(الجواب عن وجود اخبار الاحاد في مصنفات الامامية)

وبعد، فمن شأن المشتبه الملتبس المحتمل أن يبني على الظاهر المنكشف الذي لا يحتمل الملتبس، وقد علمنا أن كل من صنف من علماء هذه الطائفة كتابا ودون علما، فمذهبه الذي لا يختل ولا يشتبه ولا يلتبس، أن أخبار الاحاد ليست بحجة في الشريعة.
فإذا رأينا بعض هؤلاء المصنفين وقد أودع كتابا أشياء من أخبار الاحاد في أحكام الشريعة فلا ينبغي أن نتسرع إلى الحكم بأنه أودعها محتجا بها ومستدلا بايرادها، لانا متى فعلنا ذلك قضينا بالمحتمل الملتبس على ما لا يحتمل ولا يلتبس.
وذلك ان ايداع أخبار الاحاد للكتب المصنفة يمكن أن يكون لوجوه كثيرة ومعان مختلفة، وليس هو خالص لوجه واحد، فقد صار كما ترى محتملا مترددا.

[26]

فمن الواجب أن نقضي عليه بالظاهر المعلوم الذي لا التباس فيه، وهو القطع على اعتقاد القوم فساد العمل بخبر الواحد، ونعلم على سبيل الجملة أنهم ما أودعوا ذلك محتجين ولا من المستدلين، بل نعرض لا ينافي ما علمناه من اعتقاد هم في أخبار الاحاد.
فان ظفرنا البحث بوجه ذلك على سبيل التفصيل والتعيين - وإن لم يتفق لنا العلم به تفصيلا - كفانا العلم به على سبيل الجملة.
فإن قيل: فاذكروا على كل حال الوجه في ايداع أخبار الاحاد الكتب المصنفة في الفقه، لتزول الشبهة في أن ايداعها الكتب على سبيل الاحتجاج بها.
قلنا: أول ما نقوله في هذا الباب أنه ليس كل ما رواه أصحابنا من الاخبار وأودعوه في كتبهم وإن كان مستندا إلى رواة معدودين من الاحاد، معدودا في الحكم من أخبار الاحاد، بل أكثر هذه الاخبار متواتر موجب للعلم........ لا ما الحجة فيما استودعه، ومن هذه صورته كيف يحتج بفعله فطريقه؟(1).
فأما ما مضى في الفصل من أن المحنة بيننا وبين من ادعى خلاف ما ذكرنا في الفصل من تعويل القوم على أخبار الاحاد واحتجاجهم بهذا.
فهذا الذي مضى كله كلام عليه وافساد له، وإيضاح لباطن الامر وظاهره وجليه وغامضه.
وكأن هذا القائل يدعونا إلى المحنة المحوجة لنا مناقضة علماء هذه الفرقة، وأنهم يظهرون انكار ما يستعملونه بعينه، ويتدينون بافساد ما لا يحتجون الا به، ولا يعولون الا عليه، وما ننشط المحنة يجرى بها إلى هذا الغرض القبيح.
ثم يقال لمن اعتمد ذلك: عرفنا في أي كتاب رأيت من كتبنا أو كتب أصحابنا المتكلمين المحققين الاعتماد على أخبار الاحاد الخارجة عن الاقسام التي ذكرناها وفصلناها؟ ودعنا من مصنفات أصحاب الحديث من أصحابنا،


____________________

(1) ظ: وطريقه

[27]

فما في أولئك محتج، ولا من يعرف الحجة، ولا كتبهم موضوعة للاحتجاجات.
فانك بعد هذا لا تجد موضعا شهد بصحة دعواك، لان أصحابنا انما جرت عادتهم بأن يحتجوا على مخالفهم في مسائل الخلاف التي بينهم، اما بظواهر الكتاب والسنة المقطوع بها، أو على سبيل المناقضة لهم والاستظهار عليهم، بأن يذكروا ان أخبارهم التي رووها - أعني مخالفيهم - وأقيستهم التي يعتمدونها تشهد عليهم على الطريقة التي بينتها وأوضحتها في كتاب " مسائل الخلاف ".
فأما أن يحتجوا عليهم بخبر واحد ترويه الشيعة الامامية متفردة به ولا يعرفه مخالفوها، فهذا عبث ولغو لا يفعله أحد ولا يعاطي مثله.
وإذا كانوا يحتجون على مخالفيهم، ولم يكن مع مخالفيهم الاحتجاج(1) بأخبار آحادهم، ففي أي موضع ليت شعري احتجوا بأخبار الاحاد؟ وما رأينا أحدا من مصنفي أصحابنا المتكلمين ذكر وجوه جميع مذاهبه في أحكام الشريعة، كما فعل كثير من مخالفينا من الفقهاء.
فيمكن أن يقال: انه ذكر بعض أخبار الاحاد على هذا الوجه، وهذا كله تعلل بالباطل، والرجوع إلى المعلوم المشهور أولى من غيره.
فأما قوله: إن الجعفرين ومن جرى مجراهما ممن انكر العمل بأخبار الاحاد قد عمل بها وعول عليها.
فهو أيضا سوء ظن وثناء على هؤلاء القوم الذين - وإن كانوا مخالفين في بعض المذاهب بالشبه - فلا يجوز أن تريد بهم بالغفلة والبله أو العناد - وهذا مختصر مستصغر في جب(2) رمي علماء الشيعة بمثله.
فأما قوله في خلال هذا الفصل: إن المعول عليه في الاحتجاج بالاجماع على الفرقة التي يكون المعصوم من جملتها، دون الفرقة التي هو عليه السلام


____________________

(1) ظ: الا الاحتجاج.
(2) ظ: جنب.

[28]

خارج عنها.
فهو لعمري صحيح، غير أنه نقض لما سلف في الفصل الاول وتدير عليه، لان الفصل الاول مبني على أنه لا يمكن أن يعلم دخول المعصوم في الاجماع ولا طريق للثقة بذلك، وأن هذا يؤدي إلى أن نكون قد طفنا البلاد.
وأحطنا علما كل قائل ومذهب كل ذاهب، ولا سبيل إلى ذلك، فما ليس بطريق ولا جهة إلى العلم كيف يحتج به في بعض المواضع.
ومما مضى في هذا الفصل أيضا قوله: إن من عدا الفرقة المحقة من منكري العمل بأخبار الاحاد،(1) وانما نعلم أن المعصوم ليس فيهم، حتى يكون الحجة في قولهم، لانا نعرفهم بأعيانهم وأنسابهم.
وهذا غير صحيح ولا معتمد، والذي يجب أن يعتمد في أن الامام عليه السلام لا يجوز أن يكون قوله في جملة أقوال بعض مخالفي الشيعة الامامية.
هو ما تقدم ذكره في أول جواب هذه المسائل، وجملته: إن الامام عليه السلام إذا علمنا أن(2) في الاصول على هذه المسائل التي نعتقده(3) دون ما عداها، ولا يجوز أن نطلب أقواله في الفروع الا في جملة أقوال هذه الفرقة التي علمنا أن أصوله غير مخالفة لاصولهم.
وهذا كاف في أن قوله عليه السلام لا يطلب في الفروع الا من بين أقوال شيعة(4) الامامية دون من عداهم.
فأما أن يقال: قد عرفنا الاعيان وأنساب الفرقة الفلانية، فلا يجوز أن يكون


____________________

(1) الظاهر زيادة الواو.
(2) ظ: أنه.
(3) ظ: نعتقدها.
(4) ظ: الشيعة.

[29]

الامام عليه السلام منها أو لا ينعكس على قائله، بأن يقال له: قد عرفنا أيضا أعيان وأنساب كل امامي، فلا يجوز أن يكون الامام عليه السلام من جملتهم.
فإذا قيل: ومن الذي يحيط بمعرفة نسب كل امامي في الارض أو ممن شاهدناه وكاثرناه.
قيل أيضا في المخالفين مثل ذلك، فالمعتمد اذن على ما قدمناه.