المسألة السابعة : (هل يقع من الانبياء الصغائر أو الكبائر)

إذا كان من مذهب الامامية المحقة أن الانبياء لا يجوز عليهم شئ من القبائح لا صغيرها ولا كبيرها، فما معنى الظواهر التي ردت في القرآن، مثل قوله تعالى " وعصى آدم ربه فغوى(1) " وما أشبه ذلك من الانبياء عليهم السلام بالوجه(2) الصحيح في تأويل هذه الاخبار.
الجواب: أعلم أن الادلة العقلية إذا كانت دالة على ان الانبياء عليهم السلام لا يجوز أن يواقعوا شيئا من الذنوب صغيرا وكبيرا، فالواجب القطع على لك، ولا يرجع عنه بظواهر الكتاب.
لانها اما أن تكون محتملة مشتركة، أو تكون ظاهرا خالصا(3)، لما دلت العقول على خلافه.
لانها إذا كانت محتملة حملناها على الوجه المطابق للحق الذي هو أحد محتملاتها، وان كانت غير محتملة عدلنا عن ظواهرها وقطعنا على انه تعالى أراد غير ما يقتضيه لظاهر مما يوافق الحق.


____________________

(1) سورة طه: 121.
(2) في " ن ": وما الوجه.
(3) ظ: أو تكون ظاهرة خالصة.

[122]

والذي يدل عقلا أن الانبياء لا يجوز أن يفعلوا قبيحا، وأن القبيح على ضربين: فضرب منه يمنع الآيات من وقتهم(1)، كالكذب فيما يؤدونه الزيادة فيه أو النقصان، أو الكتمان لبعض ما كلفوا تبليغه، لان المعجزات تقتضي صدق من ظهر عليه. وأنه يحرف الرسالة ولا يبدلها.
ويقتضي أيضا أن لا يجوز عليه الكتمان مما أمر بأدائه، لنقض الغرض في بعثه.
والضرب الاخر من القبائح هو ما لا تعلق له بالاداء والتبليغ، فهذا الضرب الذي يمتنع منه أنه منعي(2) عن القول منهم، وانما بعثوا ليؤدوا ما حملوه، وليعلموا بما أدوه التفسير(3) ن القول، يقتضي نقض الغرض أيضا.
والصغائر في هذا الباب كالكبائر، لان الكل من حيث كانت قبائح تنفرد ولو لم تكن كذلك لكان السكون من المبعوث اليه أكثر وأوفر، فمن جوز الصغائر عليهم اعتقد بأنها لا يستحق به في الحال العقاب، كمن جوز عليهم الكبائر قبل النبوة وان كانوا فيها حال النبوة ممتنعين، واعتذر مثله في الصغائر غير أن الكبائر الماضيه قبل النبوة لا يستحق لها شئ من لصغائر.
وأن الكبائر الماضية قبل النبوة لا يستحق بها العقاب، وانما سقط عقابها لاجل زيادة ثواب طاعات فاعلها، ألا ترى أنها لو انفردت لاستحق بها العقاب، ولا مخلص للخصوم من هذه النكتة.
وقد بينا ذلك وشرحناه واستوفيناه في كتابنا المعروف ب‍ " تنزيه الانبياء والائمة " وبلغنا فيه الغاية القصوى.


____________________

(1) في " ن ": وقوعه منهم.
(2) في " ن " منفى عن القبول.
وظ: مانع عن القبول.
(3) في " ن ": فما أرى إلى التنفير من القبول.

[123]

وذكرنا أيضاء في هذا الكتاب تأويل كل آية أدعي أن ظاهرها يقتضي وقوع معصية من نبي، وبينا الصحيح من تأويلها، سقنا الكلام في نبي بعد نبي، من آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وفعلنا مثل ذلك في الائمة.وهذا كتاب جليل الموقع في الدين كثير الفائدة.
فأما قوله تعالى " وعصى آدم ربه فغوى " فهذه الآية أول شئ تكلمنا عليها في كتاب " التنزيه " وبينا أنها لا تدل على وقوع قبيح من آدم عليه السلام، وأن اهرها يحتمل الصحيح الذي نقوله، كما أنه محتمل للباطل الذين(1) يذهبون اليه.
لان لفظة " عصى " تدل على مخالفة الامر أو الارادة، والامر والارادة قد يتعلقان بالواجب وبما له صفة الندب، والامر لى الحقيقة أمر بالندب، كما أنه أمر بالواجب دون الندب، فمن أين لهم أنه خالف الواجب دون أن يكون صى، بأن عدل عن المندوب اليه.
وليس أن يكون الله تعالى ندبه إلى الكف من تناول الشجرة وعصى، بأن خالف وتناول، فلم يستحق عقابا، لانه لم يفعل قبيحا، لكنه حرم نفسه الثواب الذي كان ستحقه على الطاعة التي ندب اليها.
ومعنى قوله تعالى " فغوى " أي خاب.
ولا شبهة في اللغة أن لفظة " غوى " تكون بمعنى " خاب " قال الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره***ولم(2) يغو لم يعدم لى الغي لائما
ومما لم نذكره في كتاب " التنزيه " أن قوله تعالى " فغوى " بعد قوله " عصى آدم ربه " لا يليق الا بالخلبة، ولا يليق بالغي الذي هو القبيح وضد الرشد، لان


____________________

(1) ظ: الذي.
(2) في " ن ": ومن.

[124]

الشئ يعطف على نفسه، ولا يكون سببا في نفسه، ومحال أن يقال: عصى فعصى.
ولابد من أن يراد بما عطف بالفاء غير معنى الاول.
والخيبة هي حرمان الثواب بالمعصية التي هي ترك المندوب وسبب فيها، فجاز أن يعطف عليها.
والغي الذي هو الفعل القبيح، لا يجوز عطفه على المعصية ولا أن يكون سببا فيه.
فان قالوا: ما المانع من أن يريد بعصى أي لم يفعل الواجب من الكف عن الشجرة، والواجب يستحق بالاخلال به حرمان الثواب، كالفعل المندوب اليه، فكيف رجحتم ما ذهبتم اليه على ما ذهبنا حن اليه؟ قلنا: الترجيح لقولنا ظاهر، اذ الظاهر من قوله تعالى " عصى فغوى " أن الذي دخلته الفاء جزاء على المعصية، وأنه كل الجزاء المستحق بالمعصية، لان الظاهر من قول القائل: سرق فقطع، قذف فجلد ثمانين.أن ذلك جميع الجزاء لا بعضه. وكذا إذا قال القائل: من دخل داري فله درهم.
حملناه على أن الظاهر يقتضي أن الدرهم جميع جزائه، ولا يستحق بالدخول سواه.
ومن لم يفعل الواجب استحق الذم والعقاب وحرمان الثواب، ومن لم يفعل المندوب اليه فهو غير مستحق لشئ كان ركه للندب سببا تاما فيه الا حرمان الثواب فقط.
وبينا أن من لم يفعل الواجب ليس كذلك، وإذا كان الظاهر يقتضي أن ما دخلته الفاء جميع الجزاء على ذلك السبب لم يلق الا بما قلناه دون ما ذهبوا اليه، هذا واضح لمن تدبره.