الفصل
التاسع (اثبات حجية خبر الواحد من طريق اللطف
والجواب عنه)
إذا كان
المعجز الذي يظهره الله تعالى على يد الرسول، يدل
على صدقه فيما يؤديه عنه، لانه قائم مقام التصديق
بالقول، وكان الذي يدل على عصمته تمام الفرض(1)
ببعثته، وهو أن يكون من بعث اليهم أقرب إلى القبول
منه والسكون إلى قوله.
وبنينا ذلك
على قولنا باللطف ووجوبه، وأن ما يكون المكلف معه
أقرب إلى فعل ما كلفه في الوجوب كالتمكين، لا فرق(2)
في القبح بين المنع بما يتمكن به من الفعل، وبين(3)
ما يكون معه أقرب إلى فعله.
وإذا ثبت
هذا ولم يسع في الحكمة وحسن التدبير أن يبعث الله
تعالى إلى خلقه من ليس بمعصوم، فيكون ممن يجوز أن
يؤدي ما حمله ويجوز أن لا يؤديه، لكنه متى كان صادقا
فيما يؤديه وطريقا إلى العلم بصحته، لمكان المعجز
____________________
(1) ظ: وكان
تمام الغرض ببعثته هو أن الخ.
(2) ظ: ولا.
(3) ظ: وبين
منع ما.
[75]
الظاهر على
يده، فما الذي يسوغ ذلك في حكمة الرسول وحسن تدبيره
الظاهر على يده، فما الذي يسوغ ذلك في حكمة الرسول
وحسن تدبيره، حتى ينفذ إلى من بعد عنه ولم يشاهد، من
ليس بمعصوم يخبرهم عنه ويدعوهم إلى الله تعالى،
إلى(1) قبول ما تضمنه خبره عن الرسول.
ويجوز أن
يؤدي ذلك وأن لا يؤديه، لكنهم متى أدوا كانوا طريقا
إلى العلم لتواترهم، وتكليف الكل متساوي، وما يلزم
من ازاحة عللهم وقطع عذرهم متماثل.
فان قلنا:
ان الرسول إذا كان مبعوثا إلى الجميع، وكان من وراء
من يبعثه مراعيا له ومتداركا لما يقع منه من الخلل
والتفريط، كان في الحكم بخبر الكل داعيا لهم وان لم
يشاهدوه ويشافهوه بالخبر والدعاء.
كان لقائل
أن يقول مثل ذلك في الله تعالى، لانه رب الكل والههم
ومن ينفذه اليهم يراعيهم، ويتدارك ما يقع فيه الخلل
والتفريط منهم، فهو في حكم المخبر للكل والداعي
اليهم، وان لم نشاهده وشافههم(2) بالخبر والدعاء.
هذا ان كان
ما ذكرناه من عصمة الداعي مما يقتضي العقول عموم
كونه لطفا في حق سائر المكلفين.
فأما ان
كان مما يختلف حالهم فيه، فيكون منهم من دعاء
المعصوم وخبره، يكون معه أقرب إلى القبول، ومنهم من
يتساوى في دعائه وقبوله المعصوم وغيره، لم يكن إلى
وجوب عصمة الرسول طريق في العقل، وكان كسائر
الالطاف التي يختلف حالها، يقف العلم بها على
السمع، وهذا مما لا نقوله.
وان سوينا
بين الرسول، وبين من ينفذ من قبله إلى من بعد عنه في
العصمة، وصرنا إلى ما يحكى عن بعض أصحابنا.
كان له أن
يقول: فما الطريق الذي يعلم به من ينفذون اليهم
عصمتهم؟
____________________
(1) ظ: والى.
(2) ظ: وان لم
يشاهدوه ويشافههم.
[76]
فان قلتم
بالمعجزات حسب، أضفتهم(1) إلى وجوب عصمتهم وجوب ظهور
المعجزات على أيديهم.
وان قلتم
بالتواتر عاد السؤال المتقدم عليكم، وقيل لكم:
لوساغ وحسن فزائر(2) واحدا أن تزاح علة المكلفين فيه
بمن يجوز أن يخبر به، ويجوز أن لا يخبر به ويدعو
اليه وهو غير معصوم، لساغ وحسن في سائر الامور.
وكان له أن
يقول لنا: أين المعصومون الذين ينقطع بهم عذر
المكلفين في عصرنا هذا في كل بلد وناحية، حتى يحسن
ادامة تكليفهم.
فان قلنا:
لم نؤت في ذلك الا من قبل نفوسنا ومن سوء اختيارنا،
ولا نعلم من مغيب أحوالنا.
كان له أن
يقول: إذا حسن أن تزاح عنكم لاجل سوء اختياركم، وما
ذكرتموه من أحوالكم بما لو بدأ به، أو فعل مع ارتفاع
ذلك من جهتكم، لكان قبيحا منافيا للحكمة وحسن
التدبير، فلم لا يجوز في بعض أمم الانبياء مثل ما
حصل منكم، أو علم من أحوالكم؟ فيحسن منه تعالى لاجل
ذلك أن يرسل اليهم من يجوز أن يبلغ ويجوز أن لا يبلغ
معصوما، ولو بدأ بذلك أو فقد ما حصل منهم وعلم من
حالهم القبح.
وكان له
أيضا أن يقول: ما أنكرتم أن تحسن ازاحة علتكم الان،
لمكان ما ذكرتموه من أنكم أتيتم فيه من قبل نفوسكم
وسوء اختياركم، بالروايات عمن تقدم عن أئمتكم وعن
امام عصركم، لعلمنا بدوام التكليف علينا، وفقدنا
لقوم معصوم يشافهنا، فيوسط بيننا وبين امام عصرنا(3)
من تقدم من أئمتنا، وفقد
____________________
(1) ظ: أضفت.
(2) كذا في
النسخة.
(3) ظ: ومن.
[77]
التواتر
وظواهر القرآن في كل ما يلزمنا ويجب علينا. وإذا ثبت
بذلك لم يبق بعده الا الروايات المتداولة بيننا.
الكلام على
ذلك: اعلم أنه تعالى إذا علم أن في مقدار(1) عباده
أفعالا، متى وجدت أوقعت(2) منهم أفعال واجبة في
العقل، ومتى لم يفعلوها لم تقع منهم تلك الافعال
الواجبة، فلابد من اعلامهم بذلك ليفعلوه، لان ما لا
يقع الواجب الا معه يجب في العقل كوجوبه.
وكذلك إذا
علم من جملة مقدوراتهم ما إذا وقع منهم وجدت أفعال
قبيحة من جهتهم لا توجد متى لم يقع ما ذكرناه فلابد
من اشعارهم بذلك، لان ما يقع القبيح عنده، ولولاه
لم يقع لا يكون الا قبيحا، ويجب اجتنابه والامتناع
منه.
وإذا كان
المكلفون لا يعرفون بعقولهم صفة ما لا يقع الواجب
أو القبيح عنده والتمييز بينه وبين غيره، فواجب على
الله تعالى المكلف لهم المعرض للثواب والنفع أن
يعلمهم بما ذكرناه، كما يجب أن يمسكهم ويزيح عللهم
بالاسباب وغيرها.
وإذا لم
يجز أن يعلمهم ذلك باضطرار، لانه لا يمتنع أن يتعلق
كون هذه الافعال مصلحة لنا، بأن يكون العلم بصفاتها
يرجع إلى اختيارنا، كما نقوله في المعرفة بالله
تعالى.
وأن كونها
لطفا موقوف على أفعالنا، ولا تقوم الضرورة مقام
الاختيار، فلابد من وجوب ارسال من يعلمهم بذلك.
ولهذا
نقول: ان بعثة الرسول من كان فرض بها ما ذكرنا، فان
وجوبها تابع لحسنها، ولابد من أن يكون المرسل
لتعريف هذه المصالح ممن يعلم
____________________
(1) ظ: مقدور.
(2) ظ: وقعت.
[78]
من حاله أن
يؤدي ما حمله من الرسالة، لان ازاحة العلة كما أوجب
الارسال التعريف فهو موجب للعلم بأنه يؤدي.
ألا ترى أن
بعثته لا يؤدي في ارتفاع ازاحة العلة، كترك البعثة
في تفويت العلم بالمسامح(1).
وأيضا فان
ارسال من لا يؤدي عبث، لان الغرض في البعثة الاداء
والتعريف.
وانما نقول
على المذهب الصحيح لابد من أن يكون الرسول في
الاداء يخصه على طريق التبع، لان الغرض المقصود هو
الاول.
وانما
أوجبنا شيئا يرجع إلى الرسول، لفساد أن يجب عليه ما
لا وجد لوجوبه، ولا يجوز أن يجب على زيد مصالح عمرو.
وإذا لم
يتم الغرض المقصود في الارسال كان عبثا، ولا يجري
ذلك مجرى تكليف الله تعالى من علم أنه يكفر، لان
الغرض في التكليف هو التعريض لاستحقاق الثواب، لا
الوصول اليه بالتكليف قد حصل الغرض.
وليس كذلك
تكليف النبوة، لان الفرض(2) فيها هو اعلام المكلفين
مصالحهم وما لا يتم تكليفهم الا به. فان قيل: جوزوا
أن يكون في معلومه تعالى أن كل من أرسله لا يؤدي ما
حمله من التعريف الذي أشرتم اليه. فان قلتم: لابد أن
يكون في معلومه أن يؤدي.
قيل: ومن
أين أنه لابد من ذلك؟ وما الدليل عليه؟ قلنا: يمتنع
فرضا وتقديرا أن يكون في معلومه تعالى، أن كل من
بعثه لتعريف المصالح لا يؤدي عنه، لكن ذلك من كان في
المعلوم، مضافا إلى علمه
____________________
(1) ظ:
بالمصالح.
(2) ظ: الغرض.
[79]
بمصالح
وبمفاسد من جملة أفعال العباد، قبح تكليفهم العقلي
ووجب اسقاطه عنهم، لانه قبيح أن يكلفهم ولا يزيح
عللهم، وإذا كان طريق ازاحة العلة مسدودا قبح
التكليف.
فان قيل:
ألا جاز تكليفهم وجرى مجرى حسن تكليف من لا لطف له.
قلنا:
الفرق بين الامرين، أن من لا لطف(1) قد أزيحت، ولم
يذخر عنه شئ به يتم يمكنه.
ومن لم
يطلع على مصالحه ومفاسده لم تزح علته، وفاتته
مصلحته يرجع لا يتعلق به، ولا صنع له فيه.
وإذا صحت
هذه الجملة ووجب الارسال على ما ذكرناه، فلابد أيضا
مما لا يتم في الغرض في الارسال الا به، وهو الدلالة
على صدق الرسول فيما يؤديه، لان قوله لا يكون طريقا
إلى العلم بما تحمله، الا من الوجه الذي ذكرناه.
ولهذا قلنا
انه لابد من اظهار المعجز على يديه، ليكون جاريا
مجرى تصديقه تعالى له في دعواه عليه بالقبول، كما
لو صدقه نطقا لوجب أن يكون صادقا، والا قبح
التصديق، وكذلك إذا صدقه فعلا.
وإذا كان
الرسول مبعوثا إلى قوم بأعيانهم يصح أن يسمعوا
بالمشافهة منه أداه، ولم تتعلق الرسالة بمن بعد
ونأى في أطراف البلاد، الا(2) بمن ناى من الاخلاف، لم
يجب سوى الاداء اليهم، ولم يتعلق بهم أداء إلى
غيرهم.
وان كانت
الرسالة إلى من غاب وشهد وبعد وقرب ومن وجد ومن
سيوجد، فلابد من أن يكون المؤدي عن الرسول إلى من
بعد في أطراف البلاد، ومن لعله يوجد من الاعقاب من
المعلوم من حاله أنه يؤدي.
____________________
(1) ظ: لا لطف
له قد أزيحت علته.
(2) ظ: ولا.
[80]
انا لو
جوزنا على ما ذكرناه الا يؤدي لم يكن اليه(1) الله
تعالى مزيحا لعلة من بعدت داره من المكلفين في
الاعلام بمصالحهم فيما بعثه الرسول، وأن يكون
المعلوم أنه يؤدي يوجب أيضا أن يكون من المعلوم
وقوع الاداء الذي ذكرناه، لانه لا فرق بين الامرين
فيما يقتضيه التكليف.
فان قيل:
جوزوا أن يكون المؤدي عن الرسول إلى أطراف البلاد
ممن(2) لا يجوز أن لا يؤدي، ومتى أخل بالاداء تلاقاه
الرسول: اما بنفسه، أو بمؤد يقع منه الاداء.
قلنا: هذا
يوجب أن يكون المكلفون ما أزيحت علتهم في التكليف
طول المدة التي فاتهم فيها هذا الاعلام، ويقتضي أن
يكون تكليفهم النبي في تلك الاحوال قبيحا.
فان قيل:
وكيف لا يلزمكم(3) ذلك في الزمان المتراخي بين صدع
الرسول بالرسالة، وبين وصول الاداء إلى من نأى في
البلاد البعيدة.
قلنا: أول
ما نقوله أنه لا يجوز أن تكون أحوال المكلفين في
الشرق والغرب فيما يكون هو مصلحة أو مفسدة من
أفعالهم متساوية، لانهم لو استووا في ذلك لوجب
اعلام الجميع بصفات هذه الافعال في حال واحدة، وكان
يجب ارسال رسل كثيرين بعدد البلاد حتى يكون الاداء
في وقت واحد.
وإذا وجد
الرسول واحدا، وذكر أن شريعته تلزم القريب
والبعيد، فلابد من أن يعلم أن أحوالهم في المصالح
تترتب على أن الصفات التي نبه عليها من أفعاله
متعجلة، ومن كان بعيد الدار وفي بعد فبحسب بعده
ومسافة امكان
____________________
(1) ظ: زياده
" اليه ".
(2) ظ: ممن
يجوز.
(3) ظ:
ويلزمكم.
[81]
وصول
الاداء اليه، ومن كان شاحط الدار فبحسب ذلك.
وهذا غير
ممتنع في التقدير، لانه كما كانت هذه المصالح تختلف
بالازمان وفي الاشخاص، ويجب منها في وقت ما لم يكن
واجبا قبله، وتتغير أحوالها أيضا حتى يدخل النسخ
فيها بحسب تغيرها، جاز أن يتنزل الامر في المبعوث
اليهم الرسول الذي ذكرناه.
وليس لاحد
أن يقول: جوزوا أن يكون مصلحة البعيد والقريب في
الشرع متساوية، ولكن البعيد انما تكون تلك الافعال
له مصلحة، إذا أديت(1) واليه اطلع عليها، فلا يجب ما
ذكرتموه.
وذلك أن
وجوب الواجب منفصل من الاعلام بوجوبه، وبالاعلام
لا يصير ما ليس بواجب واجبا، وانما يتناول الاعلام
والاداء الاطلاع على وجوب أفعال هي في نفسها واجبة
من غير هذا الاطلاع.
على أن هذا
يوجب القول بأن الاداء لو لم يكن أبدا لما كانت هذه
الافعال واجبة أو قبيحة أبدا، وقد علمنا خلاف ذلك.
ويوجب أيضا
أن يكون المؤدون لهذه الشرائع لا يخبرون بوجوبها،
لان الخبر بذلك قبل الوجوب الذي يكون بعد الاداء
كذب.
ويوجب أيضا
أن لا يلزم أداء هؤلاء المؤدين ولا الرسول صلى الله
عليه وآله التحيل.
وكل هذا
ظاهر الفساد.
فان قيل:
أليس المكلفون في حال دعوى الرسول للرسالة، والى أن
ينظروا إلى معجزة ويعلموا صدقه، لا نعرض تلك
المصالح التي نبتهم(2) عليها، والتكليف العقلي
يلزمهم.
____________________
(1) ظ: اديت
اليه واطلع.
(2) ظ:
نبهتهم.
[82]
قلنا: انما
جاز ألا يعلموا في الاحوال التي أشرت اليها بهذه
المصالح، لان العلم بها متعذر في تلك الاحوال، وليس
كذلك الاحوال المستقلة(1).
لان العلم
بصفات الافعال فيها ممكن، يوجب الاعلام به
والاطلاع عليه.
وجرى زمان
دعوة النبوة والنظر في العلم المعجز مجرى زمان مهلة
النظر في معرفة الله تعالى، في أن المعرفة لطف في كل
الواجبات، الا في هذا الواجب الذي هو النظر في
طريقها، لاستحالة أن تكون لفظا(2) في ذلك.
ــــــــــــــــــــــ
(1) لعل:
المستقبلة.
(2) ظ: لطفا.