المسألة الاولى حكم غسل اليدين في الوضوء

غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الاصابع غير مستقبل للشعر، واستقباله لا ينقض الوضوء.
وأعلم أن الابتداء بالمرفقين في غسل اليدين هو المسنون، وخلاف ذلك مكروه، ولا نقول انه ينقض الوضوء، حتى لو أن فاعلا فعله لكان لا يجزي به.
ولا يقدر أحد أن يحكم من أصحابنا المحصلين تصريحا بأن من خالف ذلك فلا وضوء له، وجميع ما ورد في الاخبار من تغليظ ذلك والتشديد فيه.
وربما قيل: " لا يجوز " محمول على شدة الكراهة دون الوجوب واللزوم.
وقد يقال في مخالفة المسنون المغلظ في هذه الالفاظ ما يزيد على ذلك، ولا يدل على الوجوب.
والذي يدل على صحة مذهبنا في هذه المسألة أن جميع الفقهاء يخالفونا في أنه مسنون، وأن خلافه مكروه، واجماع الامامية الذي بينا أنه حجة لدخول قول المعصوم فيه.
فإن قيل: قد خالفتم ظاهر القرآن، لانه قال " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق"(1) غاية، وأنتم قد جعلتم


____________________

(1) سورة المائدة: 6.

[214]

المرافق ابتداء.
قلنا: أما لفظة " إلى " فقد تكون في اللغة العربية بمعنى الغاية وبمعنى " مع "، قال الله تعالى " ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم"(1) أراد مع أموالكم، وقال تعالى حكاية عن عيسى عليه السلام " من أنصاري إلى الله "(2) أراد مع الله، ويقولون: ولي فلان الكوفة إلى البصرة، ولا يريدون غاية بل يريدون ولي هذا البلد مع هذا البلد.
وقال النابغة الذبياني:
ولا تتركني بالوعيد كأنني إلى***الناس مطلي به القار أجرب
أراد مع الناس أو عندهم.
وقال ذو الرمة:
بها كل خوار إلى كل صولة***ورفعي المدا عار الترائب
أراد مع كل صولة، وقال امرؤ القيس:
له كفل كالدعص لبده الندى***إلى خارك مثل الرياح المنصب
أراد مع خارك.
فإن قيل: فهذا يدل على احتمال لفظة " إلى " بمعنى الغاية وغيرها، فمن أين أنها في الآية لغير معنى الغاية.
قلنا: يكفي في اسقاط استدلا لكم بالآية المحتملة لما قلناه ولما قلتموه، فهي دليلنا ودليلكم.
وبعد فلو كانت لفظة " إلى " في الآية محمولة على الغاية، لوجب أن يكون من لم يبتدأ بالاصابع ونيته إلى المرافق عاصيا مخالفا للامر، وأجمع المسلمون على خلاف ذلك.
وإذا حملنا لفظة إلى " على معنى " مع " صار تقدير الكلام: فاغسلوا أيديكم مع المرافق، وهذا هو الصحيح الذي لا يدفعه اجماع ولا حجة، كما قلنا فيمن حمل ذلك على الغاية.


____________________

(1) سورة النساء: 2.
(2) سورة آل عمران: 52.