المسألة
الرابعة : (مسألة الوعد والوعيد والشفاعة)
وسأل (أحسن
الله توفيقه) في الوعيد، وهل يكون العبد المسلم
الدا مخلدا في النار بكبيرة واحدة أو تلحقه الشفاعة
إذا مات من غير توبة؟ الجواب: وبالله التوفيق.
إن العبد
المسلم المؤمن لا يجوز أن يكون مخلدا في النار
بعقاب معاصيه لان الايمان يستحق به الثواب الدائم
النعيم المتصل، والكبيرة التي واقعها المؤمن انما
يستحق به(1) العقاب المنقطع، ولا تأثير لعقابها
المستحق في ثواب الايمان المستحق.
وإذا لم
يقع تحابط بين المستحقين فيهما(2) على حالهما لم
يؤثر أحدهما في صاحبه، فلو خلد المؤمن بعقاب معصيته
في النار لوجب أن يكون ممنوعا حقه من الثواب مبخوسا
نصيبه من النعيم.
____________________
(1) ظ: بها.
(2) ظ: فهما.
[148]
وأما
الشفاعة فهو(1) مرجوة له في اسقاط عقابه، وغير مقطوع
عليها فيه، فإن وقعت فيه الشفاعة أسقطت عقابه، فلم
يدخل النار وخلص له الثواب.
وإن لم تقع
الشفاعة فيه عوقب في النار بقدر استحقاقه، وأخرج
إلى الجنة فأثيب فيه ثوابا دائما، كما استحقه
بايمانه.
فإن قيل: كل
ما ذكرتموه يجري مجرى الدعوى فيه، وفيه خلاف.
قلنا:
الامر كذلك، وانما كان غرضنا أن نبين كيفية المذهب
في هذه المسألة، وكيف يبنى القول فيها على المذاهب
الصحيحة.
والادلة
والبراهين على صحة هذه المذاهب وفساد ما عداها
موجودة مستقصاة في كلامنا على أهل الوعيد، ونصرة
القول بالارجاء في جواب سائل أهل الموصل، غير أنا
لا نخلي هذا الموضع من اشارة خفية لطيفة إلى الحجة
ووجه الدلالة، فنقول: ما الدلالة على (أن) الايمان
يستحق به الثواب الدائم، فهو الاجماع والسمع، لان
العقل عندنا لا يدل على وام ثواب ولا عقاب، وإن دل
على استحقاقهما في الجملة.
وقد أجمع
المسلمون على اختلاف مذاهبهم على أن الايمان
يسستحق به الثواب الدائم، وأن لم يحبط ثوابه بما
يفعله من المعاصي المستحق عليها لعقاب العظيم يرد
القيامة مستحقا من ثواب الايمان ما كان يستحقه عقيب
فعله.
وإذا ثبت
هذه الجملة نظرنا في المعصية التي يأتي بها هذا
المؤمن ويفعلها، وهو محرم غير مستحل بالاقدام
عليها، فقلنا لابد ن يكون مستحقا عليها العقاب
بدليل العقل والاجماع أيضا، ومثبت أنه لا يجوز أن
يؤثر الثواب المستحق
____________________
(1) ظ: فهي.
[149]
في العقاب
المستحق فيبطله، ولا العقاب المستحق على(1) الثواب
المستحق فيبطله، لفساد التحابط عندنا بين الاعمال
وعند(2) المستحق عليها.
وربما قد
بيناه في مواضع كثيرة خاصة في الكتاب الذي أشرنا
اليه.
ومن قوي ما
يدل على نفي التحابط بين الثواب والعقاب: أن الشئ
انما ينفي غيره ويبطله ويحبطه، إذا ضاده أو افاه،
أما فيما يحتاج ذلك الشئ في وجوده اليه لا تضاد ولا
تنافي بين الثواب والعقاب المستحقين، لان الثواب
قد يكون من جنس العقاب، ولو خالفه لما انتهى إلى
التنافي والتضاد.
ولو كان
هناك تضاد أو تنافي، لكان على الوجود كنافي سائر
المتضادات، والمستحق من الثواب والعقاب لا يكون
الا معدوما، التنافي لا يصح بين المعدومات، فكيف
يعقل قولهم إن المستحق من العقاب المعدوم أبطل
المستحق من الثواب المعدوم.
وإذا بطل
الاحباط فلابد من أن يكون من ضم إلى الايمان
المعاصي الموسومة بالكبائر من أن يرد القيامة، وهو
مستحق لثواب ايمانه وعقاب معصيته، فإن لم يغفر
عقابه اما ابتداءا أو شفاعة، عوقب بقدر استحقاقه،
ثم نقل إلى الجنة فيخلد عقابه اما ابتداءا أو
بشفاعة، عوقب بقدر استحقاقه، ثم نقل إلى الجنة
فيخلد فيها بقدر استحقاقه.
وليس لقائل
أن يقول: ألا جوزتم أن يسستحق بكبار الذنوب العقاب
الدائم؟ فإن قلتم: كيف يستحق العقاب الدائم من
يستحق الثواب الدائم، وفي أحد لمستحقين قطع عن
المستحق الاخر؟ قيل لكم: ألا جوزتم أن يثاب أحيانا
في الجنة ويعاقب أحيانا في النار، ويوفر عليه في
أوقات عقابه ما فاته منه في أوقات ثوابه إن شاء
معاقبته، فإن هذا
____________________
(1) ظ: في.
(2) الظاهر
زيادة " و ".
[150]
ليس بواجب
كالاول، ثم لا يزال على هذا أبدا سرمدا معاقبا
مثابا.
فكيف زعمتم
أن الدائمين من الثواب والعقاب لا يجتمع
استحقاقهما؟ والجواب عن ذلك: إن العقل غير مانع من
أن يجري الامر على ما ذكر ي السؤال، غير أن السمع
والاجماع منعا منه، ولا خلاف بين الامة على اختلاف
مذهبها أن من أدخل الجنة وأثبت فيها لا يخرج إلى
النار.
وإذا كان
الاجماع يمنع من هذا التقدير الذي تضمنها السؤال،
فلم يبق بعده الا ما ذكرناه من القطع على أن عقاب
المعاصي التي ليست بكفر منقطع.
وانما قلنا
أن الشفاعة مرجوة في اسقاط عقاب المعاصي الواقعة من
المؤمنين لان الاجماع حاصل على أن للنبي لى الله
عليه وآله شفاعة في أمته مقبولة مسموعة.
وحقيقة
الشفاعة وفائدتها: طلب اسقاط العقاب عن مستحقه،
وانما يستعمل في طلب ايصال المنافع مجازا وتوسعا،
ولا خلاف في أن طلب اسقاط الضرر العقاب يكون شفاعة
على الحقيقة.
والذي يبين
ذلك: أنه لو كان شفاعة على التحقيق، لكنا شافعين في
النبي صلى الله عليه وآله، لانا متعبدون بأن نطلب
له عليه السلام من الله عزوجل الزيادة من كراماته
التعلية لمنازله، ولتوفير من كل خير بحظوظه، ولا
اشكال في أنا غير شافعين فيه عليه السلام لا لفظا
ولا معنى.
وليس لهم
أن يقولوا: انا لم نمنع القول بأنا شافعوه(1) له،
لنقصان رتبتنا عن رتبته، والشافع يجزي أن يكون أعلى
رتبة من المشفوع فيه، وذلك لان اعتبار الرتبة
منهم(2) غلط فاحش، ان الرتبة انما تعتبر بين المخاطب
والمخاطب،
____________________
(1) ظ:
شافعون.
(2) في
النسخة: ان الاعتبار منهم للرتبة.
[151]
ولا
يعتبرها أحد بين المخاطب والمخاطب فيه.
ألا ترى أن
الامر لابد أن يكون أعلى رتبة من المأمور، والناهي
لابد أن يكون أعلى منزلة من المنهي،(1) ولا بمن يتعلق
الامر به من المأمور فيه في كونه منخفض المرتبة أو
عالي لمكان، بل الاعتبار في الرتبة بين المتخاطبين.
والشفاعة
يعتبر فيها المرتبة، لكن بين الشافع والمشفوع
اليه، لا يسمى(2) شافعا الا إذا كان أحد أدون رتبة من
المشفوع وحكم المشفوع فيه في أنه لا اعتبار تبة حكم
المأمور فيه في كلمة(3).
ومما يدل
على شفاعة النبي صلى الله عليه وآله إنما هي في
اسقاط العقاب دون ايصال المنافع، الخبر المتضافر
المجمع على قبوله وإن كان الخلاف في تأويله من قوله
ليه السلام " أعددت شفاعتي لاهل الكبائر من
أمتي(4) " فهل تخصيص أهل الكبائر بالشفاعة الا
لاجل استحقاقهم للعقاب.
ولو كانت
الشفاعة في المنافع لم يكن لهذا القول معنى، لان
أهل الكبائر كغيرهم في الانتفاع بدون النفع(5)، هذا
واضح لمن تأمله.
____________________
(1) الظاهر
أن المراد لا اعتبار بالمأمور به في كونه - الخ.
(2) ظ: ولا.
(3) ظ: كله.
(4) بحار
الانوار 8 / 34 ح 4.
(5) ظ: في
الانتفاع بالنفع.