(البحث الخامس)

قد ظهر مما ذكر ان نفى الضرر و الضرار في الاحكام الشرعية من الاصول والقواعد الثابتة بالاخبار المستفيضة المعتضدة بعمل الاصحاب الموافقة للاعتبار المناسبة للملة السمحة السهلة المعاضدة بنفى الحرح والعسر والمشقة كما ورد في الكتاب والسنة فهذا اصل من الاصول كساير القواعد والاصول الممهدة ودليل شرعى يستدل به في موارده فان لم يكن له معارض فالامر واضح وان كان بان يدل دليل اخر عملى ثبوت حكم شرعى يلزمه ضرر فيعمل فيهما بمقتضى التعارض الترجيح وقد يعارض نفى الضرر نفسه بان يكون الامر مرددا بين حكمين يستلزم كل منهما ضررا على احد فالحكم الترجيح ان كان والا فالتوقف او التخيير ولا يخفى ان مرادنا من كون نفى الضرر والضرار من الاصول انه من الادلة الشرعية لا انه اصل كاصل البراء‌ة والاستصحاب واصل الحقيقة وامثالها حتى لا يعارض دليلا اصلا والتوضيح انهم قد يقولون ان القاعدة الفلانية من قبيل الدليل دون الاصل حتى لا يعارض دليلا اصلا ومرادهم من الاصل هنا كل ما ثبت لولا الدليل على خلافه وبعبارة اخرى ما يدل على ثبوت شئ ولا الدليل على خلافه ومن الدليل ما يدل على

[20]

ثبوت شئ مطلقا والفرق ان الاول لا يعارض دليلا اصلا سواء كان موضوع الدليل اعم من موضوعه مطلقا و من وجه او اخص والثانى يعارض مع الادلة ويعمل حين التعارض بما يقتضيه التعادل والترجيح مثلا قوله (ع) كل ماء طاهر دليل على طهارة الماء فاذا ورد كل شئ نجس يتعارضان والاول اخص مطلقا فيخصص الثانى به واذا ورد كل شئ ملاق للنجاسة نجس يتعارضان بالعموم من وجه ومحل التعارض الماء الملاقى للنجاسة فيعمل فيه بمقتضى التراجيح واذا ورد كل ماء ملاق للنجاسة نجس يكون اخص مطلقا من الاول فتخصصه.
واما قوله (عليه السلام) كل ماء لم يعلم نجاسته فهو طاهر وكل ماء طاهر حتى يعلم انه نجس فهو دليل على اصالة طهارة الماء لا على طهارته فهو دليل على الاصل ولا يعارض شيئا من المذكورات لان كلا منها دليل شرعى عام شامل للماء مطلقا او الماء الملاقى للنجاسة فهو يكون معلوم النجاسة فيكون خارجا عن مدلول كل ماء لم يعلم نجاسته ويكون الماء معلوم النجاسة حينئذ ويعلم كون شئ من باب الدليل او الاصل بكونه مقيدا بعدم الدليل على خلافه ومطلقا فان كان مقيدا فهو من باب الاصل كاصل البرائة والحقيقة وامثالهما فانه ليس هناك دليل دال على برائة ذمة كل احد من التكاليف ولا على كون كل لفظ مستعملا في معناه الحقيقى بل الثابت هو برائة الذمة ما لم يعلم الشغل في الحقيقة والاستعمال ما لم يعلم التجوز ولو كان هناك دليل على ان كل لفظ حقيقة مطلقا لكان ذلك معارضا مع قرائن المجازية وان كان مطلقا فهو الدليل نحو قوله لا ضرر ولا ضرار فان قيل هو ايضا مقيدة لا محالة بقيد لولا الدليل على خلافه قلنا نعم ولكن كلما يعارضه ايضا مقيد بذلك فلا يمنع هذا القيد من التعارض.