(وجوب حصول
العلم بدعوى الرسل بأقصر الطرق)
وعلى هذا
التقدير الذي أوضحناه يجب أن نقول: انه تعالى لا
يوصل إلى العلم بصدق الرسول في دعواه الا بأقصر
الطرق وأخصرها، وأنه إذا كان للعلم بصدقه طريقان،
أحدهما أبعد من الاخر، دل بالاقرب دون الابعد.
ولم يظهر
على يده الا ما لا يمكن تصديقه من طريق هو أخص(3) منه.
وانما قلنا
ذلك حتى لا يفوت المكلف العلم بغير جنايته، لانه قد
تفوته مصالحه بجنايته، مثل أن يعرض عن النظر في
المعجز، أو ينظر لا من جهة حصول العلم، أو يدخل على
نفسه شبهات تمنع من العلم.
فان قيل:
نراكم بهذا الكلام الذي حصلتموه قد نقضتم معتمد
الامامية في حفظ النبي والائمة للشرائع.
لانهم
يقولون: ان المؤدين عن النبي صلى الله عليه وآله
شريعته في حياته يجوز أن يكتموها ويخلوا بنقلها حتى
يجب على النبي صلى الله عليه وآله التلافي
والاستدراك.
____________________
(3) ظ: أخضر.
[83]
ويجوز على
الامة بعد موت النبي صلى الله عليه وآله أن يكتموا
كثيرا من الشريعة، حتى يقف علم ذلك على بيان
الامام، فان كان ظاهرا آمنا من ذلك استدركه، وان
كان غائبا فلابد من ظهوره.
حتى قلتم:
لو علم الله تعالى أن أسباب الغيبة تستمر في
الاحوال التي تكتم فيها الامة شرعا، حتى لا يعلم
الا من جهة الامام، لما بقي التكليف على المكلفين
لان تبقية التكليف مع فقد الاطلاع على المصالح فيه
والمفاسد قبيحة.
فان خشيتم
ما استأنفتموه في هذا الكلام وعطفتم عليه بأن
تقولوا: انما يوجب أصحابنا ظهور الامام من الغيبة
ورفع التقية، إذا اجتمعت الامة على الخطأ، كأنهم(1)
يذهبون على طريق التأويل في بعض الشريعة إلى مذهب
باطل ويجمعون عليه، فيجب على الامام ردهم إلى الحق
فيه.
قيل لكم: ما
يذهبون فيه إلى الباطل على طريق التأويل والشبهة
وغيرها، لا يكون طريق الحق مسدودا ولا موقوفا على
بيان الامام، حتى يقال: انه يجب عليه الظهور ان كان
غائبا ويخرج أسباب التقية، لانه يمكن أن يعلم الحق
بالدليل الذي هو غير قول الامام.
وانما يجب
ظهور الامام حتى يتبين ما لا طريق إلى علمه الا قوله
وبيانه.
وهذا لا
يتم الا بأن يعدلوا عن نقل بعض الشرائع ويكتموه حتى
يصح القول بأنه لا جهة لعلمه الا ببيان الامام.
والجواب عن
ذلك: ان أداء الشريعة إلى من بعد في أطراف البلاد
لابد منه ولا غنى عنه، للوجه الذي أوضحناه وتبينا:
أن ازاحة العلة في التكليف العقلي لا يتم الا معه،
غير أن من أدى اليهم وعلموه(2)، ويجوز أن يكتموه
____________________
(1) خ ل:
لانهم.
(2) ظ: زيادة
الواو.
[84]
ويعدلوا
عمن نقله، اما لشبهة أو غيرها.
وإذا استمر
ذلك منهم لم يفصل بمن يأتي من الخلف، ويوجد فيما بعد
من المكلفين ما لا يتم مصلحته الا به من هذه
الشريعة، فحينئذ يجب على النبي صلى الله عليه وآله
ان كان موجودا أو الامام القائم مقامه أن يبين ذلك
ويوضحه ويسمع منه فيه ما يؤدي إلى ظهوره وايصاله
بكل مكلف موجود ومنتظر.
فلهذا
أوجبنا حفظ الامام للشريعة والثقة بها لاجله ومن
جهة مراعاته.
ولا تنافي
بين هذا القول، وبين ما قدمناه من أن شريعة التي
لابد من اتصالها بكل مكلف موجود.
والفرق بين
الامرين أن المنع من فوت العلم بالمصلحة واجب،
والاستظهار في ذلك - حتى لا يقصر العلم عمن يلزمه -
فوت العلم بالمصلحة واجب، والاستظهار في ذلك - حتى
لا يقصر العلم عمن يلزمه - لابد منه، وليس كذلك
استدراك الامر بعد فواته، وتصور(3) علمه في حال
الحاجة اليه، لانه يؤدي إلى ما ذكرناه من قبح
التكليف في تلك الاحوال التي لم يتصل فيها العلم
بصفات هذه الافعال.
وقد تبينا
في كتاب الشافي في الامامة ما يتطرف عليه الكتمان
من الامور الظاهرة، وما لا يتطرق ذلك عليه، وما جرت
العادة بأن تدعو الدواعي(4) العقلاء إلى كتمانه، وما
لم تجر بذلك فيه، فمن أراد ذلك مستقصى مبسوطا
فليأخذه من هناك.
فإن قيل:
إذا منعتم من كتمان شرع النبي صلى الله عليه وآله
عمن بعد عنه في أطراف البلاد، وادعيتم أنه لابد أن
يكون المعلوم من حال الناقلين لذلك
____________________
(1) ظ: لم
يصل.
(2) ظ: النبي.
(3) ظ: قصور.
(4) ظ: دواعي.
[85]
أن ينقلوه
ولا يكتموه، وذكرتم أن التكليف وازاحة العلة فيه
يوجب ذلك، فألا جعلتم الباب واحدا وقلتم: إن الذي
ينتهي جميع الشرع اليهم ويتساوون في علمه لا يجوز
أن يعدلوا كلهم عن نقله ويكتموه، حتى لا يتصل بمن
يوجد مستأنفا من مكلف لمثل العلة التي رويتموها في
ازالة العلة في التكليف، والا كان كل ناقل للشرع
ومؤد له إلى غيره، من موجود حاضر ومفقود ومنتظر في
هذا الحكم الذي ذكرتموه متساويين، ولا حاجة مع ذلك
إلى امام حافظ للشريعة.
قلنا: قد
أجبنا عن هذا السؤال بعينه في جواب مسألة وردت من
الموصل وأوضحنا أن ذلك كان جائزا عقلا وتقديرا،
إنما منعنا منه اجماعا.
لان كل من
قال: إن الامة بأسرهم يجوز عليهم أن يكتموا شيئا من
الشرع، حتى لا يذكره ذاكر لا يجعل المؤمن من ذلك الا
بيان امام الزمان له وايضاحه واستدراكه، دون غيره
مما يجوز فرضا وتقديرا أن يكون الثقة له ومن أجله.
وكل من جوز
أن يتحفظ الشرع بامام الزمان ويوثق بأنه لم يفت شئ
منه لاجله، كما يجوز أن يتحفظ ويوثق بوصول جميعه،
بأن يكون المعلوم من حال المؤدين أنهم لا يكتمون،
فيقطع على أن حفظ الشرع والثقة به مقصورتين(1) على
الامام وحفظه.
لان الامة
بين مجوز على الامة الكتمان وغير محيل له عليهم،
وبين محيل له ومعتقد أن العادات تمنع منه.
فمن أجازه
عليهم ولم يحله - وهم الامامية خاصة - لا يسندون
الثقة والحفظ الا إلى الامام دون غيره، وإنما يسند
الثقة إلى غير الامام من يحيل الكتمان على الامة.
وإذا بان
بالادلة القاهرة جواز الكتمان عليهم، فبالاجماع
يعلم أن الثقة
____________________
(1) ظ:
مقصوران.
[86]
إنما يصح
استنادها إلى الامام دون ما أشاروا اليه من
المعلوم.
وهذه
الجملة التي ذكرناه إذا حصلت وضبطت، بان من أثنائها
جواب كل شبهة اشتملت عليه الفصل الذي حكيناه وزيادة
كثيرة عليه.