الفصل الخامس (إعتماد المتكلمين على الخبر الواحد والجواب عنه)

من جملة المتكلمين من يذهب إلى أن في أخبار الاحاد ما يضطر السامع له إلى العلم بمخبره.
وقد حكى الجاحظ لك عن النظام أنه يقول: إن المخبر الواحد إذا تكاملت فيه الشروط وفي سامعه، أضطره إلى العلم بما تضمنه خبره، وكان هو الفاعل للعلم في قلبه.
ومما تحتمله القسمة(1)، ويصح أن يكون مذهبا، وليس في العقول ما يحيله أن يكون في مصالح العباد في دينهم ودنياهم، وما يقتضيه حسن تدبيرهم.
أن يفعل الله تعالى العلم فيهم عند خبر الواحد، إذا كان مضطرا إلى ما أخبر به، أو لا يصرفه عن السكون إلى سماعه والاصغاء اليه، وسلم من مقارنة راويه لما يعارضه وممن يجحده ويكذب به.
ومتى قال هذا لم يعترض قوله، ويفسده ما يذكره من يقول أن الله تعالى يفعل العلم بخبر المخبر، ونقطع على أنه لا يفعله عند خبر الاربعة، ويجوز


____________________

(1) ظ: النسبة

[47]

فعله عندما زاد عليها من الرجوع إلى الشهادة في الزنا، لان أحد ما شرطه أن لا يكون الخبر واقعا موقع الشهادة، وكان السامع له خاليا من الاعتقاد لصنف ما أخبر به، أو لا يصرفه عن السكون إلى سماعه والاصغاء اليه، وسلم من مقارنة رواية(1) لما يعارضه ومن يجحده ويكذب به.
(ومتى قال هذا لم يعترض قوله ويفسده ما يذكره، من أن يقول: إن الله تعالى يفعل العلم بمخبر، ونقطع على أنه لا يفعله عند خبر الاربعة، ويجوز فعله عند ما زاد عليها من الرجوع إلى الشهادة في الزنا، لان أحد ما شرطه أن لا يكون الخبر واقعا موقع الشهادة(2)) وذلك مما يمتع أن تتعلق به المصلحة، ولا يختار الله تعالى فعل العلم معه.
فأما الذي حكى عن النظام، إن كان الذي يحيله ويفيده(3) أن القادر من البشر لا يصح أن يفعل في غيره، إلا بسبب يتعدى حكمه إلى ذلك الغير، ولا سبب يتعدى حكمه إلى غير محله إلا الاعتماد، لاختصاصه بالمدافعة لما يماس محله.
كان له الذب عن مذهب النظام أن يقول: لم زعمتم ذلك؟ وما أنكرتم أن يشارك الاعتماد في هذاالحكم وهو التعدي، ويكون الخبر من جملة ما يتعدى حكمه لكونه مدركا، فيتفق الخبر والاعتماد، بل كل مدرك في تعدي الحكم إلى غير محلها(4)، ويكون معنى تعدى الحكم في الاعتماد كونه مدافعا وفي الخبر كونه مسموعا، وإذا تعدى الحكم لم يمتنع أن يكون سببا للتوليد في غير محله.


____________________

(1) ظ: راويه.
(2) بين المعقوفتين كذا في النسخة وهو تكرار.
(3) ظ: ويفسده.
(4) ظ: محله.

[48]

وإن قلنا لو ولد الخبر لوجب أن يولد جنسه وكل جزء منه ومن فعل كل فاعل ولكل سامع.
كان له أن يقول: ما يولد العلم يفارق سائر الاسباب حسب ما نقوله في النظر وتوليد العلم ومفارقته لسائر الاسباب.
وإن قلنا: إن ذلك يؤدي إلى أن يفعل في الوقت الواحد بالسبب الواحد علوما لكل من سمع الخبر.
كان له أن يقول: إلى ذلك أذهب، وليس هناك ما يحيله ويفسده إذا تغاير من يفعل العلم له.
الكلام على ذلك: أما ما تضمنه إبتداء هذا الفصل، فهو مذهب النظام في قوله " إن خبر الواحد يوجب العلم على بعض الوجوه ".
وهذا مذهب ضعيف سخيف، قد بين في الكتب بطلانه وبعده عن الصواب.
ودل على فساده بأشياء: منها: أنه لو كان خبر الواحد يوجب العلم، لوجب ذلك في كل خبر مثله، وكان أحق المخبرين بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يجب استغناؤه عن المعجزات، وإن لم يعلم صدقه من غير دليل يقترن اليه.
وكان يجب في الحاكم إذا لم يعلم صدق المدعي ضرورة أن يعلمه كاذبا، فلا يسمع ببينة.
وأيضا فلوكان الخبر مولدا للعلم، لم يكن بعض حروفه بالتوليد أولى من بعض، فكان يجب إما أن يكون العلم متولدا عن كل حرف من حروف الخبر، وهذا يؤدي(1) إلى أن يقع العلم عند أي حرف وجد من حروفه، وقد علم بطلان ذلك.


____________________

(1) في الاصل: يروى.

[49]

وهكذا إن قيل: أن العلم يقع بالحرف الاخير، لانا نعلم أن الحرف الاخير من الخبر لو إنفرد لم يحصل عنده علم.
وإن كان العلم المتولد عن سائر حروف الخبر على سبيل الانضمام، فهذا باطل.
لان الاسباب الكثيرة لا يجوز أن تولد سببا واحدا، كما لا يجوز أن يقع المعذور الواجد يقدر كثيرة(1). ومنها: أنه كان ينبغي أن لا يفتقر إلى المواضعة في العلم الواقع عند الخبر، لان السبب يولد لامر يرجع اليه، فأي حاجة به إلى تقدم المواضعة، وقد علمنا أنه لولا تقدمها لما أفاد الخبر، ولا حصل عنده علم.
ومنها: أن الصوت لا جهة له، فكيف يولد في غير محله، وإنما ولد الاعتماد في غير محله، لانه مختص بجهة، والا فسائر الاسباب لا تولد الا في محلها.
فأما ما مضى في أثناء هذا الفصل عند ذكر أن الاعتماد يختص بجهة، فجاز أن يولد في غير محله، والصوت ليس كذلك، من قوله ما أنكرتم أن يشارك الاعتماد غيره في هذا الحكم وهو التعدي، ويكون الخبر من جملة ما يتعدى حكمه، لكونه مدركا، فيتفق الخبر والاعتماد، بل كل مدرك في تعدي الحكم إلى غير محلها(2).
ويكون معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا في الخبر، وفي الخبر كونه مسموعا، فطريق ما كان ينبغي أن يحيل مثله. فيورد في جملة الشبهات: لان الاعتماد إنما ولد في غير محله بسبب معروف، وهو الاختصاص بالجهة.
وهذه الصفة لا تحصل له، لان بها تميز في(3) سائر الاجناس، فكيف يجوز


____________________

(1) ظ: أن يقع المقدور الواحد بقدر كثيرة.
(2) ظ: محله.
(3) ظ: من

[50]

أن يكون الصوت مشاركا له في هذا الحكم، وهو مما لا جهة له كالاعتماد، اللهم الا أن يدعى أن الصوت ذو جهة كالاعتماد، فبطلان ذلك معلوم ضرورة.
ولو كان غير الاعتماد مشاركا له في الاختصاص بجهة لكان من جنسه، لان المشاركة فيما متميز به الجنس مشاركة في الجنس.
وأعجب من هذا القول بأن كل مدرك يشارك الاعتماد في تعدي الحكم إلى غير محله وهذا يوجب أن تكون الالوان والطعام والارائيح والجواهر بهذه الصفة.
ومن العجب القول بأن معنى تعدي الحكم في الاعتماد كونه مدافعا، وفي الخبر كونه مسموعا، وأين كونه مسموعا من كونه مدافعا، وإنما ولد في غيره لاختصاصه بالمدافعة في الجهة، وهذا لا يوجد في مسموع ولا جري(1) ولا جنس غير الاعتماد. وبعد فلاصفة له بكونه مسموعا. فضلا من أن يولد في الغير لاجلها.
ـــــــــــــــــــ
(1) كذا في النسخة.