المسألة
الخامسة : (مسألة البداء وحقيقته)
ما تقول في
اطلاق لفظ " البداء " على الله تعالى؟ وهل هو
لفظ له معنى مطابق للحق أم لا يجوز اطلاق هذه للفظة
على حال؟ الجواب: وبالله التوفيق أما " البداء
" في لغة العرب: هو الظهور، من قولهم: بدا الشئ،
إذا هر وبان.
والمتكلمون
تعارفوا فيما بينهم أن يسموا ما يقتضي هذا البداء
باسمه، فقالوا: إذا أمر الله تعالى بالشئ في وقت
مخصوص على وجه معين بمكلف واحد، ثم نهى عنه على هذه
الوجوه كلها، هو بداء.
لانه يدل
عليه من حيث لم تظهر أمر لم يكن ظاهرا اما جاز أن
يطابق المنهي أمر بهذه الطائفة(1).
وفرقوا بين
النسخ والبداء باختلاف الوقتين في الناسخ
والمنسوخ.
والبداء
على ما حددناه لا يجوز على الله تعالى، لانه عالم
بنفسه، لا يجوز له أن يتجدد كونه عالما، ولا أن يظهر
له من المعلومات ما م يكن ظاهرا.
____________________
(1) في " ن
": المطابقة.
[117]
ولهذا
قالوا: إذا كان البداء لا يجوز عليه(1) لم يجز أيضا
عليه ما يدل على البداء، أو يقتضيه من النهي عن فس
ما أمر به على وجهه في وقته، والمأمور والمنهي واحد.
وقد وردت
أخبار آحاد لا توجب علما، ولا تقتضي قطعا، باضافة
البداء إلى الله تعالى، وحملوها محققوا أصحابنا
على أن المراد بلفظة البداء يها النسخ للشرائع، ولا
خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع.
وبقي أن
نبين هل لفظة " البداء " إذا حملت على معنى
النسخ حقيقة أو مستعارة؟ ويمكن أن ينص أنها حقيقة
في النسخ غير المستعارة، ان البداء إذا كان في
اللغة العربية اسما للظهور.
وإذا سمينا
من ظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهرا، حتى اقتضى
ذلك ان يأمر بنفس ما نهى عنه، أو ينهي عن نفس ما امر
به، أنه قد بدا، لم يمتنع ن يسمي الامر بعد النهي
والحظر بعد الاباحة على سبيل التدريج، فإنه بداء
له، لانه ظهر من الامر ما لم يكن ظاهرا، وبدا ما لم
يكن بائنا، بمعنى البداء الذي هو الظهور والبروز
حاصل(2) في الامرين.
فما المانع
على نفص الاستنفات(3) ان يسمي الامرين بداء، لان
فيهما معا ظهور أمر لم يكن ظاهرا.
فإن قيل:
هذا انما يسوغ إذا اطلق لفظة " البداء " ولم
تضف، فأما إذا أضيفت وقيل: " بدا له في كذا " لا
يليق الا بما ذكرناه دون ما خرجتموه، لان اطلاع من
أمر بعد نهي، أو نهي بعد امر على امر ما كان مطلقا
خصه، فلا يتعدى
____________________
(1) في " ن
": عليهم.
(2) ظ:
الحاصل.
(3) في " ن
": على يقضى اشتقاق اللغة أ ن يسمى.
وظ: على
مقتضى الاشتقاق.
[118]
إلى غيره،
فيجوز ان يقال على سبيل التخصيص: بدا له.
وليس كذلك
النسخ، لان الامر وان كان متجددا بعد النهي، وكذلك
الحظر بعد الاباحة، فذلك مما لا يقتضي الاضافة على
سبيل التخصيص، لان لامر المتجدد ظاهر الامر، ولكل
سامع له ومخاطب به.
قلنا: مرت(1)
ضعيف، لانه قد يجوز أن يضاف من البداء الذي هو
الظهور ما شارك فيه غيره(2)، ولا يمنع مشاركته(3) في
ان ذلك بأدلة ن اضافته إلى الامر.
ألا ترى
انه قد يجوز ان يظهر لي ولغيري من حسن الفعل أو قبحه
ما لم يكن ظاهرا، فأمر بعد نهي أو نهي بعد أمر، فدل(4)
انه قد بدا له و يضاف اليه.
وإن شاركه
في انه ظاهر له غيره، فالمشاركة ليس تنفي هذه
الاضافة، ويجوز له أن يكون القوي بهذه الاضافة، وأن
الاصل في هور هذا الامر هو الفاعل له، دون كل من
سمعه، لانهم وإن اشتركوا في العلم به عند ظهوره،
فالاصل في ظهوره هو الفاعل له، فيقوم الاضافة لذلك.
وليس ينبغي
ان ينكر هذا التخريج، لان اهل اللغة ما وافقونا على
ان البداء لا يكون الا في الموضع الذي ذكره بعض
المتكلمين، وشرط بتلك لشرائط المشهورة.
بل قال اهل
اللغة: ان البداء هو الظهور، ولم يزيدوا على ذلك،
والمتكلمون قصروه على موضع بحسب ما اختاروه، لان
معنى البداء الذي هو الظهور،
____________________
(1) في " ن
": هذا فرق.
(2) في هامش
النسخة: شاركين فيه غيري.
وفي " ن
": ما يشاركني فيه غيري.
(3) في " ن
" مشاركة غيري.
(4) في " ن
" تدل.
[119]
فيجوز
لغيرهم ان يعديه إلى موضع آخر فيه ايضا معنى الظهور
في اللغة لا قصر عليه ذلك.
ثم لو
سلمنا لخصوص اللغة إن لفظ البداء يختص حقيقة بما
ذكروه، جاز أن يستعار في غيره وهو النسخ لان فيه
معنى الظهور على كل حال.
وقد بان
بهذه الجملة جميع ما يحتاج في هذه المسألة.