الفصل
السادس (حصول العلم وتولده من خبر الواحد والجواب
عنه)
وله أن
يقول: قد علمنا أنه لا يجوز أن يتساوى نفسان في كمال
العقل، ونفي السهو والاعتراض عما يسمعانه، ثم
يكون(1) سماعهما للمخبر عن أحد جاء من بغداد على حد
واحد، فيحصل العلم لاحدهما ولا يحصل للاخر.
كما لا
يجوز أن يشتركا في صحة الحاسة وإرتفاع الموانع
وحصول المدرك ويتساوى حالهما في جميع ذلك، فيدرك
أحدهما ما يختص به ولا يدركه الاخر.
وإذا لم
يثبت تساوي الامرين في العقول، وكان المقدم على دفع
أحدهما كالمقدم على دفع الاخر، وإستقل كون الحق
مدركا بما ذكرناه من غير توقف لامر زائد من موجب أو
متخير.
وكأن
القائل أن وجود العلم موقوف على فاعل متخير، مع ما
ذكرناه إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله.
كالقائل أن
حصول الحي مدركا موقوف على معنى إن وجد كان مدركا،
وإن لم يوجد لم يكن مدركا، وجود ذلك موقوف فاعل
متخير(2).
____________________
(1) ظ: ثم لا
يكون.
(2) كذا في
النسخة.
[54]
فأما من
سوى بين الامرين، كأبي علي الجبائي وغيره وأوقف
حصول الحق مدركا على معنى، فإنه لا يجدي فرقا بينه
وبين من قال في الجسم الثقيل إذا لم يكن تحته ما
يقله(1) ولا فوقه ما يمسكه كونه(2) متحركا سفلا ووجود
الجسم الثقيل إذا لم يكن تحته ما يقله(1) ولا فوقه ما
يمسكه كونه(2) متحركا سفلا ووجود الحركة فيه، ونظائر
هذا الالزام مما يؤدي إلى الجهالات كثيرة.
وإذا ثبت
غناء العلم عن أمر زائد، فالموجب له ما تجدد بحسبه،
وكان تابعا لتجدده وهو الخبر، وإذا لم يجز في العلم
الذي هو فعل واحد أن يحدث عن أكثر من فاعل واحد، وجب
القطع على أن(3) من فعل مخبر واحد.
ولان العلم
لو لم يتولد عن خبر الواحد واحتاج إلى أخبار زائدة
عليه، لكان كل خبر يفرض قبل حصول العلم، فلابد من
أحد أمرين، أما الانتهاء إلى خبر عصد(4) عقيبه العلم
وينتفى الشك وهو المطلوب، أو اتصال الشك وتعذر
العلم وقد علمنا وجوب حصوله حسب.
الكلام على
ذلك: أنه لا يجوز أن يتساوى جنسان(5) في صحة الخاصه(6)
وارتفاع الموانع، وحصول المدرك، وتكامل جميع
الشرائط، فلا يتساويان في كونهما مدركين على ما
ذكرت.
غير أنه
يجوز أن يتساوى جنسان في نفي السهو والاعراض عما
يدركانه من سماع الخبر عن أحد جاء من بغداد، فيعلم
أحدهما ولا يعلم الاخر.
فان قلت: قد
أخللتم بشرط، وهو المتساوي في كمال العقل.
____________________
(1) ظ: ما
يقره.
(2) ظ: كان.
(3) ظ: أنه.
(4) ظ: حصل.
(5) في هامش
النسخة ظ: نفسان.
(6) ظ:
الحاسة.
[55]
قلنا لك:
هذه مغالطة، لانا إذا اشترطنا كمال العقل فقد دخل
في جملة العلم بالمدركات ومخبر(1)، فكيف يجوز أن
يشرط تساويهما في العلم بمخبر الاخبار، ثم يجوز
انفراد أحدهما بذلك، وليس يمكن أن يدعى أنا شرطنا
في ذلك كون الحي مدركا.
ولهذا فصل
أصحابنا بين كون الحي مدركا وكونه عالما، فقالوا:
قد يكون عالما غير مدرك ومدركا غير عالم، كالبهيمة
والمجنون والطفل.
فاذا قيل
لهم: متى كان كامل العقل وأدرك شيئا غير ملتبس،
فلابد من أن يكون عالما بما فعل، فقد وجب هاهنا
عالما مقترنا بكونه مدركا.
قالوا:
اشتراط كمال العقل اشتراط لكونه ممن يجب أن يعلم ما
أدركه، والشئ لا يكون شرطا في نفسه. على أنا لو
تجاوزنا عن هذا الموضع، لكان بين الادراك والعلم -
وان تساويا هاهنا في الوجوب والحصول - فرق واضح.
وهو أن
العلم قد ثبت أنه معنى من المعاني، بدلالة كون الحي
في أكثر المواضع عالما، مع جواز أن لا يكون عالما،
والشروط كلها واحدة.
وإذا ثبت
أن العلم معنى من المعاني، وأن كون العالم عالما
يجب عنه، ثبت ذلك في كل موضع، وفارق كون العالم
عالما لكونه مدركا، لانه لم يثبت في موضع من
المواضع أن الادراك معنى.
ولا أن
الحي يجب حصوله على هذه الحال لعلة من العلل.
لان كل
موضع يشار اليه، فالحال فيه متساوية في وجوب كونه
مدركا عند تكامل الشرائط، واستحالة كونه كذلك عند
اختلالهما(2)، فانفصل الامران أحدهما من صاحبه.
____________________
(1) ظ: ومخبر
الاخبار.
(2) ظ:
اختلافهما.
[56]
فأما ما
انتهى الفصل اليه من قوله: وإذا ثبت غناء العلم عن
أمر زائد، فالموجب له ما تجدد بحسبه فقد بينا أن كون
العالم عالما غير مستغن عن أمر زائد يوجب كونه على
هذه الصفة، فلا معنى للبناء على ذلك.
وقوله "
إذا كان العلم واحدا وجب أن يكون متولدا عن خبر
وافضاؤه بذلك إلى الخبر الذي يحصل عنده " باطل،
لانا نعلم أن كل خبر يشار اليه من أخبار الناقلين
للبلدان والامصار لو انفرد عما تقدم وتأخر عنه، لما
حصل عنده علم ولا زال به شك.
فلوكان
موجبا للعلم ايجاب العلل لاوجب ذلك، متقدما كان أو
متأخرا، مقترنا بغيره أو منفردا.
وهذا أحد
ما استدل به الشيوخ على أن الاخبار لا توجب العلم،
قالوا: لان الخبر الواحد، أو الاخبار الكثيرة لو
أوجبت العلم وهو جزء واحد، لوجب أن يكون المتسبب
الواحد حاصلا عن أسباب كثيرة، وهذا يجري في الفساد
مجرى حصول المقدور الواحد عن قدر كثيرة.
فاذا قيل
لهم: يجب عن سبب واحد وعن حرف واحد من حرف الخبر.
قالوا: لو
كان كذلك لوجب متى انفرد هذا الحرف من باقي الحرف أن
يجب عنه العلم، وقد علمنا خلاف ذلك.
وهب أنه
أمكن القول بايجاب الخبر للعلم من حيث تجدد عند
ادراكه وان كنا قد بينا بطلانه، كيف يمكن أن يقال:
فما حصل لنا العلم به من الجواهر المدركة، وقد
علمنا وجوب حصول ذلك عند تكامل الشروط، كوجوب حصول
العلم بمخبر الاخبار.
وليس هاهنا
ما يمكن أن يسندا يجاب العلم اليه، الا الجوهر فان
الادراك ليس بمعنى، ولا شبهة في ان الجوهر ليس بعلة
في ايجاب حال من الاحوال.
 |