن الحسن الفاعلي لا يكون من دون القصد والالتفات، وبتعبير آخر: تعلق الطلب بالمادة قرينة على كون متعلقه خصوص الحصة الاختيارية، ومقتضى مذهب أهل الحق عدم تعلق أمر الشارع إلا بما فيه صلاح العباد، وكون الفعل كذلك يوجب استحقاق فاعله المدح مع القصد والالتفات لا مطلقا. وبالجملة الحسن الفعلي تابع للملاكفي الفعل ولا يتوقف على الارادة والاختيار، ولكن الحسن الفاعلي لا يكون إلا مع العمد والالتفات.

الثاني: أن مفاد الهيئة في صيغة الأمر وما بمعناها هو البعث والتحريك، وهذا البعث والتحريك لا يكون إلا نحو الفعل الارادي.

وعليه فسقوط التكليف بالفرد غير الاختياري يكون من جهة عدم تقييد الوجوب والطلب بحصول الواجب عن التفات، لا لشمول الطلب له أيضاً، وإذا كان الأمر كذلك فإطلاق الوجوب وعدم ورود القيد عليه مع كونه في مقام البيان، مقتضاه التعبدية وعدم إجزاء الفرد غير العمدي والاختياري، بل الأمر كذلك حتى لو وصلت النوبة إلى الاصل العملي فإن استصحاب بقاء الموضوع أو الحكم ولا أقل من قاعدة الاشتغال، مقتضاه بقاء التكليف ولزوم إحراز سقوط التكليف(209)

.

وفيه: أما الوجه الأول، فالحق أنه لا موجب لاعتبار الحسن الفاعلي في كون فرد مصداقاً لمتعلق التكليف، فإنه لو كان فيه الملاك الموجود في سائر الافراد لعمه الطبيعي المطلوب صرف وجوده، نعم إذا كان الطبيعي عنواناً قصدياً فلا يكون ما هو بغير العمد والقصد فرداً للطبيعي، كما أنـه لو كان الواجب تعبدياً لا يسقط إلا مع الاتيان بقصد امتثال الأمر، فلا يكون المغفول عنه وغير المقصود فرداً أو واقعاً بنحو العبادة، وهذا خارج عن محل الكلام على أن الحسن الفاعلي لا يتحقق بمجرد التعمد والالتفات، بل لابد من حصول الفعل بقصد التقرب، وهذا يوجب أن تكون جميع الواجبات تعبدية.

وأما الوجه الثاني، وهو تعلق البعث والتحريك بخصوص الحصة المقدورة وعدم إمكان تعلقهما بالطبيعي بجميع وجوداته مع فرض خروج بعضها عن الاختيار، فيرد عليه:

أولاً: إنه ينافي ما ذكره (قدس سره) في بحث الضد(210)

من جواز التمسك بإطلاق الطبيعي المتعلق به التكليف لإثبات الملاك في فرده غير المقدور والمزاحم، حيث إنه بعد فرض كون متعلق التكليف في نفسه الحصة المقدورة كيف يمكن التمسك بإطلاقه.

وثانياً: أن الاطلاق في المتعلق هو رفض القيود عنه، فيمكن تعلق التكليف بطلب صرف الوجود من الطبيعي الملغى عنه القيود وخصوصيتها، فيما كان فرد منه مقدوراً، اللهم إلا أن يقال: إن الترخيص كالبعث والطلب لا يتعلق بالحصة الخارجة عن الاختيار أو المغفول عنها، وعليه فلا يتم الاطلاق في ناحية المتعلق بالإضافة إليها، فإن وجود الملاك في كل فرد من الطبيعي يستفاد من الترخيص في التطبيق عليه، الملازم لإطلاق المتعلق، ومع احتمال اختصاص الملاك بفرده الاختياري يحتمل اكتفاء الآمر في بيان ذلك باعتماده على التكليف بالطبيعي، حيث لا يعم معه الترخيص في تطبيقه إلا أفراده المقدورة وغير المغفول عنها.

ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن سيدنا الاستاذ (قدس سره) في المقام من أن معنى صيغة إفعل ليس البعث والطلب، بل معناها اعتبار المبدأ على عهدة المكلف والاعتبار على العهدة لا يوجب تقييداً في المعتبر، بأن يكون ما على ذمته الحصة المقدورة، ليقال إن إجزاء غير المقدورة يحتاج إلى التقييد في التكليف، ومع عدم ثبوته يكون مقتضى إطلاق البعث والايجاب عدم الاجزاء، ومع وصول النوبة إلى الاصل العملي يكون مقتضى استصحاب التكليف أو قاعدة الاشتغال لزوم رعاية احتمال بقاء التكليف.

وبالجملة إذا كان ما على العهدة نفس الطبيعي بلا تقييد، يستقل العقل بإفراغها ولو مع تمكنه من فرد، ولا مجال لدعوى أن تحريك المولى يتعلق بما يقدر العبد على التحرك نحوه، لما ذكر من عدم كون مفاد صيغة الأمر تحريكاً وبعثاً.

لا يقال: ما فائدة اعتبار الطبيعي على العهدة دون الحصة المقدورة؟

فإنه يقال: فائدة ذلك الاعلام بوجود الملاك في الطبيعي كيفما تحقق، وعلى ذلك فيكون مقتضى الأصل العملي أيضاً عند حصول الفرد غير الاختياري البراءة عن التكليف(211)

.

أقول: لازم هذا الكلام الالتزام بالاجزاء حتى فيما إذا كان الطبيعي يحصل بفعل الغير، فإن المادة موضوعة لنفس الطبيعي، وهيئة إفعل دالة على كون ذلك الطبيعي على عهدته، فعليه الاتيان به مباشرة أو تسبيباً.

هذا مضافا إلى أنـه (قدس سره) قد التزم بأن إطلاق متعلق التكليف يستتبع شمول الترخيص في التطبيق لجميع أفراد الطبيعة، ولكن لو كان الأمر كما ذهب إليه(قدس سره)(212)

لما كان إطلاق المتعلق مستلزما للإطلاق الشمولي في التطبيق بحيث يشمل جميع الافراد حتى غير المقدورة، إذ اعتبار الفعل على الذمة وإن كان لا يوجب تقييد المتعلق إلا أن الترخيص في التطبيق يقيد لا محالة، وعليه فإطلاق المتعلق لم يكن كاشفا عن إطلاق الترخيص في التطبيق.

وقد تقدم أن المتفاهم العرفي من هيئة صيغة الأمر هو الطلب المعبر عنه بـ(فرمان) في اللغة الفارسية، والاعتبار في الذمة إذا كان بداعي الطلب يكون كناية عن الطلب، وإذا كان بداع آخر كما في موارد المعاملات والاجارة، فهذا شيء آخر لا يرتبط بالأمر والتكليف، كما لا يخفى.

في التعبدي بمعنى عدم سقوط التكليف بالفرد المحرم:

وأما المقام الثالث وهو سقوط التكليف بالفرد المحرم، فلا ينبغي التأمل في أن حرمة فرد توجب تقييد متعلق التكليف بغيره، فالحكم بسقوط التكليف مع الاتيان به يحتاج إلى إحراز اشتماله على ملاك سائر الافراد، إذ مع خروجه عن خطاب الأمر بالتقييد ـ لمنافاة حرمته مع الترخيص في التطبيق ـ لا يكون في البين كاشفا عن الملاك فيه، ومقتضى إطلاق الأمر بالطبيعي المقيد بغيره لزوم الاتيان بغيره حتى لو وصلت النوبة إلى الاصل العملي، فمقتضى قاعدة الاشتغال على ما هو المعروف عندهم لزوم إحراز سقوط التكليف.

وإن قيل بأن حرمة فرد لا يوجب تقييد متعلق التكليف بغيره، وأنه يجوز اجتماع الأمر والنهي، يكون الاتيان بالفرد المحرم كالإتيان بسائر الافراد في سقوط التكليف به. نعم إذا كان المتعلق مما يعتبر الاتيان به على نحو العبادة، فربما يحكم بفساده لعدم حصول قصد التقرب مع حرمة الفرد ووقوعه مبغوضاً، بخلاف موارد سقوط النهي، أو كونه معذوراً لجهة، فيحكم بصحته عبادة.

ثم لا يخفى أنه لا وجه لتقييد خطاب الأمر بخطاب النهي إذا كان الأمر إرشادياً، كما في الأمر بغسل الثوب، فإنه إرشاد إلى كون طهارته بالغسل، فيعم الغسل بالماء المباح والمغصوب، ولا ينافيه النهي عن الغصب.

 

 

المبحث السادس قضية إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقتضى إطلاق صيغة الأمر:


[1] الظاهر أن مراده (قدس سره) من الاطلاق، إطلاق نفس الدال على الوجوب وهو هيئة إفعل حيث إن الوجوب مستفاد منها، وذكر (قدس سره) أن للوجوب في كل واحد مما يقابلها تقيد وتضييق لدائرته، وكأنه في مقابل الأول يتقيد بفعلية وجوب فعل آخر، وفي مقابل الثاني بترك الفعل الآخر، وفي مقابل الثالث بما إذا لم يأت به شخص آخر، فإذا كان الآمر بصدد البيان ولم يذكر دالا على ذلك التقييد والتضييق يكون مقتضى الاطلاق كونه نفسياً تعيينياً عينياً.

أقول: لا يكون في موارد الوجوب التخييري وجوب الفعل مقيداً بترك فعل آخر، حيث إن لازم هذا التقييد فعلية الوجوبين مع ترك متعلقها بأن يعاقب المكلف بعقابين لتركه كلا من الفعلين.

مع أن الغرض الملزم إذا كان حاصلاً بأحد الفعلين، فلا موجب لتعدد الأمر والوجوب، بل يصح الأمر بالجامع بينهما، ولو كان ذلك الجامع أمراً انتزاعياً اعتبارياً.

وعلى ذلك يكون إثبات كون الوجوب تعيينياً بإطلاق متعلقه بمعنى عدم ذكر العدل له فإنه لو كان تخييرياً لذكر في الخطاب تقيد متعلقه بفعل آخر، بعطفه عليه بلفظة «أو» ليكون كاشفاً عن تعلقه ثبوتاً بالجامع بينهما.

نعم، لا مانع في الواجب الكفائي من تقيد مدلول الهيئة بما إذا لم يتحقق طبيعي الفعل من الآخرين، وأن كل واحد ممن اعتبر الوجوب في حقه يستحق العقاب فيما إذا تركوا الفعل.

وإذا كان المتكلم في مقام البيان ولم يذكر في خطابه تقييد للأمر بذلك، يكون مقتضاه كون الوجوب عينياً.

وأما الوجوب النفسي، فإن ظاهر الأمر بفعل هو كونه بداع البعث لا الارشاد إلى دخله في متعلق تكليف آخر شرطاً أو شطراً، وهذا الظهور ناش من عدم تقيد الأمر بإرادة الاتيان بمتعلق تكليف آخر، كما في آية الوضوء، وعلى ذلك فالصحيح أن يقال: إن إطلاق الأمر بفعل وعدم تقييده بإرادة الاتيان بمتعلق تكليف آخر، مقتضاه كون وجوبه نفسياً.

وكذا عدم تقيد وجوب فعل بما إذا وجب فعل آخر، فإن إثبات الوجوب الغيري بتقييد الأمر بفعل، بما إذا وجب فعل آخر وإن كان غير صحيح، لإمكان كونهما نفسيين في وقت واحد، كالأمر بالاقامة عند وجوب الصلاة، إلا أن عدم التقييد كذلك كاشف عن كون وجوب الفعل نفسياً.

وبتعبير آخر: لا يكفي في إثبات الغيرية مجرد تقييد وجوب الفعل بما إذا وجب الآخر، حيث إن الوجوب الغيري إضافة إلى تقيده بما إذا وجب الفعل الآخر، لابد أن يكون متعلقه مأخوذاً في ذلك الفعل الآخر فيكون شرطاً له، أو يكون الفعل الآخر مما يتوقف عليه خارجاً فيكون مقدمة له، ولذا يكون وجوبه غيرياً، فمجرد التقييد كذلك لا يكفي لإثبات الغيرية، إلا أن عدم التقييد كذلك يكشف عن نفسية الوجوب.

ولا يخفى أنـه يمكن إثبات كون وجوب الفعل نفسياً بإطلاق متعلق الوجوب الآخر، فإن مقتضى إطلاقه عدم أخذ المشكوك في نفسية وجوبه في ذلك المتعلق، فيكون وجوب المشكوك نفسياً، لجواز إثبات اللوازم بالأصول اللفظية.

وقال المحقق الاصفهاني (قدس سره) في ذيل كلام المصنف (قدس سره): لا يخفى أن لكل من الوجوب النفسي والغيري قيداً، ضرورة خروج الوجوب عن الاهمال بالقيد، ولكن القيد في الوجوب النفسي وما يماثله لا يخرج عن طبيعة الطلب عرفاً. ثم قال: التحقيق أن لكل من الوجوبين قيداً، ولكن القيد في الوجوب الغيري أمر وجودي وهو نشوء وجوب فعل وانبعاثه عن وجوب فعل آخر، والوجوب النفسي قيده عدمي، وهو عدم انبعاث وجوبه عن وجوب فعل آخر، لا أن للوجوب النفسي قيداً وجودياً هو أنـه يجب، وجب هناك شيء آخر أم لا، كما هو ظاهر المصنف (قدس سره) ضرورة أن مجرد اقتران وجوب شيء بوجوب شيء آخر لا يوجب كون وجوبه غيرياً، بل الوجوب الغيري نشوء وجوب فعل عن وجوب فعل آخر، وإذا ثبت بمقدمات الحكمة عدم بيان هذا القيد الوجودي يثبت النفسية في وجوبه، لكون القيد فيه عدمياً وليس مقتضى الاطلاق ثبوت وجوب، سواء كان ناشئاً عن وجوب فعل آخر أم لا، فإن إطلاق الوجوب بهذا المعنى غير معقول، وكذا الحال في الوجوب التعييني والتخييري فإن التخييري هو الوجوب المشوب بجواز ترك الفعل إلى بدل، والتعييني هو الوجوب الذي لا يكون كذلك، لا الوجوب المقترن بجواز الترك وعدمه.

ثم قال: وتوهم أن الحكمة لا تقتضي كون الوجوب تعيينياً، حيث لا يلزم من عدم بيان فرد آخر من الوجوب نقض الغرض فاسد، فإن الغرض بيان نحو وجوب الفعل وكيفية وجوبه وعدم ذكر القيد يكون نقضاً لهذا الغرض، وليس المراد من الغرض، الغرض الباعث إلى التكليف، مع أنه يلزم نقض هذا الغرض أيضاً فيما إذا تعذر ما اكتفى ببيان التكليف به(213)

.

وذكر بعض الاعاظم أن الأمر بالشيء يحمل على كونوجوبه نفسياً تعيينياً عينياً، إلا أن هذا الحمل لمجرد بناء العقلاء واستمرار سيرتهم على ذلك من غير أن يدخل في الدلالة اللفظية ـ وضعية كانت أو انصرافية أو كشف العقلاء عن الاطلاق ـ فإن أمر المولى وبعثه بفعل تمام الموضوع لاحتجاجه على العبد ولا يجوز له التقاعد عن موافقة مطلق بعثه، سواء كان باحتمال إرادة الندب أو العدول إلى الفعل الآخر باحتمال التخيير أو الترك مع إتيان شخص آخر بالفعل، لاحتمال الكفائية أو عدم الاتيان به عند عدم التكليف بالفعل الآخر، لاحتمال الغيرية، فإن على ذلك سيرتهم وبنائهم وإن لم يتبين لنا وجه هذا البناء، وليس لأمر راجع على دلالة اللفظ، ولذا يجري في الموارد التي يكون فيها البعث بنحو الاشارة أيضاً(214)

.

أما ما ذكر في الكفاية من استفادة الوجوب النفسي والتعييني والعيني من إطلاق الهيئة، فلا يمكن المساعدة عليه، كما لا يمكن المساعدة على ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) في تعليقته من أن القيد في كل من النفسي والتعييني والعيني عدمي، بخلاف الغيري والتخييري والكفائي فإن قيدها وجودي فيكفي في بيان النفسية عدم بيان قيد الغيري، وكذا الحال في التعييني والعيني، أما الأول فلأنه على القول بوضع الهيئة لمطلق الطلب يكون نتيجة الاطلاق هو مطلق البعث المشترك بين النفسي والغيري حيث إن ميزان الاطلاق هو أن يكون ما يؤخذ في الخطاب ويراد بيانه تمام الموضوع للحكم ولابد أن يكون في المقام هو الجامع، ولكن الاطلاق كذلك مع كونه خلاف الغرض حيث إن المفروض استفادة الوجوب النفسي لا الجامع ممتنع، لأن الحروف وما يشابهها ومنها صيغة إفعل لا يتصور الجامع الحقيقي بين معانيها.

والحاصل يلزم أن يكون لكل من الوجوب النفسي والغيري قيد، إما وجودي أو عدمي ضرورة صحة تقسيم الوجوب إليها، ويلزم أن يكون لذلك القيد دال آخر.

وأما ما ذكره المحقق الاصفهاني (قدس سره) من أن النفسية في الوجوب عبارة عن عدم الوجوب للغير، فهذا بين البطلان، فإنه إن كان المراد عدم الوجوب للغير بنحو السالبة المحصلة الصادقة مع انتفاء الوجوب ـ كما هو ظاهر كلامه ـ فهو كما ترى.

وإن كان المراد العدم بنحو السالبة بانتفاء المحمول أو السلب العدولي، فيحتاج بيان كون الوجوب لا لغيره، إلى بيان ودال آخر زائداً على الدال على أصل وجوبه، على أن الوجوب لنفسه هو الوجوب لذاته وتفسيره بلا لغيره، تفسير بلازمه.

ودعوى أن أحد القسمين أي الوجوب النفسي عين المقسم في نظر العرف، كما هو ظاهر قوله «بان الوجوب النفسي وما يماثله لا يخرج عن طبيعة الطلب عرفاً وإن كان غيره في نظر العقل»، لا تخرج عن صرف الادعاء، بل الوجدان على خلافها. فإنه يصح عرفاً تقسيم الطلب إلى النفسي والغيري من غير أن يلزم بنظرهم محذور تقسيم الشيء إلى نفسه وغيره، فكل من الوجوب النفسي والغيري بنظرهم نفس الطبيعة مع قيد زائد وجودي أو عدمي.

أقول: يظهر ما في كلام المحقق وبعض الاعاظم (قدس سرهما) مما ذكرناه في ذيل كلام الماتن (قدس سره)، فإنه ليس الكلام في المقام في الفارق الثبوتي بين الوجوب النفسي والوجوب الغيري ليقال إن لكل منهما خصوصية وقيداً زائداً على أصل الطلب وأن الطلب في الأول ينشأ عما في متعلقه من الملاك والغرض، بخلاف الغيري فإن ملاك الطلب فيه ترشحي عن الملاك والغرض في الفعل الآخر، وقد ذكر الماتن (قدس سره) ذلك في بحث الواجب النفسي والغيري، بل الكلام في مقام الاثبات وأن بيان كون الوجوب في الواقع نفسياً يكفي فيه عدم ذكر ما يدل على أن طلب الفعل غيري فيما إذا كان المولى في مقام بيان كيفية الوجوب ونحوه، وأن بيان كون الطلب المتعلق بالفعل غيري يكون بتقييد الطلب بما إذا أراد الاتيان بفعل آخر كما في آية الوضوء، أو بما إذا كان طلب الفعل الآخر فعلي، وإذا لم يذكره وكان في مقام بيان كيفية الوجوب بأن تعلق الطلب في الخطاب بالفعل يكون الاطلاق أي عدم ذكر ما يدل على قيد الوجوب الغيري دليلاً على أن الوجوب نفسي، لأن كون الوجوب مهملاً ثبوتاً غير ممكن من المولى الملتفت، كما أن ثبوت كلا الوجوبين خلاف الفرض، حتى لو فرض تحمل فعل واحد لوجوبين أحدهما نفسي والآخر غيري.

وعليه إذا أحرز عدم الوجوب الغيري ثبوتاً تعين كونه نفسياً، والوجه في إحراز عدم كونه ثبوتاً غيرياً عدم بيان القيد اللازم في الدلالة على كونه غيرياً، كما هو الفرض في المقام، وهذا معنى قولنا عدم الدلالة على كون الوجوب غيرياً في مقام بيان كيفية الوجوب دليل على نفسيته، ويعبر عن عدم الدال على غيرية الوجوب في مقام بيان كيفية الوجوب بالاطلاق، وهذا غير الاطلاق في موضوع الحكم المقتضي لتسريته إلى جميع أفراده كما في قوله سبحانه: «أحل الله البيع» وقوله سبحانه: «حرم الخمر والميسر» إلى غير ذلك، مما يحتاج إرادة بعض الافراد إلى قرينة دالة على خصوصية الافراد المقصودة ثبوتاً.

ونظير الاطلاق في المقام، ما تقدم في دلالة صيغة الأمر على كون الطلب وجوبياً بالاطلاق، وهذا الاطلاق داخل في الدلالة اللفظية، حيث إنه مدلول لعدم ذكر القيد الدال على الحكم الآخر كما تقدم، مع احتياجه في مقام البيان إلى ذكره لو كان هو المراد.

 

 

المبحث السابع: اختلف القائلون بظهور الصيغة في الوجوب وضعاً أو إطلاقاً فيما إذا وقع عقيب الحظر أو في مقام توهمه[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مدلول صيغة الأمر بعد الحظر:


[1] قد يقال: إن ورود صيغة الأمر بعد الحظر أو في مقام توهم الحظر يوجب ظهورها في الترخيص والاذن، وقد ينسب ذلك إلى المشهور.

ونسب إلى بعض العامة إنكار ذلك، والقول بظهور الصيغة في الوجوب مطلقاً.

ونسب إلى بعض القول بظهورها في ما كان الفعل عليه قبل النهي عنه إذا علق الأمر بزوال موجب النهي، كما في قوله سبحانه: «فإذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين»(215)

.

وقد استدل كل فريق على ما ذهب إليه ببعض استعمالاتها، ولكن القرينة في تلك الموارد على إرادة الترخيص والاذن أو الوجوب أو الرجوع إلى ما قبل الحظر موجودة، ومع قطع النظر عن تلك القرائن لم يظهر أن وقوعها عقيب الحظر يوجب ظهورها في غير ما كانت ظاهرة فيه قبل الحظر، بل وقوعها كذلك يوجب إجمالها وعدم الظهور في شيء منها بخصوصه.

لا يقال: قد تقدم أن دلالة الصيغة على وجوب الفعل بالاطلاق وعدم الترخيص في ترك متعلق الطلب، وتعلق الطلب به مع ورود صيغة الأمر محرز، وإذا لم يبين الترخيص في تركه يكون مقتضاه الوجوب، كما تقدم.

فإنه يقال: إنما يتمسك بإطلاق الطلب فيما إذا كان تعلق الطلب بالفعل بداعي البعث نحوه محرزاً، إما بالوضع أو بالانصراف، وفي المقام لم يحرز كون تعلق الطلب بالفعل بداعي البعث حتى يحمل على الوجوب، لاقتران الخطاب بما يصلح قرينة على أنـه بداعي الترخيص فيه، وبيان عدم الحظر أو ارتفاعه، كما لا يخفى.

 

 

المبحث الثامن: الحق أن صيغة الأمر مطلقاً لا دلالة لها على المرة والتكرار[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دلالة صيغة الأمر على المرة أو التكرار:


[1] المراد أن صيغة الأمر لا دلالة لها بمادتها ولا بهيئتها على خصوصية المرة أو التكرار، حيث إن مادتها لا تكون دالة إلا على الطبيعي، وهيئتها لا تكون دالة إلا على البعث نحوه وطلب وجوده.

وبتعبير آخر: يلاحظ الطبيعي تارة في وجوداته الانحلالية، وأخرى بوجوده الخاص، ككونه متعقباً بوجوده الآخر أو غير متعقب، أو مقترنا بوجوده الآخر أو غير مقترن إلى غير ذلك، وثالثة يلاحظ وجوده في مقابل عدمه، فلا يلاحظ السريان ولا وجوده الخاص. ولا يستفاد من صيغة الأمر إلا المعنى الاخير ـ أي ما يلاحظ وجوده في مقابل عدمه ـ، فتكون المرة مسقطة للأمر به لحصوله بها وخروجه من كتم العدم إلى صفحة الوجود، لا أن المطلوب فيها هو المرة.

ثم إن صاحب الكفاية (قدس سره) جعل النزاع في الهيئة والمادة وقال: إن صيغة (إفعل) لا تدل على خصوصية المرة ولا التكرار، لا بهيئتها ولا بمادتها كما بينا.

ولكن صاحب الفصول (قدس سره) جعل النزاع في الهيئة فقط، وأنه هل يستفاد من الصيغة المرة أو التكرار، أو لا يستفاد منها شيء من الخصوصيتين وأن مدلولها طلب حصول الطبيعي. فالنزاع في المقام راجع إلى دلالة الهيئة على أحدهما؟ مع التسالم على أن الصيغة بمادتها لا تدل على خصوصية المرة أو التكرار، وذلك لاتفاق أهل العربية ـ كما ذكر السكاكي ـ على أن المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل إلا على نفس الطبيعي(216)

.

وأجاب عنه الماتن (قدس سره) وقال: هذا الكلام غفلة عن أن كون المصدر المجرد عنهما كذلك لا يوجب الاتفاق على أن الصيغة بمادتها لا تدل على خصوصية المرة أو التكرار، لأن المصدر المجرد لا يكون مادة لسائر المشتقات ومنها صيغة الأمر، بل المصدر صيغة كسائر صيغ المشتقات له هيئة ومادة، وقد تقدم في باب المشتق مباينة المصدر مع سائر المشتقات في المعنى، فكيف يكون المصدر بمعناه المصدري مادة لها؟ وعليه فيمكن دعوى اعتبار المرة أو التكرار في مادة صيغة الأمر ولا اتفاق على عدمه.

لا يقال: إذا لم يكن المصدر مادة لسائر المشتقات، فما معنى ما اشتهر في الالسن من كون المصدر أصلاً في الكلام، والمراد بالكلام المشتق، فإن إطلاق الكلام على المشتق اصطلاح الصرفيين.

فإنه يقال: المراد بكون المصدر أصلاً في المشتقات مع أنـه محل خلاف بين علماء الادب، هو أن المصدر سابق على سائر المشتقات في الوضع، وأن سائر المشتقات وضعت بتبع وضع المصدر.

وبيان ذلك: أن من يلاحظ ألفاظاً مختلفة الهئية متحدة المادة كـ(ض رب وضرب ويضرب وضارب ومضروب وإضرب) يرى أنها تشترك في أمرين، أحدهما: ملفوظ يتلفظ به ويعبر عنه بـ(ض ر ب). وثانيها: معنى ذلك الملفوظ وكأن هيئات تلك الالفاظ صور للأمر الأول، ومعاني الهيئات صور للأمر الثاني، فيكون (ض ر ب) مادة لفظية لتلك الهيئات، ومعناه مادة لمعاني تلك الهيئات، وحيث أن المادة اللفظية غير قابلة للحاظ إلا في ضمن هيئة، فالهيئة التي لاحظ الواضع المادة في ضمنها أولاً كانت هي هيئة المصدر أو الفعل، وبعد وضع المصدر أو الفعل وضع سائر المشتقات التي تشترك مع المصدر في الأمرين المتقدمين بأن وضع موادها شخصاً، وهيئتها نوعاً، فالوضع في ناحية المصدر شخصي في هيئته ومادته، وفي غيره نوعي بالإضافة إلى الهيئات، وشخصي بالإضافة إلى موادها.

وقد ذكر بعض الاعاظم (قدس سره) أن مناقشة صاحب الكفاية ضعيفة، وذلك لأن المصدر وإن لم يكن مبداءاً لسائر المشتقات، إلا أن عدم التفاوت بين مبدأ المصدر ومبدأ سائر المشتقات في المعنى قطعي، وعليه فالعلم بخروج المرة أو التكرار عن معنى المصدر مساو للعلم بخروجهما عن مدلول مادة سائر المشتقات، فينحصر الخلاف في صيغة (إفعل) من ناحية هيئتها فقط، كما ذكر في الفصول.

أقول: العلم بخروج المرة والتكرار عن مدلول المصدر لا يكون موجباً للعلم بخروجهما عن مادة سائر المشتقات، فإنه من المحتمل أن يكون مادة جميع المشتقات حتى المصدر موضوعة للطبيعي المقيد بأحدهما، وتكون هيئة المصدر موضوعة لإلغاء الخصوصية من المادة وإشراب المعنى الحدثي لها مع كون الوضع في ناحية هيئة المصدر أيضاً شخصياً، ولذا يكون سماعياً بحسب المواد، وإذا أمكن ذلك يكون تخصيص الخلاف في صيغة الأمر بمدلول الهيئة دون المادة بلا وجه.

 

 

وتوهم أنه لو أريد بالمرة الفرد لكان الانسب... إلخ[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ذكر في الفصول أن المراد بالمرة الدفعة، وبالتكرار الدفعات، لا الفرد والافراد، فإنه لو كان المراد منها الفرد أو الافراد لكان الانسب، بل المتعين جعل هذا البحث تتمة للبحث الآتي وهو تعلق الأمر بالطبائع أو الافراد، فيقال: على القول بتعلقه بالفرد، هل المتعلق فرد واحد أو المتعدد أو لا دلالة في الأمر بشيء على أحدهما، وأما على القول بتعلق الأمر بالطبيعي فلا معنى لهذا البحث، فإن مقتضى تعلقه بالطبيعي عدم تعلقه بالفرد أصلاً فضلاً عن أن يكون واحداً أو متعدداً، وهذا بخلاف ما إذا كان المراد منهما الدفعة والدفعات، فإنه بناءاً عليه يصح جعل الدلالة على المرة والتكرار أو عدم دلالتها عليهما بحثا مستقلا.

وبما أن الاصحاب أفردوا هذا البحث عن البحث الآتي وجعلوا خلاف المرة والتكرار بحثاً مستقلاً يكون ذلك قرينة على أن المراد بالمرة والتكرار الدفعة والدفعات.

والوجه في عدم العلقة بين المسألتين بناءاً على أن المراد بالمرة الدفعة، وبالتكرار الدفعات، جريان النزاع على القول بتعلق الأمر بالطبيعي، وكذا على القول بتعلقه بالفرد، فإن جريانه على الأول معناه الاتيان بالطبيعي مرة أو مرات، وعلى الثاني معناه الاتيان بالفرد أو الاتيان بالافراد.

وقد ذكر الماتن (قدس سره) أنه لا علقة بين مسألة الدلالة على المرة والتكرار ومسألة تعلق الأمر بالطبيعة أو الفرد، وذلك لأن تعلق الأمر بالطبيعة معناه طلب وجودها، وإلا فالطبيعة ـ مع قطع النظر عن وجودها ـ لا يتعلق بها الحب والبغض ولا الارادة والكراهة ولا البعث والزجر، فالقائل بتعلقه بالطبيعة ملتزم بأن مفاد الأمر بها طلب وجودها، ولكنه ملغى عنها جميع خصوصيات أفرادها وأن تلك الخصوصيات غير داخلة في المطلوب، بحيث لو أمكن حصولها في الخارج عارية عن جميع تلك الخصوصيات لحصل متعلق الطلب وسقط الأمر بالطبيعة لحصول الغرض.

ولكن القائل بتعلق الأمر بالافراد يلتزم بأن تلك الخصوصيات أيضاً داخلة في المطلوب، بحيث لو أمكن حصول الطبيعة بدونها لما حصل المطلوب وعلى ذلك ـ سواء قيل بتعلق الأمر بالطبيعي أو بالفرد ـ يجري الخلاف في الدلالة على المرة والتكرار، فإنه على القول بتعلق الأمر بالطبيعي يكون الخلاف في أن المطلوب وجود واحد للطبيعي أو وجودات متعددة، وعلى القول بتعلقه بالفرد يكون الخلاف في أن المطلوب خصوصيات فرد واحد أو أفراد متعددة.

وبتعبير آخر: المراد بالفرد الواحد في المقام هو الوجود الواحد، كما أن المراد بالفرد في ذلك البحث دخول الخصوصيات لوجود الطبيعي في متعلق الطلب، فلا علقة بين المسألتين.

 

 

تنبيه: لا إشكال بناءاً على القول بالمرة في الامتثال[1].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ظاهر كلامه (قدس سره) أنه إن قيل بدلالة الصيغة على المرة فالامتثال يحصل بحصول متعلق الطلب خارجاً مرة، ولا يبقى مجال للإتيان به ثانياً على أن يكون الثاني أيضاً امتثالاً للطلب، فإنه من الامتثال بعد الامتثال.

وأما لو قيل بعدم دلالتها على خصوصية المرة ولا على خصوصية التكرار، بل كان مفادها طلب الطبيعي وإيجاد ذلك الطبيعي فإن لم يكن الآمر بصيغة الأمر في مقام البيان من هذه الجهة بل كان في مقام بيان أصل الطلب المتعلق بالمادة المعبر عن ذلك بمقام الاهمال أو كان غرضه إخفاء خصوصية متعلق الطلب وأنه الطبيعي مرة أو مرات أو بدونهما، فالمرجع الأصول العملية، وإن كان في مقام البيان كما هو الاصل في كل خطاب صادر عن المتكلم، فمقتضى إطلاق الطبيعة المأمور بها هو الاتيان بها مرة أو مرات لا لزوم الاقتصار على المرة، كما لا يخفى.

ثم قال (قدس سره): ولكن التحقيق أن مقتضى الاطلاق جواز الاتيان بالطبيعة مرة في ضمن فرد أو أفراد كما إذا قال (إذا حنثت اليمين فأعتق رقبة) فيجوز له عتق عبد أو عبيد دفعة امتثالاً للأمر بعتق العبد، وأما إيجاد فرد بعد إيجاد الآخر امتثالاً للأمر بالعتق ثانياً فهذا غير جائز، لسقوط الأمر بالعتق بالاتيان بالفرد الأول لا محالة، فلا يبقى مجال للإتيان به ثانياً بعنوان الامتثال فيما إذا كان امتثال الأمر بالفرد الأول علة تامة لحصول الغرض كما في المثال، ولا يبقى أيضاً مجال للإتيان به ثانياً ليكون الاتيانان امتثالاً واحداً.

نعم إذا لم يكن الاتيان الأول علة تامة لحصول الغرض الاقصى وإن كان موجباً للغرض المترتب على الاتيان بالفعل، كما إذا أمر المولى بالاتيان بالماء ليشربه أو يتوضأ به، فأتى به، فإنه مادام لم يشربه أو لم يتوضأ فلا يبعد صحة تبديل الامتثال بالاتيان بفرد آخر أحسن منه، بل وإن لم يكن أحسن منه كما كان له أن يأتي بذلك الماء قبل الاتيان بالماء المأتي به على ما يأتي بيانه في بحث الاجزاء.

أقول: لو كان مراد القائل بدلالة صيغة الأمر على المرة أن المرة قيد لمتعلق الطلب وأن مفاد الهيئة تعلق الطلب بالمادة ومفاد مادتها الطبيعي المقيد بالمرة، ففي الفرض لا يجوز الاتيان بالطبيعي مرة أخرى، فإن الاتيان مرة أخرى يوجب عدم حصول متعلق الطلب أصلاً، كما هو الحال في الركوع الواجب في كل ركعة من ركعات الفريضة.

وأما إذا كان مراده دلالة هيئة الصيغة على أن الطلب المتعلق بطبيعي الفعل واحد وأنـه لا تعدد في ناحية الطلب المتعلق بالطبيعي لا لزوما ولا استحبابا، ففي مثل ذلك وإن لم يجز الاتيان بالفرد الآخر من الطبيعي امتثالا لطلب آخر إذ لا تعدد فيه حسب الفرض، إلا أنه إذا أتى بالفرد الآخر بلا قصد الامتثال أو حتى معه فلا يضر بالامتثال الأول، كما هو الحال في غسل الوجه أو اليد اليمنى في الوضوء ثلاث مرات، فإن المكلف في الفرض وإن شرع بقصد الامتثال بالفرد الآخر مع علمه بالحال إلا أنه لا يضر بامتثاله بالفردالأول، ويترتب على ذلك أنـه لو أعاد الجنب غسله بعد اغتساله من الجنابة أولا فلا تضر الاعادة بصحة اغتساله الأول.

وكذلك الحال فيما لو قلنا بعدم دلالة الصيغة على المرة ولا التكرار لا بمادتها ولا بهيئتها، بل مفادها طلب صرف وجود الطبيعي، فإنه بعد حصول صرف وجوده بالفرد الأول لا يبقى مجال للامتثال بالفرد الآخر، ولكن إذا أتى بالفرد الآخر بلا قصد الامتثال أو معه، فلا يضر بالامتثال بالفرد الأول.

وما ذكره (قدس سره) في أول الأمر من أن مقتضى الاطلاق جواز عدم الاقتصار على المرة، لا يخفى ما فيه، فإن الاتيان بذات الفعل ثانياً وثالثاً جائز، ولكن لا يجوز بقصد الامتثال، لسقوط الأمر بالطبيعي بالاتيان بالفرد الأول، فإن مقتضى إطلاق المادة عدم أخذ الخصوصية في المتعلق، كما تقدم، ومقتضى إطلاق الهيئة تعلق الطلب بما لم يلاحظ فيه الخصوصية لا تعلقه بالخصوصيات أيضاً.

وما ذكره ثانياً من أنـه مع عدم حصول الغرض الاقصى فلا بأس بالامتثال ثانياً أيضاً غير صحيح، لأن بقاء الغرض الاقصى مع حصول الغرض من متعلق التكليف وهو تمكن الآمر من تناول الماء في المثال لا يوجب بقاء التكليف بذلك المتعلق ليمكن الامتثال الآخر بعد الامتثال الأول.

ودعوى أنـه لو أريق الماء الأول لزم على العبد الاتيان به ثانياً، وهذا دليل على بقاء التكليف ما دام لم يحصل الغرض لا يمكن المساعدة عليها، فإن العلم بالغرض في نفسه ملزم للعبد بالفعل ومع إراقة الماء يعلم بعدم حصول الغرض الذي هو تمكنه من تناول الماء وهو ملزم له بالفعل ثانيا، ولذا لو علم العبد بهذا الغرض وغفل المولى عن حضور عبده عنده ليأمره بالاتيان بالماء كان عليه الاتيان به وجاز للمولى أن يؤاخذه على تركه.

نعم، بقي في المقام أمر وهو أنه قد يكون لمتعلق الطلب مصاديق يختلف بعضها مع بعض في الملاك، فيكون ملاك الطلب في بعضها أقوى وأكثر بالإضافة إلى بعضها الآخر، كما في الأمر بالتصدق على الفقير، فإنه يمكن التصدق على فقير بالمال اليسير ويمكن التصدق عليه بالمال الكثير كما يمكن التصدق على فقير بعد التصدق على فقير آخر، ففي مثل هذه الموارد لا بأس بعد التصدق بالمال اليسير التصدق بمال آخر عليه، أو على فقير آخر امتثالاً للأمر المتوجه إليه.

ولكن لا يخفى أن مثل ذلك لا يعد امتثالاً بعد الامتثال، بل من موارد تعدد المطلوب بمعنى أن الطلب بمرتبته الوجوبية وإن سقط بالتصدق الأول، ولذا لا يجوز له التصدق على الفقير الثاني بقصد الوجوب، ولكنه قد بقي بمرتبته الاستحبابية، واستفادة تعدد الطلب بهذا المعنى من الادلة في بعض الموارد ومن مناسبة الحكم والموضوع في بعضها الآخر غير بعيد.

ثم إن هذا كله فيما إذا ثبت للآمر إطلاق، سواء كان بالصيغة أو بغيرها، وأما إذا لم يكن في البين إطلاق، كما إذا لم يصل خطاب الأمر إلينا أو وصل ولكن لم تتم فيه مقدمات الحكمة وفرض وصول النوبة إلى الاصل العملي، فمقتضى البراءة عدم كون الاتيان بالطبيعي ثانياً مانعاً، سواء أتى به بلا قصد التقرب والامتثال، أو لاحتمال مطلوبيته ولو ندباً، وبناءاً على ما ذكره المصنف (قدس سره) يكون مقتضى استصحاب بقاء التكليف جواز تبديل الامتثال.

array2.jpg (1192 bytes)

array1.jpg (1224 bytes)