(البحث الرابع)
قد عرفت انه تكاثر الايات واستفاضة الاخبار على نفى العسر والحرج اعنى الضيق في الدين والتكاليف ومقتضى تلك الظواهر انتفائهما راسا ولولا غير هذه الظواهر لم يكن هناك كلام وبحث بل كان اللازم العمل بعموماتها ويرجع في تعيين معنى العسر والضيق إلى العرف فيحكم بانتفاء كل ما يعد في العرف عسرا وضيقا ولكن هناك مران اوجبا الاشكال في المقام (احدهما) ان نفيهما بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يشاهد من التكاليف الشاقة والاحكام الصعبة التى لا يشك العرف في كونها عسرا وصعبا بل حرجا وضيقا كالتكليف بالصيام في الايام الحارة الطويلة وبالحج والجهاد ومقارعة السيف والسنان والامر بالقرار في مقابلة الشجعان والنهى عن الفرار من الميدان وعدم المبالات بلوم
[63]
اللوام في اجراء الاحكام والتوضأ بالمياء الباردة في ليالى الشتاء سيما في الاسفار واشد منها الجهاد الاكبر مع احزاب الشيطان والمهاجرة عن الاوطان لتحصيل ما وجب من مسائل الحلال والحرام وترك الرسوم والعادات المتداولة بين الانام المخالفة لما يرضى به الملك العلام إلى غير ذلك وثانيهما انا نرى الشارع ولم يرض لنا في بعض التكاليف بادنى مشقة كما يشاهد في ابواب التيمم وغيره ويلاحظ في الاخبار الواردة عن الائمة لتى ذكرنا بعضها من تفهم لبعض المشاق الجزئية مستدلين بنفى العسر والحرج وكذا في كلام الفقهاء ونرى مع ذلك عدم سقوط التكليف في كثير منها باكثر واشد من ذلك ولم اعثر على من تعرض لذلك المقابل اجمالا او تفصيلا الا طايفة من المتاخرين فانه فد يوجد في كلماتهم تعرض ما لهذا المضمار فمنها ما ذكره شيخنا الحر في كتابه المسمى بفصول المهمة قال بعد نقل طائفة من الاخبار النافية للحرج ·
اقول نفى الحرج مجمل لا يمكن الجزم به فيما عدا تكليف ما لا يطاق والا لزم رفع جميع التكاليف انتهى.
وذلك مبنى على تحقق العسر والحرج في جميع التكاليف وقد عرفت فساده واجمال نفى لحرج يقتضى رفع اليد عنه في ابواب الفقه وهو خلاف سيرة الفقهاء وطريقتهم بل الكل يتمسكون به في موارد كثيرة كما لا يخفى على المتتبع ومنها ما ذكره بعض مادة مشايخنا طاب ثراه في فوايده قال قدس سره بعد بيان نفى الحرج واما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف الشديدة كالحج والجهاد والزكوة بالنسبة إلى بعض الناس والدية على العاقلة ونحوها فليس شئ منها من الحرج فان العادة قاضية بوقوع مثلها والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض كالمحارب للحمية او بعوض يسير كما اذا اعطى على ذلك اجرة فانا نرى ان كثيرا يفعلون ذلك بشئ يسير وبالجملة فما جرت العادة بالاتيان بمثله والمسامحة وان كان عظيما في نفسه كبذل النفس والمال فليس ذلك من الحرج في شئ نعم تعذيب النفس وتحريم المباحات والمنع عن جميع المشتبهات او نوع منها على لدوام حرج وضيق ومثله منتف في الشرع انتهى.
اقول هذا من طرف النقيض من الاول وكما كان الاول افراطا فهذا تفريط فانه لوسلم انتفاء الحرج في بين التكاليف حيث انه يعتبر فيه عسر ودواء كما يشير اليه قوله على الدوام فلا شك في وجود امور تشق على الناس وتعسر عليهم والعسر ايضا منفى كما عرفت بل فيها ما يعد ضيقا عرفا وهو المراد من الحرج كما عرفت فان رفع الاخلاق المذمومة المجاهدة مع النفس سيما بالنسبة إلى بعض الاشخاص مما لا يخلو هى ضيق وحرج ومن لاحظ كلمات الفقهاء بل الاخبار المستدل فيها بنفى الحرج يرى انهم نفوا امور النفى الحرج هى اسهل بكثير من كثير من التكاليف الثابتة واما ما ذكره من ارتكاب الناس لمثلها من دون عوض او بعوض يسير فهو غير مسلم في مثل الحج والخمس والجهاد والصيام في الايام الحارة ونحوها واما المحاربة للحمية هى لا تدل على عدم عسرها وصعوبتها بل قد يرتكب للحمية امور واضحة المشقة ظاهرة لشدة وجريان العادة بالاتيان بامثال ذلك انما هو ليس مجانا او بعوض يسير كما لا يخفى ومنها ما ذكره بعض الفضلاء المعاصرين وقد ذكره في عائدة نفى الضرر قال سلمه الله تعالى بعد ذكر الاشكالين والذى يقتضيه النظر بعد القطع بان التكاليف الشاقة والمضار الكثيرة واردة في الشريعة ان المراد بنفى لعسر والحرج والضرر نفى ما هو زايد على ما هو لازم لطبايع التكليفات الثابتة بالنسبة إلى طاقة اوساط الناس المبرئين عن المرض والقدر الذى هو معيار التكاليف بل هى منفية من الاصل الا فيما يثبت وبقدر ما ثبت والحاصل انا نقول ان المراد ان الله سبحانه لا يريد بعباده العسر والحرج والضرر الا من جهة التكاليف التابتة بحسب احوال متعارف الاوساط وهم الاغلبون فالباقى منفى
[64]
سواء لم يثبت اصله اصلا او ثبت ولكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة ثم ان ذلك النفى اما من جهة تنصيص الشارع كما في كثير من ابواب الفقه من العبادات وغيرها كالقصر في السفر والخوف في الصلوة والافطار في للصوم ونحو ذلك واما من جهة التعميم كجواز العمل بالاجتهاد لغير المقصر في الجزئيات كالوقت والقبلة ونحوهما او الكليات كالاحكام الشرعية للعلماء انتهى.
اقول قد مر في العائدة المذكورة مايظهر به جلية الحال في هذا المقال والحاصل ان المستفاد مما ذكره ان قاعدة نفى العسر والحرج من باب اصل البرائة دون الدليل او تكون مقيدا بغير التكاليف الثابتة ويكون موضع العسر والحرج المنفيين ما هو زايد عن اصل طبايع التكاليف ويكون قاعدة نفى العسر والحرج من قبيل كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهى ونحوه فكل تكليف ثبت بالخصوص او العموم او التقييد او الاطلاق يكون خارجا عنه فكلما كان عليه دليل عام او خاص لا يعارضه قاعدة نفى (الحرج) الضرر وهذا مناف لطريقة الفقهاء في استدلالاتهم بقاعدة نفى العسر والحرج بل منهم من صرح ان قاعدة نفى الحرج ليس من باب الاصل الذى جاز الخروج عنها بدليل كساير العمومات بل لا يعارضها دليل اصلا كما ياتى نعم لو كان مراده ان بعد ملاحظة عمومات التكاليف وخصوصاتها وملاحظة التعارض بينها وبين ادلة نفى العسر والحرج واعمال القواعد الترجيحية واخراج ما ثبت ترجيحه من التكاليف الصعبة العسرة يقيد ادلة نفيهما بغير هذه المخرجات لكان صحيحا كما سنذكره ومنها ان العسر والحرج في الامور انما يختلف باختلاف العوارض الخارجية فقد يكون عسر او حرجا يصير باعتبار امر خارجى سهلا سعة و من الامور الموجبة لسهولة كل عسير وسعة كل ضيق مقابلته بالعوض الكثير والاجر الجزيل ولا شك ان كل ما كلف به الله سبحانه يقابله ما لا يحصى من الاجر من جاء بالحسنة فله عشر امثالها وعلى هذا فلا يكون شئ من التكاليف عسر او حرجا وما لم يرضى الله سبحانه فيه بادنى مثقة يكون من الامور التى لا يقابلها اجر ولا يستحق فاعلها عوض وثواب وما كلف به من الامور الشاقة ظاهرا فقد ارتفعت مشقتها بما وعد لها من الاجر الجميل والثواب الجزيل ولا يخفى ان اللازم من ذلك ايضا سابقه عدم معاوضة قاعدة نفى العسر والحرج بشئ من الادلة بل عدم ترتب فائدة في التمسك بها اذ كل ما ثبت فيه التكليف عموما او خصوصا فلا يكون القاعدة فيه جارية وكذا كلما كان التكليف به مشكوكا فيه وما لم يكن كذلك فالتكليف فيه منفى من غير حاجة إلى امر اخر هذا مضافا إلى ان انتفاء العسر والحرج من كل فعل باعتبار مقابلته بالعوض الكثير في حيز المنع فانه لا شك ان انفس لاعواض هو الحيوة ولا ريب ان من توقفت حيوته على قطع عضو منه كالرجل او اليد التى عرضتها الشقاقلوس؟ يعد قطع عضوه عسرا وصعبا والتحقيق ان الامور الصعبة على قسمين قسم يرد صعوبته ومشقته على القلب والخاطر من غير صعوبة فيه على البدن والجسم كالتضرر المالى مثلا وهذا يرتفع صعوبته اذا قابله امر اخر اهم في القلب منه وقسم يرد صعوبته على البدن كحمل الشئ لثقيل وقطع العضو وامثال ذلك وهذا لا يرتفع صعوبته وان قابله من الاجر ما قابله نعم لما كان للقلب ايضا صعوبة في تحمل الصعاب البدنية فاذا قابله الاهم منه يسهل تحمل الصعوبة معه اى يرتفع صعوبته القلبية فلا يخرج من العسر والحرج هذا ما عثرت عليه مما ذكروه في هذا المقام والتحقيق انه لا حاجة إلى ارتكاب امثال هذه التاويلات والتوجيهات بل الامر في قاعدة نفى العسر والحرج كما ي سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم والاخبار الواردة في الشرع القويم فان ادلة نفى العسر والحرج يدلان على انتفائهما كلية لانهما لفظان مطلقان واقعان موقع انتفى فيفيدان العموم وقد ورد في الشرع التكليف ببعض الامور الشاقة
[65]
والتكاليف الصعبة ايضا ولا يلزم من وروده اشكال في المقام كما لا يرد بعد قوله سبحانه واحل لكم ما وراء ذلكم اشكال في تحريم كثير مما ورائه ولا بعد قوله قل لا اجد فيما اوحى الي محرما الخ تحريم اشياء كثيرة بل يخصص بادلة تحريم غيره موم ذلك فكذا ههنا فان تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس بعزيز بل هو امر في ادلة الاحكام شايع وعليه استمرت طريقة الفقهاء فغاية الامر كون ادلة نفى العسر والحرج عمومات يجيب العمل بها فيما لم يظهر لها مخصص وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص فلا يرد شئ من الاشكالين ولعل لذلك لم يعرض الاكثر لذكر اشكال في ذلك اذ لا اشكال في تخصيص العمومات بالمخصصات ولا يلزم هناك تخصيص الاكثر ايضا فان الامور العسرة الصعبة غير متناهية والتكاليف الواردة في الشريعة محصورة متناهية ومع ذلك اكثرها مما ليس فيه صعوبة ولا مشقة كما بيناه واما عدم رضاء الله سبحانه بادنى مشقة في بعض الامور ورضاه بما هو اصعب منه كثيرا في بعض فلا يعلم ان عدم رضاه بالاول لكونه صعبا وعسرا بل لعله لامر اخر ولو علم انه لذلك فلا منافات بين عدم رضاه بمشقة ورضاه بمشقة اخرى لمصلحة خفية عنا واما احتجاج الائمة الاطياب لنفى التكليف في بعض الامور بانتفاء العسر والحرج فهو كاحتجاجهم لحلية بعض الاشياء بقوله سبحانه قل لا اجد فيما اوحى إلى الخ ومرجعه إلى الاحتجاج بعموم نفيه سبحانه الحرج وعدم وجود ما يخصص ذلك ومن هذا يرتفع الاشكال من بعض الاحاديث الذى نفى الامام فيه الحكم محتجا بكونه حرجا مع وجود ما هو اشق منه في الاحكام فان غرضه (عليه السلام) ليس انه منفى لكونه حرجا ولا يمكن تحقق الحرج في لحكم بل المراد انه حرج فيكون داخلا تحت عموم قوله سبحانه ما جعل عليكم في الدين من حرج فلا يحكم بخلافه الا ان يوجد له مخصص ولا مخصص ان لا لحكم واكثر تلك الاحتجاجات عنهم انما وقع في مقام الرد على العامة العمياء ومن ذلك يظهر ايضا الوجه في احتجاج الفقهاء بانتفاء بعض الاحكام الجزئية بنفى العسر والحرج ولا يلتفتون اليه في احكام اخر اصعب عنه (عنده) واشد·