(كيفية
تحصيل اجماع الامة)
فإن قيل:
هذا حجد(1) عظيم منكم، يقتضي انكم قد عرفتم كل محق في
____________________
(1) خ ل جهد.
[206]
بر وبحر
وسهل وجبل حتى ميزتم أقوالهم ومذهبهم، اما بأن
لقيتموهم، أو بأن تواترت عنه(1) اليكم الاخبار
بمذاهب، ومعلوم بعد هذه الدعوى عن الصحة.
قلنا: قد
أجبنا عن هذه المسألة بما فرغناه واستوفيناه،
وجعلناه كالشمس الطالعة في الوضوح والجلاء في
مسائل سألنا عنها أبوعبدالله محمد بن عبد الملك
البتان (رحمه الله) مقصور على أخبار الاحاد وطريق
العلم بالاحاد، أجهد فيها نفسه وتعب بها عمره، وما
قصر فيما أورده من الشبهة.
فالجواب عن
هذه المسائل موجود في يد الاصحاب (أيدهم الله) وهو
يقارب مائة ورقة.
وإذا اطلع
عليه عرف منه الطريق الصحيح إلى العلم بأحكام
الشريعة على مذاهب أصحابنا، مع نفيهم القياس
والعمل بأخبار الاحاد، ووجد في جواب هذه المسائل من
تقرير المذهب وتاليه، والجمع بين أصوله وفروعه ما
لا يوجد في شئ من الكتب المصنفة.
ثم لا نخلو
السؤال الذي ذكره من جواب على كل حال، فنقول: من
الكتب المصنفة.
ثم لا نخلو
السؤال الذي ذكره من جواب على كل حال، فنقول: هذه
الطريقة المذكورة في السؤال هي طريقة من نفي اجماع
الامة، وادعى أنه لا سبيل إلى العلم باجماعها على
قول من الاقوال، مع تباعد الديار وتفرق الاوطان
وفقد المعرفة بكل واحد منهم على التعيين والتمييز.
وقد علمنا
مع طول المجالسة والمخالطة وامتداد العصر واستمرار
الزمان تقدر مذاهب المسلمين وحصر أقاويلهم، وفرقنا
بين ما يختلفون فيه ويجتمعون عليه، ومن شككنا في
ذلك كمن شككنا في البلدان والامصار والاحداث
العظيمة التي يقع بها العلم ويزول الريب فيها
بالاخبار المتواترة.
____________________
(1) ظ: عنهم.
[207]
وأي عاقل
يشك في أن جميع المسلمين في بر وبحر وسهل وجبل وقرب
وبعد لا يذهبون إلى تحريم الزنا والخمر، وأن أحدا
منهم لم يذهب في الجد والاخ إذا تفردا بالميراث إلى
أن المال للاخ دون الجد، وأنهم لا يختلفون الان وإن
كان في هذه المسألة خلاف قديم بين الانصار، في أن
التقاء الختانين لا يوجب الغسل.
ولو شككنا
في هذا مشكك فقال: في فقهاء الامة وعلمائها من يذهب
إلى مذهب الانصار، إن الماء من الماء، لعنفناه
ونكبناه، وإن كنا لا نعرف فقهاء الامة وعلماءها
في الامصار على التعيين والتمييز.
وكما إن
مذاهب الامة بأجمعها محصورة معلومة، فكذلك مذاهب
كل فرقة من فقهائها وطائفة علمائها، فإن مذاهب أبي
حنيفة محصورة بالروايات المختلفة عنه مضبوطة وكذلك
مذاهب الشافعي، وإن كانت له أقوال مختلفة في بعض
المسائل، فقد فرق أصحابه والعارفون بمذهبه بين
المذهب الذي له فيه أقوال وبين ما ليس له فيه الا
قول واحد.
فلو أن
قائلا قال لنا: إذا كنتم لا تعرفون أصحاب أبي حنيفة
في البر والبحر والسهل والجبل والحزن والوعر، فلعل
فيهم من يذهب إلى ما يخالف من اجتمع ممن تعرفون
علمه، وكذلك لو قال في مذاهب الشافعي، لكنا لا
نلتفت إلى قوله، ونقول: قد علمنا ضرورة خلاف ما
تذكرونه، وقطعنا على أن أحدا من علماء أصحاب أبي
حنيفة أو أصحاب الشافعي لا يذهب قريبا كان أو
بعيدا، إلى خلاف ما عرفناه ووقع الاطباق عليه من
هذه المذاهب، وأن التشكيك في ذلك كالتشكيك في سائر
الامور المعلومة.
وإذا
استقرت هذه الجملة وكان مذهب الامامية أشد انحصارا
وانضباطا
[208]
من مذهب
جميع الامة، وكنا نعلم أن الامة مع كثرة عددها
وانتشارها في أقطار الارض قد أجمعت على شئ بعينه
نأمن أن يكون لها قول سواه فأحرى أن يصح في الامامية
- وهي جزء من كلها وفرقة من فرقها - أن نعلم مذاهبهم
على سبيل الاستقرار والتعيين، واجماعهم على ما
أجمعوا عليه، حتى يزول عنا الريب في ذلك والشك فيه،
كما زال فيما هو أكثر منه.
وإذا كان
الامام في زمان الغيبة موجودا بينهم وغير مفقود من
جملتهم، فهو واحد من جماعتهم، وإذا علمنا بالسر
والمخالطة وطول المباحثة أن كل عالم من علماء
الامامية قد أجمع على مذهب بعينه، فالامام وهو واحد
من العلماء، داخل في ذلك وغير خارج عنه.
وليس يخل
بمعرفة مذهبه عدم معرفته بعينه، لانا لا نعرف كل
عالم من علماء الامامية وفقيه من فقهائها في البلاد
المتفرقة، وإن علمنا على سبيل الجملة اجماع كل عالم
عرفناه أو لم نعرفه على مذهب بعينه، فالامام في هذا
الباب كمن لا نعرفه من علماء الامامية.
وإذا لم
يعرض لنا شك في مذهب من لا نعرفه من الامامية، لم
يجز أن يعرض أيضا لنا الشك في قول الامام أنه من
جملة أقوال الامامية، وإن كنا لا نميز شخصه ولا
نعرف عينه.
واعلم أن
الطريق المعتمد المحدد إلى صحة مذاهبنا في فروع
الاحكام الشريعة(1) هو هذا الذي بيناه وأوضحناه،
سواء كانت المسائل مما تنفرد به الامامية بها، أو
مما يوافقها فيها بعض خصومها.
____________________
(1) ظ:
الشرعية.