(الدليل على بطلان العمل بهما)

وانما منعنا من العمل بالقياس في الشريعة وأخبار الاحاد، مع تجويز العبادة بهما من طريق العقول، لان الله تعالى ما تعبد بهما ولا نصب دليلا عليهما فمن هذا الوجه أطرحنا العمل بهما، ونفينا كونهما طريقين إلى التحريم والتحليل.
وانما أوردنا بهذه الاشارة أن أصحابنا كلهم سلفهم وخلفهم ومتقدمهم ومتأخرهم يمنعون من العمل بأخبار الاحاد ومن القياس في الشريعة، ويعيبون أشد عيب الذاهب اليهما والمتعلق في الشريعة بهما، حتى صار هذا المذهب لظهوره وانتشاره معلوما ضرورة منهم، وغير مشكوك فيه من المذاهب.

[204]

وقد استقصينا الكلام في القياس وفرعناه وبسطناه وانتهينا فيه إلى أبعد الغايات في جواب مسائل وردت من أهل الموصل متقدمة، أظنها في سنة نيف وثمانين وثلاثمائة، فمن وقف عليها استفاد منها جميع ما يحتاج اليه في هذا الباب.
وإذا صح ما ذكرناه فلابد لنا فيما نثبته من الاحكام فيما نذهب اليه من ضروب العبادات من طريق توجب العلم وتقتضي اليقين، وطرق العلم في الشرعيات هي الاقوال التي قد قطع الدليل على صحتها، وأمن العقل من وقوعها على شئ من جهات القبح كلها، كقوله تعالى وكقول رسول صلى الله عليه وآله والائمة الذين يجرون مجراه عليهم السلام.
ولابد لنا من طريق إلى اضافة الخطاب إلى الله تعالى إذا كان خطابا له، وكذلك في اضافته إلى الرسول أو الائمة عليهم السلام.
وقد سلك قوم في اضافة خطابه اليه طرقا غير مرضية، فأصحها وأبعدها من الشبهة أن يشهد الرسول المؤيد بالمعجزات في بعض الكلام أنه كلام الله تعالى فيعلم بشهادته أنه كلامه، كما فعل نبينا صلى الله عليه وآله في القرآن، فعلمنا باضافته إلى ربه أنه كلامه، فصار جميع القرآن دالا على الاحكام وطريقا إلى العلم.
فأما الطريق إلى معرفة كون الخطاب مضافا إلى الرسول صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام فهو المشافهة والمشاهدة لمن حاضره وعاصرهم فأما من نأى عنهم أو وجد بعدهم، فالخبر المتواتر المفضي إلى العلم المزيل للشك والريب.