المسألة الرابعة : (مسألة الذر وحقيقته)

ما تقول في الاخبار التي رويت من جهة المخالف والموافق في الذر وابتداء الخلق لى ما تضمن تلك الاخبار، هل هي صحيحة أم لا؟ وهل لها مخرج من التأويل يطابق الحق؟.
الجواب: إن الادلة القاطعة اذ دلت على أمر وجب اثباته والقطع عليه، وأن لا يرجع عنه بخبر محتمل، ولا قول معترض للتأويل، وتحمل الاخبار الواردة بخلاف ذلك على ما يوافق تلك الدلالة ويطابقه، وإن رجعنا ذلك عن ظواهرها، وبصحة هذه الطريقة نرجع عن ظواهر آيات القرآن التي تتضمن اجبارا أو تشبيها.
وقد دلت الادلة أن الله تعالى لا يكلف الا البالغين الكاملين العقول، ولا يخاطب الا من يفهم عند الخطاب.
وهذه الجملة تدل على أن من روى أنه خوطب في الذر وأخذت عنه(1)


____________________

(1) في " ن ": عليه.

[114]

المعارف، فأقر قوم، وأنكر قوم كان عاقلا كاملا مكلفا. لانه لو كان بغير هذه الصفة لم يحسن خطابه، ولا جاز أن يقر، ولا ان ينكر.
ولو كان عاقلا كاملا لوجب أن يذكر الناس ما جرى في تلك الحال من الخطاب والاقرار والانكار، لان من المحال أن ينسي جميع الخلق ذلك، حتى لا يذكروا ولا يذكره بعضهم.
هذا ما جرت العادات به، ولولا صحة هذا الاصل لجوز العاقل منا أن يكون أقام في بلد من البلدان متصرفا، وهو امل عاقل ثم نسي ذلك كله، مع تطاول العهد، حتى لا يذكر من أحواله تلك شيئا.
وانما لم نذكر ما جرى منا وانا في حال الطفولية، لفقد كمال العقل في تلك الحال به(1) من تخلل أحوال عدم وموت ن تلك الحال وأحوالنا هذه ويجعلونه سببا في عدم الذكر غير صحيح، لان اعتراض العدم أو الموت بين لاحوال لا يوجب النسيان بجميع ما جرى مع كمال العقل.
ألا ترى أن اعتراض السكر والجنون والامراض المزيلة للمعلوم بين الاحوال، لا يوجب النسيان للعقلاء بما جرى بينهم.
فهذه الاخبار: اما أن تكون باطلة مصنوعة، أو يكون تأويلها - إن كانت صحيحة - ما ذكرناه في مواضع كثيرة من أويل قوله " واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم "(2).
وهو أن الله تعالى لما خلق الخلق وركبهم تركيبا وأراهم الآيات والدلائل والعبر في أنفسهم وفي غيرهم، يدل الناظر فيها المتأمل لها على معرفة الله والهيته ووحدانيته ووجوب عبادته وطاعته، جاز ان يجعل تسخيرها له وحصولها


____________________

(1) في " ن ": وما يجدون به.
(2) سورة الاعراف: 172.

[115]

على هذه الصفات الدالة على ما ذكرناه اقرارا منها بالوحدانية ووجوب العبادة، ويجعل تصييرها على هذه الصفات الدالة على ما ذكرنا استشهادا لها على ذه الامور.
وللعرب في هذا المعنى من الكلام المنثور والمنظوم ما لا يحصى كثرة، ومنه قول الشاعر:
امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني
ومعنى ذلك: انني ملاته حتى أنه ممن يقول سبي قد اكتفت، فجعل ما لو كان قائلا لنطق، كأنه قال ونطق به.
وهذا تأويل الآية والاخبار المروية في الذر، في هذه الجملة كفاية.