(البحث السادس)
قد ظهر مما ذكرنا ان قاعدة نفى العسر والحرج من قبيل ساير العمومات يجوز تخصيصا بالمخصصات وانها اصل لا يخرج عنه الا مع دليل وقد ذكرنا ان بعضهم قال انه ليس كذلك وهو بعض سادة مشايخنا طاب ثراه قال قدس سره وليس المراد ان الاصل نفى الحرج وان الخروج عنه جايز كما في ساير العمومات الواردة في الشريعة اما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظاهر والا لزم ان تكون مساوية لغيرها في الاشتمال على الحرج والضرر الفرق بالقلة والكثرة تعسف شديد واما على العموم فلاجماع المسلمين على ان الحرج منفى في هذا الدين ولان التكليف بما يفضى إلى الحرج مخالف لما عليه اصحابنا من وجوب اللطف على الله فان الغالب ان صعوبة التكليف المفضية إلى حد الحرج تبعد عن الطاعة وتقرب عن المعصية بكثرة المخالفة ولان الله تعالى ارحم بعباده وارءف من ان يكلفهم ما لا يتحملونه من الامور الشاقة وقد قال الله سبحانه ولا يكلف الله نفسا الا وسعها انتهى.
اقول بل التحقيق ما ذكرنا من كون نفى الحرج والعسر اصلا يخرج عنه بدليل ولا يلزم منه مساواة هذه الشريعة لغيرها في الاشتمال على الحرج لان الحرج له مراتب كثيرة منها ما بقرب إلى العجز وعدم الطاقة فيمكن من يكون المنفى وجوده في هذه لشريعة بعض مراتبه كما نذكره في البحث السابع فان قلت على ما ذكرت يجوز وتخصيص هذه المرتبة ايضا من تلك العمومات قلت نعم ولكن الجواز غير الوقوع والفرق انما هو في الوقوع وعدمه لا في الجواز وعدمه واما ما ذكره من اجماع المسلمين على نفى الحرج في هذا الدين فالمسلم منه ما كان تكليفا بما لا يطاق او ما يقرب منه ويوجب ضيقا شديدا في غاية الشدة واما ما دونه فلا كيف وقد عرفت تصريح بعضهم بكون جميع التكاليف الواقعة حرجا وبعضهم بوقوع التكاليف الشديدة في الدين وما اجمع عليه المسلمون وهو ورود نفى الحرج في الشرع على سبيل العموم لا انه لا مخصص له واما ما ذكره من مخالفته لما يجب على الله سبحانه من اللطف فبعد اغماض النظر عن مطالبته معنى اللطف والمراد منه وانه هل هو ما كان لطفا عندنا او في الواقع وان لم ندرك وجه لطفه او نظن عدم كونه لطفا وعن ان الواجب عليه هل هو اللطف في الجملة او كل لطف نقول انه قد يترتب على امر صعب وضيق سهولة وسعة كثيرة دائمية اعلى وارفع من هذا الصعب ومقتضى اللطف حينئذ التكليف بالصعب الادنى للوصول إلى السعة الاعلى كما ان الاب الرؤوف يضيق على ولده بحبسه في المكتب ومنعه عن الاغذية المرغوبة له لراحته عند الكبر بل يحجمه ويقطع اعضاءه لدفع الامراض واما ايجاب ذلك كثرة المخالفة فهو غير مناف لللطف فانه نقص من جانب المكلف ولو اوجب ذلك عدم التكليف لزم ان يكون مقتضى
[67]
اللطف عدم التكليف لايجابه المخالفة ولا فرق فيها بين الكثرة والقلة مع انا نرى كثرة المخالفة بحيث تجاوزت عن الحد ولم يوجبها الاصل التكليف واما قوله سبحانه لا يكلف الله نفسا الا وسعها فالمراد بالوسع الطاقة كما عرفت مع انه لو اريد منه مقابل الضيق فهو ايضا كواحد من العمومات الصالحة للتخصيص·