الفصل العاشر (دلالة انفاذ الرسول الامراء والعمال على حجية خبر الواحد والجواب عنه)

إن قيل: الظاهر من حال الرسول صلى الله عليه وآله مما يؤديه ممن بعد عنه عن(1) أمته واعلامهم ما يلزمهم من مصالح دينهم ودنياهم، ما جرت به العادة ومضت عليه الاسم من انفاذ الامراء والولاة والعمال والقضاة والرسل والسعاة.
ينفذ المولى منهم من حضرة(2) من يوليه بالكتاب المتضمن لولايته وعزل من كان قبله والرسول من غير مراعاة تواتر، وأكثر من ينفذ إلى الاباعد لا يصحبه الا من جملته، ومتصرف بين أمره ونهيه.
ومن هذه حاله وإن كثر عددهم فما يراعيه مذ(3) يذهب إلى التواتر المعلوم باكتساب من الشرط الذي لا يتم اكتساب العلم من دونه مفقود منهم، وهو العلم بأنه لا داعي لجمعهم على الكذب، فإذا طالت صحتهم(4) وكثرت اجتماعهم،


____________________

(1) ظ: من.
(2) ظ: حضره.
(3) ظ: من.
(4) ظ: صحبتهم.

[91]

تعذر العلم بالشرط وحصل أقوى في فقد.
وإذا كانت هذه حال الولاة، فمن ينفذ للتسليم إن لم تقصر حاله عنهم لم تزد عليهم فيما يجوز على الا.... والولاة فيما لا يتم اكتساب العلم بصدقهم معهم ثابت فيهم.... الرسول إلى من تواتر إلى البلاد والنواحي من الفقهاء والحفاظ.... غرضه.
ويوافقوا مقصده في تعليم من يتواترون عليهم لا..... يزيد عددهم على أهل بلده من الفقهاء والحفاظ، ولو كان..... لظهر ذلك من أمرهم واشتهر ولذكر ودون وكان..... ذكر ما جرت به العادة من انفاذ الامراء وغيرهم لغرابة.... العاد. والمعلوم أن الفقهاء والحفاظ الذين كانوا...... صلى الله عليه وآله لو رام أن يتواترهم إلى بلد واحد لما تم.... ينفذهم على هذا الوجه إلى الاقل.... لمعاد وفلان وفلان، وأنه لما فعل ذلك ظهر واشتهر..... التواريخ والسير، ولم يذكروا في شئ من كتبهم، ولا تضمن.....
.. ومسانيدهم ذكر الفقهاء والحفاظ الذين أنفذهم الرسول صلى الله عليه وآله إلى البلاد.
ولا يمكن الدعوى بحقنا واستتاره، لان من يتقدم في العلم والحفظ لابد من أن تطول صحبته لمن يأخد عنه ويستكثر، ومن طالت صحبته للرسول صلى الله عليه وآله وأخذه عنه وتوجهه وتقدمه لا يكون حاملا، كيف انضاف إلى ذلك استنابته في التبليغ عنه والقيام بأعظم الامور التي بعث لاجلها، وهي تعلم الدين وازاحة فيه.
وإذا كنا إذا رجعنا إلى أنفسنا لم نعلم ذلك، وإذا رجعنا إلى سائر ما يشتمل على نقل الاخبار وتدوينها فلم نجده، علمنا أيضا أنه لم يكن، وقد قال الله

[92]

تعالى " اليوم أكملت لكم دينكم "(1) ولم يخصص من شاهده وقرب منه دون من بعد عنه، وقال الله " وما أرسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا "(2).
ولو كان تبليغه لبعض من بعث.... مبعوث إلى الخلق كافة، لكانت الشهادة له صلى الله عليه وآله.... بلغ الرسالة ونصح الامة غير واقع موقع الصحة..... بأنه لم ينقله الله تعالى إلى دار كرامة.... من بعث اليه، وكان موجودا في أيامه..... عذره بغير ما يقترحه من قال بالتواتر حسب.... ذرهم يكون بالارتحال اليه والمشافهة له...... يمكنون منه ويقدرون عليه. فإذا لم يفعلوه..... وكان صلى الله عليه وآله قد بلغهم وأزاحهم علتهم..... فبأي شئ علموا نبوته ووجوب الرحيل اليه، وهل يسوغ..... على أهل الارض أن يخلوا بلادهم ويرحلوا بأسرهم..... لرسول، ويأخذوا عنه ويتفقهوا عليه وينفذوا..... عليهم بعد التفقه والحفظ. فإن قلتم ذلك فما الموجب له..... دلالة على لزومه.
هذه جملة مني أنعم سيدنا الاجل المرتضى (كبت الله أعداء‌ه) بالاجابة عنها، والتفضل بذكر ما يجري مجراها مجملا ومفصلا، حسب ما تحتمله الحال ويتسع له الزمان مما لا ينتهي اليه غيره، ولا يطمع في الظفر به سواه، كان ذلك من أشرف ما بين وأجل ما ذكر، لكثرة الانتفاع به والاعتماد عليه، فيما لا يخلو المكلف من وجوبه، ولا ينفك من لزومه.
وكان متى له(3) حصله اطلع على ما يوصله إلى معرفة كل ما يرد عليه من المسائل والنوازل، ويلزم غيره من العبادات والاحكام، مضافا إلى ظواهر القرآن


____________________

(1) سورة المائدة: 3.
(2) سورة سبأ: 28.
(3) ظ: زيادة " له ".

[93]

وما تواترت به الاخبار.
ولسيدنا الاجل أطال الله تعالى وجمل الاسلام وأهله بدوام سلطانه وعلو كلمته وانبساط يده عالي الرأي انشاء الله تعالى.
الكلام على ذلك: اعلم أن الراوي شرع النبي صلى الله عليه وآله والناشر له في أطراف الارض هو غير من ينفذه إلى البلدان، اما أميرا أو حاكما أو حاملا، لان النقل والرواية والاشاعة مما يشترك فيه الخلق أجمعون على ما جرت به العادة، ولا يقف على فرقة معينة ولا جماعة مخصوصة.
والامارة أو القضاء أو العمالة يقف على من خصه النبي صلى الله عليه وآله بهذه الولاية، وأفرده بها وأنفذه لها، وهذا مما قد أشرنا اليه في الكلام المتقدم على هذا.
فإن قيل: إذا كان الامراء والعمال لا يؤدون الشرع ويبلغونه، فما الفائدة في انفاذهم؟ قلنا: في انفاذهم فوائد ظاهرة لمن تأملها، والامراء ينفذون لحماية المتعزز وضبط الاطراف من الاعداء وحمايتها، والقضاة للحكم وفصل الخصومات، والعمال لجباية الاموال وقبض الصدقات، فما في هؤلاء الا من ينفذ شرعا ويمضي أحكاما، ليس المرجع في صحتها وثبوتها إلى أدائه وتبليغه.
فإن قيل: أليس قد ورد أنه عليه السلام ينفذ أقواما لتعليم الناس وتوفيقهم وهذا هو الاداء والابلاغ.
قلنا: التعليم والتوقيف غير الابلاغ والاداء، لان المعلم لغيره هو الذي يرتب له الادلة ويرشده إلى طرقها ويقرب عليه سلوكها.
ويوقفه على المقدم من الاحكام والمؤخر ونحوه، إن الفقيه يعلم غيره، والمتكلم يوقف سواء(1)


____________________

(1) ظ: سواه.

[94]

وما فيهم من يبلغه شيئا ويؤدي اليه شرعا، لكن على النحو الذي أوضحناه.
وقد كان النيي صلى الله عليه وآله يأمر دعاته في الامصار، بأن يبتدؤا بدعاء الناس إلى التوحيد، ثم النبوة، ثم الشرائع.
ولا خلاف بين العقلاء في أن قول هؤلاء الدعاء ليس بحجة ثم النبوة، ثم الشرائع.
ولا خلاف بين العقلاء في أن قول هؤلاء الدعاء ليس بحجة في التوحيد ولا النبوة، ولا بدعائهم يعلم ذلك، وإنما ينبهون على الادلة ويهدون إلى طرقها كمالا، كانت(1) الشريعة على هذا خارجة.
وقد اسستقصينا هذا الجنس من الكلام في الجواب عن الفصل الثالث وأحكمناه وقلنا أيضا هناك إذا كانت أخبار الاحاد عند من أوجب العمل بها لابد فيها من اسستناد إلى دليل يوجب العلم يقتضي التعبد فيها بالعمل، لان قول من يقول أن خبر الواحد نفسه يوجب العلم مردود مطروح.
فمن أين علم أهل البلاد البعيدة إن النبي صلى الله عليه وآله قد تعبدهم وأوجب عليهم العمل بأخبار رسله وإن كانوا آحادا، ومعلوم أنه لا يجوز أن يعملوا ذلك من الرسل أنفسهم، فلم يبق الا التواتر والنقل الموجب للعلم ما لا قلنا(2) في الشرع كله بمثل ذلك.
فإن قيل: لابد من أن يكون أهل أطراف البلاد عالمين، بأن الذي ورد اليهم أميرا أو حاكما من جهة النبي صلى الله عليه وآله صادق في إضافة نفسه اليه عليه السلام، لانه ينفذ شرعا ويمضي أحكاما دينية، فلابد من أن يرجع له عن ذلك بعلم لا ظن، فمن أين علموا ذلك؟ والظاهر أنهم يرجعون فيه إلى أقوال الامراء وأخبار العمال، وهم آحاد وأخبار الاحاد عندكم لا توجب علما.


____________________

(1) ظ: وكانت.
(2) ظ: ما قلنا.

[95]

قلنا: لابد من علم بأنهم رسله وولاته. والطريق إلى ذلك هو غير أخبارهم(1) نفوسهم.
ومعلوم أن العادة جارية بأن الملك العظيم إذا ندب أميرا أو واليا لبعض الامصار، وكتب عهده على ذلك المصر، وأمره بالتأهب للخروج وأطلق له النفقات، فإن خبر ولايته يذيع ويتصل بأهل ذلك المصر على ترتيب وتدريج فينتقل اليهم أولا عزيمة الملك على توليته، وظهور أسباب ذلك وترادف الشفاعات فيه إن كان فيه شافع، ثم الخطاب له على الولاية، وتقرير أمره فيها وتأهبه لها على ذلك، إلى أن يقع منه الخروج، وهو لا يصل إلى تلك البلدة الا بعد أن علم أهلها بالاخبار المترادفة بولايته، وانتظروا قدومه، واستعدوا للقائه، وهذا أمر معلوم بالعادة ضرورة.
وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله أعلى قدرا وأجل خطرا من كل من وصفنا حاله من الملوك والاهتمام بولاياته، وولايته(2) أشد وأقوى من الاهتمام بولاية غيره، فلابد من أن يكون انتشار أمر ولاته وشياع ذكرهم قبل نفوذهم، أو يخص بسياسة.
وكيف يخفى هذا على من عرف العادة ورأى ما تقتضي به في أمثال هذه الامور.
وهذه الجملة التي ذكرناها في أثنائها الجواب عما اشتمل عليه هذا الفصل ثم نشير إلى ما يحرز(3) الاشارة اليه.
أما ما انتهى به الفصل من القول بأن حال النبي صلى الله عليه وآله فيمن يوليه وينفذه إلى البلاد كحال غيره فيمن يولي الولاة وينفذ الامراء.
فغير صحيح، لان ولاة غير النبي صلى الله عليه وآله وأمراء‌ه انما يقومون


____________________

(1) ظ: أخبار نفوسهم.
(2) ظ: وولاته.
(3) ظ: ما يجدر.

[96]

بمصالح دنياوية، فلا يمتنع أن يقوم الظن فيهم مقام العلم.
وولاة النبي وأمراء‌ه يقومون بمصالح دينية، وهذه مصالح مبنية على العلم دون الظن.
فرسل غير النبي من الملوك وأمرائهم يكفي الظن بأنهم صادقون، كما نقول في قبول الهدايا ومراسلات بعضنا لبعض، وجميع التصرف المتعلق بمصالح الدنيا، ولا يكفي في رسله عليه السلام الا العلم والقطع، فلا ينبغي أن يحمل أحد الامرين على صاحبه.
والاكثار في أن الفقهاء والعلماء والحفاظ أعداد قليلة لا يبلغون حد التواتر لا يحتاج اليه، لانه بني على أن الاداء للشرع والتبليغ له موقوف على العلماء والفقهاء، وأن خبرهم إذا كان لابد من كونه طريقا إلى العلم، فواجب أن يكون كثرة متواترين.
وقد بينا أن الامر بخلاف ذلك كله وأوضحناه.
وما ختم به الفصل من وجوب ارتحال أهل الامصار وساكني الاقطار حتى يسمعوا من الرسول صلى الله عليه وآله ما يشافه به. غير واجب أيضا، ويغني عن ذلك كله ما بيناه ورتبناه. وقد أجبنا عن هذه المسائل ما اتسع له وقت ضيق.