المسألة الرابعة : (مسائل في الشفعة)

ذكر أن الشفعة تصح في العقار بين أكثر من اثنين، وإذا تخيرت الاملاك فلا شفعة، الشفعة تجب بالسرب والطريق.
الجواب: وبالله التوفيق.
أما المسألة الاولى من مسائل الشفعة، وهي اعتبارها في الاثنين واسقاطها فيما زاد عليهما من عدد الشركاء: فلعمري انه مما تفرد به الشيعة لامامية، واطبق مخالفوها على خلافه، غير أن بين الامامية خلافا في هذه المسألة معروفا.
فان أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال في كتابه المعروف ب‍ " كتاب من لا يحضره الفقيه " في اب الشفعة لما روى عن الصادق عليه السلام سئل عن الشفعة لمن هي؟ وفي أي شئ هي؟ وهل تكون في الحيوان شفعة؟ وكيف هي؟ قال: الشفعة واجبة في كل شئ من حيوان او أرض أو متاع، إذا كان لشئ بين شريكين لا غيرهما، فباع أحدهما نصبيه، فشريكه أحق به من غيره، فاذا زاد على الاثنين فلا شفعة لاحد منهم.

[177]

ثم قال: قال مصنف هذا الكتاب: يعني بذلك الشفعة في الحيوان وحده فأما في غير الحيوان فالشفعة واجبة للشركاء ان كانوا أكثر من اثنين.
ثم قال - رحمه الله -: وتصديق ذلك ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي عن عبدالله بن سنان قال: سألته عن مملوك بين ركاء أراد أحدهم بيع نصيبه؟ قال: يبيعه قال قلت: فانهما كانا اثنين فأراد أحدهما بيع نصيبه فلما أقدم على البيع قال له شريكه: أعطني.
قال: هو أحق به.
ثم قال عليه السلام: لا شفعة في حيوان الا أن يكون الشريك فيه واحدا(1).
وهذا الذي حكيناه يستفاد خلاف أبي جعفر (رحمه الله) في هذا المذهب وانما يوجب الشفعة للشركاء في المبيعات وان زادوا على اثنين، الا في الحيوان خاصة، وليس فيما حتج به وظن أنه يصدق بمذهبه من الخبر الذي رواه عن عبدالله بن سنان حجة صريحة فيما ذهب اليه، لان نفيه عليه السلام حق الشفعة في المملوك إذا كان فيه شركاء جماعة، واثباتها بين الشريكين يه، لا يدل على أن الامر في المبيعات بخلاف هذا الحكم.
وكان الاولى به لما أراد أن يذكر ما روى من الرواية في نصرة المذهب الذي رواه عن نفسه، أن يذكر ما رواه اسماعيل بن مسلم عن جعفر بن حمد عن أبيه قالوا: قال عليه السلام: الشفعة على عدد الرجال(2).
وهذا الخبر صريح في أن الشفعة تثبت مع زيادة عدد الشركاء على اثنين ولو كان حق الشفعة يسقط بالزيادة على اثنين لما كان لاعتبار لشفعاء معنى، لان الشفيع لا يكون الا واحدا، فاذا زاد العدد بطلت الشفعة على المذهب الذي حكيناه.


____________________

(1) من لا يحضره الفقيه: 3 / 46.
(2) من لا يحضره الفقيه: 3 / 45 ح 3.

[178]

وكان له أيضا أن يحتج بما رواه عقبة بن خالد عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وآله بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن، وقال: ا ضرر ولا ضرار(1).
ولفظ " الشركاء " لفظ جمع، وهو يقتضي بموجب اللغة أكثر من اثنين.
وهذان الخبران قد رواهما أبوجعفر (رحمه الله) في الكتاب الذي أشرنا اليه، غير أننا نحتج بهما على مذهبه الذي حكاه عن نفسه، واحتج بغيرهما فيما بينا أنه لا حجة فيه.
ويمكنه أن يحتج أيضا في تأييد هذا المذهب بعموم الاخبار الواردة: أن الشفعة واجبة في كل مشترك لم يقسم(2). وهي كثيرة، وعموم هذه الاخبار لم يفصل بين الاثنين والجماعة.
وقد وردت أخبار بأنه إذا سمح جميع الشركاء بحقوقهم من الشفعة، كان لمن يسمح بحقه على قدر حقه منها(3).
وهذا يدل على أن الشفعة كان لمن يسمح بحقه على قدر حقه منها، وهذا لا يدل على أن الشفعة تثبت مع كثرة عدد الشركاء.
وكأن أبوعلى ابن الجنيد (رحمه الله) لا يتعبر نقصان العدد ولا زيادة في


____________________

(1) من لا يحضره الفقيه: 3 / 45 ح 2.
(2) وسائل الشيعة 17 / 317.
(3) قال في الانتصار(217) فأما الخبر الذي وجد في روايات أصحابنا أنه إذا سمح بعض الشركاء حقوقهم من الشفعة، فان لمن لم سمح بحقه على قدر حقه، فيمكن أن يكون تأويله أن الوارث لحق الشفعة إذا كانوا جماعة فان الشفعة عندنا تورث متى سمح بعضهم بحقه كانت المطالبة لمن لم يسمح، وهذا لا يدل على أن الشفعة في لاصل تجب لاكثر من شريكين.

[179]

الشفعة وكتبه المصنفة تدل على ذلك وتشهد به.
فان قيل: بأي المذهبين تنتمون وبأيهما تفتون؟ قلنا: أما ثبوت الشفعة فالحيوان خاصة بين الشريكين، وانتفاؤها يما زاد عليها(1) من العدد، فهي اجماع الفرقة المحقة التي هي الامامية، لانه لا خلاف بين أحد منهم في هذه الجملة.
وكذلك ثبوت حق الشفعة في غير الحيوان بين الشريكين اللذين لم يقتسما، فهذا أيضا اجماع منهم.
واختلفوا إذا زاد العدد في غير الحيوان بين الشركاء: فمنهم من أثبت حق الشفعة مع الزيادة في العدد، ومنهم من أسقطها.
وإذا كانت الحجة مما لا دليل عليه من كتاب ناطق وسنة معلومة مقطوع عليها، وهي اجماع هذه الفرقة، وجب أن نثبت الشفعة في المواضع التي أجمعوا على ثبوتها يها، ونسقطها فيما سوى ذلك، لان الشفعة حكم شرعي لا يثبت الا بدليل شرعي، ويجب نفيه في الشريعة نفي(2) دليله.
فان قيل: لم لا استدللتم بعموم الاخبار التي ذكرتموها، وبظاهر الخبرين اللذين نبهتم على عدول أبي جعفر (رحمه الله) عن الاحتجاج بهما؟ قلنا: انا لم نحتج(3) بالعموم إذا ثبت أنه ليل في لغة أو شرع في الموضع الذي يكون اللفظ فيه معلوما مقطوعا عليه.
فأما أخبار الاحاد التي هي مظنونة الصحة لا معلومة، فلا يجوز الاحتجاج بعمومها على ما يقطع به من الاحكام.
فأما المسألة الثانية من مسائل الشفعة، وهي قوله " إذا تخيرت الاملاك فلا شفعة " فهو مذهبنا الصحيح بلا خلاف، لا أنه لا يجوز أن نذكر هذه المسألة


____________________

(1) ظ: عليهما.
(2) ظ: بنفي دليله.
(3) ظ: انا نحتج.

[180]

في جملة ما تفرد به الشيعة الامامية، لان هذا المذهب مذهب الشافعي، وهي المسألة الخلاف بينه وبين أبي حنيفة، فكيف تسطر فيما تفرد به الامامية؟ واليه ذهب مالك والاوزاعي وأحمد بن حنبل، وأكثر الفقهاء المتقدمين والمتأخرين.
وأما المسألة الثالثة، وهي قوله " ان الشفعة تجب بالسرب والطريق " فهو أيضا مما لم تنفرد به الامامية، لان أبا حنيفة وأصحابه وجبون الشفعة بالشركة في الطريق الذي ليس بنافذ، ويسمون ذلك حنيفة وأصحابه يوجبون الشفعة بالشركة في الطريق الذي ليس بنافذ، ويسمون ذلك بأنه من حقوق.
فذكر هاتين المسألتين في جملة ما تفرد به الامامية ضرب من السهو.
والحجة لنا فيهما: اجماع الذي أشرنا اليه، وظواهر أخبار كثيرة مما اختصت برواية(1) الشيعة، ومما روته العامة عن النبي صلى الله عليه وآله فهو أكثر، فمن أراد ليأخذه من مواضعه.


____________________

(1) خ ل: بروايته.