(البحث التاسع)
اعلم ان المستفاد من ادلة نفى العسر والمشقة انهما موجبان للتخفيف وذلك يستعمل في موردين احدهما انهما يوجبان لحكما بالتخفيف من الله سبحانه وبعدم كون ما فيه المشقة تكليفا لنا لعموم ادلة نفيها وهذا يكون في كل مورد لم يتحقق دليل معارض لتلك العمومات واما ما تحقق فيه الدليل المعارض فيحكم فيه بمقتضى التعارض وان شئت قلت انهما يوجبان التخفيف من الله سبحانه وتعالى شانه يعنى ان العسر والمشقة يوجبان في الواقع ان يخفف الله سبحانه الحكم بحيث ينتفى عنه المشقة كما هو المستفاد من قوله سبحانه لا يريد بكم العسر وقوله تعالى شانه وما جعل عليكم في الدين من حرج ومن رافة الله
[68]
سبحانه بالنسبة إلى عباده ومن عدم الاحتياج له حتى يحمل عباده المشقة بل كل ما يكلفهم فانما هو لمصلحتهم ولازم ذلك ان يكون التخفيف في كل مورد لم يستعقب المشقة مرتبة عظيمة يسهل معها تحمل تلك المشقة واما اذا كان كذلك فمقتضى اللطف والرأفة التحميل ولهذا خصصت العمومات ووقعت التكاليف الشاقة في الشريعة الشريفة المقدسة وثانيهما انهما اوجبا وقوع التخفيفات الثابتة من الشريعة المطهرة وانتفائها سبب للرخص الواردة في الملة الشريفة والذى يفيد للفقيه في الفروع وظيفة التكلم فيه هو ايجاب نفى العسر والمشقة للتخفيف بالاستعمال الاول واما الثانى فلا يترتب عليه للفقيه ثير فائدة اذ بعد ثبوت الحكم من الله جل شانه لا جدوى كثيرا في درك انه للتخفيف ورفع المشقة وقد ذكر شيخنا الشهيد قدس الله سره في قواعده كثيرا من جزئيات قاعدة نفى المشقة وايجابه لليسر ولكنه انما ذكرها على الاستعمال الثانى اعنى انه ذكر احكاما كثيرة ثابتة من الشرع مناسبة لا يكون شرعيتها للتخفيف والرحمة وذكر ان بناء تلك الاحكام وشرعها انما هو للتخفيف والرخصة وهذه وان لم يكن في ذكرها كثير فايدة الا التكلم في فروعاتها التى هى من شان الكتب الفقهية ولكنا نذكر مخلص ما ذكره تبركا بكلامه (قدس سره) وتكثيرا للفائدة قال طاب ثراه ما ملخصه المشقة موجبة لليسر وهذه لقاعدة يعود اليها جميع رخص الشرع كاكل الميتة في المخمصة ومخالفة الحق للتقية عند الخوف على النفس او البضع او المال او القريب او بعض المؤمنين بل يجوز اظهار كلمة الكفر عند التقية ومن القاعدة شرعية التيمم عند خوف التلف من استعمال الماء او الشين او تلف حيوانه او ماله ومنها ابدال القيام عند التعذر في الفريضة ومطلقا في النافلة وصلوة الاحتياط غالبا ومنها قصر الصلوة والصوم ومنها المسح على الراس والرجلين باقل مسماه ومن ثم ابيح الفطر جميع الليل بعد ان كان حراما بعد النوم ومن الرخص ما يختص كرخص السفر والمرض والاكراه التقية ومنها ما يعم كالقعود في النافلة واباحة الميتة عند المخمصة يعم عندنا في السفر والحضر ومن رخص السفر ترك الجمعة وسقوط القسم بين الزوجات لو تركهن بمعنى عدم القضاء بعد عوده وسقوط القضاء للمتخلفات لو استصحب بعضهن ومن الرخص اباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية واباحة الفطر للحامل والموضع والشيخ والشيخة وذى العطاش والتداوى بالنجاسات المحرمات عند الاضطرار وشرب الخمر لاساغة اللقمة واباحة الفطر عند الاكراه عليه مع عدم القضاء ولو اكراه على الكلام في الصلاة فوجهان ومنه الاستنابة في الحج للمعضوب والمريض المايوس من برئه وخائف العدو والجمع بين الصلوتين في السفر والمرض والمطر والموحل والاعذار بغير كراهية ومنه اباحة نظر المخطوبة المجيبة واباحة اكل مال الغير مع بذل القيمة مع الامكان و لا معها مع عدمه عند الاشراف على الهلاك ومنه العفو عما لا يتم الصلوة فيه منفردا مع نجاسته وعن دم القروح والجروح الذى لا يرقى ثم التخفيف قد يكون لا إلى بدل كقصر الصلوة وترك الجمعة وصلوة المريض وقد يكون إلى بدل كفدية الصائم وبعض الناسكين في بعض المناسك والرخصة قد تجب كتناول الميتة عند خوف الهلاك وقصر الصلوة الصيام او يستحب كنظر المخطوبة وقد تباح كالقصر في الاماكن الاربعة والمشقة الموجبة للتخفيف هى ما ينفك عنه العبادة غالبا اما ما لا ينفك عنه فلا كمشقة الوضوء والغسل في البرودات واقامة الصلوة في الظهرات والصوم في شدة الحر وطول النهار وسفر الحج ومباشرة الجهاد اذ مبنى التكليف على المشقة ومنه المشاق التى تكون على جهة العقوبة على الجرم
[69]
وان ادت إلى تلف النفس كالقصاص والحدود بالنسبة إلى المحل والفاعل وان كان قريبا يعظم المه باستيفاء ذلك من قريب والضابط في المشقة ما قدره الشرع وقد اباح الشرع حلق المحرم للقمل كما في قضية كعب ابن عجره واقره النبى (صلى الله عليه وآله) عمروا على التييم لخوف البرد فليقاربها المشاق في باقى محظورات الاحرام باقى مسوغات التيمم و ليس مضبوطا ذلك بالعجز الكلى بل بما فيه تضيق على النفس ومن ثم قصرت الصلوة وابيح الفطر في السفر ولا كثير مشقة فيه ولاعجز غالبا فحينئذ بحوز الجلوس في الصلوة مع مشقة القيام وان امكن تحمله على عسر شديد وكذا باقى مراتبه ويقع التخفيف في العقود كما يقع في العبادات ومراتب الغرر فيها ثلث احديها ما يسهل اجتنابه كبيع الملاقيح وهذا لا تخفيف فيه وثانيها ما يعسر اجتنابه وان امكن تحمله بمشقة كبيع البيض في قشره وبيع الجدار وفيه الاس وهذا عفى عنه تخفيفا وثالثها ما بتوسط بينهما كبيع الجوز واللوز في القشر الاعلى والاعيان الغايبة بالوصف ومنه الاكتفاء بظاهر الصبرة المتماثلة ومن التخفيف شرعية خيار المجلس ومنه شرعية المزارعة والمساقاة والقراض وان كان معاملة على معدوم ومنه اجارة الاعيان فان المنافع معدومة حال العقد ومنه جواز تزويج المراة من غير نظر ووصف دفعا للمشقة اللاحقة للاقارب ومن ذلك شرعية الطلاق والخلع دفعا لمشقة المقام على الشقاق وسوء الاخلاق وشرعية الرجعة في العدة غالبا ليتروى ولم تشرع في زيادة على المرتين دفعا للمشقة عن الزوجات ومنه شرعية الكفارة في الظهار الحنث و منه التخفيف عن الرقيق بسقوط كثير من العبادات ومنه شرعية الدية بدلا عن القصاص مع التراضى كما قال الله تعالى ذلك تخفيف من ربكم ورحمة انتهى.
ما اردنا نقله من كلامه ملخصا وهو كما ترى في التخفيفات الثابتة من الشرع وبعد ثبوتها منه لا فايدة كثيرة في بيان كونها تخفيفا اولا .
(عائدة)
قد اشتهر بين الاصحاب ان الاحكام تابعة للاسماء قيل معناه انه ينتفى الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم وليس المراد انتفاء الحكم بانتفائه مطلقا ولو بدليل اخر فان التخصيص بالذكر لا يقتضى التخصيص بالحكم الا بمفهوم اللقب وهو ليس بحجة ولازم ذلك امكان اثبات الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب قال فكما لو كان دليل لتسوية الحالين في الحكم آية او رواية او اجماعا كان حجة ولم يمكن منافيا لتبعية الحكم للاسم فكذا اذا كان استصحابا فانه دليل شرعى يجب الحكم بمقتضاه وهو التسوية بين الحالين في الحكم فان قلت لو كان الاستصحاب حجة مع زوال الاسم كان الحكم ثابتا مع التسمية وبدونها فاى فائدة في التبعية التى ذكروها قلت فائدة التبعية تظهر في الحالة السابقة على مورد النص كالحصرم بالنسبة إلى العنب وفى الحالة اللاحقة مع تبدل الحقيقة وبالجملة لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم لعموم المقتضى وانتفاء ما يصلح دليلا للاشتراط ولذا ترى الفقهاء يستصحبون كم الحنطة بعد صيرورتها دقيقا والدقيق بعد صيرورته عجينا والعجين بعد صيرورته خبزا وهكذا حكم القطن بعد ان يصير غزلا والغزل بعد ان يصير ثوبا وكذا حكم الطين بعد صيرورته لبنا بل اللبن بعد صيرورته خزفا واجرا والاسم في ذلك كله ليس باقيا قطعا وايضا لو تنجس العنب ثم صار زبيبا فانه يبقى على نجاسته ولا يطهر بزوال التسمية وارتفاع وصف العنبية وليس الا لاستصحاب حكم النجاسة وعدم اشتراط بقاء الاسم في حجية الاستصحاب ·
اقول ما ذكره في مرادهم من تبعية الحكم للاسماء صحيح فانه ليس المراد منه انه يدل على انتفاء الحكم بانتفاء الاسم حتى يكون معارضا
