(3) - جوابات المسائل الطبرية المسألة الاولى : (افعال العباد غير مخلوقة)

سأل الشريف (أحسن الله توفيقه) فقال: ما القول في أفعال العباد، هل هي مخلوقة أم لا؟ ما معنى قول الصادق عليه السلام: أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض(1)؟.
الجواب: وبالله التوفيق.
أما أفعال العباد فليست مخلوقة لله عزوجل، وكيف يكون خلقا له وهي مضافة إلى العباد اضافة الفعلية؟ ولو كانت مخلوقة لكانت من فعله، ولو كانت فعلا ه لما توجه الذم والمدح على قبحها وحسنها إلى العباد، كما لا يذمون ويمدحون بخلقهم وصورهم وهيئتهم، ولكانت أيضا لا يتبع في وقوعها تصور العباد ودواعيهم وأحوالهم.


____________________

(1) التوحيد ص 362، البحار 5 / 30.

[136]

ألا ترى أن أفعاله في العباد التي لا شبهة فيها، ولا يتبع ارادتهم، ولا يقع بحسب تصورهم.
هذا ان أريد بالخلق هاهنا الاحداث والانشاء على بعض الوجوه.
وان أريد بالخلق التقدير الذي لا يتبع الفعلية، جاز القول بأن أفعال العباد مخلوقة لله عزوجل، فكل بمعنى أنه مقدر لها مرتب القول بأن أفعال العباد مخلوقة لله زوجل، فكل(2) بمعنى أنه مقدر لها مرتب لجميعها.
ألا ترى أن أهل اللغة يسمون مقدر الاديم خالقا له وإن كان الادم من فعل غيره.
قال الشاعر:

ولانت تعرى(3) ما خلقت وبعض***القوم يخلق ثم لا يعترى
وقال الاخر:

ولا تبط بأيدي ولا أيدي***الخير الاجيد الادم هذا
جواب لمن يسأل عن أفعال لعباد هل يكون مخلوقة لله تعالى أم لا؟ فأما من سأل هل هي مخلوقة للعباد أم لا؟ فجوابه: أن الصحيح كون لعباد خالقين لافعالهم المقصودة المجرى بها إلى الاغراض الصحيحة، هو(4) مذهب أكثر أهل العلم.
وخالف أبوالقاسم البلخي في ذلك، وإن كان موافقا على أن العباد يحدثون وينشئون ويخترعون.
وليس يمتنع أن يوصفوا بأنهم خالقون لافعالهم، لان الخلق إن كان معناه ايقاع الفعل مقدرا أو مقصودا، فهذا لمعنى قائم بين العباد وأفعالهم، ولا معنى للامتناع لا(5) العبارة مع ثبوت معناها.


____________________

(1) الظاهر زيادة الواو.
(2) ظ: فيكون.
(3) لعل: تفرى ويفترى.
(4) ظ: وهو.
(5) ظ: الا.

[137]

وقد بينا أن أهل اللغة قد سمعوا العبد خالقا بصريح القول، ولمن كان غيره لا يستحق هذا الوصف أن يشنع أن يقول: اكرم الالهة أو أحسن.
وانما استنكر أبوالقاسم البلخي اطلاق القول بأن الانسان خالق ظنا منه أن ذلك ادخل في تعظيم الله عزوجل وتمييزه ما يجري من الاوصاف على عباده.
وليس الامر على ما ظنه، لما بيناه من اطلاق هذا الوصف على العباد في القرآن واستعمال أهل اللغة.
وما توهمه البلخي في التمييز والتخصيص له تعالى.
ينتقض بوصفه، بلا خلاف بينه وبين العبد بأنه محدث منشئ مخترع، كما يصف الله تعالى بذلك، وإن كان في لاشتراك في الوصف بالخلق نقص وإبطال للتعظيم والمزية، ففي الاشتراك بالوصف بالانشاء والاختراع مثل ذلك.
وما يعتذر به البلخي في الاختراع والانشاء إلى المجبرة، يعتذر اليه بمثله في الخلق.
فأما ما روى عن الصادق عليه السلام في أن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين.
والمراد(1) بأنها مخلوقة لله تعالى على وجه التقدير كالتكوين(2).
فلم يرد(3) عليها أنها مخلوقة للعباد على أحد الوجهين لا الاخر، لانه عليه السلام لو أراد ذلك لم يكن صحيحا، لان أفعال العباد خلوقة لهم خلق تقدير وتكوين معا بل المكون(4) لفعل العبد سواه.


____________________

(1) ظ: فالمراد.
(2) ظ: لا التكوين.
(3) ظ: ولم يرد أنها.
(4) ظ: لا مكون.

[138]

فأما معنى اضافة الصادق عليه السلام في الخبر المروي من(1) أفعال العباد إلى أنها مخلوقة لله تعالى خلق تقدير، فجار على ما قدمنا بيانه من أنه تعالى لما كان مبينا لها فصلا لحسنها من قبحها مميزا خيرها من شرها، كان بذلك مقدرا لها، وإذا كان مقدرا جاز أن يقال: انه خالق لها، كما قالوا في مقدر الاديم ومربيه، ومبين ما يجئ منه من مراده وغيرها أنه خالق.
وقد صرح في الخبر بالمعنى الذي أشرنا اليه، وأعرب عنه أحسن اعراب، لقوله " خلق تقدير لا خلق كوين ".
فأما قوله عليه السلام في الخبر " أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض " عن(2) حسن التخلص والتمييز للحق من الباطل، لان العباد غير مجبرين على أفعالهم عند من أمعن النظر، بل هم مختارون ها وموقعون لجميعها بحسب ايثارهم ودواعيهم.
وقد لوحنا في صدر هذه المسألة بالدلالة على ذلك، غير أنهم وإن كانوا غير مجبرين، فالامر في أفعالهم غير مفوض اليهم من وجهين: أحدهما: أن الله عالى لو لم يقدرهم ويمكنهم بالالات وغيرها، لما تمكنوا من تلك الافعال، فأشفق عليه السلام من أن يقتصر على نفي الاجبار عنهم، فيظن أنهم مستقلون بنفوسهم، وأنهم غير محتاجين إلى الله تعالى في لك الافعال فنفى التفويض، ليعلم أن الامر في تمكنهم واقدارهم ليس اليهم.
والوجه الاخر: أن يكون المراد بنفي التفويض أن الامر في تمييز هذه الافعال وترتيبها، وتبين حسنها من قبحها، وواجبها من دبها، ليس مفوضا اليهم بل هو مما يختص الله عزوجل بالدلالة عليه والارشاد.


____________________

(1) الظاهر زيادة كلمة " من ".
(2) ظ: فمن.

[139]

وهذا الوجه أشبه بالجملة الاولى من الكلام وتعلق معنى آخر الخبر بأوله، لانه عليه السلام قال: هي مخلوقة خلق تقدير لا تكوين.
وقوله " لا جبر " تفسير بأن الخلق على سبيل التكوين.
وقوله " لا تفويض " ايضاح الخلق على سبيل التقدير، ونبه على أن تقديرها على ما بيناه إلى غيرهم.