(عدم وجوب عصمة المؤدى للشرع)

ثم نشير إلى ما يجوز الاشارة اليه: أما ابتداء الفصل فإنه مبني على أنا نرجع في أن النبي صلى الله عليه وآله لابد في أن يروي(1) ما تحمله من الشرع إلى دليل عصمته، وليس الامر على هذا.
وقد مزج الكلام في صدر الفصل بين وجوب الاداء في الرسول، أو من يؤدي عنه، وبين العصمة، ونحن نفصل ذلك: أما صدق الرسول فيما يؤديه، فدليله المعجز، لانه مطابق لدعواه ومصدق لها، فلو لم يكن صادقا في الدعوى لما حسن تصديقه.
وهذا قد بيناه فيما سلف من كلامنا على هذا الفصل، والمرجع في وجوب أدائه إلى ما ذكرناه أيضا من أن العلة لا تزاح الا به، وأنه الغرض المقصود، وفي ارتفاعه يكون الارسال عبثا.
فأما وجوب عصمة الرسول في غير ما يؤديه، فدليلها ما أشير اليه في الفصل من وجوب السكون، وحصول النفار عند فقدها وطريق العصمة كما ترى، فتميز من وجوب الاداء، كما أن طريق وجوب الاداء من طريق العلم بالصدق في دعوى النبوة، فلا ينبغي أن يخلط بين الجميع.
ولم يبق بعد هذا الا إن يدل أن على أن المؤدي للشرع(2) الرسول من أمته


____________________

(1) ظ: يؤدي.
(2) ظ: لشرع.

[87]

إلى أطراف البلاد، لا يجب أن يلحقوا به في العصمة، وإن لحقوا به في أن المعلوم من حاله وحالهم أنه لابد من أن يؤدي ما يحمله ولا يكتمه.
والذي يوضح ذلك أن أداء الرسول صلى الله عليه وآله يقترن به تعظيمه واجلاله، وارتفاع قدره ومنزلته، لان المعجز الظاهر على يده يقتضي ذلك فيه.
وليس كذلك أداء من يؤدي عنه ويؤدي الينا من الامة شرعه، لان ذلك الاداء لا يقتضي تعظيما ولا اجلالا، ولا الدليل المؤمن لهم من خطائهم فيه يقتضي فيهم رفع منزلة ولا قدر، كما كان ذلك كله في المعجز.
وكيف يكون من علمنا صدقه؟ لان الله تعالى صدقه وحقق دعواه، بأن خرق العادة على يده، كمن علمنا صدقه، بأن العادة لم تجر ممن جرى مجراه بالكذب.
ولهذا جاز أن يؤدي الينا عنه المؤمن والكافر والبر والفاجر، ولا يجوز مثل ذلك في أدائه.
وإذا اقترن الاداء بما أوضحناه جاز أن يعتبر في أداء من وقع منه الاداء على جهة الاعظام والاجلال، ما يكون معه أقرب إلى القبول والامتثال من عصمته وطهارته ونزاهته، وتعدينا ذلك إلى نفي الاخلاق المستهجنة عنه والخلق المستقلة.
وكل هذا لا يراعى فيمن ينقل عنه ويروي شرعه، وعمن(1) لا يؤمن ايمانه ولا عدالته.
كيف تراعى عصمته وقد مثل الشيوخ ما يذهبون اليه في هذه المسألة بالواعظ الداعي إلى الله تعالى، في أنه متى كان متناسكا مظهرا للنزاهة والطهارة كان الناس أقرب من قبول قوله ووعظه.
وإذا كان متجرما متهتكا نفس ذلك عنه وقل السكون اليه.


____________________

(1) ظ: ومن.

[88]

وإذا كان ما قالوه صحيحا معلوم(1) أنه لا يجب في رسول الواعظ والمؤدي عنه وعظه، ما أوجبناه فيه من النزاهة والطهارة، ولا يجوز لاحد الزام(2) الامرين على الاخر.
فأما ما مضى في وسط هذا الفصل من التشكيك في عموم وجوب عصمة الانبياء، والزام أنه مما يجوز أن يختلف كونه لطفا.
فليس بصحيح لان جهة كون العصمة لطفا في السكون ورفع النفار، معلوم أنهما مما لا يختلف في العقلاء، كما لا يختلف جهة كون المعرفة بالله تعالى لطفا من جهة كون الرئيس المنبسط اليد النافذ الامر لطفا في انتظام الامور وارتفاع خللها، فلا معنى للتشكيك في ذلك.
فأما ما مضى في الفصل من القول: بأنه ان سوى مسو بين الرسول وبين من ينفذ من قبله إلى من بعد عنه في العصمة، فصار إلى ما يحكى عن بعض أصحابنا.
فليس بصحيح، لان من قال من أصحابنا(3) أمراء النبي صلى الله عليه وآله أو الامام، وقضاته وحكامه وخلفاؤه، لا يقول بعصمة الرواة عنه والمؤدين لاخباره إلى أطراف البلاد، وكيف يتصور هذا والرواة عن النبي صلى الله عليه وآله والامام الناشرون لاخباره وما أتى به من شرائعه، هم الخلق جميعا.
لان ذلك لا يتعين ولا يتخصص بطائفة دون اخرى، وكان يجب على هذا أن يكون الخلق معصومين.
والكلام الذي كنا فيه هل يجب أن يكون من يؤدي عن النبي صلى الله


____________________

(1) ظ: ومعلوم.
(2) ظ: الزام أحد الامرين.
(3) ظ: أصحابنا بعصمة أمراء.

[89]

عليه وآله وينشر شريعته في أطراف البلاد ممن يعلم ويقطع أنه يؤدي أو يجوز خلاف ذلك وفيه(1)، وهذا منفصل مما ارتكبه بعض أصحابنا غالطا فيه من عصمة أمراء النبي أو الامام وخلفائه.
فأما ما ذكر سوء(2) الاختيار لنفوسنا في جملة الكلام، فلا شبهة في أن سوء الاختيار من المكلف لنفسه لا يرفع ازاحة علته في تكليفه، ولا يرفع وجوب ذلك على مكلفه، ولا يقتضي أيضا جواز ازاحة علته بما ليس بمزيح لها على الحقيقة، فلا معنى للتشاغل بهذا النوع من الكلام.
فأما ما ختم به الفصل من الزامنا أن تزاح علتنا لهذه العلة التي ذكرها بالروايات عن الائمة عليهم السلام إلى آخر الفصل.
فقد مضى لا(3) مدخل لحسن الاختيار ولا لسيئه في باب ازاحة العلة، وإن العلة لابد من ازاحتها لكل مكلف حسن اختياره أو ساء.
فإن ألزم ازاحة العلة بروايات توجب العلم وتزيل الريب التزمنا ذلك، وما أراد ذلك لانه شرط فقال عند فقد كذا وفقد التواتر.
وإن ألزم أن تزاح العلة بروايات لا توجب العلم، فلا علة تزاح بذلك.
وما يجوز كونه كذبا كيف نقطع به على مصالحنا ومفاسدنا، وهو لا يوجب العلم ولا يستند إلى جهة علم، كما نقوله في الشهادة وغيرها.
ومن هذا الذي يسلم أن في الشريعة في أوقاتنا هذه حادثا شرعيا لا يعرف حكمه بدليل قاطع؟ ولما عدد الحجج من التواتر وظواهر القرآن، كان يجب أن يذكر اجماع الفرقة المحقة، فهو المعتمد في كثير من الاحكام، على ما تقدم بياننا له.


____________________

(1) ظ: ذلك فيه.
(2) ظ: من سوء.
(3) ظ: أنه لا.