المسألة
الثالثة : (القول في الاستطاعة)
وسأل (أدام
الله حراسته) فقال: ما القول في الاستطاعة؟ وهل تكون
بل الفعل أو معه؟ الجواب وبالله التوفيق.
إن
الاستطاعة هي القدرة على الفعل، والقدرة التي يفعل
بها الفعل لا يكون الا قبله، ولا يكون معه في حال
وجوده.
والذي يدل
على ذلك: أن القدرة انما يحتاج اليها ليحدث بها
الفعل، ويخرج بها من العدم إلى الوجود، فمتى وجبت
والفعل موجود، فقد وجب(1) ي حال استغنائه عنها، لانه
لو(2) لم يستغن بوجوده عن مؤثر في وجوده، وانما
يستغنى في حال البقاء من مؤثرات الوجود، لحصول
الوجود لا بشئ سواه.
____________________
(1) ظ: وجبت.
(2) الظاهر
زيادة " لو ".
[145]
وليس يمكن
ان تنزل القدرة في مصاحبتها للفعل الذي تؤثر فيه
منزلة العلة المصاحبة للمعلول، لان القدرة ليست
علة في المقدور ولا موجبة له، بل أثيرها اختيار
وايثار من غير ايجاب.
لما قد بين
في مواضع كثيرة من الكتب.
ولولا أنها
مفارقة للعلة بغير شبهة لاحتاج المقدور في حال
بقائه اليها، كحاجته في حال حدوثه، لان العلة يحتاج
المعلول اليها ي كل حالة من حدوث أو بقاء.
ولا خلاف
في أن القدرة يستغني عنها المقدور في حال بقائه.
وقد قال
الشيوخ مؤكدين لهذا المعنى: فمن كان في يده شئ
فألقاه لا يخلو استطاعة القائه من أن تكون ثابتة،
الشئ في يده أو خارج عنها.
فإن كانت
ثابتة والشئ في يده، فقد دل على تقديمها، وهو
الصحيح.
وإن كانت
ثابتة والشئ خارج عن يده ملقى عنها، فقد قدر على أن
يلقى ما ليس في يده، وهذا محال وليس ين كون الشئ في
يده وكونه خارجا عنها واسطة ومنزلة ثالثة.
ومما يدل
أيضا على أن الاستطاعة قبل الفعل، أنها لو كانت مع
الفعل كان الكافر غير قادر على الايمان لمكان(1)
الايمان موجودا منه على ذا المذهب الفاسد، ولو لم
يكن قادرا على الايمان لما حسن أن يؤمر به، ويعاقب
على تركه، كما لا يعاقب العاجز عن الايمان بتركه
ولا يؤمر به.
ولا فرق
بين العاجز والكافر على مذاهبهم لانهما جميعا غير
قادرين على الايمان ولا متمكنين منه.
قد قال
الله تعالى " ولله على الناس حج البيت من استطاع
اليه سبيلا
____________________
(1) ظ: ولما
كان.
[146]
ومن كفر
فإن الله غني عن العالمين "(1) فشرط توجه الامر
بالاستطاعة له، فلولا أنها متقدمة للفعل وأنه يكون
مستطيعا لحج وإن لم يفعله لوجب أن يكون الامر بالحج
انما توجه إلى من فعله ووجد منه.
وهذا محال.
وقد بينا
الكلام وأحكامها في مواضع كثيرة من كتبنا، وفي هذه
الجملة مقنعة.
____________________
(1) سورة آل
عمران: 97.