(عدم حجية
جل الاخبار المنقولة من طريق أصحاب الحديث)
فإن قيل:
أليس شيوخ هذه الطائفة قد عولوا في كتبهم في
الاحكام الشرعية على الاخبار التي رووها عن
ثقاتهم، وجعلوها العمدة والحجة في هذه الاحكام،
حتى رووا عن أئمتهم عليهم السلام فيما يجئ مختلفا
من الاخبار عند عدم الترجيح كله، أن يؤخذ منه ما هو
أبعد من قوله العامة.
وهذا نقيض
ما قدمتموه.
[211]
قلنا: ليس
ينبغي أن ترجع عن الامور المعلومة والمذاهب
المشهورة المقطوع عليها، بما هو مشتبه ملتبس محتمل.
وقد علم كل
موافق ومخالف الشيعة الامامية تبطل القياس في
الشريعة من حيث لا يؤدي إلى علم، فكذلك تقول في
أخبار الاحاد.
حتى أن
منهم من يزيد على ذلك فيقول: ما كان يجوز من طريق
العقل أن يتعبد الله تعالى في الشريعة بالقياس ولا
العمل بأخبار الاحاد.
ومن كان
هذا مذهبه كيف يجوز أن يثبت الاحكام الشرعية عنه
بأخبار لا يقطع على صحتها؟ ويجوز كذب راويها كما
يجوز صدقه.
وهل هذا
الا من أقبح المناقضة وأفحشها؟ فالعلماء الذين
عليهم المعول(1) ويدرون ما يأتون وما يذرون لا
يجوزون(2) أن يحتجوا بخبر واحد لا يوجب علما، ولا
يقدر أحد أن يحكي عنهم في كتابه ولا غيره خلاف ما
ذكرناه.
فأما أصحاب
الحديث فإنهم رووا ما سمعوا وحدثوا به ونقلوا عن
أسلافهم، وليس عليهم أن يكون حجة ودليلا في الاحكام
الشرعية، أو لا يكون كذلك.
فإن كان في
أصحاب الحديث من يحتج في حكم شرعي بحديث غير مقطوع
على صحته، فقد زل وزور، وما يفعل ذلك من يعرف أصول
أصحابنا في نفي القياس والعمل بأخبار الاحاد حق
معرفتها، بل لا يقع مثل ذلك من عاقل وربما كان غير
مكلف.
ألا ترى أن
هؤلاء بأعيانهم قد يحتجون في أصول الدين من التوحيد
والعدل والنبوة والامامة بأخبار الاحاد، ومعلوم
عند كل عاقل أنها ليست بحجة في ذلك.
____________________
(1) خ ل:
المنقول.
(2) خ ل: ولا
يجوز.
[212]
وربما ذهب
بعضهم إلى الجبر والى التشبيه، اغترارا بأخبار
الاحاد المروية، ومن أشرنا اليه بهذه الغفلة يحتج
بالخبر الذي ما رواه ولا حدث به ولا سمعه من ناقله
فيعرفه بعدالة أو غيرها، حتى لو قيل له في بعض
الاحكام: من أين أثبته وذهبت اليه؟ كان جوابه: لاني
وجدته في الكتاب الفلاني، ومنسوبة إلى رواية فلان
بن فلان.
ومعلوم عند
كل من نفي العلم بأخبار الاحاد ومن أثبتها وعمل
بها، أن هذا ليس بشئ يعتمد ولا طريق يقصد، وانما هو
غرور وزور.
فأما
الرواية بأن يعمل بالحديثين المتعارضين بأبعدهما
من مذهب العامة، فهذا لعمري دوري، فإذا كنا لم نعمل
بأخبار الاحاد في الفروع، كيف نعمل بها في الاصول
التي لا خلاف بيننا في أن طريقها العلم والقطع، وإذ
قدمنا ما احتجنا إلى تقديمه، فهو الذي نعتمد عليه
في جميع المسائل الشرعية.
فنحن نتصفح
المسائل التي سطرت وذكرت، ونبين ما عندنا فيها،
فاما النصرة لها والدلالة على صحتها، فهي الجملة
التي قدمناها، والطريقة التي أوضحناها، فإن اتفق
زيادة على ذلك أن يكون طريق آخر للعلم، نبهنا عليه
وأرشدنا اليه بعون الله ومشيته.
واعلم أن
هذه المسائل التي ذكر انفراد الامامية بها، ستوجد
مشروحة منصورة بالدلالة والطرق في كتاب المسائل
الخلاف الشرعية التي عملنا منها بعضها، ونحن على
تتميمها وتكميلها بمعونة الله.
فإن هذه
المسائل ما اعتمدنا في نصرتها الاقتصار على الادلة
الدالة على صحيح منها، بل أضفنا إلى ذلك مناظرة
الخصوم على تسليم أصولها ومناقضتهم، بأن بينا
القياس لو كان صحيحا، وأخبار الاحاد لو كانت معمولا
عليها على ما يذهبون اليه، لكانت مذاهبنا في
الشرعيات كلها أولى من مذاهبهم وأشبه بهذه الاصول
التي عليها يعولون، وركبنا في ذلك مركبا غريبا يمكن
معه مناظرة الفقهاء على اختلافهم
[213]
في جميع
مسائل الفقه.
ومن نظر
فيما خرج إلى الان من هذا الكتاب، علم أن المنفعة به
عظيمة والطريقة فيه غريبة، ومن الله استمد المعرفة
والتوفيق في كل قول وفعل.