(خبر الواحد لا يوجب سكونا وإطمئنانا)

ومما يدل على أن خبر الواحد لا يوجب العلم الضروري على ما يحكى عن النظام أنا عدالته(2) لاحوالنا والرجوع إلى أنفسنا لا نجد سكونا عند خبر الواحد على الشرائط التي شرطها النظام على حد سكوننا إلى ما نشاهده وندركه، ولاحد سكوننا إلى ما نعلمه من أخبار البلدان والامصار والوقائع الكبار.
فإن السكون الذي نجده عند خروج الرجل باكيا مخرق الثياب متسليا، يخبر بموت بعض أهله لا ينفك من تجويز أن لا يكون الامر بخلاف ما ذكره، وأن له في ذلك غرضا وإن بعد.
وإنما لاجل إستبعاد الاغراض في مثل هذا الخبر


____________________

(2) ظ: عند التوجه.

[51]

ما يخيل لنا أنا ساكنون عالمون.
والسكون إلى المشاهدات والى أخبار البلدان بخلاف هذا، لانه لا يصحبه ولا يقترن اليه شئ من التجويز لخلافه. فعلمنا أن ما يحصل عند خبر الواحد، هو ظن قوي فيوهم علما. وإن الذي يحصل عند الدركات وغيرها مما ذكرناه هو العلم الحقيقي.
ولهذا ربما إنكشف كل شئ، رأيناه وسمعناه في الموضع الذي يذهب النظام إلى أنه علم من خلافه.
فظهر أن الامر بخلاف ما أشيع وأعلن، وأن تلك الاشاعة كان لها سبب من إجتلاب منفعة، أو دفع مضرة.
وهذا لا نجده بحيث يحصل العلم واليقين على وجه ولا سبب.
فأما مضى في خلال هذا الفصل، من أنه غير ممتنع أن يعلم الله تعالى من مصلحة العباد أن يفعل العلم عند خبر الواحد إذا كان مضطرا إلى ما أخبر به ويخرج خبره مخرج الشهادة، وكان من الشرط كذا وكذا.
فلعمري إن هذا غير ممتنع ولا محال، وإنما أحرز(1) القائل بهذه الاشتراطات عن مواضع معروفة ألزمت من ذهب إلى هذا المذهب.
لكنا قد علمنا أن ذلك وإن كان جائزا في العقل، فإنه لم يكن بما تقدم من الادلة، وهو أننا نجد نفوسنا عند الخبر الذي هذه صفته وقد تكاملت الشرائط كلها له، لا تنفك من تجويز - وإن كان مستبعدا - لا يكون(2) الامر بخلاف ما تضمنه الخبر، فلو كان العلم حاصلا لارتفع هذا التجويز، ولم نر له عينا ولا أثرا، كما قلنا في المشاهدات وغيره.


____________________

(1) ظ: إحترز.
(2) ظ: ألا يكون.

[52]

فأما ما تضمنه آخر هذا الفصل من الجواب عن قول القائل: لو ولدالخبر العلم يوجب أن يولد جنسه وكل حرف منه، بأن قيل: إنما يولد العلم يفارق سائر الاسباب حسب ما نقوله في النظر والتوليد للعلم.
فالكلام على ذلك أن الاسباب لا تختلف في أن توليدها يرجع إلى الاجزاء والاجناس، وإنما فارق سبب العلم سائر الاسباب في الشروط، والشروط قد تختلف وقد تتفق بحسب قيام الدليل، وليس يجوز أن يختلف الاسباب في رجوع التوليد إلى أجناسها وإلى كل جزء منها.
والذي ختم به هذا الفصل من إرتكاب توليد السبب الواحد مسببات كثيرة.
لما وقفت ذلك على حد، لانه إذا تعدى الواحد فلا تقتضي للحصر، وهذا يؤدي إلى توليده ما لا نهاية له.
الا ترى أن القدرة لما تعلقت في المحال والاوقات، ومن الاجناس بأكثر من جزء واحد، لم ينحصر متعلقها من هذه الوجوه، وإستقصاء جميع ما يتعلق بهذا الكلام يطول، وفيما أوردناه كفاية.