(اثبات حجية الاجماع)

وهاهنا طريق آخر يجري في وقوع العلم مجرى التواتر والمشافهة، وهو أن يعلم عند عدم تمييز عين الامام وانفراد شخصه، اجماع جماعة على بعض الاقوال، يوثق بأن قوله داخل في جملة أقوالهم.
فإن قيل : هذا القسم أيضا لا يخرج عن المشافهة أوالتواتر، لان امام العصر إذا كان موجودا، فاما أن يعرف مذهبه وأقواله مشافهة وسماعا، أو بالمتواتر عنه.
قلنا: الامر على ما تضمنه السؤال غير أن الرسول والامام إذا كان متميزا متعينا، علمت مذاهبه وأقواله بالمشافهة أو بالتواتر عنه.
وإذا كان مستترا غير متميز العين - وإن كان مقطوعا على وجوده واختلاطه بنا - علمت أقواله باجماع الطائفة التي نقطع على أن قوله في جملة أقوالهم، وإن كان العلم بذلك من أحواله لا يعد واما المشافهة أو التواتر، وانما يختلف الحالان بالتمييز والتعيين في حال، وفقدهما في أخرى.
فإن قيل: من أين يصح العلم بقول الامام إذا لم يكن متعينا متميزا، وكيف يمكن أن يحتج باجماع الفرقة المحقة في أن قوله داخل في جملة أقوالهم.
أو ليس هذا يقتضي أن تكونوا قد عرفتم كل محق في سهل وجبل

[12]

وبر وبحر وحزن ووعر، ولقيتموه حتى عرفتم أقواله ومذاهبه، أو أخبرتم بالتواتر عن ذلك، ومعلوم لكل عاقل استحالة هذا وتعذره.
وليس يمكنكم أن تجعلوا اجماع من عرفتموه من الطائفة المحقة هو الحجة، لانكم لا تأمنون من أن يكون قول الامام الذي هو الحجة في الحقيقة خارجا عنه.
قلنا: هذه شبهة معروفة مشهورة ، وهي التي عول عليها واعتمدها من قدح في الاجماع، من جهة أنه لا يمكن معرفة حصوله واتفاق الاقوال كلها على المذهب الواحد.
والجواب عن ذلك سهل واضح.
وجملته: أنه لا يجب دفع حصول العلم الذي لا ريب فيه ولا شك، لفقد العلم بطريقه على سبيل التفصيل.
فإن كثيرا من العلوم قد تحصل من غير أن تنفصل للعالم طريقها.
ألا ترى إن العلم بالبلدان والامصار والحوادث الكبار والملوك العظام، فانه يحصل بلا ارتياب لكل عاقل يخالط الناس حتى لا يعارضه شك، ولو طالبته بطريق ذلك على سبيل التفصيل لتعذر عليه ذكره والاشارة اليه.
ولو قيل لمن عرف البصرة والكوفة وهو لم يشاهدهما، وقطع على بدر وحنين والجمل وصفين وما أشبه ذلك: أشر إلى من خبرك بهذا، وعين من أنبأك به، وكيف حصل لك العلم به؟ لتعذر عليه تفصيل ذلك وتمييزه ولم يقدح تعذر التمييز والتفصيل عليه في علمه بما ذكرناه، وإن كان عند التأمل على الجملة أنه علم ذلك بالاخبار، وإن لم ينفصل له كل مخبر على التعيين.
وإذا كانت مذاهب الامة مستقرة على طول العهد وتداول الايام، وكثرة الخوض والبلوى، وتوفر الدواعي وقوتها، فما خرج عن المعلوم منها نقطع على أنه ليس مذهبا لها ولا قول من أقوالها.
وكذلك إذا كانت مذاهب فرق الامة على اختلافها مستمرة مستقرة على

[13]

طول الازمان، وتردد الخلاف، ووقوع التناظر والتجادل، جرى العلم باجماع كل فرقة على مذاهبها المعروفة المألوفة وتميزه مما باينه وخالفه، مجرى العلم بمذاهب جميع الامة وما وافقه وخرج عنه.
ومن هذا الذي يشك في أن تحريم الخمر ولحم الخنزير والربا، ليس من مذهب أحد المسلمين، وإن كنا لم نلق كل مسلم في البر والبحر والسهل والوعر.
وأي عاقل من أهل العلم يرتاب في أن أحدا من الامة لم يذهب في الجد والاخ إذا انفردا في الميراث، أن المال للاخ لا للجد، وأن الاخوة من الام يرثون مع الجد.
وإذا كانت أقوال الامة على اتساعها وانتشارها في الفتاوي تنضبط لنا، حتى لا نشك فيما دخل فيها وما خرج عنها، فكيف يستعبد انحصار أقوال الشيعة الذين نذكر أن قول الحجة فيهم، ومن جملة أقوالهم، وهو أقل عددا وأقرب انحصارا؟.
أو ليس أقوال أبي حنيفة وأصحابه والشافعي، والمختلف من أقوالهم قد انحصرت، حتى لا يمكن أحدا أن يدعي أن حنفيا أو شافعيا يذهب إلى خلاف ما عرف وظهر وسطر، وإن لم تجب البحار وتحل الامصار وتشافه كل حنفي وشافعي.
فما المنكر من مثل ذلك في أقوال الشيعة الامامية؟ وإن أظهر مظهر الشك في جميع ما ذكرنا منه العليل وهو الكثير الغريز وقال: انني لا أقطع على شئ مما ذكرتم أنه مقطوع عليه، لفقد طريق العلم الذي هو للمشاهدة أو التواتر.
لحق بالسمنية جاحدي الاخبار، وقرب من السوفسطائية منكري المشاهدات. ولا فرق البتة عند العقلاء من تجويز مذهب للامة لم نعرفه ولم نألفه ولم

[14]

ينقل الينا، مع كثرة البحث واستمرار الخوض.
وبين بلد عظيم في أقرب المواضع مما لم ينقل خبره الينا، وحادثة عظيمة لم نحط بها علما.
وقيل لمن تعلق بذلك: إن كنت تدفع العلم عن نفسك والسكون إلى ما ذكرناه، فأنت مكابر كالسمنية والسوفسطائية.
وإن كنت تقول: طريق العلم متعذر، لانه المشاهدة والتواتر وقد ارتفعا.
قلنا لك: ما تقدم من أن التفصيل قد يتعذر مع حصول العلم، والتواتر والمشاهدة في الجملة طريق إلى ما ذكرناه، غير أنه ربما تجلى ويعتق، وربما التبس واشتبه.
ولن يلتبس الطريق ويتعذر تفصيله الا عند قوة العلم وامتناع دفعه.
ألا ترى أن العالم بالبلدان والحوادث الكبار على الوجه القوي الجلي، لو قيل له: من أين علمت؟ ومن خبرك ونقل اليك؟ لتعذر عليه الاشارة إلى طريقه.
وليس هكذا من علم شيئا بنقل خاص متعين، لانه يتمكن متى سئل عن طريق علمه أن يشير اليه.
فقد صار تعذر التفصيل للطريق علما على قوة العلم وشدة اليقين، فلهذا أستغني عن تفصيل طريقه.
وانما يحتاج إلى تعيين الطريق فيما لم يستو العلم بالطريق المعلوم، فأما ما يستو(1) فيه قوة المعلوم بوضوحه وتجليه وارتفاع الريب والشك فيه، فأي حاجة إلى العلم بتعيين طريقه؟


____________________

(1) ظ: يستوي فيه.