(2) جوابات
المسائل الرازية المسألة الاولى : (حرمة الفقاع عند
الامامية)
سأل (رضي
الله عنه) عن الفقاع وهو محرم عند الامامية، هل على
تحريمه دليل عقلي أو سمعي؟ الجواب: اعلم أن الفقاع
محرم محظور عند الامامية يحد شاربه، كما يحد شارب
الخمر.
ويجري
الفقاع عندهم في النجاسة والتحريم مجرى الخمر.
والدليل
الواضح على ذلك: اجماع الامامية عليه، لانهم لا
يختلفون فيما ذكرنا من الاحكام، واجماعهم على ما
أشرنا اليه حجة ودلالة توجب العلم، فيجب لذلك القطع
على تحريم الفقاع ونجاسته.
فإن قيل:
كيف يكون الفقاع حراما وهو لا يسكر؟ قلنا: ليس
التحريم موقوفا على المسكرات، لان الدم ولحم
الخنزير لا
[100]
يسكران
وهما محرمان، وكذلك قليل الخمر لا يسكر وهو محرم.
فإن قالوا:
قليل الخمر من الجنس الذي يسكر كثيره، وليس كذلك
الفقاع وأما الدم ولحم الخنزير فليسا من جملة
الاشربة، التي لم تحرم في الشريعة الا(1) لاجل وجود
الاسكار في الجنس.
قلنا: غير
مسلم، لكن عله(2) الاشربة في الشرع موقوفة على أنها
من جنس المسكر.
وعلة
التحريم في الحقيقة هي المصلحة، والله تعالى أعلم
بوجهها.
وقد حرم
الله تعالى الدم، وهو مما يشرب، فهو شراب على موجب
اللغة وإن لم يكن فيه قوة الاسكار بل لعينه. فما
المنكر من أن يكون تحريم الفقاع كذلك.
ويمكن أن
تعارض خصومنا في تحريم الفقاع، ونورد عليهم
الاخبار التي ترويها ثقاتهم ورواتهم في تحريم
الفقاع، لانهم يعملون في الشريعة بأخبار الاحاد،
فليزمهم أن يحكموا بتحريم الفقاع للاخبار الواردة
من طرقهم بتحريمه.
فأما ما
ورد من طرقنا في تحريمه، وأنه كالخمر في التحريم
ووجوب الحد على شاربه والنجاسة، فأكثر من أن يحصى،
ولا معنى لمعارضة الخصوم، لانهم لا يعرفون هذه
الروايات ولا يوثقون رواتها. فالمعارضة برواياتهم
له(3) أولى.
فمن ذلك ما
رواه أبوعبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا أبوالاسود،
عن عن أبي ربيعة(4)، عن دراج أبي السمح
____________________
(1) في " ن
" لا.
(2) في " ن
" من علة، والظاهر: كون علة الاشربة.
(3) في " ن
" لهم.
(4) في هامش
النسخة: لهيعة، وفى " ن " أبي كهينة. والصحيح ما
في الهامش.
[101]
وروى
الساجي صاحب اختلاف الفقهاء قال: حدثنا سليمان بن
داود، قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن
الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه.
واجتمعا
على أن دراجا قال : إن عمر بن الحكم حدثه عن أم حبيبة
زوجة النبي صلى الله عليه وآله: إن أناسا من أهل
اليمن قدموا على رسول الله لى الله عليه وآله
ليعلمهم الصلاة والسنن والفرائض، فقالوا: يا رسول
الله إن لنا شرابا نعمله(1) من لقمح والشعير.
فقال عليه
السلام: الغبيراء؟ فقالوا: نعم، فقال: لا تطعموها.
قال الساجي
في حديثه: قال عليه السلام ذلك ثلاثا.
قال
أبوعبيد القاسم بن سلام: ثم لما كان بعد ذلك يومين(2)
ذكروها له عليه السلام فقال: الغبيراء؟ قالوا: نعم.
قال: لا
تطعموها.
قالوا:
فانهم لا يدعونها.
قال عليه
السلام: من لم يتركها فأضربوا عنقه.
وروى
أبوعبيد أيضا عن ابن أبي مريم، عن محمد بن جعفر، عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن النبي صلى الله
عليه وآله سئل عن الغبيراء، فنهى عنها وقال: لا خير
يها.
قال: قال
زيد بن أسلم: هي الاسكركة.
والاسكركة
في لغة العرب اسم الفقاع.
وقال ابن
الرومي وهو ممن لا يطعن عليه في علم اللغة
والعربية، لانه كان متقدما في علمها، متولى(3) إلى
معانيها ال:
اسقني
الاسكركة الصن * بر في جعصلقونه
واجعل
القيحن فيها * يا خليلي بغصونه
____________________
(1) خ ل:
نصنعه، في " ن " نصفه.
(2) في " ن
" بيومين.
(3) في " ن
" متوجها.
[102]
أنها
مصفاة أعلاه * ومسك لبطونه
واراد ب
" الاسكركة " الفقاع.
و "
الجعصلقون " الكوز الذي يشرب فيه الفقاع.
و "
الصنبر " البارد.
" القيحن
" الشراب.
وروى اصحاب
الحديث من طرق معروفة: إن قوما من العرب سألوا رسول
الله صلى الله عليه وآله عن الشراب المتخذ من
القمح، فقال رسول الله: أيسكر؟ قالوا: نعم.
فقال عليه
السلام: لا تقربوه.
ولم يسأل
في الشراب المتخذ من الشعير عن الاسكار، بل حرم ذلك
على الاطلاق، وحرم الشراب الاخر إذا كان سكرا، فدل
ذلك على أن الغبيراء محرمة بعينها كالخمر.
وروى أصحاب
الحديث في كتبهم المشهورة إن عبدالله الاشجعي كان
يكره الفقاع.
وقال أحمد
بن حنبل كذلك، وكان ابن المبارك يكرهه.
قال أحمد:
وحدثنا عبدالجبار بن محمد الخطابي، عن سمرة(1) قال:
الغبيراء التي نهى رسول الله صلى الله ليه وآله
عنها الفقاع.
ويلزم
مخالفينا مع هذه الاخبار المروية من طرقهم أن
يحرموا الفقاع، ولا يلزم الامامية على تحرير(2) ولا
يبدعونهم ولا يبزوهم(3) بتحريمها، والنهي عن بيعها.
وشيوخهم
مالك بن انس ويزيد بن هارون يكرهان(4).
____________________
(1) في
الانتصار: ضمرة.
(2) في " ن
" ولا يلوموا الامامية على تحريمه.
(3) في " ن
" يعيرونهم.
(4) في " ن
" يكرهانه.
[103]
قال احمد:
وحدثنا أبو عبدالله المدائني قال: قال مالك بن أنس:
يكره الفقاع، ويكره أن يباع في الاسواق(1).
وغيره ممن
ذكرناه ينهي عن شرب الفقاع وبيعه، والعصبية تعمي
وتصم.
____________________
(1) استخراج
هذه الاحاديث مع أحاديث اخر في الانتصار ص 198 ط نجف
الاشرف وكذا الشيخ في رسالته المعمولة في تحريم
الفقاع المطبوع في الرسائل لعشر ص 256.