الفصل السابع (اعتماد العقلاء على الخبر الواحد والجواب عنه)

ان قيل: قد علمنا إقدام العقلاء على التصرف عند أخبار الاحاد بحسبها فيما يتعلق بالدين والدنيا، كما يقدمون على التصرف عند الادراك وخبر العدد الكثير، ولا يوجد منهم من يقر(1) تصرفه على ما يشاهده ويتواتر الخبر به ولا يتجاوزه، بل يتبعون أخبار الاحاد من الافعال والاحكام، مثل ما يتبعون المشاهدة وأخبار العدد الكثير، وقد تقدم السؤال فيما يتعلق بالدين وأمثلته.
فأما ما يتعلق بالدنيا فأكثر من أن يحصى، لتعلقها بضروب المنافع ودفع المضار المشتملة على الاكل والشرب والنكاح والخلط، والتصرف في الاموال والنفوس والدول والممالك، لا يفرق الملوك والرؤساء وجميع العقلاء والعلماء بين ما يرويه القواد وما تضمنه الكتب وتأتي به الرسل، وبين ما يشاهده ولم يتواتر(2) عليها الخبر به من تجهيز الجيوش، والتولية والغزاء للامراء والعمال والغزات والحكام واظهار المسار، وامساك المصائب، وتجديد البيعة، وأخذ العهود، ودفع الاموال، ونقل الحرم والذخائر من بلد إلى بلد.


____________________

(1) ظ: من يقصر.
(2) ظ: وبتواتر.

[58]

ثم لا يوجد من الفضلاء من أنفذ أحد ثقاته إلى وكيل في ناحية يستدعي منه حمل غلة، أو يأمره بابتياع ضيعة، فيوقف(1) الوكيل عن سماع قول من أنفذه، وكف عن انفاذ ما رسمه، حتى يشافهه بذلك، أو تواتر عليه من يكون خبره طريقا للعلم على ما يذهب اليه من قال بالتواتر، فعذره صاحبه وحمده على أن لم يغرر بماله، هذا ما يرجع إلى الوكيل.
فان قرر بانفاذ الغلة وابتياع الضيعة وعاد الذي أنفذه بذلك، فتوقف عن تسليم الغلة وتصحيح ثمن الضيعة، وقال: لا أقدم على شئ من ذلك الا أن أشاهده، أو يتواتر علي الخبر به، عد ناقصا.
لانه متى فعل ذلك فاعل وسلكه سالك، خرج عن عادات العقلاء، ودخل فيما ينسب لاجله إلى قلة المعرفة، أو حدوث مرض، وهكذا من أشعره سلطانه أو بعض إخوانه لحاجة إلى الاجتماع معه لامر يهمه، ثم أنفذ اليه بأحد من يعلم اختصاصه به وسكونه اليه، فأخبره بخلوه وباستدعائه، فتوقف عن اجابته، وطلب ما يقطع عذره من مشاهدة أو تواتر.
ونظائر ذلك كثيرة لا يأتي عليها تعداد.
فان كان جميع التصرف التابع لاخبار الاحاد تابعا لظن أو حسبان، لا لعلم ويقين لتمام الحيلة في بعضها، وان خاف الكذب في بعض آخر منها، فما الفرق بين من قال ذلك، وبين من قال مثله في التصرف التابع للادراك، ولخبر العدد الكثير لتمام الحيلة وانكشاف الكذب في بعضها.
أما تمام الحيلة في المدركات من الوكلاء والمودعين والخزان والموثقين في الملابس والاواني والالات والجواهر والمآكل والمشارب والحيوان وسائر


____________________

(1) ظ: فترقف.

[59]

ما يتموله الناس، اما لهلاكها، أو فسادها، أو الطمع في فضل قيمتها، فأكثر من أن تحصى.
ثم لا يشعر من تمت فعليه(1) الحيلة في البذل المدة الطويلة مع التصرف فيها والمشاهدة لها، وربما استمر ذلك ولم يعلم به، ولعله الغالب حتى ينبهه منبه، أو يشي اليه واش، فربما صدقه وربما كذبه واستمر استعماله لما عزم له، أو أبذل عليه.
وقد يتم الغلط على النقاد وغيرهم ممن يفاتي الامور المفتقرة إلى الادراك، ولا يعذر(2) ذلك إلى جميع المدركات بالفساد واللبس، حتى لا يوثق بشئ منه ولا يحكم بحصول العلم عنها.
وهذه سبيل الخبر الوارد عن الخلق العظيم والعدد الكثير، لا يعلم خلقا(3) اعظم ولا عددا أكثر ولا معاداة آكد، تكامل واجتمع في خبر كاجتماعه في اليهود والنصارى، والملك الذي وقع منه القتل والصلب وأتباعه ورعاياه، كلهم يخبر عما يصح أن يكون الخبر طريقا إلى العلم، وهو ايقاع القتل والصلب بعيسى بن مريم عليهما السلام، لانه مما يشاهد ويضطر اليه.
ولم يجب لمكان ذلك وعلمنا بكذبهم، أن يعود على كل خبر خبر الخلق العظيم والعدد الكثير بالتوقف، حتى لا نثق بشئ منها، ولا نحكم على الكل بحكم البعض، فكذلك أخبار الاحاد.
اللهم الا أن يكون هناك ما يختص به المشاهدة واخبار العدد الكثير، ويكون معلوما لا يمكن ادعاء مثله في أخبار الاحاد فيما(4) هو.
الكلام على ذلك: أما ما تضمنه هذا الفصل من ذكر العمل على أخبار


____________________

(1) كذا في النسخة ولعل: عليه.
(2) ظ: يعدو.
(3) ظ: خلق، وكذا عدد.
(4) ظ: فما هو؟

[60]

الاحاد في العقليات والشرعيات، فقد بينا عند الكلام في الفصل الرابع من هذه المسائل، عند ذكره للعمل على خبر الوكيل في العقد والابتياع، وعلى خبر الزوجة في الطهر والحيض وما أشبه ذلك.
أن هذا الجنس من الكلام انما يصلح أن يعتمد على من أحال العمل على أخبار الاحاد، وعلى ما لا يوجب العلم من الاخبار، فأما من جوز ذلك فيقطع عليه من الموضع الذي دل الدليل عليه فيه ومنع منه، بحيث لم يدل الدليل عليه، فلا يكون هذا الكلام حجابا له وقدحا في مذهبه.
وبينا أيضا أنه لا يمكن أن يحمل وجوب العمل على أخبار الاحاد في الشريعة، بحيث وقع الاختلاف على هذه المواضع بالقياس، ويجمع بين الامرين بعلة تحرز وتعين.
وبينا أيضا أنه لا يمكن دخول موضع الخلاف في تلك الجملة، على أنه تفصيل لها.
ولا معنى لاعادة ما مضى.
وأجود ما يمكن أن يقال في هذا الموضع وأقوى شبهة: انه إذا وجب في العقل العمل على خبر من أنذرنا بسبع في طريق، أو لصوص، أو ما جرى مجرى ذلك من المضار الدنيوية، ووجب التحرز من هذه المضار وتجنبها بقول من لا يؤمن كذبه، حتى يكون مذموما من اطرح العمل بها مع خوف المضرة، وإلا(1) لاوجب أيضا العمل على قول من خبرنا عن الرسول، لانا لا نأمن في اهمال العمل به المضرة.
والا وجب(2) على سبيل التحرز من المضار العمل على هذه الاخبار على الوجه الذي هو أوكد مما تقدم ذكره. لان مضار الدنيا منقطعة ومضار الاخرة


____________________

(1) الظاهر زيادة " والا ".
(2) ظ: ولا وجب.

[61]

دائمة، والتحرز من الضرر الدائم أقوى وأوجب من التحرز من الضرر المنقطع.
والجواب عن هذه الشبهة وان كانت لم تمض في جملة المسائل: أنا نأمن فيما خبرنا به الواحد الذي لا نعلم صدقه، ولا دل دليل قاطع يوجب العلم عن(1) العمل عند خبره، أن يكون فيما أخبرنا به علينا ضرر دينى، لانه لو كان كذلك لوجب في كلمة(2) الله تعالى أن يعلمنا ويدلنا على هذا الفعل الذي يستحق به العقاب، لانه مما لا يمكن العمل به عقلا ولا يعلم كذلك إلا سمعا.
ولا طريق إلى ذلك إلا بخبر يوجب العلم والقطع على صدق رواية(3) أو خبر، وان كان يوجب الظن رواية(4)، فقد نصب دليل يوجب العلم على لزوم العمل به فلما فقدنا هذين الطريقين علمنا فيما خبرنا به الواحد الذي تقدمت صفة.
وهذا الذي ذكرناه مما لابد منه عندنا وعند خصومنا المحصلين في هذه المسألة، لانهم يوافقونا على أن العمل لابد من أن يكون تابعا للعلم، فتارة يكون تابعا للعلم بصدق الراوي، وأخرى يكون تابعا بوجوب العمل على قوله، ويعترفون بأن العمل إذا خلا عن علم على أحد الوجهين اللذين ذكرهما لم يصح، لانه لا يأمن المقدم عليه أن يكون قبيحا، وانما يأمن بالعلم دون الظن.
على أن من تعلق بهذه الطريقة في وجوب العمل على أخبار الشريعة لا يمكنه أن يستدل بما ذكرناه على وجوب قبول جميع أخبار الشريعة، لان فيها ما لا مضرة في ترك العمل، كالاباحة المتضمنة للاباحة الخارجة عن الخطر والايجاب.


____________________

(1) ظ: على.
(2) ظ: حكمة.
(3) ظ: راويه.
(4) الظاهر زيادة " راوية ".

[62]

ثم نعود على ما انتهى صاحب المسائل اليه كلاما، فانه قد صرح بفرضه في ذكر ما يعمل عليه من أخبار الاحاد في الدين أو الدنيا، لانه قال بعد أن عدد ما يعمل فيه على أخبار الاحاد فان كان جميع التصرف التابع لاخبار الاحاد تابعا لظن وحسبان لا لعلم ويقين، لتمام الحيلة في بعضها وانكشاف الكذب في بعض آخر منها.
فما الفرق بين من قال مثله في التصرف التابع للادراك، وللخبر(1) العدد الكثير لتمام الحيلة وانكشاف المين والكذب في بعضها، وذكر ما يبذله الخزان من الالات والثياب، ثم ذكر خبر اليهود والنصارى عن قتل المسيح عليه السلام وصلبه.
وهذا كما تراه تصريح منه بأن العمل في جميع ما عددوه عمل بعلم ويقين، وأن تلك الاخبار التي وقع العمل عندها أو جبت العلم لا الظن، ولهذا ألحقها بالعمل عند طرق الادراك.
واعتذر فيها بما يعتذر للادراك، وأن انكشاف كذب بعض الادراك لا يوجب الشك في جميعه.
والكلام على هذا: ان ما نعلم أن العمل في المواضع التي ذكرها بأخبار الاحاد فيما يتعلق بدين أو بدنيا واقع مع الظن بصدق المخبر، لا مع العلم بصدقه والقطع عليه بأمر واضح جلي نعلمه من أنفسنا ضرورة، ولا نحتاج فيه إلى انكشاف الحيلة فيما أخبرنا به، وأن ذلك مما يعتمد أيضا، سنبينه فيما بعد بعون الله ومشيته.
وهو أن أحدنا يعلم من نفسه ضرورة، إذا أخبره وكيله بعقده له على حرة، أو ابتياع أمة، وكذلك إذا أخبرته زوجته بحيضها أو طهرها، أو جاء‌ه رسول بكتاب


____________________

(1) ظ: ولخبر.

[63]

صديقه أو أميره، أنه مجوز أن يكون الامر فيما خبر به بخلاف الخبر، وان كان ظنه إلى الصدق أميل ومن جهته أقرب.
ويفرق بين ذلك وبين ما يعلمه قاطعا عليه واثقا به، فرقا ضروريا لا يشتبه على عاقل، حتى لو قال له قائل: انت موفق(1) قاطع على هذا الخبر الذي عملت عليه، وتجريه مجرى الاخبار المتواترة، توجب(2) العلم عن البلدان والامصار والحوادث الكبار بقابل(3)، بل فيه(4) ما أنا قاطع ولا موقف، بل مجوز للصدق والكذب، وان كنت بالظن إلى جهة الصدق أقرب، وما يعلمه العقلاء من نفوسهم ضرورة، فلا ينبغي أن يقع فيه مناظرة.
فمن ادعى تساوي حال من ذكرناه لحال من يعلم شيئا عند الادراك وزوال كل شبهة فيه ولبس، أو يعلم بالاخبار المتواترة.
فقد كابرنا باتمام الحيلة التي ينكشف الامر عنها.
فهو أيضا وجه يعتمد في هذا الموضع، وان كان ما ذكرناه أوضح وأولى.
وتقريب هذا الكلام وجه يعتمد في هذا الموضع، وان كان ما ذكرناه أوضح وأولى.
وتقريب هذا الكلام: أنه لا موضع من هذه المواضع التي عملنا فيها على اخبار الاحاد الا ونحن نجوز أنينكشف عاقبة الامر عن كذب المخبر، ولا نأمن من ذلك البتة كما نأمنه مع العلم اليقين، وليس كذلك العلم التابع للادراك أو الحاصل عند التواتر، لانا لا نجوز ألبتة فيما علمناه عند الادراك، ولا لبس ولا شبهة أن ينكشف عن خلاف وكلاء(5) في الاخبار المتواترة.
فاما ما عدده من تمام الحيل وانكشاف الكذب فيما يتعلق بالادراك، فمما


____________________

(1) ظ: موقف.
(2) ظ: التي توجب.
(3) ظ: لقال.
(4) الظاهر زيادة " فيه ".
(5) ظ: وكذا.

[64]

لا يطعن على ما ذكرناه، لان كل موضع يشار اليه من ذلك، لم يخلص من شبهة أو سبب التباس، أو فرق بين جملة وتفصيل، ولا يخرج الادراك مع كل ذلك من أن يكون طريقا إلى العلم اليقين عند ارفاع كل شبهة ولبس.
ألا ترى أن الخزان وأصحاب الودائع انما يتم لهم ابدال شئ بغير لا من الملابس(1) والالات لاسباب معروفة: منها: ان الادراك في كثير من هذه المواضع انما يحصل عند العلم بالجملة دون التفصيل، وليس يجب في كل عالم بالجملة أن يكون عالما بتفصيلها.
ومنها: أن كثيرا من العلوم الضرورية قد ينسى مع تطاول الدهر، فلا يمتنع أن يخفى على صاحب الثوب مع طول العهد ابداله ثوبه، لان تفاصيل صفات ثوبه قد انساها مع تراخي المدة.
ومنها: أن الشئ قد تخفى صفاته على تفصيلها إذا ادرك من أدنى بعد، أو قلة تأمل صاحبه له وتصفحه لاحواله وصفاته، ولهذا نجد كثيرا ممن يبذل(2) عليه ثوب بغيره يخفى عليه إذا عرضه عليه خازنه من بعيد وقربه منه عرفه، وكذلك يلتبس عليه إذا لم يتصفحه ولم تحمله الاسترابة على التفقد والتأمل، فمتى استراب وتأمل لم يخف عليه، ومن هذا الذي يستحسن أن ينفي الثقة عن علوم الادراك كلها، لاجل ما لعله يتم في بعضها واحد الامرين متميز من صاحبه.
فأما استشهاده على أن الخلق العظيم قد يجوز أن يخبروا بما ينكشف عن كذب، وتخبر اليهود والنصارى عن قتل المسيح (عليه السلام) وصلبه، فمما لا يشتبه حتى يحتج به في هذا الموضع.
وقد تبين في الكتب ما يزيل هذه الشبهة الضعيفة، وجملته.


____________________

(1) ظ: بغيره من الملابس.
(2) ظ: يبدل.

[65]

أنه أولا غير مسلم أن شروط الخبر المتواتر حاصلة في اليهود والنصارى لان من شرطه إذا لم يخبرنا من سمعنا الخبر من جهته عن مشاهدة.
وانما خبرونا عن قوم مع طول العهد وتراخى الزمان، أن تعلم(1) أن صفات من خبرت عنه الجماعة التي لقيناها مساوية لصفات من لقيناه وتلقينا الخبر عنه.
وهذا لا طريق اليه أبدا وخبر(2) اليهود والنصارى، لانه غير منكر أن يكونوا انقرضوا في بعض الازمان الخالية، أو خبروا في الاصل عن عدد قليل.
ولا يمكن أن يبطل شذوذ أسلافهم وحدوث خبرهم، بما يبطل به مثل ذلك في نقل المسلمين، قد تبينوا المفترض اليهود في بعض الاوقات.
وأن النصارى يعتروا(3) كل شئ يرونه إلى التلاميذ الذين هم قلة في الاصل، على أن تواترها ولاي(4) إذا سلم من كل قدح، فانما يقتضي أن هناك مقتولا مصلوبا وقد كان ذلك.
وانما الشبهة في أنه المسيح (عليه السلام) لم يكن مخالطا للقوم وملاقيا لهم.
ولهذا رووا أنهم رجعوا عند قتله في تعيينه إلى أحدهم، فأشير(5) لهم إلى غيره حتى قتلوه.
وقيل أيضا: ان المقتول تتغير حاله وتستحيل أوصافه، فلا ينكر أن يشتبه مع القتل المشخص بغيره.


____________________

(1) ظ: أن نعلم.
(2) ظ: في خبر.
(3) ظ: يعزوا.
(4) كذا في النسخة، ولعل الصحيح: هؤلاء.
(5) ظ: فشبه لهم.

[66]

وقيل أيضا: ان المصلوب لاجل بعده عن العيون وتعذر التفقد والتأمل فيه، لا يمتنع أن يشتبه لسواه.
وهذا واضح وغير موجب أن يتعدى الشك فيه إلى المواضع الخالية من أسبابه.