المسألة
الثالثة : (تفضيل الانبياء على الملائكة)
ما تقول في
الانبياء والملائكة؟ أي القبيلين أفضل وأكثر
ثوابا؟ وما الذي يجب أن يعتقد في ذلك؟ الجواب: علم
إن الفضل الذي هو كثرة الثواب ووفوره لا دلالة في
مجرد العقل على أن بعض المكلفين فيه أفضل من غيره،
لان كثرة الثواب وقلته إنما يتبعان أثره الذي يقع
عليهما الافعال، وذلك مما لا يطلع ليه الا علام
الغيوب جل وعز، وإنما المرجع في بعض المكلفين أكثر
ثوابا من غيره إلى طريق(1) سمعية.
وقد أجمعت
الامامية بلا خلاف بينها على أن كل واحد من
الانبياء أفضل وأكثر ثوابا من كل واحد من الملائكة.
وذهبوا في
الائمة عليهم السلام أيضا إلى مثل ذلك.
____________________
(1) في " ن
": طرق.
[110]
واجماع
الامامية حجة على ما بيناه، فيجب القطع بهذه الحجة
على أن الانبياء أفضل من الملائكة على جماعتهم.
ومن اعتمد
من أصحابنا في أن الانبياء أفضل، على أن المشاق على
الانبياء من التكليف أكثر، لان لهم شهوات تتعلق
القبيح ونفار عن فعل الواجب، والملائكة ليسوا كذلك.
فقد عول
على غير صحيح، لان الملائكة من حيث كانوا مكلفين
لابد له من أن يكون عليهم مشقة في التكليف، لولا ذلك
لما استحقوا ثوابا، والتكليف ا يشق الا بشهوات
تتعلق بها حظر ومنع منه ونفارا(1) يتعلق بالواجبات.
وإذا كان
الامر على ذلك، فمن أين يعلم بالعقل بأن مشاق
الانبياء أكثر من مشاق الملائكة في التكليف؟ وليس
إذا علمنا على ريق الجملة أن الملائكة لا تتعلق
شهواتهم بالاكل والشرب والجماع، فيكونوا ملتذين
وآملين بما يرجع إلى ذه الامور أحطنا علما بسائر ما
يلتذون ويأملون(2) معه من ضروب المدركات ولا(3) يسع
التكليف من ن يكونوا ممن يلتذ ويألم ببعض ما
يدركونه، ولولا ذلك لما استحقوا ثوابا ولا كانوا
مكلفين.
وقد أملينا
مسألة مفردة في تفضيل الانبياء على الملائكة
واستقصيناها للموافق والمخالف في ذلك، وأجبنا عن
لشبهات التي قدعول عليها مخالفونا بما أوضحنا
وأشبعناه.
ومن أوكد
ما تعلقوا به قوله تعالى حكاية عن ابليس مخاطبا
لادم وحواء عليهما السلام " ما نهاكما ربكما عن
هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو كونا
____________________
(1) ظ: نفار.
(2) في " ن
": يألمون.
(3) في " ن
" ولا بدمع التكليف ممن يكونوا ممن يلتذ بألم
ببعض - الخ.
[111]
من
الخالدين "(1) فرغبهما في أن يكونا ملكين، ولا
يجوز أن يرغبهما بأن يعصيا الله تعالى حتى ينتقلا
إلى الحال التي هي دون الهما، وحالهما هي أفضل منها.
وهي شبهة
لها روعة ولا محصل لها عند التفتيش، لان الفضل الذي
هو كثير الثواب لا يجوز أن يستحق الا بالاعمال،
وهي(2) صارت خلقته خلقة الملك لا يجوز أن كون ثوابه
مثل ثواب الملك.
وانما
رغبهما في أن ينتقلا إلى صورة الملائكة وخلقهم، لا
إلى ثوابهم ما تجزا(3) على أعمالهم، لان الجزاء على
الاعمال تابع لها، ولا يتغير بانقلاب الخلق
والصورة، فبطل ن يكون في هذه الآية دلالة على موضع
الخلاف.
وأيضا فإن
المعتزلة يجوزون على الانبياء الصغائر من الذنوب:
فيقال لهم: إن يكن آدم عليه السلام اعتقد أن
الملائكة أفضل من الانبياء، وكان ذلك ذنبا غيرا
منه، فرغب في حال الملائكة والانتقال اليها،
بناءا على هذا الخطأ، ولا تكون الآية دالة في
الحقيقة على أن الملائكة أفضل من الانبياء.
ومما قيل
في هذه الآية: إن قوله " الا أن تكونا ملكين " أن
يراد به الا أن يصيرا وينقلبا إلى هذه الحالة،
وإنما أراد ابليس التلبيس عليهما وايهامهما أن
المنهي عن كل الشجرة غيرهما، فإن النهي عن تناول
الشجر اختص به الملائكة والخالدون.ويجري ذلك مجرى
قول أحدنا: ما نهيت عن دخول الدار زيدا دونك.
فأما قوله
" لن يستنكف المسيح أن يكون عبدالله ولا الملائكة
المقربون "(4)
____________________
(1) سورة
الاعراف: 20.
(2) في " ن
": ومن.
(3) في " ن
" والجزاء.
(4) سورة
النساء: 172.
[112]
وادعاء
القوم أن ذلك يدل على فضل الملائكة على الانبياء،
لانه أخر ذكرهم، ولا يجوز أن يؤخر في مثل هذا الكلام
الا الفاضل ون المفضول.
ألا ترى
أنه لا يجوز أن يقول القائل: ما يأنف الامير من كذا
وكذا ولا الحارس، وانما يجوز أن يقول: ما يأنف من
كذا وكذا المفضول، ثم يعقب بذكر الفاضل مثل أن يقول:
ما يأنف من قاء زيد الوزير ولا الامير.
وهذا من
ركيك الشبه، لانه يجوز أن يكون الله تعالى خاطب
بهذا الكلام فيمن(1) كانوا يعتقدون فضل الملائكة على
الانبياء مرتبة على حسب اعتقادهم، لا على ما يقتضيه
أحوال لمذكورين.
وجرى ذلك
مجرى أن يقول أحدنا لغيره: ما يأنف أبي من كذا ولا
أبوك.وإن كان القائل يعتقد فضل أبيه على أب المخاطب.
ويمكن في
هذه الآية وجه آخر، وهو أنا نسلم أن جميع الملائكة
أفضل ثوابا من المسيح، وإن كان المسيح أكثر ثوابا
من كل واحد منهم، وهو موضع الخلاف.
لانا لا
نمنع من أن يكون الملائكة أكثر ثوابا من كل وأحد
منهم، وأنه كان كل نبي أكثر ثوابا من كل ملك.
ومما يجوز
أن يقال في هذه أيضا: إن تأخير الذكر لا يحسن مع
تفاوت الفضل وتباعده، فأما مع لتقارب والتساوي فهو
حسن جائز، ولهذا يحسن أن يقول القائل ما يأنف من
لقائي والركوب إلى زيد ولا عمرو وهو دون زيد في
الفضل بيسير غير معتد به.
وإنما يقبح
ذلك مع التفاوت بين الحارس والامير.
وليس بين
الملائكة والانبياء من الفضل ما يظهر فيه التفاوت
الذي لا يليق بتأخر ذكرهم.
____________________
(1) في " ن
": قوما.