الفصل الثاني (الكلام في حجية خبر الواحد وعدمه)

ابتداؤه أن قيل: العمل بخبر الواحد مفرد(1) عن العمل بخبر معين، وهو(2) الاصل الذي يترتب عليه العمل بخبر معين.
فإن قلنا: إن الطائفة عاملة بأحد الخبرين، فقد أقررنا بعملها بأخبار الاحاد لانه من جملتها، فما الذي يعترض ذلك إن كان فاسدا؟ فإن قلنا: انهم لم يعملوا لمجرد الرواية، بل لقرينة.
كان له أن يقول: وما تلك القرينة؟ ويطالب بالخبر عنها لمن عمل بالخبر لاجلها.
والكلام على هذا القدر من الفصل، يستفاد من كلامنا الذي قدمناه، لانا قد بينا أن العمل بخبر الواحد الذي لم يقم دلالة على صدقه ولا على وجوب العمل به، غير صحيح.
فالطائفة التي قد ثبت أن اجماعها حجة، لا يجوز أن تجمع لاجل خبر لم تقم الحجة به، ولا يسند اجماعها على ذلك الحكم، الا إلى ما هو دليل في


____________________

(1) ظ: مفردا.
(2) ظ: بخبر معين هو الاصل.

[22]

نفسه وحجة.
وإذا كنا لا نجيز ما ذكره وانما نرتبه على الوجه الذي أوضحناه، فقد سقط التعويل على ما تضمنه هذا الكلام.
ثم قال: فإن قيل: المعلوم من حال الطائفة وفقهائها الذين سيدنا (أدام الله علوه) منهم بل أجلهم، ومعلوم أن من عدا العلماء والفقهاء تبع لهم، وآخذ عنهم ومتعلم منهم، يعملون بأخبار الاحاد ويحتجون بها، ويعولون في أكثر العبادات والاحكام عليها، يشهد بذلك من حالهم كتبهم المصنفة في الفقه المتداولة في أيدي الناس، التي لا يوجد في أكثر رواتها وما يشتمل عليه زيادة على روايات الاحاد، ولا يمكن الاشارات(1) إلى كتاب من كتبهم، مقصور على ظواهر القرآن والمتواتر من الاخبار.
وهذه المحنة بيننا وبين من ادعى خلاف ما ذكرنا.
وإذا كان لا وجه لذكر الروايات في أبواب الفقه الا الدلالة على صحة ما اجتريت عليه من الاحكام والاحتجاج بها، وعم ذلك جميع الطائفة، وكان معلوما من شأنها، بينا(2) أحد الحكمين، وهو العلم بعملها بخبر الاحاد، وتعذر على من ادعى العلم بخبر معين مثل ذلك.
وإذا تقرر بما تقدم عمل الطائفة بأخبار الاحاد، وهي أحد طائفتي الامة وشطرها، وكان من بقي بعدها وهم العامة العمل بخبر الاحاد، ومعلوم(3) من مذهبها، ومشهور من قولها.
وما يروى من مذهب النظام وغيره داخل في جملتها ويزيد عليه، لانه


____________________

(1) ظ: الاشارة.
(2) كذا في النسخة.
(3) ظ: زيادة كلمة الواو.

[23]

يضيف إلى وجوب العمل بها حصول العلم الضروري عنها.
وجعفر بن مبشر كتابه في الفقه موجود متداول، ويصرح فيه بالعمل بخبر الاحاد، ويعول عليها فيه بحسب ما فعله سائر الفقهاء.
ولو صحت الرواية عن الجعفرين والاسكافي(1)، لكان اجماعهم قد سبقهم، وحكم بفساد قولهم.
على أن المعول عليه في الاحتجاج بالاجماع، إذا لم يتعين لنا قول المعصوم، الرجوع إلى جميع الامة، لانه من جملتها، أو إلى الطائفة المحقة بمثل ذلك.
فأما من علمنا أنه غير المعصوم، ومن قطعنا على أنه ليس منهم، فلا وجه للرجوع إلى قوله، ومن حكي عنه الامتناع من العمل بأخبار الاحاد، هذه سبيلهم في أنا عالمون بأن المعصوم ليس فيهم، لتعين معرفتنا بأنبائهم، فلا معنى لذكرهم ولذكر من يجري مجراهم في الاعتراض على المعلوم من اتفاق طوائف الامة أو الطائفة المحقة، فالعمل اذن بروايات الاحاد على هذا القول ثابت على لسان الامة، فما الذي نعترضه إن كان فاسدا.
الكلام على ذلك يقال له: ما رأيناك صنعت في هذا الفصل شيئا أكثر من ادعائك المناقضة الظاهرة على العلماء المحصلين والمتكلمين المدققين، وانهم يحتجون بما يظهرون ويعتقدون أنه لا حجة فيه، ويعتمدون في الاحكام التي يبينونها على ما ينافي أصولهم، وتشهد بأنه ليس بحجة ولا دليل ولا عليه معتمد.
وهذا سوء‌تنا(2) على القوم، وشهادة عليهم اما بالغفلة الشديدة المنافية للتكليف، أو بالعناد وقلة الدين والتهاون بما يسطر من أقوالهم.
وانما يقول المتكلمون إذا تكلموا في صحة النظر، وردوا على مبطله


____________________

(1): الظاهر سقوط هذه الجملة: بالمنع من العمل بأخبار الاحاد، لكان - الخ.
(2) ظ: سوء ثناء.

[24]

والمطاعن فيه، أنكم تبطلون النظر بنظر، وتفسدونه باستعماله نفسه، لانه(1) منكري النظر والرادين على مصححه بله القامة، يجوز عليهم المناقضة ولا يشعرون بها.
فاما أن يقال لمتكلمي طائفتنا ومحققي علما ئنا، ومنهم من يشق الشعر ويغلق الحجر تدقيقا وغوصا على المعاني، أنكم تناقضون ولا تشعرون، لانكم تذهبون بلا شك ولا ريب أن أخبار الاحاد ليست بحجة ولا دلالة، ثم تعولون في كتبكم ومصنفاتكم على أخبار الاحاد، ولا تعتمدون على سواها، فهو غاية سوء الظن بهم، والتناهي في الطعن: أما على فطنتهم، أو ديانتهم. وأي شئ يقال للغافل العامي هذا؟.
وليس لاحد أن يقول: انني لا أجمع بين الامرين اللذين ذكرتموها، فأكون بذلك طاعنا على القوم.
بل أقول: إذا تظافر عملهم بأخبار الاحاد وتعويلهم في كتبهم عليها، علمت أنهم لا يذهبون إلى فساد أخبار الاحاد وابطال الاحتجاج بها.
وذلك أن هذا تطرف بضرب من الاستدلال إلى دفع الضرورة، لانا نعلم علما ضروريا لا يدخل في مثله ريب ولا شك أن علماء الشيعة الامامية يذهبون إلى أن أخبار الاحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة ولا التعويل عليها، وأنها ليست بحجة ولا دلالة.
وقد ملؤا الطوامير وسطروا الاساطير في الاحتجاج على ذلك، والنقض على مخالفيهم.
ومنهم من يزيد على هذه الجملة ويذهب إلى أنه مستحيل من طريق العقول أن يتعبد الله تعالى بالعمل بأخبار الاحاد.
ويجري ظهور مذهبهم في أخبار الاحاد مجرى ظهوره في ابطال القياس


____________________

(1) ظ: لان.

[25]

في الشريعة وخطره وتحريمه، وأكثرهم يحظر القياس والعمل بأخبار الاحاد عقلا.
وإذا كان الامر على ما ذكرناه من الظهور والتجلي، فكيف يتعاطي متعاطي ضربا من الاستدلال في دفع هذا المعلوم؟ الا كمن تكلف وضع كلام في أن الشيعة الامامية لا تبطل القياس في الشريعة، أو لا تعتقد النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالامامة.
فلما كان هذا كله معلوما اضطرارا لم يجز الالتفات إلى من يتعاطي استدلالا على خلافه، ولم يبق بعد ذلك الا أن هؤلاء الذين قد علمنا واضطررنا إلى اعتقادهم فساد العمل بخبر الاحاد، انما عملوا بها في كتبهم وعولوا عليها في مصنفاتهم لاحد أمرين: اما الغفله، أو العناد واللعب بالدين.
وما في ذلك الا ما هم مرفوعون عنه ومتنزهون عن مثله.