المسألة الثانية : (علم النبى صلى الله عليه وآله بالكتابة والقراء‌ة)

ما الذي يجب أن يعتقد في النبي صلى الله عليه وآله، هل كان يحسن الكتابة وقراء‌ة الكتب أم لا؟.
الجواب: وبالله التوفيق الذي يجب اعتقاده في ذلك التجويز، لكونه عليه السلام عالما بالكتابة وقراء‌ة الكتب، ولكونه غير عالم بذلك، من غير قطع على احد الامرين.
وإنما قلنا ذلك، لان العلم بالكتابة ليس من العلوم التي يقطع على إن النبي والامام عليهما السلام لابد من أن يكون عالما بها وحائزا لها.
لانا إنما نقطع في النبي والامام على إنهما لابد أن يكون كل واحد عالما بالله تعالى واحواله وصفاته، وما جوز عليه وما لا يجوز، وبجميع احوال الديانات وبسائر احكام الشريعة التي يؤديها النبي صلى الله عليه وآله ان يحفظها(1) الامام


____________________

(1) ظ: ويحفظها.

[105]

عليه السلام ويتقدمها، حتى لا يشذ على كل واحد منهما من ذلك الشئ يحتاج فيه إلى استفتاء غيره، كما يذهب المخالفون لنا.
اما ما عدى ذلك من الصناعات والحرف، فلا يجب ان يعلم نبي او امام شيئا من ذلك.
والكتابة صنعة كالنساجة والصياغة، فكما لا يجب أن يعلم ضروب الصناعات، فكذلك الكتابة.
وقد دللنا على هذه المسألة، واستقصينا الجواب عن كل ما يسأل عنه فيها في مسألة مفردة أمليناها جوابا لسؤال بعض الرؤساء عنه، وانتهينا إلى ابعد الغايات.
وقلنا: إن ايجاب ذلك يؤدي إلى ايجاب العلم بسائر المعلومات الغائبات والحاضرات، وإن يكون كل واحد من النبي والامام محيطا بمعلومات لله تعالى كلها.
وبينا إن ذلك يؤدي إلى إن يكون المحدث عالما لنفسه كالقديم تعالى، لان العلم الواحد لا يجوز أن يتعلق بمعلوم على جهة التفصيل، وكل معلوم مفصل لابد له من علم مفرد يتعلق به، وإن لمحدث لا يجوز أن يكون عالما لنفسه، ولا يجوز أن يكون ايضا وجود ما لا نهاية له من المعلوم، ويبطل(1) قول من ادعى إن الامام محيط بالمعلومات.
فإن قالوا: الفرق بين الصناعات وبين الكتابة، إن الكتابة قد تتعلق بأحكام الشرع، وليس كذلك باقي الصناعات.
قلنا: لا صناعة من نساجة او بناء او غيرهما الا وقد يجوز أن يتعلق به حكم شرعي كالكتابة.


____________________

(1) في " ن " فبطل.

[106]

ألا ترى إن من استأجر بناء‌ا على(1) مخصوص، وايضا النساجة قد يجوز أن يختلف، فيقول الصانع: قد وفيت العمل الذي استؤجرت له، ويقول المستأجر: ما وفيت بذلك.
فمتى لم يكن الامام عالما بتلك الصناعات ومنتهيا إلى ابعد الغايات لم يمكنه أن يحكم بين المختلفين.
فإن قيل: يرجع إلى اهل تلك الصناعة فيما اختلفا فيه.
قلنا: في الكتابة مثل ذلك سواء.
وبينا في تلك المسألة التي اشرنا اليها ، بأن هذا يؤدي إلى إن علم الامام تصديق(2) الشهادة او كذبه فيما يشهد به، لانه إذا از أن يحكم بشهادة(3) مع تجويز كونه كاذبا....والا جاز أن يحكم بقول ذي الصناعات في قيم المتلفات وأروش الجنايات وكل شئ اختلف فيه فيما له تعلق بالصناعات وإن جاز الخطأ على لمقومين. وبينا إن ارتكاب ذلك يؤدي إلى كل جهالة وضلالة.
فإن قيل: أليس قد روى اصحابكم إن النبي صلى الله عليه وآله في يوم الحديبية لما كتب معينة(4) بين سهيل بن عمرو وكتاب مواعدة(5)، وجرى ن سهيل ما جرى من انكار ذكر النبي صلى الله عليه وآله بالنبوة، وامتنع امير المؤمنين عليه السلام مما قترح سهيل كتب عليه السلام في الكتاب.


____________________

(1) في " ن " لبناء.
(2) في " ن " بتصديق.
(3) في " ن " بشهادته.
(4) في " ن " بينه و.
(5) في " ن " موادعة.

[107]

قلنا: هذا قد روي في أخبار الاحاد وليس بمقطوع عليه، وانما أنكرنا القطع.
ونحن مجوزون - كما ذكرنا - أن يكون عليه السلام كان يحسن الكتابة، كما يجوز أن لا يكون يحسنها.
فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: " وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون "(1).
قلنا: إن هذا الآية انما تدل على أنه عليه السلام ما يحسن الكتابة قبل النبوة والى هذا يذهب أصحابنا، فإنهم عتمدون أنه عليه السلام ما كان يحسنها قبل البعثة، وأنه تعلمها من جبرئيل بعد النبوة، وظاهر الآية تقتضي ذلك، لان النفي تعلق بما قبل النبوة دون ما بعدها.
ولان التعليل أيضا يقتضي اختصاص النفي بما قبل النبوة، ولان المبطلين والمشككين إنما يرتابون في نبوته عليه السلام لو كان يحسن الكتابة قبل لنبوة وأما بعد النبوة فلا تعلق له بالريبة والتهمة.
فإن قيل: من أين يعلم أنه عليه السلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة، وإذا كان عندكم أنه قد أحسنها بعد النبوة، ولعل(2) هذا العلم كان متقدما.
فإن قلت(3): فلم نعلم أنه عليه السلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة بهذه الآية.
قيل لكم: هذه الآية إنما تكون حجة وموجبة للعلم إذا صحت النبوة، فكيف يجعل نفي الآية دلالة على النبوة وهو مبني عليها؟ قلنا: لذي يجب أن يعتمد عليه في أنه عليه السلام لا يحسن الكتابة والقراء‌ة


____________________

(1) سورة العنكبوت: 48.
(2) في " ن " فلعل.
(3) في " ن ": قلتم نعلم.

[108]

قبل النبوة هو أنه عليه السلام لو كان يحسنها وقد نطق القرآن الذي أتى بنفي ذلك عنه عليه السلام قبل النبوة، مما(1) جاز له أن يخفى الحال فيه مع التتبع والتفتيش والتنقير، لان ذه الامور كلها إنما يجوز إن تخفى مع عدم الدواعي إلى كشفها، ومع الغفلة عنها والاعراض عن تأمل أحوالها.
وأما إذا قويت الدواعي وتوفرت البواعث على كشف حقيقة الحال وتعلق ذلك(2) دعوى مدع بمعجزة، فلابد من الفحص والتفتيش، ومعها لابد من ظهور حقيقة الحال.
ومن كان يحسن القراء‌ة والكتابة لابد من أن يكون قد تعلمها أو أخذها من موقف ومعرف، والذين كانوا يحسنون الكتابة من لعرب في ذلك الزمان معدودون قليلون ممن(3) تعلم من أحدهم وكشف عن أمره على طول الايام، لابد من ظهور حاله بمقتضى العادة.
وهذه الجملة تدل على أنه عليه السلام ما كان يحسن الكتابة قبل النبوة.
فإن قيل: فقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بأنه أمي في مواضع من القرآن(4).
والامي الذي لا يحسن الكتابة، فكيف تقولون أنه عليه السلام أحسنها بعد النبوة.
قلنا: أما أصحابنا القاطعون على أنه عليه السلام كان يحسن الكتابة بعد النبوة، فإنهم يجيبون عن هذا السؤال بأن يقولوا: م يرد الله تعالى بقوله " أمي " أنه لا يحسن الكتابة، وإنما أراد الله تعالى نسبته إلى أم القرى، لانه من أسماء مكة " أم القرى ".
فإن كانت هذه النسبة محتملة لامرين، لم يجز أن يقطعوا على أحدهما بغير دليل.


____________________

(1) في " ن ": لما.
(2) في " ن ": بذلك.
(3) في " ن ": فمن.
(4) سورة الاعراف: 158.