الفصل الثامن (اعتماد اهل اللغة على الخبر الواحد والجواب عنه)

ما الذي يجيب به من سئل عما في الكتب المعمولة في اللغة من الالفاظ والاسماء التي لا يعرفها العامة وكثير من الخاصة؟ لغرابتها وقلة سماعها، والمتداول لاستعمالها والاستشهاد بها في تفسير غريب الحديث، وغير ذلك من الامور المتعلقة بالدين.
وهل اضافتها إلى لغة العرب معلوم أو مظنون؟ فان كان معلوما مع أن الذي تضمنه الكتب من ذكر رواتها آحاد، كالا صمعي وأبي زيد ومن يجري مجراه.
وهذه سبيل ما يذكر فيه مما يستشهد به عليها من أبيات الشعر في أنه مأخوذ عن آحاد وليس فيه تواتر.
وما الفرق بينه وبين ما تضمنه الكتب المعمولة في الفقه من الاحكام واضافتها إلى الائمة (عليهم السلام)، ومن يشتمل على ذكره من الرواة أضعاف من يشتمل عليه كتب اللغة.
وهذه المحنة بيننا وبين من أبي ذلك ورده ودفعه، فان الجميع موجود وظاهر من يشتمل على ذكره كتب الفقه، في العدالة والنزاهة والتدين والتنسك

[68]

والتحفظ من الكذب، ومما يتهم، أشرف وأمثل من غيرهم، مع مدح الائمة لهم وحسن الثناء عليهم، وذلك غير موجود(1) من سواهم.
ومتى ادعي التواتر وحصول العلم بأحد الامرين، أمكن مثله في الاخر وعلم ما في الفروع(2) إلى هذه الدعوى، وأنها لا تحصل الا مع تعذر الفرق وامتناعه.
وان كان مظنونا فكيف استجازت علماء الامة بأسرها الاقدام على ما لا يؤمن كونه كذبا، والاستشهاد به في تفاسيرها وأحكامها، والمشكل من روايتها والمتشابه من ظواهرها، وذلك ان لم يكن معلوما وكان مظنونا لم يعرف لم يقع موقعه.
هذا بعيد في صفتها ومستنكر في نفسها.
وان كان بينهما فرق معلوم في كتب اللغة ونفيه عن كتب الفقه، فما ذلك الفرق الذي يوجب العلم بأحدهما وفقده عن الاخر.
فان قلنا: اعتماد الامة عليها في تفاسيرها وأحكامها يدل على علمهم بها، وليس ذلك موجودا في كتب الفقه التي ذكرتموها.
كان له أن يقول: عمل الامة بها بما(3) لا يجوز أن يصدر الا عن حجة يعرفها آحادها وجملتها، لان اللغة غير مأخوذة بالقياس والرأي، ولا بد فيها من نقل واستعمال، وإذا لم يكن معها إذا استقرئ(4) حالها إلى(5) الرجوع إلى ما ذكرناه من الفزع إلى كتب اللغة التي وصفنا حالها.


____________________

(1) ظ: فيمن.
(2) ظ: الفزع.
(3) مما.
(4) في هامش النسخة: استفزى.
(5) ظ: الا.

[69]

فقد صار عمل الامة واجماعها ثابتا في الرجوع إلى أخبار الاحاد والفزع اليها فيما يوجب العلم والعمل.
وإذا كان ما يشتمل عليه كتب الفقه من الرواة أزيد حالا في العدد والنزاهة مما يشتمل عليه كتب اللغة، كان حكمها في باب العلم والعمل آكد.
وان أقمنا على القول بأن الجميع مظنون غير معلوم مع ما تقدم.
كان له أن يقول: ما حكموا بمثل ذلك في سائر ما تضمنه الكتب من أنساب وأشعار ودواوين، وتفصيل قصائدها وأبياتها وألفاظها، ومن مذاهب وآراء في أصول الديانات وفروعها: ولا يحسن منا الخبر عنها.
فلا يطلق في بيت من الشعر أن قائلا(1)، وفي مذهب من المذاهب أن ذاهبا ذهب اليه بلا تعلق ذلك بشرط، كما نفعل فيما لا تفعله(2)، فنقول: روي عن فلان كذا، وحكي أن فلانا قائل بكذا، حتى يجيب ذلك في كل تفصيل.
وما الفرق بين من أقدم على هذا القول وبين من أقدم على مثله في جمل الامور التي فصلناها وقال كثيرة ذكرها وجريانها على ألسن الناس، وحفظهم لها عن ناقليها، بل عمن حفظها.
والاصل في نقل الجملة والتفصيل واحد، فان كانت الجملة معلومة فالتفصيل معلوم، وان كانت مظنونة فالتفصيل تابع لها، لانه لم يفارقها، ولاداعي إلى نقل الجملة دون تفصيلها.
الكلام على ذلك: أما اللغة العربية ففيها ما هو معلوم مقطوع على أنه لغة للقوم ومن موضوعهم، وفيها ما هو مظنون ومشتبه ملتبس.
وما هو معلوم منها فترتب أحوال الناس فيه، فمنه ما يعلمه كل أحد خاصيا


____________________

(1) ظ: قائلا قال به.
(2) ظ: نعلمه.

[70]

أو عاميا بالسير مخالطة، ومنه ما يحتاج تناه(1) في المخالطة وقراء‌ة الكتب وسماع الروايات إلى غايات بعيدة.
ومنه ما يتوسط بين هذين الطريقين بحسب التوسط في المخالطة.
وقد علمنا أن كل عاقل اختلط بعض الاختلاط بأهل اللغة العربية، يعلم ضرورة أن هذه اللغة تسمية(2) الحائط بالجدار والسيف بالحسام، وان لم يعلم دقائق اللغة وغوامضها.
ومن لم يقف على هذا الحد وزادت مخالطته وسماعه وقراء‌ته، علم ما هو أكثر من ذلك.
وعلى هذا إلى أن ينتهي إلى علم سرائر اللغة وكوامنها، فانه موقوف على من استوفى شروط المخالطة كلها، وبلغ في القراء‌ة وسماع الروايات إلى الغاية القصوى.
فأما المظنون فهو ما رواه الواحد ولم يجمع باقي أهل اللغة عليه، فانهم أبدا يقولون في كتبهم: هذا تفرد بروايته فلان، ولم يسمع الا من جهته.
والمشتبه هو الذي اختلف فيه علماء أهل اللغة، فروى بعضهم شيئا، وروى آخرون خلافه.
ولا معول في أن أهل اللغة يستشهدون في كتبهم بالبيت من الشعر الذي لا يقال باضافته إلى شاعره.
ولو عملت أيضا الاضافة لما وثق في اضافته إلى لغة جماعة العرب بقول الشاعر الواحد، لان ذلك لمن فعله من أهل الكتب والتصنيف لا يدل على أنهم أوردوه احتجاجا وتطرقا إلى العلم.
بل يجري ذلك مجرى من روى ودون في الكتب وخلد في المصنفات خبر الهجرة وبدر وحنين، والصلاة إلى القبلة، وصوم شهر رمضان، وما أشبهه


____________________

(1) ظ: إلى تناه.
(2) ظ: تسمى.

[71]

من الامور المعلومة.
ومعلوم أن الروايات المصنفة في ذلك ليست بحجة فيه، لانها كلها مما يوجب الظن، وهذه أمور مقطوع عليها ومعلومة، لا مجال للريب في قال(1) أكثر الناس انه ضروري.
ألا ترى أنهم يستشهدون على أن الجدار في اللغة الحائط، والحسام السيف ببيت من الشعر.
ولو قيل للمستشهد بالبيت: من أين علمت أن هذا من لغة العرب وقطعت على ذلك؟ ما رجع إلى هذا البيت وأمثاله، بل عول على العلم الذي لاريب فيه.
وإذا ثبت هذه الجملة فمن(2) للسائل أن أهل التفسير استشهدوا في معاني القرآن العقلية وأحكامه الفقهية بأبيات شعر، لا حجة في تفسيرهم لما فسروه، الا ما أنشدوه.
والصحيح أنهم ما فسروا شيئا من المعاني على سبيل القطع والبتات، الا بأمور معلومة ضرورة لهم أنها من اللغة، وانما أنشدوا البيت والبيتين في ذلك لا على سبيل الاحتجاج، بل على الوجه الذي ذكرناه.
وكيف يعتقد في قوم عقلاء أنهم عولوا في تفسير معنى يقطعون عليه وأنه المراد على ما هو مظنون غير مقطوع به؟ وانما لم يظهر لكل أحد في معاني القرآن ومشكل الحديث أنه مطابق لما يفسر به في لغة العرب، على وجه لا يتطرق الشك عليه، لان العلم بذلك والقطع عليه يحتاج إلى ضرب من المخالطة، إذا لم تحصل فلا تحصل ثمرتها.
وهكذا القول في غير اللغة من الاخبار التي أشرنا إلى القول فيها ومذاهب


____________________

(1) ظ: قول.
(2) ظ: فمن أين للسائل.

[72]

المتكلمين والفقهاء وموضوعاتهم.
فان بالمخالطة يعلم منها ضروررة ما لا يعلم كذلك مع عدم المخالطة.
ولم يبق بعد هذا الا أن يقال: ومن أين يعلم من خالط أهل اللغة غاية المخالطة لغتهم على القطع، وهو مع أتم مخالطة انما يحصل على رواية أبي زيد والاصمعي وفلان وفلان، وما في هؤلاء من يوجب خبره العلم.
والجواب عن ذلك أن يقال: ومن أين يعلم علما قاطعا الهجرة والغزوات الظاهرة والامور الشائعة، وان قربت مخالطته لاهل الاخبار. وانما يرجع إلى رواية أبي مخنف والواقدي وفلان وفلان.
ومن أين يعلم البلدان ولم يشاهدها؟ وانما يرجع إلى قول ملاح أو جمال.
فإذا قيل: أبومخنف والواقدي انما رويا بأسانيد متصلة معينة هذه الحوادث، ولا معول في العلم الحاصل عليهم، بل على الشائع الواقع الذي لا يمكن تعيينه.
قلنا: مثل ذلك في الاصمعي وأبي زيد.
ولو قيل لاحد انا(1): عين على جهة يمكن وطريق ثقتك بأن في لغة العرب أن الحسام السيف، لم يقدر على ذلك كما لا يقدر من قيل له: عين على جهة يمكن(2) في البلدان والامصار.
وقد بينا فيما سلف من الكلام على هذه الفصول أن تعذر تفصيل طريق العلم، هو الامارة على قوته وعدم الريب فيه.
وبعد: فلو صرنا إلى ما استضعف في خلال الفصل، من أن تفسير القرآن والسنة، قد يكون بما هو غير معلوم ولا مقطوع عليه أنه من اللغة، لكنه مظنون لم يثمر ذلك فسادا، لانه غير ممتنع أن نتعبد بقبول أخبار الاحاد، واستعمال طريق


____________________

(1) ظ: لاحدنا.
(2) ظ: يمكن العلم في.

[73]

الظن في تفسير حكم قرآن أو سنة، بعد أن يكون ذلك الحكم مما يجوز القول باختلاف العبادة فيه، وأن يختلف تكليف المكلفين فيه، بحسب اختلافهم في ظنونهم.
وهذا انما يسوغ في التحليل والتحريم الشرعي وما أشبهه، لانه غير ممتنع أن يكون عبادة زيد في شئ بعينه التحريم بشرط اجتهاده، وعبادة عمرو التحليل.
ولا يسوغ ذلك في صفات الله تعالى، وما يجوز عليه وما لا يحوز، لان ذلك مما لا يمكن اختلاف العبادة فيه على وجه ولا سبب.
وهل استعمال أخبار الاحاد الموجبة للظن في تفسير أحكام القرآن أو السنة، الا كتخصيص القرآن أو السنة بأخبار الاحاد؟ والنسخ أيضا لهما بأخبار الاحاد؟ وإذا كان التخصيص والنسخ بأخبار الاحاد جائزين عقلا، وأوجب أكثر الناس التخصيص بأخبار الاحاد وتوقف عن النسخ، فما المانع من تفسير الاحكام بما يرجع إلى آحاد الاخبار عن أهل اللغة إذا دل الدليل على ذلك.
ويمكن أن يتطرق إلى صحة هذه الطريقة: بأن علماء الامة في سالف وآنف سلكوا ذلك من غير توقف عنه فصار اجماعا، وهذا لا يوجد مثله في العمل بأخبار الاحاد في الشريعة، لانها مسألة خلاف بين العلماء.
ولو حصل الاطباق على ذلك في الشريعة أيضا لتساوى الامران.