المسألة الثانية : (عدم ارادة الله تعالى المعاصي والقبائح)

وسأل (أحسن الله توفيقه) هل تكون المعاصي بارادة الله تعالى ومشيته أم لا تكون بارادة الله تعالى؟ وهل شاء‌ها تعالى ورضاها أم شاء‌ها لم يرضها؟.
الجواب: وبالله التوفيق اعلم أن الله تعالى لم يرد شيئا من المعاصي والقبائح، ولا يجوز أن يريدها ولا يشاؤها ولا يرضاها، بل هو تعالى كاره وساخط لها.
والذي يدل على ذلك أنه جلت عظمته قد نهى عن سائر القبائح والمعاصى بلا خلاف، والنهي انما يكون نهيا بكراهة الناهي للفعل لمنهي عنه، وقد بين ذلك في الكتب، والامر فيه واضح لا يخفى.
ألا ترى أن أحدنا لا يجوز أن ينهى عما(1) يكرهه، فلو كان النهي في كونه نهيا غير مفتقر إلى الكراهة لم يجب ما ذكرناه، ولانه لا فرق ين قول أحدنا


____________________

(1) ظ: الا عما.

[141]

لغيره " لا تفعل كذا " ناهيا له، وبين قوله " أنا كاره له ".
كما لا فرق بين قوله " افعل " آمرا له، وبين قوله " أنا مريد منك أن تفعل ".
وإذا كان جلت عظمته كارها لجميع المعاصي والقبائح من حيث كان ناهيا عنها أن يكون(1) استحال أن يكون مريدا لها، لا(2) لاستحالة أن يكون مريدا لها(3) كارها للامر الواحد لى وجه واحد.
ويدل أيضا على ذلك: أنه لو كان مريدا للقبيح لوجب أن يكون على صفة نقص وذم إن كان مريدا له بلا ارادة، وإن كان مريدا له بارادة أن يكون فاعلا لقبيح، لان ارادة القبيح قبيحة، فاعلها فاعل القبيح ومستحق للذم.
وخلاف في ذلك في الشائي كما لا خلاف في قبح الظلم من أحدنا.
وإنما يدعي مخالفونا حسن ارادة القبيح إذا كانت من فعله تعالى، كما يدعون حسن حالة صفة الظلم من فعله عالى. وذلك باطل بما لا شبهة فيه.
وقد أكد السمع دليل العقل، فقال الله تعالى " وما الله يريد لما للعباد "(4) " وما الله يريد ظلما للعالمين "(5) وقوله تعالى " كل ذلك سيئه عند ربك مكروها "(6) وقال عالى " وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون "(7) وإذا كان خلقهم للعبادة فلا يجوز أن يريد منهم الكفر.


____________________

(1) الظاهر زيادة " أن يكون ".
(2) الظاهر زيادة " لا ".
(3) الظاهر زيادة " لها ".
(4) سورة غافر: 31.
(5) سورة آل عمران: 108.
(6) سورة الاسراء: 38.
(7) سورة الذاريات: 56.

[142]

وقال الله تعالى " وما يرضى لعباده الكفر "(1) ولو كان مريدا له لكان شائيا له وراضيا به.
وقد أجمع المسلمون على أنه تعالى لا يرضى أن يكفر به ويشتم أولياء‌ه ويكذب أنبياء‌ه ويفتري عليهم.
فأما تعلق المخالف بأنه لو حدث من العباد ما لا يريده تعالى، لدل ذلك على صفة(2)، قياسا على رعية الملك إذا فعلوا ما يكرهه وما يريده فباطل.
الجواب عنه أنه غير مسلم لهم أن جميع ما يريده الملك من رعيته إذا وقع منهم خلاف ذل(3) على ضعفه، انه لو أراد منهم ما يعود صلاحه ونفعه عليهم لا عليه، لم يكن في ارتفاعه ووقوع خلافه ضعف. ألا ترى أن رعية الملك المسلم يريد من جميعهم أن يكونوا على دينه، لا لنفع يرجع اليه بل اليهم، وقد كون من جملتهم اليهود والنصارى والمخالف لدين الاسلام، ولا يكون في تمسك هؤلاء بأديانهم واختلافهم إلى ثبوت عاداتهم دلالة على ضعف ملكهم ونقصه.
وانما يضعف الملك بخلاف رعيتيه له إذا كان متكثرا بطاعتهم منتفعا بنصرتهم مقتصدا بقوتهم، فمتى خالفن(4) اقتضى الخلاف ضعفه، فوت منافعه وانتفاء نصرته ومعونته.
والقديم تعالى عن أن ينتفع بطاعات العباد، وانما هم المنتفعون بذلك، فلا ضعف يلحقه من معاصيه ولا فوت نفع. ويلزم المنتج بهذه الشبهة الضعيفة أن يضعف الله تعالى عن ذلك علوا


____________________

(1) سورة الزمر: 7.
(2) ظ: ضعفه.
(3) ظ: خلافه دل.
(4) ظ: خالفوا.

[143]

كبيرا، لوقوع ما نهى عنه ولم يامر به من عباده قياسا على الملك ورعيته، فإن من يضعف من ملوكنا بفعل رعيته لما يكرهه ولا يريده يضعف بأن يفعلوا ما هاهم عنه.
ويجب أيضا ان يكون الله تعالى إذا كان امر الكفار الايمان والعصاة بالطاعات، ان يكون آمرا لهم أن يضعفوه ويغلبوه ويقهروه. وهذا مما لا يقوله عاقل.
وقد استقصينا الكلام في هذا الباب في كتابنا المعروف ب‍ " الملخص " في اصول الدين.
وفي القدر الذي أوردناه كفاية.