المسألة السادسة : (عدة الحامل)

وذكر أن عدة الحامل المطلقة أقرب الاجلين، وهو مشكل.
لانه قد يصح أن تبقى حاملا بعد خروجها من عدة الطلاق شهورا، وقال تعالى " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن"(1) وعدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الاجلين، وهو في لاشكال مثل صاحبه لما بين الله تعالى من عدة من الحمل، ويصح أن تضع بعد وفاة زوجها بساعة.
الجواب: أن المسألة الاولى - وهي القول بعدة الحامل المطلقة أقرب الاجلين - ليس مما يفتي به أكثر أصحابنا، وكتبهم نطق بخلافه.
ومن ذهب اليه عول على خبر رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه، وقال تعالى " وأولات الاحمال جلهن أن يضعن حملهن "(1) فإذا طلقها الرجل ووضعت من


____________________

(1) سورة الطلاق: 4.

[187]

يومها أو من غد، فقد انقضى أجلها، وجاز لها أن تتزوج، ولكن لا يدخل بها(1) حتى تطهر.
والحبلى المطلقة تعتد بأقرب الاجلين أن تمضي(2) لها ثلاثة أشهر قبل أن تضع، فقد أنقضت عدتها منه، ولكن لا تتزوج حتى ضع، فإن وضعت ما في بطنها قبل انقضاء ثلاثة أشهر فقد أنقضى أجلها.
والحبلى المتوفى عنها زوجها تعتد بأبعد الاجلين، إن وضعت قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام لم تنقض عدتها حتى مضي أربعة أشهر وعشرة أيام، فإن مضت لها أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع، لم تنقض حتى تضع الحمل(3).
فعلى هذا الخبر عول من ذهب في المطلقة الحامل إلى أن عدتها أقرب الاجلين. ونحن نبين ما فيه.
أما صدر الخبر فصريح في أن الحامل المطلقة تمضي عدتها وتنقضي أجلها بوضع الحمل، حتى احتج لهذا الحكم بالقرآن، وليس يجوز أن يلي هذا الحكم ما يضاده ويناقضه.
وانما اشتبه على من ذهب إلى هذا المذهب من هذا الخبر قوله " والحبلى المطلقة تعتد بأقرب الاجلين - إلى قوله فإذا وضعت ما في بطنها قبل انقضاء ثلاثة أشهر فقد انقضى أجلها " ولا يجب أن يشتبه هذا الموضع من يتأمله، لانه لو كان بأقرب الاجلين معتبر، لوجب في الحامل المطلقة إذا مضت.
عليها ثلاثة أشهر قبل أن تضع حملها أن تنقضي عدتها وتحل للازواج.
وقد صرح في هذا الخبر بأنها لا تتزوج حتى تضع، فلو كانت العدة قد انقضت لما كان التزويج


____________________

(1) في الفقيه: بها زوجه حتى.
(2) في الفقيه: إن مضت.
(3) من لا يحضره الفقيه 3 / 329 ح 1.

[188]

محظورا، ولا انتظار أكمل معتبرا.
ألا ترى أنها إذا وضعت ما في بطنها قبل انقضاء ثلاثة أشهر، فقد انقضت عدتها وحلت الازواج.
وهذا أيضا في صريح الخبر ولفظته، فلولا أن المعتبر بوضع الحمل في الحامل المطلقة دون مضي الاشهر، لما كان لهذه التفرقة معنى ولما كانت ممنوعة من أن تتزوج عد مضي الاشهر الثلاثة وقبل أن تضع، كما ليست بممنوعة من التزويج بعد الوضع وقبل انقضاء الاشهر.
فعلم بهذه الجملة أن قوله في الخبر " والحبلى المطلقة تعتد بأقرب الاجلين " ليس على ظاهره، لانه لو كان على ظاهره لكان قبل شئ ناقضا لما تقدمه من قوله " إذا وضعت من يومها هذا فقد نقضى أجلها " ثم كان لا معنى لمنعها من التزويج بعد انقضاء الاشهر إن كان معتبرا بأقرب الاجلين على ما يناه.
ويجب أن يكون الكلام المتوسط، لذكر حكم عدة المطلقة الحامل التي تبين في صدر الخبر، ولذكر عدة الحبلى المتوفى عنها زوجها على غير ظاهره حتى يسلم الخبر من التناقض.
ويمكن أن يريد بقوله " وإذا مضت ثلاثة أشهر قبل أن تضع فقد انقضت عدتها منه، ولكنها لا تتزوج حتى تضع " يريد أن دتها تنقضي لو كانت مطلقة غير حامل، لان المعتبر في طلاق غير الحامل الاقراء دون غيرها.
فإن قيل: فأي معنى لقوله " تعتد بأقرب الاجلين " وأنتم تقولون تعتد بوضع الحمل؟ فلا اعتبار بسواه.
قلنا: يمكن أن يريد بأقرب الاجلين وضع الحمل، وأنه سماه أقرب من غيره، لان المعتدة بالاقراء لا يمكن لى وجه من الوجوه أن تخرج من عدتها في يومها وغدها، ولابد من صبرها إلى المدة المستقرة.
والمعتدة بوضع الحمل يمكن أن تخرج من العدة من يومها أو غدها، فصار هذا الاجل أقرب

[189]

لا محالة من غيره للوجه الذي ذكرناه.
وليس لاحد أن ينسب هذا التأويل إلى التعسف، لانه عند التأمل لا تعسف فيه، فلنا أن نتعسف التأول عند الضرورة، لتسلم الظواهر الصحيحة والخطاب الواضح. كما نفعل ذلك في متشابه القرآن الوارد بما في ظاهره جبر وتشبيه.
ووجدت أبا علي ابن الجنيد (رحمه الله) يذكر في كتابه المعروف ب‍ " الفقه الاحمدي " شيئا ما وجدت لغيره، قال: والمطلقة إذا مات زوجها بل خروجها من عدتها اعتدت أبعد الاجلين من يوم مات، اما بقية عدتها، أو أربعة أشهر وعشرا، أو وضعها إن كان بها حمل(1).
وأول ما في كلامه هذا أنه قال: " تعتد بأبعد الاجلين " وذكر أحوالا ثلاثة وكان ينبغي أن يقول: بأبعد الاجال التي بينها ورتبها.
ثم إن كان قال هذا عن أثر ورواية جاز العمل به إذا لم يمكن تأويله، وإن كان قاله من تلقاء نفسه وعلى سبيل الاستدلال والاستحسان، فلا عول على ذلك.
وأما المسألة الثانية - وهي أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الاجلين - وصورة هذه المسألة: إن هذه المرأة إن وضعت حملها قبل أن تقضي أربعة أشهر وعشرة أيام، لم يحكم انقضاء عدتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشرة أيام.
وإن انقضت عنها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع حملها، لم يحكم بانقضاء عدتها حتى تضع الحمل.
وهذه المسألة يفتي بها جميع الشيوخ (رحمهم الله) وهي مسطورة في كتبهم، وموجودة في رواياتهم وأحاديثهم، وحديث زرارة عن أبي جعفر عليه السلام 2) ينطق بهذا الحكم الذي ذكرناه ويشهد له، ولو لم يكن في هذا


____________________

(1) الفقه الاحمدي مخطوط.
(2) المتقدم آنفا.

[190]

المذهب الا الاستظهار لانقضاء أيام العدة لكفى.
وليس هذا المذهب مما تفردت به الاماميه، وخالفت جميع الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، لان مخالفيها من الفقهاء قد ذكروا في كتبهم ومسائل خلافهم أن ذا المذهب كان يذهب اليه أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس رضي الله عنه.
فأما الاحتجاج بضعفه بظاهر قوله " واولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن "(1) فليس بشئ، لان العموم قد يختص دليل، ويترك ظاهره بما يقتضي بتركه الظاهر(2).
وإذا كنا قد بينا اجماع الطائفة على المذهب ووردت الآثار الحقة المعمولة بها فيه، فينقض(3) ذلك بترك الظاهر.


____________________

(1) سورة الطلاق: 4.
(2) استظهر الناسخ أن يكون: ظاهره الترك.
(3) ظ: فيقتضى واستظهر الناسخ أن يكون فينهض.